الذكاء الاصطناعي في التسويق وقرار الشّراء لدى المستهلك اللبناني: بناء نموذج تحليلي يُوظِّف الثقة وسيطًا إدراكيًّا
عنوان البحث: الذكاء الاصطناعي في التسويق وقرار الشّراء لدى المستهلك اللبناني: بناء نموذج تحليلي يُوظِّف الثقة وسيطًا إدراكيًّا
اسم الكاتب: د. أحمد جابر، وائل علي بدير
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
الذكاء الاصطناعي في التسويق وقرار الشّراء لدى المستهلك اللبناني:
بناء نموذج تحليلي يُوظِّف الثقة وسيطًا إدراكيًّا
Artificial Intelligence in Marketing and the Lebanese Consumer’s Purchase Decision:
Toward an Analytical Model Employing Trust as a Cognitive Mediator
Dr. Ahmed Qasim Jaber أ.د. أحمد قاسم جابر([1])
Wael Ali Bdeir وائل علي بدير([2])
تاريخ الإرسال:15-8- 2026 تاريخ القبول:27-8-2026
الملخص turnitin:13%
الهدف: يُعالج هذا البحث قصورًا تحليليًّا مزدوجًا في أدبيّات الذكاء الاصطناعي في التسويق: اختزال قرار الشّراء في مؤشرات كليّة كنية الشّراء ومعدل التّحويل من جهة، وتوظيف الثقة في الأنظمة الخوارزميّة متغيرًا تابعًا أو معتدِلًا لا آلية وساطة من جهة أخرى. يهدف البحث إلى بناء نموذج تحليلي مقترح يُفكِّك قرار الشّراء الرّقمي إلى ثلاثة أبعاد إدراكية متمايزة — سرعة الحسم الشرائي، وجودة القرار المدركة، ومستوى التردد قبل الشّراء — ويُصنِّف الأدوات الخوارزميّة التّسويقيّة وفق آليات اشتغالها الإدراكيّة لا وفق تسمياتها التّقنيّة، في ثلاثة أبعاد: التّخصيص الخوارزمي للاختيار، والدّعم الخوارزمي لاتخاذ القرار، والتّحفيز الخوارزمي للقرار. يُوظَّف في النّموذج متغير الثقة في الإشارات التّسويقيّة الخوارزميّة وسيطًا إدراكيًا عبر تسعة مسارات وساطة. المنهج: يستند البناء المفاهيمي إلى تكامل ثلاثة أطر نظريّة، لكلٍّ منها وظيفة محددة: نموذج المحفِّز-الكيان-الاستجابة لتأطير البنية العلائقيّة، ونظريّة المعالجة المزدوجة لتفسير التّباين المتوقع في آليات اشتغال الأبعاد، ونماذج الثّقة في سياقات التّقنيّة الرّقمية لتأسيس الدّور الوسيط. وتُحدَّد بيئة الاختبار في السّياق الرّقمي اللبناني بوصفه سياقًا هجينًا متعدد القنوات ذا هشاشة مؤسسيّة بالغة. أبرز الإسهامات المقترحة: يخلص البحث إلى أربعة إسهامات — مفاهيمي ونظري ومنهجي وسياقي — وإلى إطار منهجي مقترح لاختبار النّموذج كميًّا. والبحث مفاهيمي-منهجي لا يُقدِّم نتائج تجريبية؛ إذ تُصاغ فرضياته لأغراض الاختبار اللاحق لا التحقق الراهن.
العبارات المفتاحيّة: الذكاء الاصطناعي في التسويق، التّخصيص الخوارزمي، الثقة في الإشارات الخوارزميّة، جودة القرار المدركة، التّردد قبل الشّراء، البيئة الرّقمية اللبنانيّة.
Abstract
Objective: This paper addresses a twofold analytical shortcoming in the literature on artificial intelligence in marketing: the reduction of the purchase decision to aggregate indicators such as purchase intention and conversion rate, and the treatment of trust in algorithmic systems as a dependent or moderating variable rather than a mediating mechanism. The paper develops a proposed analytical model that deconstructs the digital purchase decision into three distinct cognitive dimensions — purchase decision speed, perceived decision quality, and pre-purchase hesitation — and classifies algorithmic marketing tools according to their cognitive operating mechanisms rather than their technical labels, yielding three dimensions: algorithmic personalization of choice, algorithmic decision support, and algorithmic purchase stimulation. Trust in algorithmic marketing cues is employed as a cognitive mediator across nine mediation paths. Method: The conceptual construction integrates three theoretical frameworks, each assigned a specific function: the Stimulus-Organism-Response model frames the relational structure, Dual Process Theory explains the anticipated variance in how the dimensions operate, and technology-based trust models establish the mediating role. The proposed testing environment is Lebanon’s digital context, characterized as a hybrid multi-channel setting of severe institutional fragility. Key proposed contributions: The paper concludes with four contributions — conceptual, theoretical, methodological, and contextual — and a proposed methodological framework for quantitative testing. This is a conceptual-methodological paper presenting no empirical findings; its hypotheses are formulated for subsequent testing rather than present verification.
Keywords: Artificial intelligence in marketing, algorithmic personalization, trust in algorithmic cues, perceived decision quality, pre-purchase hesitation, Lebanese digital environment.
1. المقدمة
يُحدث التّوسع المتسارع في تطبيقات التّحليل الخوارزمي داخل بيئات التّجارة الرّقمية تحولًا جوهريًّا في طبيعة العلاقة بين الإشارات التّسويقيّة وبنية القرار الاستهلاكي (Davenport et al., 2020). لم تعد الأنظمة الخوارزميّة مجرد أدوات تحسين تشغيلي تعمل في خلفية المنصة، بل باتت تتدخل مباشرة في معالجة المعلومات لدى المستهلك، وفي تشكيل مجموعة البدائل المعروضة عليه، وفي الضغط على توقيت استجابته القراريّة. ويطرح هذا التّحوّل تساؤلًا تحليليًّا غير مستنفَد في الأدبيّات المتاحة: هل يمتد أثر هذه الأدوات إلى البنية المعرفيّة لقرار الشّراء ذاته، أم يقتصر على مؤشرات الأداء الكمي القابلة للرصد المباشر؟
يُلاحَظ في الأبحاث السائدة أن معظم الدِّراسات التّجريبيّة تعاملت مع قرار الشّراء بوصفه أحادي البعد، يُعبَّر عنه عادةً بنية الشّراء أو معدل التّحويل أو الرضا الكلي. غير أن هذا الاختزال يتجاهل البنية الدّاخليّة للعمليّة القراريّة: السرعة التي يُحسم بها القرار، والتقييم الذاتي لملاءمة الاختيار مقارنةً بالبدائل المتاحة، ودرجة التردد قبل الإقدام على الشّراء. وثمة فجوة بين ما تُعلنه الأدبيات من توافق حول الأثر الإيجابي للذكاء الاصطناعي على السلوك الاستهلاكي، وبين غياب الفحص التّفصيلي للآليّات الإدراكيّة التي تتوسط هذا الأثر. بل إن هذا التّوافق ذاته يستحق التّشكيك: هل يعكس إجماعًا تجريبيًّا فعليًّا، أم أنّه نتاج تجانس منهجي في طرق القياس وتحيز النّشر لصالح النّتائج الإيجابيّة؟
يزيد من حدّة هذه الفجوة أن مفهوم الثّقة في الأنظمة الخوارزميّة عُولج في معظم الأبحاث إمّا كمخرج تابع يُقاس في نهاية النماذج التّجريبيّة، أو كعامل اعتدالي يُضبط أثره، من دون اختباره بوصفه آلية وساطة تربط الإدراك الخوارزمي بأبعاد القرار المتعددة. وهذا التّوظيف البديل للثقة — وسيطًا لا تابعًا — يُمثل مسعىً تحليليًّا مغايرًا يستحق اختبارًا منهجيًّا منضبطًا.
وفي السّياق اللبناني، يتشكل سياق الشّراء الرّقمي من تداخل قنوات متعددة بنيويًّا: المتاجر الإلكترونيّة، والتّطبيقات المتخصصة، والبيع عبر منصات التّواصل الاجتماعي، والتّفاوض المباشر عبر تطبيقات المحادثة. ويُولِّد هذا التعدد ديناميكيّات ثقة متباينة تبعًا لطبيعة كل قناة ودرجة رسميتها ومستوى الإدراك الخوارزمي المصاحب لها. ودراسة أثر الأدوات الخوارزميّة في مثل هذا السّياق تقتضي نموذجًا تفسيريًّا مُصمَّمًا ليستوعب هذا التّعدد، لا نموذجًا مصوغًا لبيئات رقميّة أحاديّة القناة ثم منقولًا من دون فحص تكيّفي.
ينطلق هذا البحث من هذه المفارقات لتقترح نموذجًا تحليليًّا يُعيد بناء العلاقة بين الأدوات الخوارزميّة التّسويقيّة وقرار الشّراء على ثلاثة تعديلات مفاهيميّة متزامنة: تفكيك المتغيّر التّابع إلى أبعاد إدراكيّة متمايزة، وتصنيف الأدوات الخوارزميّة وفق آليات اشتغالها لا تسمياتها التّقنيّة، وإعادة توظيف الثقة وسيطًا إدراكيًّا لا متغيّرًا تابعًا. ويُقدَّم البحث بوصفه بحثاً مفاهيمياً-منهجياً: مهمته بناء النّموذج وتبرير بنيته واقتراح إجراءات اختباره، لا عرض نتائج ميدانيّة.
2. مشكلة البحث وأسئلته
على الرّغم من الانتشار الواسع للأدوات الخوارزميّة في المنظومة التّسويقيّة الرّقمية، يظل أثرها الإدراكي على البنية الدّاخليّة لقرار الشّراء موضع افتراض أكثر منه موضع اختبار منهجي دقيق. فالأدوات قيد النّظر — الإعلانات الرّقمية المخصصة، وأنظمة توصية المنتجات، وروبوتات المحادثة التّجاريّة، وأوصاف المنتجات المولَّدة آليًّا، والعروض الموجهة، والإشعارات الذّكيّة المرتبطة بسلوك المستخدم — تُوظَّف بوصفها أدوات تنظيم للمعلومات وتوجيه للاختيار. بيد أن الوجود التقني لهذه الأدوات لا يستلزم بالضرورة أثرًا إدراكيًّا محدد الاتجاه في البنية القرارية للمستهلك.
تتمحور الإشكاليّة حول ثلاثة مستويات متمايزة من القصور التّحليلي. أولها اختزال متغيرات القرار في مؤشرات كليّة من دون فحص أبعادها الإدراكيّة الدّاخليّة. وثانيها غياب الاختبار المنهجي لدور الثقة في الإشارات الخوارزميّة بوصفها آلية وساطة، في مقابل توظيفها السّائد متغيرًا تابعًا أو معتدِلًا. وثالثها افتراض التّماثل في قوة تأثير الأدوات الخوارزميّة المختلفة من دون اختبار مقارن ضمن إطار تحليلي موحّد.
