البنيويّة التكوينيّة وقراءة النصّ الأدبيّ

0

البنيويّة التكوينيّة وقراءة النصّ الأدبيّ

د. رحاب صبرا*

إن جل المفاهيم والأدوات الإجرائيّة التي قام عليها المنهج البنيويّ التكوينيّ، فرضتها طبيعة العصر وتطور العلوم الإنسانية، فهذا الاتّجاه لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة لسيرورة متواصلة ابتداء من المحاولات الفعّالة للنقد الأدبيّ الاجتماعيّ التي ظهرت مع المفهوم الأفلاطونيّ للمحاكاة، الذي نمّاه بعده أرسطو بقوله المشهور: “إنّ شعر الملاحم، وشعر التراجيديا، وكذلك الكوميديا، وشعر الديثرامبيّ، وإلى حدّ كبير أيضًا، النفخ في الناي، واللعب بالقيتار… كلّ هذا بوجه عامّ، أنواع من محاكاة الواقع”1.

بعد هذه المحاولات وفي العصر الحديث، بدأ يتنامى القول بالعلاقة بين الأعمال الأدبيّة والوسط الاجتماعيّ، ولعلّ أبرز من قال بذلك “جان بابتست فيكو”، الذي أشار إلى أن “المجتمع لا يقدّم ببساطة مسرحيّات، وأشعارًا، أو روايات، لكنّه ينمّي أدبًا، وأدباء يستخلصون أعمالهم، ومهاراتهم الفنّيّة، ونظريّاتهم منه”2. وذهبت “مدام دي ستال” إلى أنّ الانسجام يتمّ بين أدب أيّ مجتمع، والمعتقدات السياسيّة التي تسود فيه، ورأت أن روح الجمهوريّة الصاعدة في السياسة الفرنسيّة، يجب أن تنعكس في الأدب بتقديم شخصيّات المواطنين الصغار في أعمال جادة كالتراجيديا، بدلاً من قصرها على الكوميديا3، ودعت إلى ضرورة تصوير الأدب للتبدّلات الأساسيّة في النظام الاجتماعيّ. وتعدّ “مدام دي ستال” أوضح من يمثّل المنهج الاجتماعيّ، لأنّها تنظر إلى الأدب من خلال تأثير المؤسّسات الاجتماعيّة فيه. وتنضاف إلى هذا أعمال كلّ من “سانت بوف” و”هيبوليت تين” و”لانسون”، و”برونتيير” التي تدخل ضمن النقد الاجتماعيّ.

وهذه المحاولات النقديّة كلّها، كابدت موضوع العلاقة بين الأدب والمجتمع، وتفاوتت مستويات إجاباتها، لكنّها لم تنكر هذه العلاقة المتشابكة، وذلك ما حاوله النقد السوسيولوجيّ المعتمد على مفاهيم علم الاجتماع ونظريّاته ومناهجه.
وساهمت في نشأة النقد السوسيولوجيّ بعض الكتابات الألمانيّة التي تستمدّ فكرتها من ثلاثة روافد: أوّلها، يتّخد المادّيّة التاريخيّة منطلقًا له. وثانيها، يتمثّل في ما قدّمه بعض علماء الاجتماع الألمان من محاولات سوسيولوجيّة مثل “جورج زيمل”  و”ماكس فيبر” و”كارل منهايم”. وقد مارسوا بدراساتهم نوعًا من التأثير على “جورج لوكاتش” المؤسّس الحقيقيّ لسوسيولوجيّة الأدب. أمّا ثالثها، فتعكسه مدرسة “فرانكفورت” التي قدّمت أعمالاً في النقد التاريخيّ، والاجتماعيّ، والجماليّ، ونخصّ بالذكر الأعمال التي قام بها “أدورنو” و”دوركايمر” و”ولتر بنيامين”. وانقسم النقد السوسيولوجيّ في معالجته النقديّة إلى قسمين رئيسين:

1 – السوسيولوجيّة التجريبيّة

إنّ هذا النوع يهتمّ بالواقعة الأدبيّة ليشمل اهتمامُها هذا، المبدعين، والناشرين، والجمهور القارئ. ويبدو شغفها كبيرًا بالمشكلات الجزئيّة التفصيليّة، وجمع خصائص كمّيّة، مقابل تفريط كبير في العناية بالمعاني التي كانت تنطوي عليها الأعمال الأدبيّة. بمعنى أنّ المساهمين في هذا الاتّجاه كانت غايتهم البحث في الواقعة الأدبيّة ودراستها، بعدّها ظاهرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د ـ رحاب صبرا أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم الفلسفة، الفرع الخامس.

اقتصاديّة، وشكلاً من أشكال الاتّصال الاجتماعيّ، وإبعاد كلّ المقاييس الجماليّة، وحصر التحليل السوسيولوجيّ، وتطبيقه على الفعل الاجتماعيّ الذي يستدعيه الفنّ والأدب4. ولعلّ أهمّ ممثّلي هذا الاتّجاه “أيان وات” و”ويليام بومول” و”روبرت اسكاربت” الذي يرى أن الواقعة الأدبيّة عمليّة “يشكّل العنصر الاجتماعيّ مظهرًا من مظاهرها، وأنّ هذه الواقعة على مستوى التنظيم، يشكّل العنصر الأدبيّ أحد مظاهر العنصر الاجتماعيّ”5. وهاجم “غولدمان” هذا الاتّجاه بعدّه يهتمّ بموضوعات فرعيّة، تجعل التحليل الإحصائيّ الذي يقوم به، هدفًا في حدّ ذاته.

