دور القيم الإسلامية (العدالة، الشورى، الأمانة) في تعزيز فعالية إدارة الموارد البشرية بالمؤسسات التربوية
عنوان البحث: "دور القيم الإسلامية (العدالة، الشورى، الأمانة) في تعزيز فعالية إدارة الموارد البشرية بالمؤسسات التربوية
اسم الكاتب: دة. مريم تقوائي، نجوى محمّد مكّي أبو ترك
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
دور القيم الإسلامية (العدالة، الشورى، الأمانة) في تعزيز فعالية إدارة الموارد البشرية بالمؤسسات التربوية
The Role of Islamic Values (Justice, Consultation, and Trustworthiness) in Enhancing the Effectiveness of Human Resource Management in Educational Institutions
دة. مريم تقوائي([1]) Dr. Maryam Taqwai
[2])) نجوى محمّد مكّي أبو ترك Najwa Mohammad Makki Abou Turek
تاريخ الإرسال:27-7-2026 تاريخ القبول: 19-8-2026
الملخص turnitin:13%
تهدف هذه الدّراسة إلى بيان الكيفيّة الّتي يمكن من خلالها توظيف القيم الإسلاميّة المتمثّلة في العدالة والشّورى والأمانة في تطوير إدارة الموارد البشريّة داخل المؤسّسات التّربويّة. والانتقال بالممارسة الإداريّة من النّمط الهرمي السّلطوي إلى نموذج “القيادة القيميّة التّشاركيّة”. واعتمدت الدّراسة على المنهج الوصفي الكيفي ذي الطّابع التّأصيلي، من خلال مراجعة الأدبيات ذات الصلة وتحليل المضامين الإداريّة للقيم الثّلاث وإسقاطها على وظائف الموارد البشريّة في البيئة التّربويّة (كالتّوظيف، وتقييم الأداء، والتّحفيز، وصنع القرار، والنّزاهة الأكاديميّة).
وتبرز الدّراسة أنّ العدالة أن تدعم الموضوعيّة والشّفافيّة في توزيع الفرص والمهام وتقييم الأداء، وأنّ الشّورى يمكن أن تعزّز المشاركة وجودة القرار وتحدّ من المركزيّة، بينما تُسهم الأمانة في تدعيم الرّقابة الذّاتيّة والنّزاهة والالتزام المهني.
وتخلص الدّراسة إلى أهمّية الانتقال من التّعامل مع القيم بوصفها مبادىء أخلاقيّة عامّة إلى إدماجها في السّياسات والاجراءات اليوميّة للمؤسّسات التّربويّة، مع تطوير مدونات سلوك وبرامج تدريبيّة للقيادات والعاملين. ممّا يُسهم إيجابًا في إرساء المعايير الموضوعيّة لتقييم الأداء، وتخفيف الصّراعات التّنظيميّة، وتعميق الرّقابة الذّاتيّة والولاء المؤسّسي، ممّا يوفر نموذجًا إداريًّا أخلاقيًّا قادرًا على معالجة ظواهر مثل الاحتراق الوظيفيّ والفساد الإداريّ. واختتمت الدّراسة بتقديم توصيات تُساعد على مأسّسة هذه القيم عبر مدونات سلوك ملزمة، وتطوير برامج تدريبيّة تخصّصية للقيادات التّربويّة.
الكلمات المفتاحية: إدارة الموارد البشريّة، القيم الإسلاميّة، المؤسّسات التّربويّة، العدالة، الشّورى، الأمانة.
Abstract:
This study aims to examine how Islamic administrative values justice, consultation, and integrity can be operationalized to advance human resource management (HRM) within educational institutions, facilitating a paradigm shift from authoritarian, hierarchical management toward a “values-based participatory leadership” model. Employing a qualitative descriptive and foundational methodology, the study reviews relevant literature, analyzes the administrative dimensions of these three core values, and maps them onto key HR functions within educational settings, including recruitment, performance appraisal, motivation, decision-making, and academic integrity.
The findings highlight that justice fosters objectivity and transparency in resource allocation, task distribution, and performance evaluation; consultation enhances stakeholder participation, improves decision quality, and mitigates organizational centralization; and integrity strengthens self-regulation, organizational probity, and professional commitment.
The study concludes by emphasizing the imperative of transitioning from conceptualizing values as abstract ethical ideals to systematically integrating them into the daily policies and operational procedures of educational institutions. This entails institutionalizing enforceable codes of conduct and executive training programs. Such integration contributes directly to establishing objective performance metrics, mitigating organizational conflict, reinforcing internal oversight, and cultivating institutional loyalty—thereby offering an ethical governance framework equipped to counteract burnout and administrative malfeasance. The study concludes with practical recommendations for institutionalizing these values through binding behavioral codes and specialized leadership development programs.
Keywords: Human Resource Management, Islamic Values, Educational Institutions, Justice, Consultation ( Shura), Trustworthiness (Amanah).
المقدّمة:
يشهد الفكر الإداري المعاصر تحولاً بارزًا نحو اعادة الاعتبار للمنظومات الأخلاقية والقيمة في إدارة المؤسّسات، ولاسيّما في القطاعات الّتي تُشكّل الكادر البشري محركها الأساسي كالمؤسّسات التّربويّة والتّعليميّة. فالموارد البشريّة في هذه المؤسّسات (من معلمين واداريين وباحثين) فهم لايؤدّون وظائف إداريّة أو تعليميّة فحسب، بل يشاركون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل اتّجاهات الأجيال وسلوكها.
وفي هذا السّياق، يوفر الفكر الإسلامي منظومة من القيم الّتي يمكن قراءتها بوصفها موجّهات للسلوك الإداري، ومن أبرزها العدالة والشّورى والأمانة. فالعدالة ترتبط بالإنصاف والموضوعيّة وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، والشّورى تقوم على اشراك أصحاب الخبرة والرّأي في صناعة القرار، أمّا الأمانة فتتصل بالمسؤوليّة والنّزاهة والوفاء بالالتزامات. ومن ثمّ فإنّ إدماج هذه القيم في إدارة الموارد البشريّة يمكن أن يفتح مجالًا للربط بين التّأصيل الإسلاميّ والممارسات الإداريّة الحديثة. وبالتّالي إنّ الاستثمار في تحسين القدرات البشريّة وتنميّة كفاءاتها يُعدّ مؤشرًا جيويًّا على النّمو المستدام (أبوسليمة، 2007)، حيث تسعى الادارة بالقيم إلى تجاوز الأنماط الميكانيكيّة البحتة وتوفير بيئة تنظيميّة تُحقّق التّوازن بين كفاءة الأداء والأخلاقيات المؤسّسيّة.