ويُوضِّح مثال بسيط لماذا يُمثِّل الاختزال قصورًا تحليليًّا لا مجرد اختلاف في الأدوات: فالنيّة الشّرائيّة تُعبِّر عن اتجاه سلوكي محتمل، لا عن طبيعة العمليّة القراريّة الفعليّة. مستهلك يملك نية شراء مرتفعة قد يتردد مرارًا قبل إتمام الشّراء، وآخر يُقدم على الشّراء بقرار سريع لكنّه يشعر لاحقًا أن قراره كان أقل جودة. كلا النّمطين يُنتج «نيّة شراء» في المقياس التّقليدي، لكنهما يعكسان ديناميكيتين إدراكيتين مختلفتين جذريًّا لا تستطيع الأبحاث السّائدة التمييز بينهما. فالأدوات التي تُسرِّع القرار ليست بالضرورة ذاتها التي تُحسِّن جودته، والأداة التي تُقلل التّردد قد تُحدث في الوقت ذاته اندفاعيّة قراريّة تخفض الجودة المدركة.
بناءً على ما سبق، يتمحور التّساؤل المركزي حول: إلى أي مدى يرتبط إدراك المستهلك اللبناني لأثر الأبعاد الخوارزميّة للأدوات التّسويقيّة الرّقمية بأبعاد عملية اتخاذ قراره الشّرائي — سرعة الحسم وجودة القرار المدركة ومستوى التردد — وما الدور الذي تؤديه الثقة في الإشارات الخوارزميّة في تفسير هذا الارتباط؟ ويندرج تحته أربعة أسئلة فرعيّة:
يُقصَد بالأبعاد الثلاثة الواردة أعلاه إجرائيًّا: سرعة الحسم (المدة الإدراكية للانتقال من تقييم البدائل إلى القرار)، وجودة القرار المدركة (التقييم الذاتي لرشادة الاختيار مقارنةً بالبدائل المتاحة)، ومستوى التردد (عدم القدرة على الحسم رغم توافر المعلومات) — على أن تُفصَّل هذه التعريفات وتُؤسَّس نظرياً في القسم 6. أمّا الثّقة في الإشارات الخوارزميّة فمتغيرٌ مستقل مفاهيميًّا عن هذه الأبعاد الثلاثة؛ فهي حالة تقييمية وسيطة تسبق الاستجابة القرارية لا نتيجة مطابقة لها، وهو تمييز يُبرَّر ويُفصَّل في القسم 7. وتستند الخلفية النظرية والنقدية لهذه الإشكاليّة إلى الأقسام 4 إلى 7 الآتية.
— إلى أي مدى يرتبط إدراك أثر كل بُعد خوارزمي (التّخصيص، الدّعم، التّحفيز) بمستوى الثقة في الإشارات التّسويقيّة الخوارزميّة؟ وهل تتباين الأبعاد الثلاثة في قدرتها التّنبؤية بالثقة؟
— إلى أي مدى ترتبط الثقة في الإشارات الخوارزميّة بسرعة الحسم الشّرائي، وبجودة القرار المدركة، وبمستوى التردد قبل الشّراء — المفهوم هنا بوصفه عدم الحسم رغم توافر المعلومات لا البحث الموسَّع عنها؟
— هل تُحدث الأبعاد الخوارزميّة الثلاثة آثارًا مباشرة على أبعاد القرار الثلاثة، مستقلةً عن مسار الوساطة؟
— هل تتوسط الثقة العلاقة بين كل بُعد خوارزمي وكل بُعد من أبعاد القرار الشرائي الثلاثة؟
3. أهداف البحث وأهميته
يهدف البحث إلى خمسة مقاصد متكاملة: تأسيس تصنيف مفاهيمي للأدوات الخوارزميّة التّسويقيّة يقوم على آليات الاشتغال الإدراكيّة لا على التّسميات التّقنيّة؛ وتفكيك قرار الشّراء الرّقمي إلى ثلاثة أبعاد إدراكيّة قابلة للقياس المستقل؛ وتأسيس الدّور الوسيط للثقة في الإشارات الخوارزميّة نظريًّا؛ وصوغ منظومة فرضيّات قابلة للاختبار الكمي تربط الأبعاد الخوارزميّة بأبعاد القرار مباشرةً وعبر الوساطة؛ واقتراح إطار منهجي منضبط لاختبار النّموذج في السّياق الرّقمي اللبناني.
تنبع أهمّيّة البحث على المستوى العلمي من كونه يعيد تعريف قرار الشّراء الرّقمي بوصفه بنية معرفيّة متعددة الأبعاد لا مخرجًا أحاديًّا، ويُميِّز بين آليات اشتغال خوارزميّة مختلفة من دون افتراض تماثل أثرها — وهو ما تغفله معظم الدِّراسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي في التسويق كتهيئة متجانسة. كما أنّ ربط الأطر الثّلاثة ضمن نموذج واحد قابل للاختبار الكمي يُمثِّل مساهمة تكامليّة نادرة في الأدبيّات العربيّة لهذا الحقل.
أمّا على المستوى التّطبيقي، فيُتيح النّموذج للجهات التّسويقيّة تصنيف الأدوات الخوارزميّة وفق قدرتها الفعليّة على تعزيز الثقة وتقليل التّردد وتسريع القرار، بما يُقلل الاستثمار في أدوات ذات أثر إدراكي محدود في السّياق المحلي. وعلى مستوى السياسات، يكتسب البحث قيمة إضافيّة بالنّظر إلى غياب تشريع لبناني متخصص في الخوارزميّات التّسويقيّة أو حماية البيانات الشّخصيّة؛ إذ إن النّقاشات التّنظيميّة تحتاج إلى أدلة تُحدد أين يقع الضرر الفعلي وأين تقع المنفعة، لا إلى تنظيم «الذكاء الاصطناعي» بوصفه مصطلحًا جامعًا.
4. الخلفيّة النّظريّة: تكامل ثلاثة أطر بوظائف متمايزة
يستند النّموذج المقترح إلى تكامل ثلاث مقاربات نظريّة متمايزة، لا يُبنى عليها البحث بالكامل بل تُوظَّف وظيفيًّا لتبرير مستويات مختلفة من البنية التّحليليّة. ويُشترط في هذا التّوظيف الوضوح: لكل إطار وظيفة محددة وحدود تفسيريّة مُقرَّة، ولا يُدَّعى أن البحث يختبر أيًّا من هذه الأطر في ذاته.
وتُقرأ الأطر الثلاثة التالية بوصفها إجابات عن ثلاثة أسئلة متعاقبة لا تكرارًا لبعضها: ما البنية العلائقيّة العامة التي تربط المحفزات الخوارزمية بالاستجابة القراريّة؟ (القسم 4.1)؛ ولماذا يُتوقَّع أن تختلف قوة أثر الأبعاد الخوارزمية الثلاثة عن بعضها؟ (القسم 4.2)؛ ولماذا تُختبَر الثقة تحديداً وسيطاً لا نتيجة نهائية؟ (القسم 4.3). ويوضح القسم 4.4 لماذا استلزم الجمع بين الأطر الثلاثة بدل الاكتفاء بإطار واحد كنموذج قبول التقنية.
4.1 نموذج المحفِّز-الكيان-الاستجابة: البنية العلائقية
صيغ نموذج المحفِّز-الكيان-الاستجابة (S-O-R: Stimulus-Organism-Response) أصلًا في علم النّفس البيئي ليصف كيف تُحدث المحفِّزات الخارجيّة حالات نفسيّة داخليّة وسيطة تُفضي إلى استجابات سلوكيّة (Mehrabian & Russell, 1974). وقد استُدعي لاحقًا على نطاق واسع في أبحاث التّجارة الإلكترونيّة لتأطير كيفية اشتغال المحفِّزات التّقنيّة على القرار الشّرائي.
في السّياق الخوارزمي، تُستوعَب الأبعاد الخوارزميّة الثلاثة بوصفها محفِّزات بيئيّة (S) تنبثق من البيئة الرّقمية لا من المستهلك، وتُعالَج داخل الكيان الإدراكي (O) عبر الثقة في الإشارات الخوارزميّة بوصفها آلية معالجة وسيطة، لتنتج استجابات قراريّة (R) تتجلى في سرعة الحسم وجودة القرار المدركة ومستوى التّردد. وتدعم الأبحاث الحديثة قابلية هذا الإطار للتّوسيع في سياقات رقميّة متطورة؛ إذ وثّقت مراجعة نظاميّة إعادة توظيفه في أبحاث بيئات البيع بالتّجزئة الافتراضيّة الغامرة (Erensoy et al., 2024). ويتسق هذا مع ما يُرصَد لاحقاً في هذا البحث من أن التّخصيص الخوارزمي لا يُؤثر في الاختيار مباشرةً بل عبر حالة إدراكيّة وسيطة كالإحساس بالتّحكم (انظر القسم 5.1).
غير أن توظيف S-O-R هنا يقتصر على تأطير البنية العلائقية العامة. فهو يُحدد ترتيب العناصر لا كيفيّة اشتغالها، وهذا القصور التّشخيصي تحديدًا هو ما يستدعي الإطار الثاني.
4.2 نظريّة المعالجة المزدوجة: تمايز مسارات التأثير
تُميِّز نظرية المعالجة المزدوجة بين نمطين من معالجة المعلومات: المسار الأول (النِّظام 1) سريع وتلقائي وقليل الجهد المعرفي يعتمد على الأنماط التّرابطيّة والسّياق الآني، والمسار الثاني (النِّظام 2) تحليلي متأنٍّ ومكثَّف معرفيًّا يعتمد على المعالجة القاعديّة المنظَّمة (Stanovich & West, 2000؛ Kahneman, 2011). وقد استُخدمت هذه الثنائيّة لتفسير جوانب متعددة من السّلوك الاستهلاكي، لا سيما ما يتعلق بتعامل المستهلكين مع كميات كبيرة من المعلومات والاختيارات (Samson & Voyer, 2012).
يُفترض في النّموذج المقترح أن تُعبِّئ الأبعاد الخوارزميّة الثلاثة هذين المسارين بأنماط متمايزة: يعمل الدّعم الخوارزمي أساسًا عبر النِّظام 2 بوصفه أداةً لتقليل الغموض المعرفي وتيسير التّقييم التّحليلي للبدائل؛ فيما يستهدف التّحفيز الخوارزمي النِّظام 1 بتحريك آليات الاستجابة السّريعة عبر إشارات الندرة والعروض الموقوتة؛ أمّا التخصيص فيُحتمل أن يُعبِّئ كلا المسارين بحسب طبيعة القناة ودرجة إدراك المستهلك لآليّة اشتغاله. ويترتب على ذلك افتراض قابل للاختبار: أن يرتبط البُعد التّحفيزي بسرعة الحسم ارتباطًا أقوى نسبيًّا، وأن يرتبط البُعد الدّعمي بجودة القرار المدركة بصورة أوضح.
ويجب الإقرار أنّ الأدبيّات النّقدية الحديثة تُظهر أنّ الثنائيّة بين النِّظامين ليست صارمة، وأن عمليّة الاختيار الفعليّة قد تنطوي على تعويض وتنافس بين المسارين لا مجرد تعاقب. وعليه تُوظَّف النّظريّة هنا — مع هذا التّحفظ — لتفسير التّباين المتوقع في قوة الأثر بين الأبعاد، لا لبناء النّموذج على الثنائيّة بوصفها حقيقة تجريبيّة نهائيّة.