2 – السوسيولوجيّة الجدليّة

يولي هذا الاتّجاه أهمّيّة كبرى للكيفيّة التي يظهر عليها الإنتاج الأدبيّ، فتصوّره للفنّ يرتكز على جماليّة هذا الفنّ. وترتبط بهذا الاتّجاه مجموعة من الخطوط النقديّة يتحدّد أهمّها في ما يلي:

مثل الأدب أحد أشكال الوعي الاجتماعيّ.
يمثّل الإبداع الأدبيّ حقلاً فكريًّا، وإيديولوجيا للممارسات الطبقيّة في المجتمع.
الأدب مرتبط بالعمل الاجتماعيّ وليس معزولاً عنه.

من هنا ستتبلور الخلفيّة التي ستكون منطلقًا لكلّ المقاربات السوسيولوجيّة الجدليّة سواء عند “لوكاتش” أم “غولدمان”  أم “أدو رنو”، و”ميشال زيرافا”، و”بيير زيما”، و”جاك لنهارد”. وعلى الرغم ممّا يوجد بين هؤلاء من اختلافات، فإنّ القاسم المشترك بينهم هو “فهم العلاقات القائمة بين النصّ الأدبيّ والواقع الاجتماعيّ وتجسيدها، حيث لا يعكس العمل الأدبيّ، ولا يعيد إنتاج الوقائع الاجتماعيّة، والبنى الإيديولوجيّة، وإنّما يقوم بوظيفة إيحائيّة، ونقديّة في الوقت نفسه، حيث إنّ الفهم الملموس والمعرفة العقليّة لظاهرة ما، ليسا ممكنين إلاّ في إطار السياق العامّ الذي تُدرج ضمنه هذه الظاهرة”6.

فالعمل الأدبيّ أصبح إذًا يشكّل عالمًا خياليًا غير تصويريّ، شديد الغنى ووثيق الوحدة، فتمّ التركيز على البنية الدالّة، أي وحدة العمل ومعناه، وذلك بهدف إيجاد علاقة مشتركة ليس بين مضمون العمل الأدبيّ، ومضمون العمل الجمعيّ، ولكن بين البنى الذهنيّة التي تشكّل الوعي الجمعيّ، والبني الشكليّة، والجماليّة التي تشكّل العمل الأدبيّ، ولم يعد هذا الأخير انعكاسًا للوعي الجمعيّ كما أنّ العلاقة أصبحت قائمة على مستوى التماثل البنائيّ، بدل مستوى المضمون، إذ إنّ بنية الكتب الإبداعيّة تكون مماثلة لبنية اتّجاه من اتّجاهات الوعي الجمعيّ7.

وخلاصة القول فإنّ النقد السوسيولوجيّ يقوم في مجمله على مفهوم أفلاطون للمحاكاة وأرسطو، لكن بتلوينات وأشكال جديدة، إذ يظلّ مع ذلك الإطار المرجعيّ لهذا النقد لا يخرج عن نظريّة الانعكاس، إلاّ ليشذّ عليها من جهة وأخرى، فتأتي المفاهيم الجديدة تحيل عليه، وتعطيه أبعادًا أخرى من قبيل التمثيل البنائيّ كما هو عليه في النقد السوسيولوجيّ الجدليّ. إلاّ أنّه مع ذلك فالمفاهيم التي يرتكز عليها هذا الاتّجاه تنحصر في ما يلي:

  • يقوم على نوع من العلاقة الجدليّة بين الواقع الاجتماعيّ، والأثر الأدبيّ مأخوذًا بالحسبان عمليّة التأثير والتأثّر.
    يقوم على عدّ التعامل الأدبيّ كنظام اجتماعيّ.

يحدّد العلاقة بين الذاتيّ والموضوعيّ في الرؤية إلى الواقع الأدبيّ ويفتح المجال لأنواع الأدب بأبعاده الاجتماعيّة المختلفة.

تعدّ هذه العناصر أهمّ المنطلقات النظريّة التي ترتكز عليها عمليّة الإنتاج الأدبيّ والإيديولوجيّ كجزء لا يتجزّأ من العمليّة الاجتماعيّة، ولهذا فالمقاربة السوسيولوجيّة تحرص دائمًا على إضفاء البعد الاجتماعيّ على القراءة الشكليّة، أي إضاءة النصّ في إطار المعادلة الاجتماعيّة، والإيديولوجيّة، والجماليّة، وذلك انطلاقًا من عدّ الكتابة مستوى اجتماعيًّا يدور حول”الأدب والحياة، الأدب والمجتمع، الأدب والواقع، الأدب والإنسان الذاتيّ والموضوعيّ، الأدب والتاريخ”8.

وعلى العموم يمكن القول بأنّ النقد السوسيولوجيّ بذل مجهودًا كبيرًا في البحث عن وجود تأثير للحياة الاجتماعيّة على الأثر الأدبيّ. فالعمل الأدبيّ اجتماعيّ بالضرورة، ولا يمكن أن يكون متعاليًا عليه، إلاّ أنّه لا يكون كذلك في عمقه إلاّ بشرط استقلاليّته التي تؤكّد وجود المرجع من دون أن تحاكيه كما هو.