لذا تتجاوز هذه القيم بكونها مبادىء وعظية مجردة لتصبح أطرًا تنظيميّة وموجّهات إجرائيّة قادرة على معالجة المشكلات الإداريّة المعاصرة، مثل تسرب الكفاءات، ضعف الانتماء، والاضطراب في تقييم الأداء.
وبما أنّ هناك اتّجاه متزايد نحو تأصيل عمل الادارة اسلاميًّا وتنمية الموارد البشريّة لدى منظمات الأعمال، وبما أنّ الادارة هي أحد المحاور الاستراتيجيّة للدين الإسلامي لبناء مجتمع ناجح يهدف إلى زيادة الإنتاجيّة والتّحسين المستمر للأداء، حازت التّنميّة البشريّة في الإدارة على اهتمام كبير من قِبل العديد من المختصّين كعلماء الاقتصاد، والاجتماع، والنّفس والتّربيّة والانثروبولوجيا، ورجالات الخدمة الاجتماعيّة، والمهتمين بالقطاع الشّبابي (توفيق، 2016) وذلك من خلال أمور عدّة منها التّدريب الّذي يقوم على تدعيم وتنويع مهارات وخبرات ومعارف العاملين في المنظمة وعبر ارساء قيم وأخلاقيات الادارة.
فالاستثمار في تحسين القدرات البشريّة للمساهمة في تحقيق النّمو الاقتصاديّ لا يقلّ أهمّية عن الاستثمار في رأس المال الماديّ، ولكنّه يخالفها في كونه يجعل البشر هُم محور التّنميّة والمشاركين بها أيضًا؛ وتعيد الإنسان إلى مكانه الصّحيح في النّشاط الاقتصاديّ (أبوسليمة، 2007).
فالتّنميّة البشريّة كفكرة تقوم على أساس خدمة الإنسان، فكلّ ما هو موجود في الكون أيّنما وجد ليستفيد منه الإنسان ويتمتع به، حتّى يتطوّر هذا الإنسان ويحسّن أوضاعه وظروف حياته (العبيدي، 2012) يقول الله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَة وَبَاطِنَة﴾[3] .
فالادارة بصورها المختلفة والاسلاميّة بشكل خاص تؤدّي دورًا كبيرًا في حياتنا بل وفى تشكيل السّلوك التّنمويّ العام وخاصّة عندما يخطّط لتلك البرامج لتساهم في إعداد وبناء المجتمع وتطويره (الطعاني، 2012) فتؤثّر في تنشئة الجيل وتأهيله للخروج إلى المجتمع متسلحًا بكلّ القيّم عامّة والقيّم الإسلاميّة خاصّة، فكان لا بدّ من إلقاء الضّوء على هذه القيّم وكيف تؤدّي الدّور الرّئيسي بإسهامها في الادارة الإسلاميّة كـ(العدل، الأمانة والشورى) ولاسيّما في ادارة الموارد البشريّة.
واتّجهت هذه الدّراسة إلى بحث هذا الرّبط بصورة إجرائية، بدل الاكتفاء بعرض القيم في إطار وعظي أو نظري عام، وذلك من خلال تحديد مجالات حضورها في وظائف الموارد البشريّة داخل المؤسّسات التّربويّة، وتحليل آثارها التّنظيميّة المتوقّعة.
مشكلة الدّراسة
على الرّغم من وفرة الكتابات الّتي تناولت القيم الإسلاميّة والإدارة من منظور تأصيلي، فإنّ ثمّة حاجة إلى مزيد من الدّراسات الّتي تربط هذه القيم بصورة مباشرة بوظائف إدارة الموارد البشريّة في المؤسّسات التّربوية.
وعليه تتمحور المشكلة الرّيسيّة حول السّوال الآتي: ” كيف تسهم القيم الإسلامية (العدالة، الشورى، الأمانة) في تأطير وظائف إدارة الموارد البشريّة وتحسين البيئة التّنظيميّة في المؤسّسات التّربويّة؟ “
تساؤولات الدّراسة
لتفكيك مشكلة الدّراسة وتحديد أبعادها التّأصيليّة والإجرائيّة، تسعى الدّراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التّالية:
- كيف يمكن ترجمة قيمة العدالة إلى معايير موضوعيّة في التّوظيف وتقييم الأداء والتّحفيز وتوزيع المهام؟
- ما دور الشّورى قي دعم القيادة التّشاركيّة وتحسين صناعة القرار داخل المؤسّسات التّربويّة؟
- كيف تسهم الأمانة في تعزيز الرّقابة الذّاتيّة والنّزاهة الأكاديميّة والالتزام المهني؟
- ما الأثار التّنظيميّة المتوقعة لتكامل القيم الثّلاث في إدارة الموارد البشريّة ب المؤسّسات التّربويّة؟
أهمية الدراسة
تكمن أهمية هذه الدّراسة في شقّين رئيسيين:
- الأهمية النّظريّة المفهوميّة: تسعى إلى إلى الإسهام في إثراء الأدبيات العربيّة من خلال الرّبط بين المنظور القيمي الإسلامي ومجال إدارة الموارد البشريّة، وإبراز الانتقال من عرض القيم كمفاهيم أخلاقيّة إلى تحليل وظائفها الإداريّة والتّنظيميّة.
- الأهمية التّطبيقيّة الإداريّة: وهي تتمثّل في تقديم تصور إرشادي يمكن أن يساعد القيادات التّربويّة على إدماج العدالة والشّورى والأمانة في سياسات التّوظيف والتّقييم والتّحفيز وصنع القرار والرّقابة، بما قد يدعم الثّقة والرّضا والالتزام المؤسّسي.
- الفرضيّات
تستند الدّراسة إلى فرضيات المفهوميّة التّالية:
- الفرضيّة الأولى: يرتبط التّطبيق الإجرائي لقيمة العدالة في إدارة الموارد البشريّة بتعزيز الموضوعيّة والشّفافيّة في التّوظيف وتقييم الأداء والتّحفيز.