4.3 نماذج الثقة في سياقات التّقنيّة الرّقمية: تأسيس الوساطة
تُعامل نماذج الثقة في أدبيّات نظم المعلومات والتّسويق الرّقمي الثقةَ بوصفها آليّة تخفيض للغموض في التّفاعلات التّقنيّة؛ فحين يُدرك المستهلك مستوىً من الموثوقيّة في نظام خوارزمي، يتحوّل هذا النِّظام في إدراكه من مثير مجهول إلى مرجع قراري. وهذه الوظيفة التّحويليّة هي ما يُبرر توظيف الثقة وسيطًا لا متغيرًا تابعًا (McKnight et al., 2002؛ Gefen et al., 2003). ويُلاحَظ في المقابل أن نماذج قبول التّقنيّة وامتداداتها تُعامل الثقة في الغالب مخرجًا لقبول النِّظام أو عاملًا معتدِلًا (Pavlou, 2003)، في حين يبقى توظيفها وسيطًا بين الإدراك الخوارزمي وأبعاد القرار الدّاخليّة مسارًا تحليليًّا نادرًا.
4.4 مبرر التكامل: حدود الاعتماد على نموذج قبول التقنية منفردًا
كان يمكن اعتماد نموذج قبول التكنولوجيا (TAM) بديلًا من S-O-R، غير أنه يُقيِّد التّحليل في مسار «قبول التّقنيّة ← نية الاستخدام»، وهو مسار لا يستوعب التّمييز بين أبعاد القرار الدّاخليّة. في المقابل، يُتيح S-O-R مرونة تصنيفيّة تُستوعَب معها الأبعاد الخوارزميّة الثلاثة كمحفِّزات بيئية متمايزة لا كتهيئة تقنية كلية. وتتكامل الأطر الثلاثة على النحو الآتي: S-O-R يُحدد البنية العلائقيّة، والمعالجة المزدوجة تُفسِّر التّباين بين الأبعاد، ونماذج الثقة الرّقميّة تُؤسِّس الدور الوسيط. ويتمثل الإسهام المفاهيمي في هذا التّكامل ضمن نموذج واحد قابل للاختبار الكمي، بدلًا من الاعتماد على إطار منفرد يُضيِّق زاوية التفسير.
5. الأبعاد الخوارزميّة الثلاثة: تصنيف وفق آليات الاشتغال
يستند تصنيف الأدوات الخوارزميّة التّسويقيّة ضمن ثلاثة أبعاد إلى مبدأ التمييز بين آليات التأثير لا بين الأدوات التّقنيّة في ذاتها. ويستلهم هذا المبدأ توجهًا أدبيًّا ناشئًا يدعو إلى الانتقال من وصف أدوات الذكاء الاصطناعي كعناصر تقنية منفصلة إلى تصنيفها وفق وظائفها الإدراكيّة لدى المستهلك (Effendi et al., 2025). وقيمة هذا التّصنيف عمليّة لا تسموية: فهو يُتيح انتقال المعرفة المُنتَجة إلى أدوات مستقبليّة لم تظهر بعد لكنها ستنتمي إلى إحدى هذه الآليات الثلاث وفق طبيعتها الإدراكيّة.
5.1 التّخصيص الخوارزمي للاختيار
يُشير التّخصيص الخوارزمي إلى إعادة تنظيم مجموعة البدائل والرسائل التّسويقيّة بصورة فرديّة اعتمادًا على بيانات المستخدم التّاريخيّة ونمط سلوكه الرّقمي المسجَّل. وما يُميِّزه عن الإعلان الجماهيري أن البديل المعروض يختلف جوهريًا من مستخدم لآخر وفق خوارزميّة توقع الصلة، بما يُعيد تشكيل مجموعة الخيار الفعليّة التي يواجهها المستهلك (Dai & Liu, 2024). وتُظهر الأبحاث أنّ هذا البُعد لا يُؤثر في الاختيار مباشرةً بل عبر حلقة إدراكيّة: فملاءمة التّوصيّة وشفافيّة الخيارات ترفعان الإدراك المُتحكِّم لدى المستهلك، بما يُعزز رضاه ويُقوّي ثقته في المنصة (Xu & Chen, 2025).
غير أن للتّخصيص وجهين في الإدراك الاستهلاكي: فحين يُدرَك مفيدًا ترتفع الثقة، وحين يُدرَك رصدًا للبيانات الخاصة تنشأ مخاوف خصوصية تُضعفها (Markou et al., 2025). وهذه الازدواجية — التي يُسمّيها الباحثون مفارقة التّخصيص والخصوصيّة — هي ما يُبرر قياس إدراك الأثر لا مجرد التّعرض للأداة.
5.2 الدّعم الخوارزمي لاتخاذ القرار
يُشير الدّعم الخوارزمي إلى توظيف أدوات رقميّة تفاعليّة أو تنظيميّة للمعلومات تُسهم في تخفيف الغموض المعرفي النّاجم عن تعقّد خيارات الشّراء، من خلال توضيح خصائص البدائل وتقليص جهد المقارنة. ويعمل هذا البُعد أساسًا عبر المسار التّحليلي، إذ يُقلل عبء المعالجة المعرفيّة ويُيسِّر بلوغ قرار أكثر وضوحاً. وتُثبت الأبحاث في سياق روبوتات المحادثة التّجاريّة أن التّفاعليّة والطابع الإنساني المُدرَك يُحدثان أثرًا دالًا على الثقة، وأنّ الثّقة تتوسط بدورها العلاقة بين هذين البُعدين ونية اعتماد الروبوت في عمليّات الشّراء الإلكتروني (Ding & Najaf, 2024).
على أن فاعليّة هذا البُعد ليست حتميّة بمجرد وجود الأداة، بل مشروطة بمستوى الثقة فيها — وهو ما يُبرر ضرورة اختبار الوساطة لا افتراضها. ويُضاف إلى ذلك تحول نوعي طرأ منذ 2022 مع نماذج اللغة الكبيرة: فبعد أن كانت روبوتات المحادثة تُعيد المستهلك إلى قوائم جاهزة، باتت هذه النّماذج قادرة على دور «المستشار الرّقمي التّفاعلي» الذي يُحلِّل المتطلبات بلغة طبيعيّة ويُقارن بين البدائل ويُقدِّم توصيات مُعلَّلة. ويُصنَّف هذا التّطور إجرائيًّا ضمن بُعد الدّعم الخوارزمي في النّموذج المقترح.
5.3 التّحفيز الخوارزمي للقرار
يُشير التّحفيز الخوارزمي إلى أدوات تضغط على توقيت القرار أو تُعدِّله عبر ثلاث آليات: الحافز السّعري المحدود زمنيًا، وإشارات الندرة المولَّدة خوارزميًّا، والإشعارات الاستباقيّة المرتبطة بسلوك المستهلك. وما يُميِّزه عن التّخصيص أنه لا يُعيد تشكيل مجموعة الخيار بل يضغط على زمن القرار داخل مجموعة قائمة. ويحتاج هذا البُعد إلى تمييز دقيق عن مفهومين سائدين في الأدبيات السّلوكيّة: إشارات الشُّح وضغط الإطار الزمني. فكلاهما موثَّق كأداة إقناع تُسرِّع الشّراء، لكن ما يُضيفه البُعد الخوارزمي هو توليد هذه الإشارات استجابةً لبيانات سلوكية فردية لا بصورة موحَّدة لجميع المستهلكين — وهو تمييز جوهري يجعله ظاهرة مختلفة لا مجرد إعادة تسمية. وتدعم الأدلة الكمية هذا التمييز؛ إذ كشف تحليل بَعْدي شمل 131 دراسة أن تأثير إشارات الشُّح يتمايز بحسب نوعها ونوع المنتج (Barton et al., 2022).
ويستدعي هذا البُعد تحفظًا نظريًّا مهمًّا يتصل مباشرة بمتغير التردد: إذ تُشير الأدبيّات إلى ظاهرة «إجهاد التّحفيز»، وهي حالة مقاومة معرفية تنشأ بعد التعرض المتكرر لإشارات حثِّية خوارزميّة. وقد وجدت دراسة أنّ الإشارات المحدودة زمنيًّا ترفع الشّعور بالإحباط وتدفع المستهلكين إلى ربطها بانعدام حسن النية لدى البائع (Tuncer et al., 2024)، فيما أثبتت أخرى أن الإلحاح والشُّح يُنتجان نية شراء أعلى في المدى القصير لكن المستهلكين يُبدون خيبة أمل أخلاقيّة تُضعف الثقة على المدى البعيد (Ali et al., 2025). ويترتب على ذلك أنّ العلاقة بين التّحفيز والتردد ليست خطيّة بالضرورة: فإن أظهر الاختبار أثرًا موجبًا على التّردد بدلًا من السّالب المتوقع، فقد يعكس ذلك إجهاد التّحفيز لا غياب العلاقة المفترضة.
6. تفكيك القرار الشّرائي: ثلاثة أبعاد إدراكيّة
إن التّعامل مع قرار الشّراء بوصفه مخرجًا أحادي البعد يرتكز في كثير من الأحيان على حجة القابليّة للقياس لا على مبررات نظريّة. وفي أدبيّات القرار، تُميِّز المراجعات بوضوح بين سرعة القرار وجودته ودرجة اليقين التي يُتخذ بها. ويُعرَض فيما يلي تأسيس كل بُعد مع تحديد حدود التّمييز بينها.
6.1 سرعة الحسم الشّرائي
تُشير سرعة الحسم إلى الزّمن الإدراكي الذي يحتاجه المستهلك للانتقال من تقييم البدائل إلى اتخاذ القرار. وتتمايز عن نية الشّراء في أنها تقيس ديناميكيّة العمليّة القراريّة لا اتجاهها؛ فنية الشّراء قد تكون مرتفعة مع تأجيل قراري مطوَّل بالتّوازي، وهو ما لا يلتقطه متغير أحادي. ويُشدَّد هنا على أنّ السّرعة تُقاس إدراكيًّا — أي عبر تقييم المستهلك الذاتي لمدى سرعة قراره — لا زمنيًّا موضوعيًّا، وأنّ السّرعة المرتفعة لا تعني بالضرورة جودة مرتفعة: فالبُعدان مستقلان تحليليًّا وقد يتعارضان.
6.2 جودة القرار المدركة: التّمييز الجوهري عن الرضا
تُشير جودة القرار المدركة إلى التقييم الذاتي لمدى رشادة الاختيار ومناسبته مقارنةً بالبدائل المتاحة، في وقت اتخاذ القرار أو فوره. ويستلزم التّمييز الصّريح بين هذا المفهوم والرضا ما بعد الاستخدام الانتباهَ إلى ثلاثة فوارق: فارق التوقيت (الجودة تُقيَّم قبل الاستخدام أو فوره، والرضا بعد التجربة الفعلية)؛ وفارق موضوع التقييم (الجودة تُقيَّم لصوابيّة عمليّة الاختيار ذاتها، لا لجودة المنتج في حد ذاته)؛ وفارق المرجعيّة (الجودة تستند إلى مقارنة الاختيار الفعلي بالبدائل المتاحة وقت القرار، والرّضا يستند إلى مقارنة التوقعات بالأداء الفعلي).