ولعلّ بعض المثبّطات في الجانب السوسيولوجيّ، حدت بـ”غولدمان”، إلى أن يستدرك ما اعترى هذا الاتّجاه من نقص، فحاول بلورة تصوّر أكثر تماسكًا للمادّيّة الجدليّة في مجال النقد الأدبيّ ضمن ما أسماه بالمنهج البنيويّ التكوينيّ. فإلى أيّ حدّ استطاع هذا المنهج أن يتجاوز هفوات الاتّجاه السوسيولوجيّ؟

حاول “غولدمان” أن يقرّب هذا المنهج الذي يتّسم بالشموليّة من البنيويّة. وهو بذلك لا يتوخّى الكشف عن البنية الأدبيّة فحسب، بل وعن العلاقات البنيويّة بين النصّ الأدبيّ ورؤية العالم والتاريخ نفسه، وعن الكيفيّة التي تتمّ بواسطتها عمليّة تحويل موقف تاريخيّ لمجموعة اجتماعيّة إلى بنية عمل أدبيّ، عن طريق رؤية العالم التي تتبنّاها هذه المجموعة. وإنّ أهمّ ما جاء به هذا المنهج هو معارضته لما كان سائدًا قبل “لوكاتش”، عادًّا العلاقة الجوهريّة بين الحياة الاجتماعيّة والإبداع متعلّقة بالبنى الذهنيّة التي هي مقولات تقوم بتنظيم وعي فئة اجتماعيّة ما، وهذه البنى الذهنيّة هي ظواهر اجتماعيّة، وليست فرديّة.

وأشار “غولدمان” إلى أنّ المنهج البنيويّ التكوينيّ يتباين عن المنهج البنيويّ الشكليّ في تصوّر كلّ منهما للبنية، فالتكوينيّة ترى أنّ البنية ليست كِيانًا مغلقًا، إنّها ذات دلالة وظيفيّة، وغير معزولة عن الذات الفاعلة والتاريخ، أمّا البنيويّة الشكليّة فإنّها تفصل البنية عن الذات، والتاريخ، وعن كلّ البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة. و”غولدمان” يعترف بأهمّيّة وفاعليّة البنيويّة الشكليّة كمنهج، “لكن مأخذه عليها يتمثّل في تعاملها مع الأدب تعاملاً يستمدّ أدواته ومفاهيمه الإجرائيّة من اللسانيّات، ما يؤدّي إلى عدّ النصّ كِيانًا لغويًّا مغلقًا تنعدم علاقته مع البنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة”9.

والبنيويّة الشكليّة في تجاوزها الربط بين البنية، والتاريخ، والذات الفاعلة، حاولت الابتعاد عن السقوط في الدراسة المضمونيّة للعمل الأدبيّ، فدراسة الأشكال في نظرها أهمّ من دراسة المضامين. وأدّى إغفالها للمضمون الأدبيّ وعوامله المحيطة به إلى أن طعّمها “غولدمان” بعلم الاجتماع الأدبيّ، لكي يربط النصّ بما حوله، ويحيل بالتالي إلى مرجعيّته الموضوعيّة المستقاة من الواقع المادّيّ، إذ إنّ النصّ ليس بنية مغلقة، وإنّما هو مرجع يحيل إلى عالم موضوعيّ يغذّيه بمواضيعه.

إنّ البنيويّة التكوينيّة في تعاملها مع الظاهرة الأدبيّة، تدرس العلاقة بين الحياة الاجتماعيّة، والإبداع الفنّيّ والأدبيّ، وذلك عن طريق تحليل البنى الأدبيّة والبنى الاجتماعيّة، أي البحث في العلاقة بين الوعي التجريبيّ لجماعة اجتماعيّة معيّنة، وبناء الشكل الأدبيّ. وهذا الاتّجاه يدفع الأدب بعيدًا عن فكرة الصراع الطبقيّ، ويجعله رمزًا للحياة الاجتماعيّة بكلّ أبعادها المتعدّدة، وينظر إلى الأثر الأدبيّ والفنّيّ نظرة متماسكة دون أن يفتّت وحدته المنطقيّة، ولا يعدّه وسيلة مثلى للتعرّف إلى الواقع الاجتماعيّ والتاريخيّ كما كانت تفعل الدراسات التقليديّة. لكن الحقيقة الاستتيقيّة للتكوينيّة تتحقّق في انسجام بين وحدة الأثر ووظيفته. إذ جاءت لتجاوز ثنائيّة الشكل والمضمون، فأصبح من غير الممكن تصوّر فنّ يكمن في شكل مستقلّ عن المضمون، كما أنّه ليس بالمبتذل إذا ما اقترب من الحياة الواقعيّة، والصراعات الاجتماعيّة. وإنّ وضع هذه الطرائق التي جاءت بها البنيويّة التكوينيّة، يحاول الإحاطة بالنصّ الأدبيّ من جميع جوانبه ليؤكّد ويحقّق نجاعته وصلاحيّته في مقاربة الأعمال الأدبيّة، بحيث استطاع بفضل مفاهيمه ومنهجه أن يكتشف ما لم يكن معروفًا من خصائص النصّ، فتأكّدت صلاحيّته وخصوصًا في النقد الروائيّ إلى الحدّ الذي أصبح معه عند بعض الباحثين هو المنهج الأنسب لدراسة الأعمال الأدبيّة، لأنّه يتيح ربط العمل الأدبيّ بالمرحلة الاجتماعيّة والتاريخيّة مع تجنّب الأحكام المسبقة التي كرّسها بعض النقّاد الماركسيّين قبل “غولد مان” و”لوكاتش”.