- الفرضيّة الثّانية: يسهم تفعيل الشّورى بوصفها نمطًا قياديًّا تشاركيًا في تحسين جودة القرارات وتعزيز المشاركة والولاء التّنظيمي.
- الفرضيّة الثّالثة: ترتبط ممارسة الأمانة بتعزيز الرّقابة الذّاتيّة والنّزاهة المهنيّة والأكاديمية والحدّ من السّلوكيات الإداريّة غير السّليمة.
- الفرضية الرّابعة: يسهم التّكامل بين العدالة والشّورى والأمانة في بناء بيئة تنظيميّة أكثر اتّزانًا داخل المؤسّسات التّربويّة.
أهداف الدّراسة
تسعى الدّراسة إلى تحقيق الأهداف المحدّدة التّالية:
- تأصيل المفاهيم الإداريّة المرتبطة بالعدالة والشّورى والأمانة في ضوء المنظور الإسلامي.
- تحديد مجالات توظيف القيم الثّلاث في وظائف إدارة الموارد البشريّة.
- تحليل العلاقة بين القيم الإسلاميّة والممارسات الإداريّة في البيئة التّربويّة.
- بيان الآثار التّنظميّة المتوقعة لتطبيق العدالة والشّورى والأمانة.
- تقديم التّوصيات تساعد المؤسّسات التّربويّة على تحويل القيم إلى ممارسات وسياسات مؤسّسية.
الدّراسات السّابقة
تناول العديد من الباحثين منظومة القيم والإدارة من زوايا متعدّدة، حيث ركّزت بعض الأطروحات التّأصيليّة على تفكيك المفاهيم الأخلاقية وربطها بالمنظور الإسلامي (الدخيل، 2024) و (قلوص، 2024). بينما اتّهت دراسات أخرى لبحث أثر القيم التّنظيميّة على السّلوك الوظيفي والالتزام المؤسّسي في المؤسّسات الاقتصاديّة والخدميّة (دليلة بدران و وردة برويس، 2023) (بلحمير، الادارة بالقين في تسيير المؤسسات الاقتصادية، 2004).
ومن أبرز الدّراسات ذات الصّلة:
- الدّراسة الأولى: فقد هدفت دراسة(علي، 2011) إلى إظهار أهم الأعمال الإسلاميّة في سيرة النّبي محمد ﷺ، بأسلوب سهل وبلغة يفهمها الغرب، فعرض فيها دور النّبي ﷺ في الارتقاء بمستوى الإنسان من عصور الجاهلية والتّخلف إلى حياة التّحضر والتّمدن، من خلال ما قام به النّبي ﷺ من القضاء على الوثنيّة، ونشر قيم العدالة والمساوة والحبّ والإخاء والتّسامح والحوار.
- الدّراسة الثّانية: (الغامدي، 2015) إنّ العوامل التّنظيميّة من أقوى الحواجز أمام الفرد في الصّعود إلى القمّة، يليها العوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة وأقلّها العوامل الشّخصيّة.
- أظهرت الدّراسة الثّالثة(فرج.الله، 2014) أنّ منظومة القيم أحد المكونات المهمّة الأساسيّة لطبيعة السّلوك الحياتي للإنسان في أيّ مجتمع من المجتمعات منذ القدم وحتّى العصر الحالي، حيث إنّ القيم تتأرجح بين الإيجابيّة والسّلبيّة، وإذا ما غلبت القيم الإيجابيّة سادت حياة متزنة بين النّاس، أمّا إذا سادت القيم السّلبية فهذا يعني تفكّك الرّوابط بين النّاس.
- الدّراسة الرّابعة: أشادت دراسة(الأسطل، 2008) بدور قيم التّربيّة الوطنيّة في تنمية قيم المواطنة، وهي شكل من أشكال القيم الإسلاميّة وقد بينت مدى تحقيق أهداف التّربيّة الوطنية وتدرسيها لطلاب المرحلة الأساسيّة.
الفجوة البحثيّة وما تميّزت به الدّراسة الحاليّة: تتجلّى الفجوة المعرفيّة في أنّ غالبية الدّراسات السّابقة إمّا تناولت القيم بطرح نظري عمومي، أو ركّزت على قطاعات اقتصاديّة وتجاريّة. وتتميّز هذه الدّراسة بالتّطبيق المباشر والإجرائي لهذه القيم على وظائف الموارد البشريّة التّشغيليّة داخل المؤسّسات التّربويّة تحديدًا.
المحاور التّأصيليّة والإجرائيّة للدراسة
| القيمة الإسلامية | المجال الإجرائي في ادارة الموارد البشريّة | الأثر التّنظيمي والمؤسّسي المتوقع |
| العدالة | التّوظيف (الجدارة)، تقييم الأداء (الشّفافيّة)، توزيع المهام والتّحفيز. | تقليل المحسوبيّة، الحدّ من تسرّب الكفاءات والاحتراق الوظيفي، رفع الرّضا الوظيفي. |
| الشّورى | القيادة التّشاركيّة، إشراك المعلمين واللّجان العلميّة في اتّخاذ القرار. | تطوير الذّكاء الجمعي، تقليل مقاومة التّغيير، تخفيف الصّراعات التّنظيميّة. |
| الأمانة | الرّقابة الذّاتية، النّزاهة الأكاديميّة، الالتزام بالوقت والموارد. | الحدّ من الفساد الإداري والانتحال العلمي، إحلال الوازع الأخلاقي بدلاً من الرّقابة الصّارمة. |
منهج الدّراسة
اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي الكيفي/التأصيلي، بما يتلاءم مع طبيعتها المفاهيميّة. وتمثّلت الإجراءات في مراجعة الأدبيات التّربويّة والإداريّة ذات الصّلة، وتأصيل مفاهيم العدالة والشّورى والأمانة، ثمّ تحليل مضامينها الإداريّة وربطها بوظائف الموارد البشريّة مثل التّوظيف، وتقييم الأداء، والتّحفيز، وصنع القرار، والرّقابة والنّزاهة.