وتُدعَم هذه الفوارق بدراسة وجدت أنّ ملاءمة التوصية بالمنتج تُؤثر في إدراك المستهلك لجودة قراره ومستوى الجهد المبذول فيه (Liu et al., 2022)، بما يُؤكد أنّ الجودة المدركة تُبنى على التّطابق المعرفي لا على الاختبار الفعلي للمنتج. ويترتب على ذلك اشتراط منهجي: أن تُحيل بنود القياس إلى لحظة الاختيار لا إلى تجربة المنتج لاحقًا — فبند من نوع «شعرت أن الخيار الذي اخترته كان الأنسب مقارنةً بالبدائل المتاحة» مناسب، فيما بند من نوع «كنت راضيًا عن المنتج الذي اشتريته» يقيس الرضا لا جودة القرار.
6.3 التّردد قبل الشّراء: التّعريف التّضييقي ومبرراته
يُعرَّف التّردد في هذا النّموذج تعريفًا تضييقيًّا مقصودًا: حالة عدم القدرة على حسم الاختيار رغم توافر المعلومات اللازمة للقرار. ويتمايز هذا عن النمط الأوسع انتشارًا في الأدبيّات، المتمثل في تأجيل القرار الناجم عن نقص المعلومات. والفرق جوهري: في الحالة الأولى يملك المستهلك المعلومات الكافية لكنه يعجز عن الحسم، وفي الثانية يُؤجِّل القرار للبحث عن مزيد منها.
وهذا التمييز هو ما يُبرر افتراض الأثر السالب للثقة على التردد: فارتفاع الثقة في الإشارة الخوارزميّة يُحوِّل حالة «أملك المعلومات لكن لا أستطيع الحسم» إلى قرار فعلي، ولا يُفترض به بالضّرورة أن يُقلل الميل نحو البحث الموسَّع. وتدعم هذه الفجوة التعريفية أبحاث الحمل المعلوماتي في التّجارة الرّقمية؛ إذ أثبتت دراسة باستخدام أدوات التصوير العصبي أن زيادة الحمل المعلوماتي تُؤدي إلى تأجيل القرار وتُضعف جودته المدركة (Peng et al., 2021).
7. الثّقة في الإشارات الخوارزميّة: نقد التّوظيف السّائد
تكشف مراجعة الأبحاث المنشورة في تقاطع الذكاء الاصطناعي في التّسويق وسلوك المستهلك عن ثلاثة أنماط متكررة في توظيف متغير الثّقة، تُخفق جميعها في اختبارها وسيطاً بين إدراك الأثر الخوارزمي وأبعاد القرار الدّاخليّة.
النمط الأول الثقة متغيرًا تابعًا: يُقاس مستوى الثقة بالعلامة أو المنصة كنتيجة لتعرض المستهلك للذكاء الاصطناعي التّسويقي. وتُمثِّل دراسة الجيل Z نموذجًا صريحًا؛ إذ تعامل الثقة مخرجًا للتعرض والموقف تجاهه (Guerra-Tamez et al., 2024)، مُغلِقةً سؤال الوساطة قبل طرحه.
النّمط الثاني الثقة متغيّرًا معتدِلًا: تُضبط الثقة قوة العلاقة بين التّخصيص والنيّة الشّرائيّة بدلًا من كونها ناقلة أثره. فقد رصدت دراسة أن ثقة المستهلك في الذكاء الاصطناعي تُضخِّم العلاقة بين التّسويق المخصص وقرار الشّراء (Suleman et al., 2025)، وهو توظيف معتدِل لا وسيط.
ويستحق التنويه هنا أن الدِّراسات القليلة التي اختبرت الثقة وسيطًا فعليًّا لا تزال تُبقي المتغير التابع مؤشرًا كليًّا غير مُفكَّك: فدراسة حديثة على التّجارة الرّقميّة وجدت أن الثقة وتجربة المستخدم يتوسطان معًا العلاقة بين جودة النِّظام الخوارزمي وسلوك الشّراء الإلكتروني ضمن مؤشر مركّب واحد (Mani et al., 2025) — وهو ما يُبقي الفجوة الأولى (اختزال المتغير التابع) قائمة حتى في الحالات التي تُصيب توظيف الثقة.
النّمط الثالث الثقة وسيطًا في نماذج قبول التّقنيّة: تُدرج بعض الدِّراسات الثقة وسيطًا بين جودة النِّظام وقصد استخدامه، غير أن المتغير التابع يبقى قبول التّقنيّة أو الاستخدام المتكرر لا أبعاد القرار الشّرائي الدّاخليّة المتمايزة. وحتى الأعمال القليلة التي اقتربت من اختبار الوساطة نحو قرار الشّراء ظلت مقيدة بحدود منهجيّة معتبرة؛ فدراسة اختبرت وساطة الثقة بين روبوتات المحادثة وقرار الشّراء اعتمدت عيّنة من ثلاثين مستهلكًا واختبار Sobel التقليدي (Fikriawan & Ansori, 2025) — وهو إجراء تتجاوزه الأدبيّات المنهجيّة المعاصرة لصالح التّقدير البوتسترابي غير المشروط بافتراض التوزيع الطبيعي للأثر غير المباشر (Hayes, 2018).
الخلاصة النقديّة: لم نعثر، ضمن نطاق المراجعة المعلنة أعلاه، على دراسة اختبرت الثّقة في الإشارات الخوارزميّة التّسويقيّة وسيطًا بين إدراك أثر أبعاد خوارزميّة متمايزة وأبعاد قرار شرائي مُفكَّكة. وهذا الغياب ليس مصادفة بل نتيجة متوقَّعة لاختزال المتغير التابع في مؤشر كلي واختزال الثقة في دور غير وسيط. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المراجعة مراجعة نقدية موجَّهة لا مراجعة نظامية بالمعنى المنهجي الصارم (PRISMA)؛ فهي لم تُطبِّق بروتوكول بحث موحَّدًا عبر قواعد بيانات محددة، بل جمعت الأدبّيات ذات الصلة المباشرة بمتغيرات النّموذج عبر بحث موجَّه بالكلمات المفتاحيّة (التّخصيص/الدّعم/التّحفيز الخوارزمي، الثقة الوسيطة، تفكيك قرار الشّراء) في محركات البحث الأكاديميّة العامة خلال الفترة 2020–2025. وعليه فإن غياب دليل مضاد لا يُعادل إثبات عدم وجوده في الأدبيّات كافة، بل غيابه عن الأدبيّات التي طالتها هذه المراجعة تحديدًا.
ويقوم مبرر الوساطة في النّموذج المقترح على تشخيص آليّة الاشتغال: فحين يُدرك المستهلك أثر بُعد خوارزمي في قراره، لا يترتب على هذا الإدراك وحده أثر مباشر في أبعاد القرار؛ بل يمر الأثر بمرحلة تقييمية وسيطة يُحدد فيها المستهلك مستوى موثوقية الإشارة. وهذا القرار التقييمي هو الثقة بوصفها كيانًا إدراكيًّا، ومنه تنبثق سرعة الحسم وجودة القرار المدركة ومستوى التردد. والسؤال الذي يطرحه هذا التوظيف يختلف جوهريًّا عن سؤالَي الثقة التابعة والمعتدِلة: إنه لا يسأل ما مستوى الثقة التي أفرزتها التّجربة، ولا هل تُضخِّم الثقة أثر التّخصيص، بل يسأل: هل تُفسِّر الثّقة السّبب الذي يجعل الأبعاد الخوارزميّة تُؤثر في القرار أصلًا؟
ويستدعي التعريف الإجرائي لمتغير الثقة توضيحًا منهجيًّا لا غنى عنه: يجمع هذا التعريف بين عنصرين قد يبدوان قابلَين للفصل — الاعتماد على الإشارة الخوارزميّة مرجعًا موثوقًا من جهة، وانتفاء الإحساس بالتّلاعب من جهة أخرى. ولا يُدمَج هذان العنصران اعتباطًا؛ فتصنيف McKnight et al. (2002) التكاملي للثقة في التجارة الإلكترونية — المُعتمَد أصلاً في بناء مقياس الدراسة — يُعامل الثقة بنيةً مركّبة من أبعاد فرعيّة تشمل النزاهة المدركة (integrity) إلى جانب الكفاءة والإحسان، وانتفاء الإحساس بالتّلاعب أقرب إلى بُعد النزاهة منه إلى بُعد مستقل قائم بذاته. ومع ذلك، يبقى احتمال أن ينفصل العنصران تجريبيًّا في السّياق اللبناني تحديدًا قائمًا — إذ قد يثق مستهلك بدقّة توصيات النِّظام مع اعتقاده في الوقت ذاته أنّ المنصة تستغل هشاشته الاقتصاديّة تسعيريًّا. لهذا يُدرَج فحص أحاديّة البُعد ضمن التّحليل العاملي الاستكشافي المقترح في القسم 11.3 لا افتراضًا مسبقًا: فإنّ أظهر التّحليل أن العنصرين يُحمَّلان على عاملين منفصلين، يُعاد النّظر في مقياس الثقة بوصفه بُعدَين متمايزين (الموثوقيّة الوظيفيّة والنزاهة المُدركة) بدلًا من متغير واحد، وهو احتمال منهجي مُقرٌّ به صراحةً لا مُستبعَد.
8. السّياق الرّقمي اللبناني الهجين
يُضيف السّياق اللبناني بُعداً تحليليًّا غير مُدرَج في الأطر النظرية المستعارة من الأدبيّات الغربيّة: إشكاليّة «الثقة البديلة». ففي البيئات التي تنهار فيها الثقة المؤسسيّة — بالمصارف والحكومة والمنظومة التجاريّة التّقليديّة — يبحث المستهلكون عن بدائل يرونها أكثر موثوقيّة.
منذ العام 2019 شهد لبنان انهيارًا متعدد الأبعاد: فقدت الليرة اللبنانيّة الجزء الأعظم من قيمتها، وانهار القطاع المصرفي بصورة غير مسبوقة، وتوسّع الاقتصاد النقدي على حساب القنوات الرّسميّة. وفي المقابل يشهد لبنان توسعًا ملحوظًا في التّجارة الرّقميّة متعددة القنوات — متاجر إلكترونيّة، وتطبيقات، وصفحات بيع على شبكات التّواصل، ومجموعات تجاريّة على تطبيقات المحادثة — مع نسبة انتشار للإنترنت بلغت نحو 86.6% مطلع 2023 (Kemp, 2023). وهذا التّعايش بين تآكل الثقة المؤسسيّة واتساع التبادل الرّقمي هو ما يجعل السّياق اللبناني سياقًا يُتيح اختبار فروق بنيويّة محددة في مستويات الثقة عبر القنوات لا تتوفر مجتمعةً في بيئة رقميّة مستقرة واحدة.