بالإضافة إلى ما سبق، يجدر بنا أن نذكر بعض المنطلقات الأساسيّة للبنيويّة التكوينيّة التي تكشف عن فهم عميق للعلاقة بين الفنّ والواقع الاجتماعيّ، وهي التي حصرها “غولدمان” في أربعة مبادئ:

إنّ النتاج الأدبيّ ليس انعكاسًا بسيطًا للوعي الجماعيّ الواقعيّ، ولكنّه يميل دائمًا إلى أن يبلغ درجة عالية من الانسجام، تعدّ:

1 – عن الطموحات التي ينزع إليها وعي الجماعة التي يتحدّث الأديب باسمها. ويمكن تصوّر هذا الوعي كحقيقة موجّهة من أجل حصول الجماعة المذكورة على نوع من التوازن في الواقع الذي تعيش فيه 10. وهذا يعني أنّ العمل الأدبيّ هو تتويج على مستوى الانسجام لتيّارات عائدة إلى وعي جماعة اجتماعيّة معيّنة، وهو ما يعني أيضًا أنّه إبداع للواقع وتعبير عنه. والوعي الذي تقدّمه الرواية أو العمل الأدبيّ هو رؤية للعالم، مهما بدت عناصر هذه الرؤية مشتّتة على سطح البناء الروائيّ، وذات خيال كثيف ومجرّد. وفي هذا الإطار يقول “غولدمان”: “إنّ الكاتب لا يعكس الوعي الجمعيّ، بل على العكس يقدّم بشكل متقن درجة المطابقة البنائيّة التي أدركها بعمق الوعي الجمعيّ نفسه فقط. وهكذا فإنّ العمل يلوّن نشاطًا جمعيًّا عبر الوعي الفرديّ لمبدعه…”11.

2 – إنّ العلاقة الموجودة بين الوعي الجماعيّ وبين الأعمال الإبداعيّة الفرديّة الكبيرة على الخصوص، سواء أكانت أدبيّة أم فلسفيّة أم لاهوتيّة، لا تكمن في شكل تطابق تامّ في المستوى، ولكنّها تتجلّى في نوع من الانسجام على مستوى أعلى، أو نوع من التطابق على مستوى البنيات، لأنّ الأعمال الإبداعيّة تبني مضامينها في شكل صياغة مجازيّة تتمايز تمايزًا كبيرًا عن المضمون الواقعيّ للوعي الجماعيّ12.

وهذا يعني أنّ العلاقة بين الوعي الجمعيّ، والاجتماعيّ، والإبداعات الفرديّة العظيمة لا تتواجد في أصالة المحتوى الأدبيّ، بل في الانسجام والتماثل بين الأبنية الأدبيّة، والأبنية الذهنيّة العامّة للجماعات الاجتماعيّة، أو للطبقات التي يستطيع الوعي الجمعيّ التعبير عنها في أشكال خياليّة متنوّعة. وهكذا يمكن القول إنّ “غولدمان” حين يدعو إلى الاهتمام بما تفصح عنه جماعة اجتماعيّة محدّدة، يقدّم إلى النقد السوسيولوجيّ منهجًا خصبًا وصارمًا.

3 – إنّ النتاج الإبداعيّ الذي يقابل بنية فكريّة لجماعة ما، يمكن أن يكون في بعض الحالات من إبداع فرد ليست له إلاّ علاقة طفيفة مع هذه الجماعة. ومع ذلك فالخاصّيّة الاجتماعيّة لهذا المؤلّف تكمن على الخصوص في أنّ الفرد ليس في مقدوره على الإطلاق أن يضع من تلقاء نفسه بنية فكريّة منسجمة تقابل ما يدعى عادة “رؤية العالم”، فمثل هذه البنية لا يمكنها أن تكون إلاّ من إبداع الجماعة، والفرد يمكنه فقط أن يرتفع بها إلى درجة عالية من الانسجام بتحويلها إلى مستوى الإبداع الخياليّ، أو إلى مستوى الفكر النظريّ13. وهذه الإشارة تحاول لفت الانتباه إلى إعادة النظر فيما ساد طويلاً بخصوص العلاقة القائمة بين مضمون العمل الأدبيّ والانتماء الاجتماعيّ للمبدع.

ولعلّ بعض الناقدين الجدليّين الأوائل كانوا يربطون بشكل آليّ بين طبيعة الفكر الذي يتضمّنه العمل الأدبيّ، وطبيعة الانتماء الاجتماعيّ للمبدع. والقول بأنّ كلّ مبدع يعبّر عن فكر الجماعة التي ينحدر منها، حكم ليس عامًّا، فهناك بعض الكتاب الكبار من يتبنى أفكار جماعة لا ينتمي إليها اجتماعيًّا، وكمثال على ذلك “بلزاك”، فقد كان يمتلك وعيًا ذا أبعاد إنسانيّة، ومضامينُ مؤلّفاته تتجاوز وعي الطبقة التي ينتمي إليها، لتعبّر عن قضايا الطبقات الاجتماعيّة الأخرى.

4 – إنّ الوعي الجماعيّ ليس حقيقة أوّليّة، ولا هو بحقيقة مستقلّة، إنّه وعي يتكوّن ضمنيًّا من خلال السلوك العامّ للأفراد المساهمين في الحياة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة14.

وهكذا، أسّس هذا الاتّجاه وجهة نظره على المبادئ التي تعدّ الأدب شكلاً من أشكال التعبير الذي يبرز رؤية متكاملة للعالم، وهذه الرؤية ليست بظاهرة فرديّة، بل هي ظاهرة اجتماعيّة.

إنّ “غولدمان” حاول أن يربط بين الأثر والجماعة، ولكنّه لا يغضّ النظر عن الكاتب ودوره الإبداعيّ، فهو يرى بأنّ بناء الأثر الأدبيّ يعبّر عن شخصيّة الكاتب من ناحية، والجماعة التي ينتمي إليها هذا الكاتب من ناحية أخرى. وعلى الرغم من هذا كلّه، يرى أنّ الجماعة وحدها هي القادرة على إنتاج رؤية متماسكة للعالم، والمبدع يمكنه التعبير عن هذه الرؤية بطريقة معيّنة.