أولاً: مفهوم القيم، أهداف القيم، أهمية القيم، القيم الإسلاميّة
تُعد القيم من المفاهيم الجوهريّة في ميادين الحياة الاقتصاديّة والإجتماعيّة والسّياسيّة كافّة، لأنّها تمسّ العلاقات الإنسانيّة بصوره كافّة، فهي ضرورة اجتماعيّة لأنّها معايير وأهداف لا بدّ وأن نجدها في كلّ مجتمع منظم سواء أكان متقدمًّا أو متخلفًا، ويضيف البعض (أبومرسة، 2012) بأنّ الحياة الاجتماعيّة تستحيل من دون القيم ولا يمكن أن يحقّقوا ما يريدون وما يحتجون إليه من الآخرين بغير القيم، وتؤدّي هذه الأخيرة دورًا كبيرًا في إدراك الفرد للأمور من حولـه، وكـذلك تصوراته للعالم المحيط به.
أمّا القيم الإسلاميّة هي مبادئ مستمدة من القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة، وتشمل مفاهيم عدة منها: الأمانة، العدل، الشفافية، الشورى، المسؤولية، الإحسان، وغيرها من القيم.
تُعرّف القيم بأنّها: ”مجموعة الأحكام الّتي يصـدرها الفـرد بالتّفضـيل أو عـدم التّفضيل للموضوعات أو الأشياء وذلك في تقييمه أو تقديره لهذه الموضوعات، وتجري هذه العملية مـن خـلال التّفاعل بمعارفه وخبراته وبين الإطار الحضاريّ الّذي يعيش فيه ويكتسب من خلاله الخبرات والمعارف” (أبوفوده، 2010). ويعرّفها آل عبود (آل.عبود، 2012) أنّها “تنظيمات لأحكام عقلية انفعاليّة، وهي مفهوم ضمني غالبًا ما يعبـر عن فعل أو الامتياز أو درجة الفضل الّذي يرتبط بالأشخاص أو الأشياء أو أوجه النّشاط”. وعرّفت أنّها مجموعة من المثل العليا والغايات والمعتقدات والّتشريعات والوسائل والضّوابط والمعايير لسلوك الفرد والجماعة مصدرها الله عز وجل، وهذه القيم هي الّتي تحدّد علاقة الإنسان وتوجهه إجمالًا وتفصيلًا مع الله تعالى ومع نفسه ومع البشر ومع الكون وتتضمّن هذه القيم غايات ووسائل (البقيمي، 2019). ويقصد بها المبادئ الّتي تحثّ الفرد على الفضيلة، وموجهات للسلوك الإنسانيّ لصالحه وصالح مجتمعه، وتستمدّ أصولها بالأمر والنّهي من القرآن الكريم والسّنة المشرّفة.
تعود أهمية القيم إلى أنّها تمثّل إطارًا مرجعيًا يوجه أحكام الأفراد وسلوكهم ويحدّد ما يعد مقبولًا أو مرفوضُا في المواقف المختلفة. وفي المنظور الإسلامي تستمدّ القيم أصولها من القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة، وتؤدّي وظيفة تتجاوز السّلوك الفردي إلى تنظيم العلاقات داخل المجتمع والمؤسّسة.
كما تكتسب القيم أهمّية خاصّة في المؤسّسات التّربويّة بسبب طبيعة رسالتها، فالمؤسّسة لا تنتج خدمات تعليميّة فقط، وإنّما تؤثّر في بناء شخصية المتعلّم وفي تكوين ثقافة اجتماعيّة أوسع. لذلك فإنّ اتّساق السّلوك الإداري مع منظومة قيم واضحة يمكن أن يعزّز الثّقة ويقلّل التّناقض بين الخطاب التّربوي، والممارسة اليوميّة.
وبالتّالي تهدف هذه القيم إلى تحقيق التّكامل والاتّزان في سلوك الأفراد وقدرتهم على مقاومة القيم المنحرفة وعندها سيفضل الأفراد المصلحة العامّة والمجتمعيّة على المصلحة الشّخصيّة، وذلك بسبب امتلاك الفرد لمنظومة قيمية متوحّدة مع المجتمع، الّتي أصبحت ضابطًا لسلوكه.
وقد أشارت بعض البحوث مثل (Ahmad, Islamic Work Ethics and Organizational Effectiveness, 2011) و (Hashim, 2017) إلى أنّ الإدارة الإسلاميّة لا تتعارض مع الإدارة الحديثة بل تكملها بتأكيدها على الأخلاق والمسؤوليّة الاجتماعيّة.
الحاجة إلى القيم
المسؤوليّة
كلّما كان الفرد متمسكًا بدينه، ومبادئه وقيمه، انعكس ذلك كمسؤولية دينيّة أولاً ثمّ تتجلّى هذه المسؤوليّة بكيفيّة القيام بالعمل وأدائه بحيث كلّ من هو داخل العمليّة التّعليميّة التّعلميّة، يحكّمون الدّين في كلّ تصرفات حياتهم وعملهم، والعكس صحيح (شرعي، 2019).
وهنا تتجلى الحاجة إلى القيم الإسلاميّة بسبب الدّور المهم الّذي تؤدّيه على مستوى الفرد والمجتمع. اضافة إلى قدرتها على مواجهة التّغيرات المختلفة الّتي تحدث في المجتمع، وتحفظ استقراره وكيانه (العطل، 2015). فمن المسؤوليّة يتولد الالتزام بباقي القيم بحيث تجعل العمل والكفاءة من القيم الّتي تنعكس إيجابًا على أيّ مجتمع وزيادة إنتاجيته لما في ذلك من جودة مستمرة في الأداء وإعطاء الشّخص الكفؤ حقّه في المجتمع، فالإسلام قرن العمل بالجهاد في قوله – سبحانه – ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾[4] . ويقول النبي ﷺ :”مَن أمسى كالًّا من عمل يده أمسى مغفورًا له”[5].