يمكن في هذا الإطار افتراض ظاهرة «تحويل الثقة» من المؤسسات المتآكلة نحو الأنظمة الخوارزميّة التي قد يُدركها بعض المستهلكين أكثر حيادًا وأقل خضوعًا للفساد المؤسسي. ويستند هذا الافتراض إلى أدبيات «تحويل الثقة» (trust transfer) التي توثّق انتقال الثقة المتراكمة في قناة نحو قنوات مرتبطة بها في بيئات التّجارة الرّقميّة متعددة القنوات، وإلى ما تُثبته دراسات السّياق العربي من أن الثقة المؤسسيّة تُعد أحد أقوى محدِّدات ثقة المستهلك في منصات التسوق الرّقميّة (Alzaidi & Agag, 2022). كما أثبتت دراسة مقارنة بين سوق متقدم وآخر ناشئ أنّ الثقة تتشكل بصورة مختلفة بين البيئتين (Quintus et al., 2024)، بما يُضعف افتراض قابليّة النّقل التّلقائي للنتائج. ولتفادي إبقاء افتراض تحويل الثقة سردًا سياقيًّا غير قابل للفحص، يُدرَج مستوى الثقة المؤسسيّة العامة متغيرًا ضابطًا في النّموذج المقترح (جدول 1)؛ فإن ارتبط انخفاض هذا المتغير بارتفاع الثّقة في الإشارات الخوارزميّة عبر العيّنة، يُشكِّل ذلك مؤشرًا أوليًّا داعمًا لفرضيّة التّحويل يتجاوز حدود السّرد النّظري من دون أن يرقى إلى اختبار مباشر لآليّة التحويل ذاتها، وهو ما يستدعي تصميمًا مخصصًا (متغير معتدِل أو نموذج مقارنة بين مجموعات) يُقترَح بوصفه امتدادًا بحثيًّا لاحقًا لا جزءًا من هذا النّموذج.
ويكتسب التّسعير الدّيناميكي الخوارزمي دلالةً مختلفة كليًّا في هذا السّياق. ففي الاقتصادات المستقرة يُدرَك آليةً لتعظيم كفاءة السوق؛ أمّا في بيئة شديدة التقلب فيغدو ذا وجهين متعارضين: فرصةً للإفادة من تقلبات السوق لدى مستهلكين اعتادوا رصد الأسعار، أو تلاعباً خوارزمياً يستغل هشاشة الأوضاع لدى آخرين — خصوصاً حين يرتفع السعر بين زيارتين للمنصة ذاتها أو يتفاوت بين القنوات. وتُضاف إلى ذلك مسألة الخصوصية: فلبنان لديه إطار تشريعي بشأن البيانات الشّخصيّة — القانون رقم 81/2018 (المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي) — لكن هذا الإطار يبقى، بحسب تحليلات قانونية متخصصة، أقل شمولًا من معايير دولية كاللائحة الأوروبيّة العامة لحماية البيانات (GDPR)، إذ تتركز صلاحيّات معالجة طلبات البيانات في جهة حكومية واحدة (وزارة الاقتصاد والتجارة) من دون آليّة رقابة أو تعليمات تنفيذيّة كافيّة، وهو ما يُبقي المستهلك في منطقة رماديّة عمليًّا لجهة قابليّة إنفاذ حقوقه وسبل انتصافه (Lexis Middle East, 2024).
ولا يُستحضَر هذا السّياق لتبرير اختيار موقع جغرافي مريح للباحث، بل لأنه يُوفِّر تباينًا بنيويًّا في مستويات الثقة عبر القنوات لا يمكن العثور عليه مجتمعًا في بيئة رقميّة واحدة خارجه. وبمفهوم الحالة الدراسيّة القصوى (Flyvbjerg, 2006)، فإنّ البيئات عالية التعقيد تُضخِّم الظواهر المدروسة إلى حدود تُصبح معها مرئيّة بوضوح أكبر — ونموذج يصمد في بيئة كهذه قد يكتسب قيمة تعميميّة تفوق ما يكتسبه في بيئة مستقرة أحاديّة القناة، وهو احتمال تُقرِّره نتائج الاختبار الميداني اللاحق لا افتراض مسبق.
ويستدعي هذا التأطير تحفظًا منهجيًّا يجب طرحه صراحةً: أليست الأزمة الاقتصاديّة بذاتها — لا الأدوات الخوارزميّة — هي المحرك الأكبر لقرار الشراء والثقة لدى المستهلك اللبناني؟ هذا احتمال حقيقي لا يُنفى ولا يُختبَر مباشرة ضمن هذا النّموذج. ولمعالجته جزئيًّا لا لإلغائه، يُدرَج مستوى الثقة المؤسسية العامة متغيراً ضابطاً في النموذج المقترح (جدول 1)، بما يضمن أن الأثر المُقدَّر للأبعاد الخوارزمية على الثقة والقرار لا يعكس فعلياً تباين مستوى الثقة المؤسسية بين المشاركين. ويبقى احتمال أن تُهيمن متغيرات الأزمة الكلية على التباين المُفسَّر مقارنةً بالأبعاد الخوارزمية أحد حدود النموذج المُقرَّة صراحةً، لا افتراضاً يُستبعَد مسبقاً.
9. الفجوة البحثيّة: تركيب نقدي رباعي
تتمثل الفجوة في أربعة مستويات متداخلة، والجمع بينها — لا المستوى الواحد منها — هو ما يُعطي النّموذج المقترح موقعه التّحليلي — استنادًا إلى المراجعة النّقديّة الموجَّهة في الأقسام 4 إلى 7 وحدود نطاقها المُعلَنة في القسم 7، لا إلى ادّعاء بإحصاء شامل للأدبيات:
الأول: اختزال المتغير التابع: تُقيس الدِّراسات المتاحة أثر الأدوات الخوارزميّة على مؤشرات كليّة من دون تفكيك العمليّة القراريّة إلى أبعادها الإدراكيّة. وهذا الاختزال مُوجَّه بقابليّة القياس المباشر لا بالأهميّة النّظريّة.
الثاني: توظيف الثقة خارج دور الوساطة: الثقة في الأدبيات المرصودة إمّا متغير تابع أو معتدِل، وهو ما يُعيق فهم الآلية التي تُحوِّل المحفز الخوارزمي إلى سلوك قراري.
الثالث: افتراض تماثل الأدوات الخوارزميّة: تتعامل معظم الأبحاث مع الذكاء الاصطناعي في التسويق بوصفه بنية متجانسة، دون مقارنة منهجية لآليات اشتغال أبعاد متمايزة ضمن نموذج موحّد مضبوط.
الرابع: غياب السّياق الرّقمي الهجين: تُدرس الأبحاث المتاحة بيئات رقمّيّة مستقرة بنيويًّا، فيما يُمثِّل لبنان سياقًا تتداخل فيه قنوات ذات درجات ثقة متباينة ضمن بيئة مؤسسيّة هشّة.
ويُضاف إلى هذه المستويات ملاحظة نقديّة جامعة: أنّ الإجماع الظاهر في الأدبيّات حول الأثر الإيجابي للذكاء الاصطناعي التّسويقي يعكس جزئيًّا تجانسًا منهجيًّا لا تقاطعًا تجريبيًّا. فحين يتكرر التّصميم ذاته — استبيان مقطعي كمي، ومتغير مستقل كلي، ومتغير تابع أحادي — تتشابه النّتائج بالضرورة، من دون أن يعني ذلك أن الظاهرة مفهومة بعمق كافٍ. وهذا التجانس عابر للسياقات الجغرافية لا خاص بالأدبيات الغربيّة؛ إذ تُثبت مراجعة للاتجاهات البحثيّة العربيّة هيمنته على الإنتاج البحثي العربي في هذا الحقل مع اقتصار معظم الدِّراسات على مؤشرات الرّضا والنيّة الشّرائيّة (عبدالله، 2023). ويصح ذلك على أعمال عربيّة وازنة: فدراسة سعوديّة اختبرت أثر أدوات الذّكاء الاصطناعي على مجموعة الاختيار ثم على نية الشّراء من دون اختبار الثقة وسيطًا ولا تفكيك أبعاد القرار (Beyari & Garamoun, 2022)؛ ودراسة أخرى غطّت الأبعاد الثلاثة لكن من منظور الكفاءة التّشغيليّة لا إدراك المستهلك (الواصل وآخرون، 2023)؛ وثالثة أدرجت الوساطة صراحةً لكن من منظور المؤسسة لا المستهلك (الأسدودي، 2023).
10.النّموذج التّحليلي المقترح وفرضياته
يُنظَّم النّموذج حول أربعة أنواع من المتغيرات، لكلٍّ منها وظيفة تحليليّة محددة في بنية الاختبار الإحصائي، وفق منطق S-O-R معدَّل: الأبعاد الخوارزميّة محفِّزات، والثقة وسيط إدراكي، وأبعاد القرار استجابات.
| الرمز | المتغير | الوظيفة والتعريف الإجرائي المختصر |
| X₁ | التخصيص الخوارزمي للاختيار | مستقل — إدراك إعادة تشكيل مجموعة الخيار عبر الإعلانات المخصصة وأنظمة التوصية |
| X₂ | الدّعم الخوارزمي لاتخاذ القرار | مستقل — إدراك تقليل الغموض المعرفي عبر روبوتات المحادثة والأوصاف المولَّدة آليًّا ونماذج اللغة الكبيرة |
| X₃ | التّحفيز الخوارزمي للقرار | مستقل — إدراك الضغط على توقيت القرار عبر العروض الموجهة وإشارات الندرة والإشعارات الذكية |
| M | الثقة في الإشارات التّسويقيّة الخوارزميّة | وسيط إدراكي — درجة اعتماد المستهلك على الإشارة الخوارزميّة مرجعًا قراريًّا موثوقًا مع انتفاء الإحساس بالتلاعب |
| Y₁ | سرعة الحسم الشرائي | تابع — المدة الإدراكية للانتقال من تقييم البدائل إلى الحسم (تُقاس إدراكيًّا لا زمنيًّا) |
| Y₂ | جودة القرار الشرائي المدركة | تابع — التقييم الذاتي لصوابية الاختيار مقارنةً بالبدائل وقت القرار (مُميَّز عن الرضا) |
| Y₃ | مستوى التردد قبل الشّراء | تابع — عدم الحسم رغم توافر المعلومات (لا البحث الموسَّع عنها) |
| — | المتغيرات الضابطة (8) | العمر، الجنس، المستوى التعليمي، مستوى الدخل، القناة الرّقمية الأكثر استخداماً، كثافة الشّراء الرّقمي، الخبرة الرّقمية الذاتية، ومستوى الثقة المؤسسية العامة (مقياس مختصر، لاختبار فرضية تحويل الثقة في القسم 8 تجريبيًا لا سرديًّا فقط) |
جدول 1: متغيرات النّموذج المقترح
ملاحظة اصطلاحيّة: يُستخدَم اسم المتغير الوسيط الكامل «الثقة في الإشارات التّسويقيّة الخوارزميّة» عند التعريف الإجرائي الأول وفي الجداول، وتُستخدَم الصيغة المختصرة «الثقة في الإشارات الخوارزميّة» فيما يلي من النص اختصاراً لا تمييزاً مفاهيمياً بينهما.
شكل 1: تمثيل بصري للنموذج التّحليلي المقترح — المسارات المباشرة (H1، H2)، والمسارات التسعة خلف الوسيط (H3)، ومسارات الوساطة التسعة (H4)، والفرضيات المقارنة (H5). لا تُعرَض المتغيرات الضابطة الثمانية في الرسم لتجنّب التكدّس البصري؛ انظر جدول 1.
10.1 منظومة الفرضيّات
تُصاغ الفرضيّات لأغراض الاختبار اللاحق، وتُقسَّم إلى خمس مجموعات. ويُعتمد في ترقيم فرضيات الأثر المباشر اصطلاحٌ موحّد: الحرف يدل على المتغير التابع (a للسرعة، b للجودة، c للتردد)، والرقم يدل على المتغير المستقل (1 للتخصيص، 2 للدعم، 3 للتحفيز).