والبنيويّة التكوينيّة في مقاربتها للنصّ الأدبيّ قامت على مجموعة من المفاهيم الأساسيّة أهمّها:

1 – الفهم والتفسير

يعدّ الفهم مرحلة وصفيّة تفكيكيّة تقوم على الاستقراء والملاحظة، ويهدف إلى تحديد بنية دالّة تشمل كلّيّة النصّ، فيحيط بمجمله بدون إضافة أيّ شيء. إنّه مسألة تتعلّق بالتماسك الباطنيّ للنصّ، و”غولدمان” يفترض أن نتناول النصّ حرفيًّا، كلّ النصّ، ولا شيء سوى النصّ، وأن نبحث داخله عن بنية شاملة ذات دلالة 15، أي إنّ الفهم عمليّة تقتصر على النصّ الأدبيّ معزولاً عن المؤشّرات الخارجيّة التي لا شكّ في أنّها تؤدّي دورًا تأثيريًّا فيه، وتتوجّه أساسًا إلى الكشف عن توضيح بنائه الداخليّ أو بنيته الدالّة.

أمّا التفسير فمسألة تتعلّق بالبحث في الذات الفرديّة، أو الجماعيّة التي تمتلك البنية الذهنيّة المنتظمة للنتاج الأدبيّ بالنسبة إليها طابعًا وظيفيًّا… ذا دلالة16. فهو عمليّة ثانية تنظر إلى العمل الأدبيّ في مستوى آخر خارجيّ، فتربطه ببنية أوسع وأشمل. إلاّ أنّ ما سبق لا يعني دائمًا أنّ الفهم يستبدّ بالبنية الداخليّة للنصوص، والتفسير يقتصر على ما هو خارجيّ عنها، فـ”غولدمان” يشير إلى حقيقتين أساسيّتين ترتبطان بالقوانين الخاصّة بالفهم والتفسير، تمّ الكشف عنهما بفضل أعمال علم الاجتماع البنيويّ التكوينيّ ومجابهتهما للأعمال النفسيّة وهما:

” أنّ النظام الأساسيّ لطريقتي البحث هاتين ليس واحدًا في كلا المنظورين17، فالفهم والتفسير رغم النقاشات الموسّعة التي دارت خصوصًا في الجامعة الألمانيّة حول طريقتي البحث هاتين، ليس يختلف أحدهما عن الآخر”18، فبالنسبة إلى النقطة الأولى يشير “غولدمان” إلى أنّه يستحيل فصل الفهم عن التفسير حين يتعلّق الأمر بالليبيدو، سواء إبّان فترة البحث، أو بعد الانتهاء منها، لكنّ هذا الفصل يكون ممكنًا في التحليل السوسيولوجيّ، فهما في نظره طريقتان ذهنيّتان غير مختلفتين، بل إنّهما طريقة واحدة، فالفهم – كما أشار – هو الكشف عن بنية دالّة، أمّا التفسير فإنّه يدرج تلك البنية في بنية شاملة مباشرة، ويكفي أن نأخذ البنية الشاملة موضوعًا للدرس حتّى يصبح فهم ما كان مجرّد تفسير، حتّى يجد البحث التفسيريّ نفسه مرغمًا على الاستناد إلى بنية جديدة أكثر اتّساعًا”19.

وما يمكن أن نشير إليه هنا، هو أنّ العلاقة التي تربط الفهم بالتفسير هي علاقة تكامل وترابط، فالفهم أضيق من التفسير، والتفسير يتضمّن الفهم، بل ويتعدّاه. ويضرب “غولدمان” لهذا الجانب أمثلة توضيحيّة إذ يقول: “وعلى سبيل المثال نذكر كيف أنّ فهم الخواطر، أو مآسي “راسين”، هو نفسه الكشف عن الرؤية المأسويّة المكوّنة للبنية الدالّة المنتظمة لكلّ من هذه الأعمال في جملته، في حين أنّ فهم البنية الجانسينيّة هو نفسه تفسير لتكوين الجانسينيّة المتطرّفة، وأنّ فهم تاريخ النبالة المثقّفة للقرن السابع عشر، هو ذاته تفسير لتكوين الجانسينيّة، كما أنّ فهم العلاقات الطبقيّة في المجتمع الفرنسيّ للقرن السابع عشر، هو تفسير لتطوير النبالة المثقّفة وهكذا”20.

2 – البنية الدالّة

إنّ البنية الدالّة تقوم بتحقيق هدفين اثنين: يتعلّق الأوّل بفهم الأعمال الأدبيّة من حيث طبيعتها، ثمّ الكشف عن دلالتها، وهذا هدف يبدو أكثر ارتباطًا بعمليّة الفهم، أمّا الثاني فيتعلّق بالحكم على القيم الفلسفيّة، والأدبيّة، والجماليّة. والرواية في إطار التصوّر البنيويّ التكوينيّ تحتوي على بنية دالّة، تقابلها بنية فكريّة خارجيّة هي بنية إحدى رؤى العالم لدى جماعة بشريّة معيّنة. وهذه البنية الدالّة لا يمكن إدراكها إلاّ حين تجاوز المظهر الخارجيّ للعمل الروائيّ، وقد يكون هذا المظهر ذا شكل خرافيّ أسطوريّ، لكنّ دلالته العميقة قد تكشف عن بنية دالّة لها علاقة مع أحد التصوّرات الموجودة عن الواقع، فإنّه على مستوى المحتوى الأدبيّ تكون للمبدع حرّيّة كاملة في التصرّف، والاستفادة من تجاربه الشخصيّة، وذكائه لخلق عالم خياليّ، وهذا العالم هو نفسه البنية السطحيّة حيث يجب تفكيكه بهدف الوصول إلى النظام الفكريّ الذي يحكمه، وهذا النظام هو البنية الدالّة.