العدالة
إنّ حقيقة العدل في الإسلام أنّه ميزان الله على الأرض، به يؤخذ للضعيف حقه وينصف المظلوم ممن ظلمه، ويمكن صاحب الحقّ من الوصول إلى حقّه من أقرب الطّرق وأيسرها، فلا يوجد نظام في الإسلام وللعدل فيه مطلب مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشّهادة وكتابة العهود والمواثيق، بل إنّه مرتبط أيضًا بنظام الأسرة والتّربيّة والاقتصاد والاجتماع والسّلوك والتّفكير إلى غير ذلك من أنظمة افسلام المختلفة (الشعبي، 2023-2024)
العدالة بأنّها تتخذ العدالة في البيئة المؤسّسية صورة عمليّة عندما تتحوّل من مبدأ عام إلى معايير وإجراءات واضحة. وفي إدارة الموارد البشريّة يمكن أن تظهر في اختيار العاملين وفق الكفاءة والجدارة، وتوزيع المهام بصورة منصفة، وتقييم الأداء وفق مؤشّرات معلنة، وإتاحة فرص التّطور والتّحفيز على أسس موضوعيّة. ولا تعني العدالة بالضرورة المعاملة المتطابقة في جميع الحالات، بل تعني وضع معايير منصفة تراعي طبيعة المسؤوليات والكفاءة والاستحقاق. ومن ثمّ فإت العدالة الإجرائيّة والعدالة التوزيعيّة يمكن أن تسمها في الحدّ من المحسوبيّة والشّعور بالظّلم، وتعزيز الرّضا والثّقة والانتماء المؤسّسي. وفي المؤسّسات التّربويّة، يمكن ترجمة ذلك إلى إجراءات مثل إعلان معايير التّوظيف، وضبط آليات توزيع الحصص والمهام، وتحديد معايير التّقييم والتّرقية بصورة واضحة، وربط المكافآت بالأداء والاستحقاق. وقد تمثّلت أبعاد العدالة في الموارد البشريّة في:
- العدالة التّوزيعيّة: توزيع الأعباء الوظيفيّة والمكافآت بناءً على الجدارة، والكفاءة والعمل.
– العدالة الإجرائيّة: شفافيّة اتّخاذ القرار، بحيث يشعر الموظف أنّ المسطرة التي يُقاس بها أداؤه هي مسطرة موضوعيّة لا تخضع للمزاجيّة أو المحسوبيّة. وبالتّالي في سياق إدارة الموارد البشريّة التّربويّة، تتجاوز العدالة مفهوم المساواة الشّكلية لتصبج العدالة في المؤسّسة العمود الفقري لـ “الرّضا الوظيفي”. وتتجاوز العدالة في المنظور الإسلامي، مجرد توزيع الرّواتب لتشمل:
– عدالة التّوظيف (الجدارة): أي وضع “الرّجل المناسب في المكان المناسب” وهو جوهر العدل. حيث يُمنع تعطيل الكفاءات لصالح المحسوبيّة لأنّ ذلك يُعد “خيانة للأمانة” وظلمًا للمؤسّسة. فالالتزام بمبدأ العدالة والأمانة في الاختيار يفرض تقديم الأكفأ علميًّا وخلقيًا، وهو ما يجسّد قوله تعالى: “إن خير من استأجرت القوي الأمين”[6].
– عدالة الّتقييم والتّحفيز: تطبيق معايير أداء شفافة تضمن عدم بخس النّاس أشياءهم، استنادًا للقاعدة القرآنيّة: “وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ“[7]
– عدالة التّعامل: المساواة في التّعامل بين الموظفين بغض النظر عن العرق أو الجنس، ممّا يخلق بيئة عمل محفزة. – العدالة في توزيع الأنصبة والمهام: إنّ توزيع الجداول الدّراسيّة والمهام الإداريّة بناءً على التّخصّص والقدرة، وليس المحاباة، يمنع الشّعور بالظّلم التّنظيمي الّذي يُعد السّبب الأول لتسرب الكفاءات التّعليميّة. كما أنّ تطبيق قيمة العدالة يقلّل بنسبة كبيرة من معدلات الدّوران الوظيفي.
وهنا تجدر الإشارة بأنّ بعض النّاس يظنونّ بأنّ قيمة العدل والمساواة هما شيء واحد، والحقيقة أنّ الفرق بينهما كبير، فالعدل هو اعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وإنصاف المظلوم، وردّ الحقوق، ووضع الأمور في نصابها الصّحيح، وهذا ما أشير له في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[8]، وفي الآية الأخرى ﴿“يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[9].
أمّا المساواة فهي معاملة جميع الأفراد بالطّريقة نفسها. ومنحهم نفس الحقوق والفرض، والموارد بالتّساوي التّام بغض النّظر عن احتياجاتهم الفرديّة، أو قدراتهم، أو ظروفهم المتباينة، أو ما هو حقّ لهم.
قيمة الشّورى وتفعيل “القيادة الموزعة”
الشّورى في اللّغة
إنّ الشّورى هي استخراج الآراء المتعدّدة في الأمر المعروض ممن يحسنون ذلك، وتقليبها وفحصها والموازنة بينها، واختبارها لاختيار أنفعها وأصلحها، والدّلالة عليها، قال البدر العيني: «وحاصل معنى شاورته عرضت عليه أمري حتّى يدلني على الصّواب منه».
مفهوم الشّورى
تُعرَّف الشّورى بأنّها مجهود فكريّ جماعي يهدف إلى تبني موقف مشترك بخصوص موضوع سياسي، اجتماعي، اقتصادي أو غيره.
أهمية الشّورى
يؤدّي هذا النّمط إلى توسيع قاعدة المعلومات المتاحة لصانع القرار، والاستفادة من الخبرات الميدانيّة، وتقليل احتمالات الخطأ النّاتج عن القرار الفردي. كما أنّ مشاركة العاملين في صياغة بعض القرارات قد ترفع مستوى قبولها وتدعم الشّعور بالتّمكين والولاء التّنظيمي.
وتتجسّد الشّورى عمليًّا في تفعيل مجالس الأقسام واللّجان التّربويّة، وإتاحة قنوات منتظمة للاقتراح والحوار، وإشراك أصحاب الخبرة في تطوير المناهج والبرامج والخطط، مع الحفاظ على وضوح المسؤولية النّهائيّة عن القرار ممّا يقلّل من الأخطاء الإداريّة المركزيّة.
فالشّورى بالمعنى المشاركة تهدف إلى تحقيق المنفعة الشّخصيّة والمؤسّستيّة. بحيث يصبح حقّ المشاركة ضمن الحريات، ويتجاوز مفهوم قيمة المشاركة من مجرد كونها حقّ إنّما هي ثقافة تقع على النّقيض من ثقافة عدم الاكتراث واليأس والعزوف، ذلك أنّ قوّة الدّيمقراطيّة تكمن في إرادة التّلاميذ والمعلمين والموظفين للعمل المسؤول في العمل مع غيرهم في العمل، واختيار من يمثلهم، وتقييم أدائهم، وهذه العمليات مجتمعة هي الّتي حدّت بالمنظرين للدّيمقراطيّة للحديث عن الذّهنيّة الديمقراطيّة المقترنة بالتّكوين والممارسة السّليمة (سليمة، 2019).