المجموعة الأولى (H1) — أثر الأبعاد الخوارزميّة على الثقة: يوجد أثر موجب دال إحصائيًّا للتّخصيص (H1a) والدّعم (H1b) والتّحفيز (H1c) على مستوى الثقة في الإشارات التّسويقيّة الخوارزميّة. وتُختبَر هذه الفرضيّات بوصفها فرضيات الأثر الصافي (net effect) في العيّنة ككل، لا الأثر الشرطي عند مستوى معيّن من إدراك الخصوصيّة أو الشّفافيّة؛ فالاتجاه الموجب المفترض قد ينقلب في شريحة فرعيّة تُدرك التخصيص انتهاكًا لا عناية، من دون أن يُبطل ذلك الفرضيّة بصياغتها الحاليّة القائمة على معامل الانحدار الكلي غير المشروط. واختبار هذا الاحتمال الشّرطي صراحةً (عبر متغير معتدِل كمخاوف الخصوصيّة) يبقى امتدادًا مقترحًا لا جزءًا من فرضيات النّموذج الحالي.
H1a: التخصيص الخوارزمي → الثقة (+) · H1b: الدعم الخوارزمي → الثقة (+) · H1c: التحفيز الخوارزمي → الثقة (+)
ويستند اتجاه الأثر الموجب إلى فرضيّة مفاهيميّة محددة: أن إدراك المستهلك لكون الأداة تُنظِّم المعلومات وتُكيّفها وفق احتياجاته يُولِّد شعورًا بالعناية والملاءمة يُقوّي الاعتماد على الإشارة. غير أن هذه الفرضية مشروطة: فحين يُدرك المستهلك التخصيص رصداً انتهاكياً لخصوصيته، ينقلب الأثر سلبًا. وعليه تعكس معاملات H1 صافي الأثر في العيّنة المدروسة لا اتجاهًا موجبًا حتميًّا.
المجموعة الثانية (H2) — أثر الثقة على أبعاد القرار: أثر موجب على سرعة الحسم (H2a) وعلى جودة القرار المدركة (H2b)، وأثر سالب على مستوى التردد (H2c). ويُقرَّ صراحةً أن العلاقة بين الثقة والتردد ليست حتميّة في الأدبيات: فثمة أبحاث ترى أن ارتفاع الثقة يُحفِّز البحث عن معلومات إضافيّة لا يكبحه. ويُعالَج هذا الغموض بالتعريف التّضييقي للتردد الوارد في القسم 6.3.
H2a: الثقة → سرعة الحسم الشرائي (+) · H2b: الثقة → جودة القرار المدركة (+) · H2c: الثقة → مستوى التردد قبل الشراء (−)
المجموعة الثالثة (H3) — الأثر المباشر: تسع فرضيات (3×3) تُختبَر بعد ضبط مسار الوساطة، بما يُتيح الحكم على طبيعة الوساطة كاملةً أو جزئية:
| Y₁ سرعة الحسم | Y₂ جودة القرار | Y₃ التردد | |
| X₁ التخصيص | H3a1 (+) | H3b1 (+) | H3c1 (−) |
| X₂ الدّعم | H3a2 (+) | H3b2 (+) | H3c2 (−) |
| X₃ التّحفيز | H3a3 (+) | H3b3 (+) | H3c3 (−) |
جدول 2: مصفوفة فرضيات الأثر المباشر
المجموعة الرابعة (H4) — الوساطة: تُفكَّك فرضيّة الوساطة الإجماليّة إلى تسعة مسارات مستقلة (3 أبعاد خوارزميّة × 3 أبعاد قرار)، يُصاغ كل مسار منها فرضيّةً قائمة بذاتها تُختبَر على فاصل ثقتها البوتسترابي الخاص (5000 إعادة معاينة، 95% BC-CI)، لا كفرضية إجماليّة يكفي لدعمها نجاح مسار واحد فقط:
| Y₁ سرعة الحسم | Y₂ جودة القرار | Y₃ التردد | |
| X₁ التخصيص | H4a1 | H4b1 | H4c1 |
| X₂ الدّعم | H4a2 | H4b2 | H4c2 |
| X₃ التّحفيز | H4a3 | H4b3 | H4c3 |
جدول 3: مصفوفة فرضيات الوساطة التسعة (كل خلية فرضية مستقلة تُختبَر على فاصل ثقتها الخاص)
يُستبدَل بهذا التفكيك المعيار الإجمالي الأضعف — الذي كان يكتفي بألا يتضمن فاصل الثقة القيمة الصفرية لمسار واحد على الأقل من بين تسعة — بحكم مسار-بمسار: يُعَدّ المسار مدعومًا فقط حين يستبعد فاصل ثقته الخاص القيمة الصّفريّة، ويُقارَن عدد المسارات المدعومة داخل كل مجموعة (H4a1–a3، H4b1–b3، H4c1–c3) لتحديد ما إذا كانت الوساطة عامة عبر الأبعاد الثلاثة أم مقصورة على بُعد بعينه.
المجموعة الخامسة (H5) — الفرضيّات المقارنة: يرتبط بُعد الدّعم الخوارزمي بجودة القرار المدركة ارتباطًا أقوى من ارتباط البُعدين الآخرين بها (H5a)، ويرتبط بُعد التّحفيز الخوارزمي بسرعة الحسم ارتباطًا أقوى من ارتباط البُعدين الآخرين بها (H5b). وتُشتق هاتان الفرضيتان مباشرةً من نظريّة المعالجة المزدوجة. ولأنّ مقارنة معاملات معياريّة بصريّة غير كافية إحصائيًّا، يُختبَر الفرق عبر إعادة المعاينة (Bootstrap، 5000 إعادة معاينة): يُحسَب فرق المعاملين المعياريين المقارَنين في كل عيّنة مُعاد سحبها، ويُبنى فاصل ثقة 95% لتوزيع الفروق؛ فإنّ استبعد هذا الفاصل القيمة الصّفريّة، عُدّ الفرق دالًا إحصائيًّا لا وصفيًّا فقط. وهما جوهر الإسهام المقارن للنّموذج: إذ يتحول السؤال من «هل يُؤثر الذكاء الاصطناعي؟» إلى «أي آلية خوارزمية تُؤثر في أي بُعد قراري، وبأي قوة نسبية؟».
11.الإطار المنهجي المقترح لاختبار النّموذج
تنتمي الدراسة المقترحة إلى الموقف ما بعد الوضعي: إقرارٌ بوجود علاقات واقعيّة قابلة للقياس بين المتغيرات، مع إقرار متزامن أنّ هذه العلاقات لا تُدرَك بصورة مطلقة وأن النّتائج مقيَّدة بحدود التصميم والسّياق (Creswell & Creswell, 2018). وعليه لا تُدَّعى استنتاجات سببيّة قطعيّة، بل تُقدَّم تقديرات ارتباطية تفسيريّة.
ويُغطي هذا الإطار خمسة عناصر متكاملة لا مجرد عرض للاستبيان وبعض الاختبارات: التصميم والمعاينة وتبرير حجم العينة إحصائياً (11.1)، ثم أداة القياس ومصدر بنودها وخطتا تحكيمها (11.2)، ثم التسلسل التحليلي الكامل بتسعة إجراءات متتابعة من معالجة البيانات المفقودة إلى اختبار الوساطة (11.3)، ثم إجراءات تحيز المنهج المشترك والاعتبارات الأخلاقية (11.4)، وأخيراً الحدود المنهجية المُقرَّة سلفاً (11.5).
11.1 التّصميم والمعاينة
يُقترح تصميم كمي تفسيري مقطعي قائم على استبيان إلكتروني، مع معاينة ميسَّرة هادفة وحصص مرنة في القنوات الرّقميّة المستخدمة والفئات العمريّة والجنس. ومعايير الشمول: إقامة فعليّة في لبنان، وسن ثمانية عشر عاماً فأكثر، وإتمام عملية شراء رقمي واحدة على الأقل خلال الأشهر السّتة الأخيرة. وتُستبعد الاستجابات غير المكتملة أو النّمطيّة والمكررة.
وباعتماد تحليل القوة الإحصائية القبْلي (G*Power) بافتراض حجم أثر متوسط (f² = 0.15) ومستوى دلالة (α = 0.05) وقوة مستهدفة (1 − β = 0.80) واثني عشر متنبئًا — ثلاثة أبعاد خوارزميّة ووسيط وثمانيّة ضوابط — يُقدَّر الحد الأدنى بـ 127 مشاركًا (Faul et al., 2009). غير أن ثلاثة اعتبارات ترفع هذا الحد: اختبار تسعة مسارات وساطة بوتسترابية يتطلب عيّنة أكبر لاستقرار فاصل الثقة؛ وارتفاع نسبة الاستجابات غير الصالحة المتوقع في البيئة المدروسة؛ وضمان تنوع القنوات الرّقمية في العينة. وعليه تُستهدف 250–300 استجابة صالحة، بجمع أولي يتراوح بين 320 و350 استجابة.
11.2 أداة القياس
تُقترح أداة من نحو سبعة وثلاثين بندًا موزعة على ثمانية مقاييس (ثلاثة للأبعاد الخوارزميّة، وواحد للثقة في الإشارات الخوارزميّة، وثلاثة لأبعاد القرار، ومقياس مختصر من 2–3 بنود للثقة المؤسسية العامة المُدرَجة ضابطًا)، بمقياس ليكرت خماسي موحَّد. ومصدر البنود هجين: بنود مُكيَّفة عن مقاييس محكَّمة — أبرزها مقياس الثقة الخوارزميّة المستند إلى McKnight et al. (2002)، ومقياس الثقة المؤسسيّة المكيَّف عن مقاييس الثقة المؤسسيّة العامة المتداولة في أدبيات علم الاجتماع السياسي — وبنود مطوَّرة ذاتياً للأبعاد الخوارزميّة الثلاثة نظرًا لغياب مقاييس جاهزة لها في السّياق المدروس. وتُعرَض الأداة بنسختين: عربية أساسية وإنكليزية موازية بالتّرجمة العكسيّة. ويُشترط في الصياغة أن تقيس البنود إدراك الأثر لا مجرد التعرض للأداة، وأن تتجنب في بُعد التّحفيز أي حكم أخلاقي مُضمَر يُوجِّه الاستجابة.
وتُخطَّط لهذه الأداة، قبل التوزيع الرئيسي، مرحلتان تحكيميتان: مراجعة من أربعة خبراء أكاديميين متخصصين في التّسويق الرّقمي وسلوك المستهلك للتحقق من الصدق الظّاهري والمحتوى؛ ثم دراسة استطلاعية على عيّنة من 25–30 مشاركاً لتقييم وضوح البنود والزمن اللازم للاستجابة (ثماني إلى اثنتي عشرة دقيقة مستهدَفة) ومعدل الإتمام، من دون إدراج بياناتها في التّحليل النهائي. ويُعرَض في الملحق (أ) نموذج توضيحي من البنود — المؤكَّدة منها والمقترحة — لكل بُعد.