وإذا كانت المناهج السوسيولوجيّة التقليديّة في دراستها للأدب لم تهتمّ ببنية العمل الأدبيّ حين تركيزها على العلاقة القائمة بين مضمون العمل الأدبيّ، ومضمون الوعي الجماعيّ، فإنّ منهج “غولدمان” ركّز على البنية انطلاقًا من الوظائف التي تؤديها في العمل الأدبيّ. وأشار (غولدمان) إلى الكيفيّة التي يتوصّل بها لاكتشاف البنية الدالّة، فعلى الباحث – في نظره – لكي يفهم العمل الذي هو بصدد دراسته أن يتقيّد في المقام الأوّل بالبحث عن البنية التي تكاد تشمل كلّيّة النصّ، وذلك استنادًا إلى قاعدة أساسيّة نادرًا ما يحترمها المتخصّصون في الأدب، وهي أنّ على الباحث أن يحيط بمجمل النصّ، وأن لا يضيف إليه أيّ شيء، وأن يفسر تكوينه. فاستخلاص البنية الدالّة في العمل الأدبيّ عامّة، والرواية خاصّة، لا يكون إلاّ عبر قراءة جزئيّات النصّ في ضوء مجموع النصّ ذاته، مع التركيز على ما له دلالة وظيفيّة أساسيّة في العالـم. وقد ترك “غولدمان” مجال البحث عن البنية الدالّة في العمل الروائيّ رهينًا بقدرات الناقد الحدسيّة. رورو

ومفهوم البنية الدالّة لا يفترض فقط وحدة الأجزاء ضمن كلية النصّ والعلاقة الداخلية بين العناصر، بل يفترض في نفس الوقت الانتقال من رؤية سكونية إلى رؤية دينامية، أي وحدة النشأة مع الوظيفة 21.

وألح “غولدمان” على الانسجام بين البنيات، والذي يمكن أن يجد تعبيره عن طريق مضامين خيالية تخالف أشد الاختلاف المحتوى الواقعي والحقيقي للوعي الجمعيّ. وهذا التناسق بين البنيات يخالف التصور السوسيولوجيّ الكلاسيكيّ الذي يقيم علاقة انعكاس ميكانيكيّ بين الوعي الجمعيّ، والعمل الأدبيّ.

3 – الوعي القائـم والوعـي الممكــن

إنّ “الوعي” من المفاهيم التي يصعب تحديدها تحديدًا دقيقًا، ورغم ذلك فقد عرّفه “غولدمان” بأنّه “مظهر معيّن لكلّ سلوك بشريّ يستتبع العمل”22. وإنّ كلمة “مظهر” تفرض وجود ذات عارفة وموضوعًا للمعرفة، وهذه الذات العارفة “ليست لا فردًا معزولاً، ولا جماعة بدون زيادة، بل هي بنية جدّ متغيّرة ينضوي تحتها في آنٍ الفرد، والجماعة، أو عدد معيّن من الجماعات”23. من هنا يمكن القول بأنّ كلّ واقعة اجتماعيّة هي واقعة وعي من بعض جوانبها، وكلّ وعي هو قبل كلّ شيء تمثيل لقطاع معيّن من الواقع على وجه التقريب، وهكذا، فإذا كانت كلّ واقعة اجتماعيّة تستتبع وقائع وعي، فإنّ العنصر البنيويّ الأساسيّ لوقائع الوعي تلك، هو درجة تلاؤمها، أو درجة اللا تلاؤم مع الواقع.

ويميّز “غولدمان” بين نمطين من الوعي: الوعي الواقع والوعي الممكن. والوعي الواقع هو وعي بسيط لا يتوفّر صاحبه على إمكانيّة التأمّل فيه، فيفكّر بالسلوك أكثر ممّا يفكّر بالذهن، أمّا الوعي الممكن فلا يصله الفرد إلاّ عندما يستطيع التأمّل بفضل ثقافته، وخبرته في المعطيات الفكريّة لجماعته، من أجل أن يبني بواسطتها مستوى متبلورًا لمصالح الجماعة وأهدافها، آنذاك يرفع في ذاته الوعي الواقع إلى مستوى الوعي الممكن. وهذا الوعي هو أساس الوعي القائم الذي يعدّ نتيجة العديد من المعوّقات، والتحريفات التي تعيق تحقيق الوعي الممكن من جراء عناصر الواقع التجريبيّ المتعدّدة.

والنتاج الأدبيّ ومنه الرواية ليس انعكاسًا بسيطًا للوعي الجمعيّ، ولكنّه تعبير راقٍ عن هذا الوعي، بمعنى أنّه لا يرتبط بأفكار عامّة الناس، وإنّما يرتبط بالإيديولوجيا والفكر النظريّ اللذين يصوغهما الأعضاء النابهون للجماعة. من هنا تبرز أهمّيّة الوعي الممكن، إذ بواسطته يمكن تحديد الرؤية بشكل جيّد وخصوصًا في الأعمال الكبرى.