فتطوير قيمة الشّورى في العمل تتيح أفاقًا لإثبات الكفاءة، والتّميز والقدرة على العطاء للمشاركة في العمل وصقل الشخّصيّة، وتساعد على تقبلها للآخر وتزيد من قدرتها على العمل بروح الفريق الواحد. ومن الضّرورة تحرّك الادارة التّربويّة والفاعلين بالتّفكير في وضع خريطة للطريق تضمن تعزيز قيمة المشاركة.
وهنا يلزم الالتفات إلى أنّ هناك فرقًا بين الشّورى والدّيمقراطيّة. فالشّورى هي الانتقال من الاستبداد إلى التّشاركيّة: بحيث تُعدّ الشّورى الضمانة الأساسيّة ضدّ “المركزيّة القاتلة”. في المؤسّسة التّعليميّة، وتفعيل الشّورى يعني الانتقال من نموذج “المدير الآمر” إلى نموذج ” القائد الميسر”.
أمّا الدّيمقراطيّة يَسْهُل التّحايل عليها، من خلال سيطرة البعض، ومن ثَم يقومون بفرض وجهة نظرهم على البقية.
قيمة الأمانة والرّقابة الأخلاقيّة في العمل التّربويّ
الأمانة لغةً: الأمن والسّكون ورفع الخوف والوحشة والاضطراب[10].
الأمانة اصطلاحاً: هي كلّ حقّ لزمك أداؤه وحفظه[11].
ترتبط الأمانة في العمل بالوفاء بالمسؤوليات والالتزامات، وحفظ الموارد، والصّدق في أداء المهام، والابتعاد عن استغلال الموقع الوظيفي لتحقيق منافع شخصيّة. وتمتاز هذه القيمة بأنّها لا تعتمد فقط على الرّقابة الخارجيّة، بل تستند إلى رقابة داخليّة تنبع من وعي الفرد بمسؤوليته الأخلاقيّة.
وتظهر الأمانة في المؤسّسات التّربويّة في الالتزام بالوقت والمهام، والدّقة في توثيق المعلومات، والنّزاهة الأكاديميّة، وحماية الموارد، والابتعاد عن التّحيز في التّقييم أو التّوظيف. ويمكن أن يؤدّي ترسيخها إلى دعم الثّقة وتقليل الحاجة إلى الرّقابة الإجرائيّة المفرطة، من دون إلغاء الأنظمة الرّسميّة أو آليات المساءلة. تُعد قيمة الأمانة في المنظور الإسلامي ضابطًا أخلاقيًا داخليًا يتجاوز أطر الرّقابة القانونيّة الصّارمة، فهي في جوهرها استشعار للمسؤوليّة أمام الخالق قبل المخلوق. وعند إسقاط هذه القيمة على البيئة الجامعيّة والبحثيّة، نجد أنّها تمثّل الأصل الشّرعي لما يُعرف حديثاً بـ “النزاهة الأكاديمية” فنجد أثرها في استقامة الفرد بحيث تصبح معيارًا للجودة والرّقابة الذّاتيّة.
التّكامل بين القيم الثّلاث وإدارة الموارد البشريّة
لا تعمل العدالة والشّورى والأمانة بصورة منفصلة، إذ يمكن النّظر إليها باعتبارها منظومة متكاملة. فالعدالة توفر معيارًا للإنصاف والموضوعيّة، والشّورى توفر آلية للمشاركة وتجسين القرار، بينما تمنح الأمانة السّلوك الإداري أساسه الأخلاقي والرّقابي.
وعند جمع هذه القيم في إدارة الموارد البشريّة يمكن بناء نموذج إداري يقوم على وضوح المعايير، ومشاركة العاملين، وتحمل المسؤوليّة. ويظهر ذلك في دورة الموارد البشريّة كاملة: من الاستقطاب والتّوظيف، إلى توزيع المهام، وتقييم الأداء، والتّحفيز، والتّطوير المهني، ثمّ المساءلة والحوكمة.
كيفيّة تشكل هذه القيم
إنّ اكتساب القيم الإسلاميّة واحتضانها عن قناعه تامّة من الفرد يؤدّي إلى انسجام وتوازن في عمليّة الاكتساب، ممّأ يؤدّي إلى تحقّق الانسجام والتّوافق في الشّخصيّة وعلى ذلك تستقر الشّخصيّة، وتصبح لها سمات واضحة تحقّق من خلالها ذاتها، وتنظم لديها المعايير المقبولة لسلوكها من ذاتها، واكتساب الشّخصيّة لهذه المعايير يعني أنّها اكتسبت الطّرق الّتي تحدّد رؤية الإنسان للواقع وتنظيم السّلوك في المواقف المختلفة. ولتشكيل هذه القيم وترسيخها علينا اعتماد برامج تدريبيّة حول القيم الإسلاميّة وأهميتها، لتعمل إفساح المجال أمام الفرد للتعبير عن نفسه، وتوظيف قدراته في المجالات المختلفة، واحترام إرادته في التّغيير، بالإضافة إلى تفعيل مشاركته في العمل، ودفعه نحو الإنتاج، وفتح الآفاق الواسعة أمام الأفكار الرّياديّة لتحقيق طموحاته الشّخصيّة وتنمية الرّغبة لدى الفرد بخدمة المؤسّسة والنّهوض بها نحو أفضل المستويات، وكلّ ذلك من منطلق أهميّة تطبيق هذه القيم الإسلاميّة والسّعي إلى تطويرها وتعزيزها في الادارة.
التّحديات الرئيسية لتعزيز القيم في إدارة الموارد البشرية
بناءً على ما ورد في الدّراسة تتلخص التّحدّيات الرّئيسيّة في النّقاط التّالية:
- الفجوة بين التّنظير والممارسة: بين التّأصيل الفكري والممارسات الميدانية اليوميّة.