11.3 التّسلسل التّحليلي المقترح
| # | الإجراء | المعيار والوظيفة |
| 1 | معالجة البيانات المفقودة | الحذف القائمي (Listwise Deletion) |
| 2 | فحص القيم المتطرفة | مسافة Mahalanobis (p < .001) والدرجات المعيارية |Z| > 3.29 |
| 3 | الاتساق الداخلي | معامل كرونباخ ألفا لكل مقياس (α ≥ 0.70) — إلزامي |
| 4 | التّحليل العاملي الاستكشافي | KMO واختبار بارتليت وتدوير Varimax — إلزامي لأن التصنيف الثلاثي اقتراحي لا مُثبَت |
| 5 | فحص تعدد الخطية | معامل تضخم التباين (VIF ≤ 5) ومراقبة الارتباطات المتجاوزة r = 0.70 |
| 6 | صلاحية التمييز | معيار Fornell & Larcker (1981) — مشروط بنتائج التّحليل العاملي |
| 7 | تحيز المنهج المشترك | اختبار هارمان للعامل الواحد — تشخيصي فقط مع إقرار حدوده |
| 8 | اختبار الأثر المباشر | انحدار هرمي متعدد (الكتلة 1: الضوابط؛ الكتلة 2: الأبعاد الخوارزميّة) ثلاث مرات |
| 9 | اختبار الوساطة | PROCESS Macro النّموذج 4، بـ 5000 إعادة معاينة وفاصل ثقة مُصحَّح 95% — تسعة مسارات |
جدول 4 : التسلسل التّحليلي المقترح
ويُستبعَد التّحليل العاملي التوكيدي من هذا التسلسل استبعادًا صريحًا، لأنه يستلزم برمجيّات نمذجة معادلات بنائيّة خارج نطاق الأدوات المعتمدة. ويُقرّ أنّ هذا الاستبعاد يُضعف الادعاء ببنيّة عامليّة ثلاثية لم تُختبَر توكيديًّا منه، ويُوصى بمعالجته في دراسة تحقق لاحقة.
11.4 تحيز المنهج المشترك والاعتبارات الأخلاقيّة
تُعتمد أربعة إجراءات وقائية تصميمّية إلى جانب اختبار هارمان: الفصل النصي بين أقسام المتغيرات المستقلة والتابعة؛ وإدراج بند معكوس الصياغة في كل مقياس؛ وتأكيد السّريّة التامة كتابيًّا؛ والتنصيص على انتفاء وجود إجابات صحيحة أو خاطئة. ويُطبَّق اختبار هارمان بوصفه اشتراطًا تشخيصيًّا لا حلًّا كافيًا؛ إذ لا يستطيع إثبات غياب التحيز بل الإشارة إلى سيطرة عامل واحد على التباين الكلي، فيما البديل الأفضل — الفصل الزّمني بين قياس المستقل والتابع أو تعدد مصادر البيانات — يتعذر تطبيقه ضمن القيود العمليّة للسياق.
وعلى الصعيد الأخلاقي، تتضمن الصفحة الأولى من الاستبيان بيان موافقة مستنيرة يشرح هدف الدراسة والطابع الطوعي للمشاركة وحق الانسحاب من دون تبعات وحصر توظيف البيانات في الأغراض الأكاديمية، ولا يُتاح الانتقال إلى البنود إلا بعد الإقرار الصريح بالموافقة. ولا تُطلب بيانات تعريفيّة مباشرة، وتُعالَج البيانات مجمَّعة وتُخزَّن في ملف محمي بكلمة مرور لا يُتاح الوصول إليه إلّا للباحث، ويُحتفَظ بها مدة ثلاث سنوات بعد النشر ثم تُحذَف نهائيًّا. ولا يتضمن التّصميم الحالي إشارة إلى موافقة رسميّة من لجنة أخلاقيّات بحثيّة مؤسسيّة أو إعفاء موثَّق؛ ويُقترح استكمال هذا الإجراء رسميًّا لدى الجامعة المُشرِفة قبل بدء جمع البيانات الفعلي، بما يتجاوز ضمانات التصميم الحالية القائمة على إجراءات الموافقة المستنيرة والحماية التّقنيّة للبيانات وحدها.
11.5 الحدود المُقرَّة سلفًا
يفرض التّصميم المقترح ثلاثة قيود يجب الإقرار بها قبل التنفيذ لا بعده. أولًا، لا يُتيح التّصميم المقطعي إثبات العلاقات السّببيّة الزّمنيّة؛ فحين يُظهر التّحليل أنّ الأثر غير المباشر دال إحصائيًّا، فإن ذلك يعني أنّ الثقة تتوسط العلاقة في البيانات المقطعيّة المجمَّعة، لا أنّ التّسلسل السّببي مُثبَت. فقد يكون مستوى الثقة المرتفع سابقًا للإدراك الخوارزمي أو لاحقًا له، وقد يكون كلاهما متأثرًا بمتغير ثالث غير مُقاس. ثانيًا، تعتمد الأداة على بيانات إدراكيّة ذاتية قد تتأثر بتحيز الاستجابة المرغوبة اجتماعيًّا وبتحيز الاسترجاع. ثالثًا، لا يرصد التّصميم التّطور الزّمني في إدراك الأثر الخوارزمي. وعليه تُفسَّر أي نتائج ضمن إطار علاقات ارتباطية تفسيرية متسقة مع نموذج الوساطة، لا بوصفها إثباتًا سببيًّا.
12.الخاتمة
تنويه صريح: لا تتضمن هذه الخاتمة قسماً للنتائج الوصفية لعينة الدراسة أو النتائج التحليلية ومقارنتها إحصائيًّا بالدراسات السابقة، لأن جمع البيانات الميدانية لم يبدأ بعد حتى تاريخ إعداد هذا البحث. فالبحث، كما وضح ملخصه ومقدمته، مفاهيمي-منهجي يقترح نموذجًا وإطار اختبار له، لا دراسة تجريبية منجزة. وستُستكمل أقسام النتائج الوصفية والتحليلية ومقارنتها بالدراسات السابقة إحصائياً في مرحلة لاحقة بعد جمع البيانات وتحليلها وفق الإطار المنهجي المفصَّل في القسم 11.
12.1 الإسهامات
يُقدِّم هذا البحث نموذجًا تحليليًّا لا يكتفي بإضافة متغير خوارزمي إلى نموذج قائم، بل يُعيد تأطير القرار الشّرائي بوصفه بنية معرفيّة متعددة الأبعاد، ويُعيد توظيف الثقة وسيطًا لا مخرجًا، ويُصنِّف الأدوات الخوارزميّة وفق آليات اشتغالها. وتتوزع إسهاماته على أربعة مستويات.
على المستوى المفاهيمي، يُفكِّك النّموذج قرار الشّراء إلى ثلاثة أبعاد إدراكية متمايزة قابلة للقياس المستقل، بما يُتيح التمييز بين أدوات تُسرِّع القرار وأخرى تُحسِّن جودته وثالثة تُقلل التّردد ، وهو تمييز يتعذر على المؤشرات الكلية إنتاجه. وعلى المستوى النظري، يُوظِّف الثقة وسيطًا عبر تسعة مسارات في نموذج واحد، بما يُجيب عن سؤال الآلية لا سؤال الأثر. وعلى المستوى المنهجي، يُصنِّف الأدوات وفق آليات الاشتغال لا التسميات التّقنيّة، بما يجعل المعرفة المُنتَجة قابلة للانتقال إلى أدوات مستقبليّة لم تظهر بعد. وعلى المستوى السّياقي، يُقترح اختباره في بيئة رقمية هجينة ذات هشاشة مؤسسيّة بالغة لم تُدرَس كميًّا في الأدبيات المتاحة.
12.2 موقع البحث مقارنةً بالأدبيات السابقة
يتموضع النموذج المقترح مقارنةً بالأدبيات السابقة على مستويين. فمقارنةً بدراسات تُعامل الذكاء الاصطناعي في التسويق أداةً متجانسة وتختبر أثرها على نية الشراء دون تفكيك آليات اشتغالها (Beyari & Garamoun, 2022)، يُقدِّم النموذج الحالي تصنيفاً ثلاثياً للأدوات وفق آلية التأثير الإدراكي لا التسمية التقنية. ومقارنةً بالدراسات القليلة التي وظَّفت الثقة متغيراً في نماذج الذكاء الاصطناعي التسويقي دون تفكيك المتغير التابع (Mani et al., 2025)، يُفكِّك النموذج الحالي قرار الشراء نفسه إلى ثلاثة أبعاد متمايزة. أما دراسات السياق العربي المتاحة (الأسدودي، 2023؛ الواصل وآخرون، 2023) فتبقى مقتصرة على منظور الكفاءة التشغيلية أو التطبيق المؤسسي دون اختبار إدراك المستهلك مباشرة. هذا التموضع المقارن هو ما يُبرر الإسهامات الأربعة الموصوفة أعلاه، لا افتراض يُستبعَد نقده.
12.3 حدود البحث
ويستلزم الإنصاف الإقرار بحدود البحث ذاته. فهو مفاهيمي-منهجي لا تجريبي: يبني النّموذج ويُبرره ويقترح إجراءات اختباره، من دون أن تُقدِّم دليلًا ميدانيًّا على صحته. والتّصنيف الثّلاثي للأبعاد الخوارزميّة يبقى اقتراحيًّا مستنبَطًا من تحليل تقاطعي للأدبيات، تُثبت صلاحيته أو تنفيها نتائج التّحليل العاملي الاستكشافي، ولا يُفترض تلقائيًّا بالتوافق الأكاديمي. كما أنّ الأبعاد الثلاثة قد تتداخل مفهوميًّا — فروبوت محادثة مُخصَّص هو دعم وتخصيص في آن — وهو احتمال يُعالَج باختبار صلاحية التمييز، وقد يُفضي إلى إعادة النّظر في التّصنيف أو دمج بُعدين متداخلين.
12.4 التوصيات وآفاق البحث المستقبليّة
تنبثق عن النموذج المقترح توصيات عملية أولية، مشروطة بنتائج الاختبار الميداني اللاحق لا مؤكَّدة بها بعد. فللجهات التسويقية، يُقترح تصنيف الاستثمار في الأدوات الخوارزمية وفق آلية اشتغالها المستهدفة: توجيه الاستثمار نحو بُعد الدعم حين يكون الهدف تحسين جودة القرار المدركة، ونحو بُعد التحفيز حين يكون الهدف تسريع الحسم، مع الحذر من الإفراط في أدوات التحفيز تفاديًا لظاهرة «إجهاد التحفيز» الموضحة في القسم 5.3. ولصانعي السياسات في لبنان تحديدًا، يُقترح توجيه أي تنظيم مستقبلي للخوارزميات التسويقية نحو الأبعاد الأكثر عرضة لاستغلال هشاشة الثقة المؤسسية — وعلى رأسها بُعد التحفيز المرتبط بالتسعير الديناميكي (القسم 8) — بدلًا من تنظيم «الذكاء الاصطناعي» بوصفه كتلة واحدة متجانسة. وتبقى هذه التوصيات استدلالات مبنية على منطق النموذج النظري، لا استنتاجات مُثبَتة ميدانيًّا.