4 – رؤيـة العالـم

إنّ مفهوم “رؤية العالم” يعدّ من أهمّ العناصر التي تنبني عليها البنيويّة التكوينيّة كما صاغها “غولدمان”، وهذا المفهوم استعمله كثير من المفكّرين السابقين لـ”غولدمان” أمثال: “ديلثي”، “ياسبرز”، “لوكاتش”، “كارل مانهايم” و”ماكس فيبر”. وهؤلاء جميعًا ينتمون إلى فروع العلوم الإنسانيّة المتعدّدة. وتباينت مفاهيم هؤلاء لرؤية العالم، فهذا المفهوم لا يشكّل عند “ديلثي” مفهومًا إجرائيًّا، بل مكوّنًا فعّالاً لما يعانيه الفرد ويعيشه، وبناء على ذلك فهو يبدو من اختصاص علم النفس، فإنّ كلّ كائن يرد على ما يتولّد عن موقفه في المجتمع من مشاكل بواسطة نموذج يبنيه بشكل تدريجيّ، وحينئذٍ لا يبدو التحديد المجتمعيّ إلاّ عاملاً ثانويًّا يضفي صبغة الوحدة على تنوّع النظرات كما هي عند الأفراد24. أمّا “كارل مانهايم” فالمفهوم عنده يوافق المفهوم الكلّيّ للأيديولوجيا، وهكذا فالأيديولوجيا بما هي كذلك، تتّخذ بعدًا ضيّقًا، ومن ثمّة يقصد “مانهايم” إلى التفريق بين النظرة إلى العالم والأيديولوجيا، فيوضح بذلك الالتباسات التي تقع فيها الماركسية، حيث تتخذ نظريّة الأيديولوجيا معاني متعددة25.

وإذا كان تحديد “ديلثي” لمفهوم “رؤية العالم” منطلقًا من مرجع سيكولوجيّ، فإنّ “كارل مانهايم” حدّده من خلال منظور ابستيمولوجيّ. أمّا عند “ماكس فيبر ” فالنموذج الذهنيّ الذي يشترك مع النظرة إلى العالم في نقاط متعدّدة، هو نموذج نواجهه بالواقع كي نقيس مدى ابتعاده عنه، ونقيّمه انطلاقًا من بعض العناصر التي نستقيها من الواقع، ولكي ننتقيها بدلالة السؤال الذي يطرحه الباحث26. ورغم هذا التعدّد في مفهوم رؤية العالم لدى هؤلاء الدارسين، فقد وجد بينهم عنصر مشترك هو مفهوم الكلّيّة كما تحدّدت في مرجعها الهيجليّ، و”غولدمان” نفسه قد لجأ إلى هذا المفهوم.

وما يمكن ملاحظته هو أنّ استعمال مفهوم “رؤية العالم” في الدراسات السابقة لـ”لوكاتش”، و”غولدمان” قد اتّسم بالغموض، ووظّف في غير مجاله في الفلسفة، وعلم النفس، والتاريخ. إلاّ أنّ “جورج لوكاتش” كان إيجابيًّا في استخدامه له، إذ استعمله بكيفيّة دقيقة، وفي مجال النقد الأدبيّ. ويؤكّد هذا ما ذهب إليه “لوسيان غولدمان” حين أشار إلى أنّ المفهوم ليس من أصل جدليّ. واستعمله “ديلثي” ومدرسته بكثرة، لكن بشكل غامض وفجّ، دون أن ينجحوا في إعطائه وضعًا إيجابيًّا صارمًا. إنّ الفضل في استعماله بالدقّة اللازمة، لتصبح أداة عمل، يرجع بالدرجة الأولى إلى “جورج لوكاتش”27. وأعطى “غولدمان” لهذا المفهوم اهتمامًا خاصًّا في العديد ممّا كتبه، إلاّ أنّه ركّز عليه في مؤلَّفه “الإله الخفيّ”.

ويعرّف “غولدمان” “رؤية العالم” بقوله: “إنّ الرؤية للعالم هي بالتحديد، هذه المجموعة من التطلّعات، والإحساسات، والأفكار التي توحّد أعضاء مجموعة اجتماعيّة، وفي الغالب أعضاء طبقة اجتماعيّة، وتجعلهم في تعارض مع المجموعات الأخرى، إنّها بلا شكّ خطاطة تعميميّة للمؤرّخ، ولكنّها تعميميّة لتيّار حقيقيّ لدى أعضاء مجموعة يحقّقون جميعًا هذا الوعي بطريقة واعية، ومنسجمة إلى حدّ ما”28. ويقدّم تعريفًا آخر للمفهوم نفسه قائلاً: “إنّه التقدير الاستقرائيّ التصويريّ إلى أعمق مدى التحام الأحاسيس المتحرّكة لأفراد فئة اجتماعيّة ما، ومجموعة مترابطة من القضايا، والحلول التي يتمّ التعبير عنها على المستوى الأدبيّ عن طريق الإبداع، بواسطة الألفاظ، وبواسطة كون محسوس من المخلوقات والأشياء”29.

وانطلاقًا ممّا سبق يمكن القول بأنّ رؤية العالم تبدو متعارضة مع مفهوم الرؤية الفرديّة، بمعنى آخر، إنّ هذه الرؤية تبتعد عن أن تكون نسقًا فرديًّا لتتّخذ طابعها الاجتماعيّ التاريخيّ.

ويذهب “غولدمان” إلى أنّ رؤية العالم في العمل الأدبيّ ليست من إبداع الأفراد، ويرى “في منظور مادّيّ جدليّ أنّ الأدب والفلسفة من حيث إنّهما تعبيران عن رؤية للعالم – في مستويّين متعدّدين – فإنّ هذه الرؤية ليست واقعة فرديّة، بل واقعة اجتماعيّة تنتمي إلى مجموعة وإلى طبقة”30. وإنّ ما يمكن أن نشير إليه هو أن الفرد المبدع لا يمكن أن يخلق من تلقاء نفسه بنية فكريّة منسجمة تستطيع أن تمثّل رؤية للعالم، فهذا الأمر يكون من إبداع الجماعة. أمّا ما يقوم به الفرد المبدع هو الارتفاء بتلك البنية إلى درجة عالية من الانسجام حتّى ترقى إلى مستوى الإبداع الخياليّ.