- الاعتماد السّائد على نماذج إداريّة تقليديّة تفتقر للمكوّن القيمي الخاص بالبيئة العربيّة والإسلاميّة.
- صعوبة تحويل المفاهيم الأخلاقيّة المعنويّة إلى مؤشرات أداء فعليّة.
الفجوة البحثيّة
أظهرت المراجعة للأدبيات السّابقة أنّها تناولت القيم الإسلاميّة أو الأخلاقيّة بصورة عامّة، أو درس أثر القيم في قطاعات إقتصادية وخدماتيّة. أمّا القيمة المضافة لهذه الدّراسة فتتمثّل في محاولة الانتقال إلى مستوى أكثر إجرائيّة عبر ربط ثلاث قيم محدّدة بوظائف الموارد البشريّة داخل المؤسّسات التّربويّة، مع تحديد الأثر التّنظيمي المتوقع لكلّ قيمة.
النّتائج
استنادًا إلى التّحليل التّأصيلي الوارد في الدّراسة، يمكن استخلاص النّتائج الآتية:
- تمثّل العدالة والشّورى والأمانة منظومة قيميّة قابلة للربط بوظائف إدارة الموارد البشريّة.
- يؤدّي تحويل العدالة إلى معايير معلنة في التّوظيف والتّقييم وتوزيع المهام إلى دعم الموضوعيّة والشّفافيّة.
- توفّر الشّورى أساسًا مناسبًا لتعزيز المشاركة والاستفادة من الخبرات وتحسين جودة القرار.
- تسهم الأمانة في بناء الرّقابة الذّاتيّة ودعم النّزاهة والالتزام المهني.
- يزداد الأثر التّنظيمي المتوقع عندما تطبق القيم الثّلاث بصورة متكاملة بدل التّعامل معها كمبادىء منفصلة.
- تحتاج المؤسّسات التّربويّة إلى تحويل القيم من خطاب أخلاقي عام إلى سياسات وإجراءات ومؤشّرات سلوك قابلة للمتابعة.
التّوصيّات
خلصت الدّراسة إلى جملة من التوصيّات منها:
- إعداد مدونات سلوك مؤسّسيّة تستند إلى العدالة والشّورى والأمانة وتوضح تطبيقاتها في العمل اليومي.
- إعتماد معايير معلنة وموضوعيّة للتوظيف وتوزيع المهام وتقييم الأداء والتّرقية.
- تفعيل المجالس واللّجان التّربويّة بوصفها قنوات للمشاركة والشّورى.
- تصميم برامج تدريبيّة للقيادات التّربويّة حول الإدارة القائمة على القيم.
- دعم النّزاهة الأكاديميّة والمهنيّة من خلال إجراءات واضحة للتوثيق والمساءلة.
- تطوير مؤشّرات دوريّة لقياس مستوى العدالة والمشاركة والثّقة والنّزاهة داخل المؤسّسة.
- إجراء دراسات ميدانيّة لاحقة لاختبار الفرضيّات وقياس العلاقة بين القيم الثّلاث ومؤشّرات الأداء والرّضا والالتزام التّنظيمي.
الخاتمة
خلصت الدّراسة إلى أنّ القيم الإسلاميّة يمكن أن توفر إطارًا قيميًا داعمًا لإدارة الموارد البشريّة في المؤسّسات التربويّة، ولاسيّما عندما يتمّ الانتقال بها من مستوى المبادىء العامّة إلى مستوى السّياسات والممارسات والإجراءات. وأنّ الجمع بين القيم الإسلاميّة وممارسات الإدارة الحديثة قد يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسّسي، وتحقيق التّنمية المستدامة.
وعليه، فإنّ القيمة العلميّة للمقاربة المقترحة لا تكمن في تقديم القيم الإسلاميّة بوصفها بديلًا عن نظريات الإدارة الحديثة، وإنّما في محاولة بناء تكامل بين البعد القيمي والأدوات الإداريّة المعاصرة بما يتلاءم مع خصوصيّة المؤسّسات التّربويّة.
ورغم ثراء الدّراسات السّابقة في تناول القيم بشكل عام أو معالجة مفاهيم الإدارة الإسلاميّة في القطاعات الاقتصاديّة والتّجاريّة، إلّا أنّ معظمها اتّسم إمّا بالعموميّة النّظريّة أو بالتّركيز على مجالات غير تربويّة. ومن هنا جاءت قيمة هذه الدّراسة، حيث تجاوزت مستوى الوعظي المجرد لتُوظف هذه قيم (العدالة، الشّورى، الأمانة) بشكل إجرائي ومباشر على وظائف إدارة الموارد البشريّة التّشغيليّة (كالتّوظيف، وتقييم الأداء، وصنع القرار التّشاركي، والنّزاهة الأكاديميّة) داخل بيئة المؤسّسة التّربويّة حصرًا، وهو ما يردم الفجوة بين التّأصيل الفقهي والممارسة الإداريّة التّربويّة المعاصرة.
ففي ظلّ الأزمات الإداريّة المعاصرة، برزت الحاجة إلى العودة إلى القيم الّتي أرساها الإسلام. ووفق الرّؤية الإسلاميّة الّتي تجمع بين الكفاءة الماديّة والسّمو الأخلاقيّ.
إلاّ أنّه تبقى هذه النّتائج في إطارها التّأصيلي والتّحليلي، ولا يمكن تعميمها على المؤسّسات التّربويّة أو إثبات علاقات سببيّة بين المتغيرات إلاّ من خلال دراسات ميدانيّة لاحقة، وهو ما يمثّل مجالًا مهمًّا لتطوير البحوث مستقبلًا.
لائحة المصادر والمراجع
الفرآن الكريم.
Ahmad, K. (2011). Islamic Work Ethics and Organizationak Effectiveness. journal of Management.
Hashim, M. (2017). Leadership in Islam: Management Principles and Practices.Islamic Business Review.
ابراهيم، بلحمير. (2004). الادارة بالقين في تسيير المؤسسات الاقتصادية. مجلة معهد العلوم الاقتصادية.
أسماء ، أبومرسة. (2012). دور الأسرة الفلسطينية في التنشئة القيمية لأبنائها، رسالة ماجستير. غزة: الجامعة الإسلامية.
أشرف حسن، قلوص. (2024). أثر المنهج الاسلامي على الالتزام التنظيمي في المؤسسات. مجلة كلية الشريعة والقانون بأسيوط.