إلاّ أنّ هذا لا يعني نفي الفرد المبدع نهائيًّا، فدوره رغم كلّ شيء يبقى حاضرًا في الإبداع، وخصوصًا الإبداع الروائيّ، وهذا الوجود يتحقّق في صياغة رؤية العالم، إذ بمقدوره أن يبلور تلك الرؤية بشكل واضح ومنسجم. والفرد المبدع هو غير أفراد الجماعة العاديّين الذين لا يتجاوز وعيهم مستوى الوعي الواقع. وبذلك فكبار الأدباء، والفلاسفة وغيرهم من المنظّرين، هم الذين يستطيعون دون غيرهم التعبير عن مشاعر الجماعة وأفكارها التي يتكلّمون باسمها. و”غولدمان” لا يأخذ “مقولة رؤية العالم” في معناها التقليديّ، الذي يشبهها بتصوّر واعٍ للعالم، تصوّر إراديّ، أو النسق الفكريّ الذي يسبق عمليّة تحقّق النتاج. إنّ ما هو حاسم، ليس هو نوايا المؤلّف، بل الدلالة الموضوعيّة التي اكتسبها النتاج، بمعزل عن رغبة مبدعه، وأحيانًا ضدّ رغبته31.

وهكذا فالفرد قد يحقّق رؤية العالم بصورة لا شعوريّة، ومن ثَمَّ قد تترسّخ في ذهنه، وربّما ضدّ رغبته الخاصّة. ويبقى كدليل حيّ على ذلك، ما يوجد من تفاوت بين النوايا الإبداعيّة للمبدع، والأفكار التي يعبّر عنها من خلال عمله الإبداعيّ. إذًا فـ”رؤية العالم” لا يمكنها في رأي “غولدمان” أن تتكوّن إلاّ في إطار الجماعة، فعلى الرغم من انتسابها إلى الكتاب، فإنّها ليست من إبداعهم الخاصّ. فهي في الرواية ترتبط بنظرة الكاتب العامّة إلى الواقع الموضوعيّ، وكلّ رواية لا بدّ من أن تحمل تصوّرًا معيّنًا عن هذا الواقع. وهذه الرؤية تتعدّد مستوياتها، وتتفاوت من رواية إلى أخرى، وذلك تماشيًا مع طبيعة هذه الرؤية، فقد تكون شموليّة، وقد تكون دون ذلك. والرواية يمكن أن تفقد انسجام الرؤية إلى العالم لتسقط فيما يسمّى بالوعي الواقع، وذلك حين تتقلّص الرؤية الشموليّة.

من هنا يمكن القول إنّ رؤية العالم تتجاوز ما هو واقع إلى ما هو مستقبليّ، وما دامت الأعمال الروائيّة الكبرى تتميّز بشموليّة الرؤية، فإنّها هي وحدها التي تمتلك “رؤية العالم”. هذه الرؤية التي تعدّ في الواقع تعبيرًا كلّيًّا وشموليًّا عن قيم الجماعة وطموحاتها، ومشاعرها التي تؤمن بها.

الهوامش

1 – أرسطو طاليس – فنّ الشعر، ترجمة د. شكري عيّاد، دار الكاتب، القاهرة 1967، ص: 28.
2 – دياب محمّد حافظ – النقد الأدبيّ وعلم الاجتماع، مجلّة فصول ع 1 س 85، ص: 60.
3 – المرجع نفسه، ص : 61.
4 – المرجع نفسه، ص: 68.
5 – المرجع نفسه، ص: 68 – 69.
6 – أبوعليّ عبد الرحمن – تأثير النقد السوسيولوجيّ في الدراسات العربيّة، مجلّة الوحدة ع 49 س 88، ص: 34.
7 – المرجع نفسه، ص: 34.
8 – د. أبو منصور فؤاد – النقد البنيويّ الحديث بين لبنان وأوربا، دار الجيل بيروت ط 1985، ص: 109.
9 – د. الطالب عمر محمّد- مناهج الدراسات الأدبيّة الحديثة، دار السير، ط1 نونبر 88 البيضاء، ص: 248.

10 – Goldman. Lucien: Pour une sociologie du roman – Ed: Gallimard 1964 p: 40.
11 – Goldman. L: Le dieu caché – Ed: Gallimard, Paris, 1995. p: 64.
12 – Goldman. L: Pour une sociologie du roman. p: 41.
13 – Ibid. P: 42.
14 – Ibid. P: 42.

15 – غولدمان لوسيان – المنهجيّة في علم الاجتماع الأدبيّ، ت. مصطفى المسناويّ، ط 3 الدار البيضاء س 1984، ص: 15.
16 – المرجع نفسه، ص: 14.
17 – المرجع نفسه، ص: 15.
18 – المرجع نفسه، ص: 16.
19 – المنهجية في علم الاجتماع الأدبيّ، مرجع سابق، ص: 17.
20 – المرجع نفسه ص: 17.
21 – باسكادي بون – البنيويّة التكوينيّة ولوسيان غولدمان، ترجمة محمّد سبيلا، مجلّة آفاق ع 10 س 1982، ص: 22.
22 – غولدمان لوسيان ـ الوعي القائم والوعي الممكن، ترجمة. محمّد برادة، مجلّة آفاق ع 10 س 1982، ص: 25.
23 – المرجع نفسه، ص: 25.
24 – هيندلس. ر ـ مفهوم النظرة إلى العالم وقيمته في نظريّة الأدب، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي، مجلّة آفاق ع 10 س 82 الرباط، ص: 62 – 63.
25 – المرجع نفسه، ص: 63.
26 – المرجع نفسه، ص: 63.

27 – Le dieu caché p: 24.
28 – Ibid p: 26.
29 – Ibid p: 349.

30 – البنيويّــة التكوينيّـة ولوسيان غولدمان، مرجع سابق، ص: 23.
31 – المرجع نفسه، ص: 23.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.