باسمة، أبوسليمة. (2007). مدى فاعلية التدريب في تطوير الموارد البشرية في مكتب الأنروا الإقليمي. غزة: الجامعة الإسلامية، كلية التربية.
بوزيد، سليمة. (2019). المشاركة في اتخاذ القرارات آلية أساسية في تحقيق التنمية الادارية. مجلة العلوم الإنسانية، العدد 20، 319-333.
تحسين محمد، العطل. (2015). تصور مقترح لتعزيز دور الأسرة الفلسطينية في ترسيخ القيم الأسرية المستنبطة من الفرآن والسنة لدى أبنائها من وجهة نظر طلبة جامعة الأقصى. غزة: الجامعة الإسلامية، قسم الأصول.
حسن، الطعاني. (2012). التدريب: مفهومه، فعاليته، بناء البرامج التدريبية وتقويمها،. دار الشروق.
حسين أحمد، الحياري. (2008). ماهية القيم وأنواعها إسلاميا، مؤتمر القيم والتربية في عالم متغير. اربد، الأردن: قسم الإرشاد وعلم النفس، كلية التربية، جامعة اليرموك،.
حنان أحمد، الحنجوري. (2015). تحليل العلاقة بين التنمية البشرية والنمو الاقتصادي في فلسطين. رسالة ماجستير. غزة: جامعة الأزهر، قسم الاقتصادي والعلوم الادارية.
خلود، الحازمي. (2012). النسق القيمي للاسرة السعودية قي ضوء ثقافة العولمة وانعكاسه على الممارسات الإدارية لطلاب المرحلة الجامعية. رسالة ماجستير. مكة: جامعة أم القرة، كلية التربية.
دليلة بدران و وردة برويس. (2023). أثر القيم التنظيمية على أداء الموارد البشرية في المؤسسة. مجلة العلوم الاسلامية والخضارة.
سماهر عمر مصطفى، الأسطل. (2008). القيم التربوية المتطنة في آيات النداء القرآني للمؤمنين وسبل توظيفها في التعليم المدرسي، رسالة ماجستير. غزة: الجامعة الإسلامية، كلية التربية.
شيماء عبد الحليم، فرج.الله. (2014). دور الأسرة الفلسطينية في تعزيز السلوك القيمي لأبنائها في ضوء الفكر التربوي الاسلامي وسبل تطويره، رسالة ماجستير،. غزة: الجامعة الإسلامية، أصول التربية.
عبد الجبار، العبيدي. (2012). خرافة التنمية والتنمية البشرية المستدامة ” دراسات في اشكالية الفكر الاقتصادي. عمان، الأردن: دار الحامد للنشر والتوزيع.
عبد الرحمن، الحارثي. (2013). تصور مقترج لدور الأسرة السعودية في اكساب بعض القيم لدى أبنائها من منظور إسلامي، رسالة ماجستير. مكة: جامعة أم القرى، كلية التربية.
عبدالرحمن، توفيق. (2016). التدريب،, موسوعة التدريب والتنمية البشرية الجزء الرابع، تقييم. بميك: مركز الخبرات المهنية للادارة.
عبدالله بن سعيد بن محمد ، آل.عبود. (2012). واقع قيم المواطنة لدى الشباب واسهامها في تعزيز الأمن الوقائي رسالة ماجستير. الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.
عزيز عبد العزيز، علي. (2011). الدور التربوي للأسرة في ضوء المعايير الاسلامية ومدى تمثله في الأسرة الفلسطينية من وجهة نظر أبنائها رسالة مالجستير. غزة: الجامعة الإسلامية.
علاء الدين، الزاكي. (2021). تم الاسترداد من
WWW.ISLAMSYRIA.COMUPLOADFILE-LIBRARY
فوز، الغامدي. (2015). معوقات وصول المرأة السعودية إلى المناصب القيادية في القطاع العام دراسة ميدانية على عينة من موظفات جامعة الملك عبد العزيز بجدة، رسالة ماجستير. جدة: جامعة الملك عبد العزيز، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
ماجد، الجلاد. (2007). تعلم القيم وتعليمها. تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتجيات تدريس القيم. طبعة 2. الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
مثيب، البقيمي. (2019). إسهام الأسرة في تنمية القيم لدى الأبناء – تصور مقترح، رسالة ماجستير. مكة، السعودية: جامعة أم القرى، كلية التربية.
محمد بن عبد الرجمن، الدخيل. (2024). من القيم الاسلام العظمى. مجلة كلية الدراسات الاسلامية والعربية للبنات بدمنهور.
محمد عطية، أبوفوده. (2010). دور الإعلام التربوي في تدعيم الانتماء الوطني لدى طلبة الجامعيين في محافظات غزة رسالة ماجستير. غزة: جامعة الأزهر كلية التربية.
هاني محمد، السعيد. (2015). رأس المال الفكري، انطلاقة إدارية معاصرة. القاهرة، مصر: دار السحاب للنشر والتوزيع.
وداد عبدالله، شرعي. (2019). الجامعات والحراك الاجتماعي للمرأة السعودية جامعة الأمير سطام نموذجًا. مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد السادس المجلد الثالث، 139-164
.
1- أستاذة محاضرة في جامعة آزاد الإسلاميّة – إيران – طهران.
Professor and lecturer at Azad Islamic University – Iran – Tehran.Email: m_taghvaeeyazdi@yahoo.com
[2]– طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- إيران – طهران- كليّة الإدارة – فرع العلوم والتحقيقات.
– PhD student at Azad Islamic University – Iran – Tehran – Faculty of Management – Department of Science and Research. Email: najwaabouturek48@gmail.com
[3] – القرآن الكريم سورة لقمان آية 20.
2- القرآن الكريم، سورة المزمل ، آية 20.
[5]– https://www.islamweb.net/ar/fatwa/72645
[6] – القرآن الكريم، سورة القصص، جزء من آية 26.
[7] – القرآن الكريم، سورة الشعراء، آية 183.
[8] – القرآن الكريم، سورة النحل، آية 90.
[9] – القرآن الكريم، سورة ص، آية 26.
1- الشيخ حسن المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص 150.
[11] – المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، تصحيح أحمد عبد السلام، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ – 1994م، ط 1، ج1، ص 288.