وتنفتح على هذا النّموذج ثلاثة آفاق بحثية. الأول، اختباره ميدانيًا في السّياق اللبناني وفق الإطار المنهجي المقترح. والثاني، إعادة اختباره في سياقات عربية مماثلة بما يُتيح المقارنة المنهجية وبناء أدبيات قابلة للتراكم. والثالث، تجاوز حدود التصميم المقطعي عبر تصميم طولي أو تجريبي يُتيح التحقق السببي الفعلي من تسلسل الوساطة المفترض. ويبقى السؤال المركزي الذي يسعى هذا البحث إلى نقله من مرتبة الافتراض إلى مرتبة القابليّة للاختبار: ليس هل تُؤثر الأدوات الخوارزميّة في قرار الشّراء، بل كيف تفعل ذلك، وعبر أي أبعاد إدراكيّة، وبأي قوة نسبيّة بين الآليات المختلفة.
المراجع
أولًا: المراجع العربيّة
- الأسدودي، ن. (2023). تطبيق آليات الذكاء الاصطناعي في التّسويق الرّقمي وآثارها في تحقيق المزايا التنافسية: دراسة ميدانية على الخبراء. مجلة البحوث الإعلامية، 67(2)، 837–902. https://doi.org/10.21608/jsb.2023.230616.1633
- الواصل، م.، والمعلم، ش.، والحربي، ر.، والرافعي، م. (2023). تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين استراتيجيات التّسويق الرّقمي. مجلة اتحاد الجامعات العربية لبحوث الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، 2023(11)، 337–369. https://doi.org/10.21608/jcts.2023.317507
- عبدالله، ر. (2023). الاتجاهات البحثية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في التّسويق. المجلة العلمية للدراسات الإعلامية والاتصال، 2023(88)، 1871–1898. https://doi.org/10.21608/ejsc.2023.324697
ثانياً: المراجع الأجنبيّة
- Ali, F., Maqsood, H., & Janjua, Q. (2025). Psychological triggers in online shopping: The influence of scarcity, urgency, and personalization on consumer buying behavior. The Critical Review of Social Sciences Studies, 3(2), 269–289. https://doi.org/10.59075/cxyapm95
- Alzaidi, M. S., & Agag, G. (2022). The role of trust and privacy concerns in using social media for e-retail services: The moderating role of COVID-19. Journal of Retailing and Consumer Services, 68, 103042. https://doi.org/10.1016/j.jretconser.2022.103042
- Barton, B. L., Zlatevska, N., & Oppewal, H. (2022). Scarcity tactics in marketing: A meta-analysis of product scarcity effects on consumer purchase intentions. Journal of Retailing, 98(4), 741–758. https://doi.org/10.1016/j.jretai.2022.06.003
- Beyari, H., & Garamoun, H. (2022). The effect of artificial intelligence on end-user online purchasing decisions: Toward an integrated conceptual framework. Sustainability, 14(15), 9637. https://doi.org/10.3390/su14159637
- Creswell, J. W., & Creswell, J. D. (2018). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches (5th ed.). SAGE Publications.
- Dai, X., & Liu, Q. (2024). Impact of artificial intelligence on consumer buying behaviors: A study about the online retail purchase. Journal of Infrastructure, Policy and Development, 8(9), 7700. https://doi.org/10.24294/jipd.v8i9.7700
- Davenport, T., Guha, A., Grewal, D., & Bressgott, T. (2020). How artificial intelligence will change the future of marketing. Journal of the Academy of Marketing Science, 48(1), 24–42. https://doi.org/10.1007/s11747-019-00696-0
- Ding, Y., & Najaf, M. (2024). Interactivity, humanness, and trust: A psychological approach to AI chatbot adoption in e-commerce. BMC Psychology, 12, 595. https://doi.org/10.1186/s40359-024-02083-z
- Effendi, M., Fuadah, A., & Sholihah, M. (2025). Exploring the impact of artificial intelligence on consumer behavior. Brilliant International Journal of Management and Tourism, 5(2), 259–270. https://doi.org/10.55606/bijmt.v5i2.4723
- Erensoy, A., Mathrani, A., Schnack, A., Elms, J., & Baghaei, N. (2024). Consumer behavior in immersive virtual reality retail environments: A systematic literature review using the stimuli-organisms-responses (S-O-R) model. Journal of Consumer Behaviour, 23(6), 2781–2811. https://doi.org/10.1002/cb.2374
- Faul, F., Erdfelder, E., Buchner, A., & Lang, A.-G. (2009). Statistical power analyses using G*Power 3.1: Tests for correlation and regression analyses. Behavior Research Methods, 41(4), 1149–1160. https://doi.org/10.3758/BRM.41.4.1149
- Fikriawan, S., & Ansori, T. (2025). The effect of chatbot use on purchase decisions with trust as mediator. MONETARIUM: Journal of Economics Business and Management, 2(2). https://doi.org/10.71155/n4nc0r46
- Flyvbjerg, B. (2006). Five misunderstandings about case-study research. Qualitative Inquiry, 12(2), 219–245. https://doi.org/10.1177/1077800405284363
- Fornell, C., & Larcker, D. F. (1981). Evaluating structural equation models with unobservable variables and measurement error. Journal of Marketing Research, 18(1), 39–50.
- Gefen, D., Karahanna, E., & Straub, D. W. (2003). Trust and TAM in online shopping: An integrated model. MIS Quarterly, 27(1), 51–90. https://doi.org/10.2307/30036519
- Guerra-Tamez, C. R., Kraul Flores, K., Serna-Mendiburu, G. M., Chavelas Robles, D., & Ibarra Cortés, J. (2024). Decoding Gen Z: AI’s influence on brand trust and purchasing behavior. Frontiers in Artificial Intelligence, 7, 1323512. https://doi.org/10.3389/frai.2024.1323512
- Hayes, A. F. (2018). Introduction to mediation, moderation, and conditional process analysis (2nd ed.). Guilford Press.
- Kahneman, D. (2011). Thinking, fast and slow. Farrar, Straus and Giroux.
- Kemp, S. (2023). Digital 2023: Lebanon. DataReportal. https://datareportal.com/reports/digital-2023-lebanon
- Lexis Middle East. (2024). Lebanon data protection law and the GDPR. https://www.lexismiddleeast.com/legislativeInsight/Lebanon/Lebanon_Data_Protection_Law_and_the_GDPR/en
- Liu, Y., Khan, M. B., Ashraf, M., Orangzab, Sharif, W., & Ahmad, J. (2022). Customer’s decision and affective assessment of online product recommendation: A recommendation-product congruity proposition. Frontiers in Psychology, 13, 916520. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2022.916520
- Mani, S., Tiwari, P., Ramchandani, S., Acharya, P. S., & Irudayaraj, V. D. (2025). From clicks to conversions: How AI shapes consumer trust, experience, and online buying behaviour. Advances in Consumer Research, 2(4), 5028–5035.
- Markou, V., Serdaris, P., Antoniadis, I., & Spinthiropoulos, K. (2025). Personalization, trust, and identity in AI-based marketing: An empirical study of consumer acceptance in Greece. Administrative Sciences, 15(11), 440. https://doi.org/10.3390/admsci15110440
- McKnight, D. H., Choudhury, V., & Kacmar, C. (2002). Developing and validating trust measures for e-commerce: An integrative typology. Information Systems Research, 13(3), 334–359. https://doi.org/10.1287/isre.13.3.334.81
- Mehrabian, A., & Russell, J. A. (1974). An approach to environmental psychology. MIT Press.
- Pavlou, P. A. (2003). Consumer acceptance of electronic commerce: Integrating trust and risk with the technology acceptance model. International Journal of Electronic Commerce, 7(3), 101–134. https://doi.org/10.1080/10864415.2003.11044275
- Peng, M., Xu, Z., & Huang, H. (2021). How does information overload affect consumers’ online decision process? An event-related potentials study. Frontiers in Neuroscience, 15, 695852. https://doi.org/10.3389/fnins.2021.695852
- Quintus, M., Mayr, K., Hofer, K. M., & Chiu, Y. T. (2024). Managing consumer trust in e-commerce: Evidence from advanced versus emerging markets. International Journal of Retail & Distribution Management, 52(10/11), 1038–1056. https://doi.org/10.1108/IJRDM-10-2023-0609
- Samson, A., & Voyer, B. G. (2012). Two minds, three ways: Dual system and dual process models in consumer psychology. AMS Review, 2(2–4), 48–71.
- Stanovich, K. E., & West, R. F. (2000). Individual differences in reasoning: Implications for the rationality debate? Behavioral and Brain Sciences, 23(5), 645–665. https://doi.org/10.1017/S0140525X00003435
- Suleman, D., Wianti, W., Sofyanty, D., Ariawan, J., & Dwi Setyaningrum, E. (2025). The effect of AI-driven personalized marketing on consumer purchase decisions: Evidence from the fashion industry. Jurnal Ekonomi Bisnis Manajemen dan Akuntansi (JEBISMA), 2(3). https://doi.org/10.70197/jebisma.v2i3.96
- Tuncer, R., Sergeeva, A., Bongard-Blanchy, K., Distler, V., Doublet, S., & Koenig, V. (2024). Running out of time(rs): Effects of scarcity cues on perceived task load, perceived benevolence and user experience on e-commerce sites. Behaviour & Information Technology, 43(11), 2281–2299. https://doi.org/10.1080/0144929X.2023.2242966
- Xu, Y., & Chen, L. (2025). Personalized recommendations and consumer trust: The role of perceived control and locus of control. Acta Psychologica, 261, 105936. https://doi.org/10.1016/j.actpsy.2025.105936
10. ملحق (أ): نموذج توضيحي من بنود القياس
يعرض هذا الملحق نموذجًا توضيحيًّا من البنود المؤكَّدة الواردة صراحةً في وثائق الدّراسة الأم (الفصلان الأول والثاني)، لا الأداة الكاملة. الأداة الكاملة (نحو 37 بندًا بعد إضافة مقياس الثقة المؤسسيّة) مُصمَّمة لتخضع لتحكيم أربعة خبراء ودراسة استطلاعيّة منفصلة كخطوتين ضمن الخطة المنهجيّة المعتمدة (القسم 11.2)؛ ولا تُقدَّم هاتان الخطوتان هنا بوصفهما منجزتين فعلًا، إذ يتعذّر التحقق من ذلك داخل هذا البحث نفسه في غياب استشهاد مرجعي كامل بالأطروحة الأم — وسيُستكمَل هذا الاستشهاد حين تتوفر بياناتها المؤسسية الكاملة. تُعرَض في جدول 4 أدناه البنود المؤكَّدة المصدر بصياغتها الأصلية، وفي جدول 5 بنود مقترحة من إعداد الباحث للمقاييس التي لم يُحدَّد نص بنودها صراحةً في المصدرَين (الثقة في الإشارات الخوارزميّة، سرعة الحسم، التردد، الثقة المؤسسية) — مع تمييز بصري وتوصيفي واضح بين الفئتين تفاديًّا للخلط بين بند موثَّق وبند مقترح لم يخضع للتحكيم بعد.
| المقياس | بند توضيحي (بصياغته الأصلية) | المصدر |
| X₁ — التخصيص | «أشعر أن التوصيات المعروضة عليّ تتوافق مع اهتماماتي الفعلية» | الفصل الأول، 1.7 |
| X₁ — التخصيص | «لاحظتُ أن الخيارات المعروضة عليّ تختلف عن تلك المعروضة على الآخرين» | الفصل الأول، 1.7 |
| X₂ — الدّعم | «ساعدني التفاعل مع المساعد الرّقمي أو وصف المنتج على فهم خصائصه بصورة أكثر وضوحاً» | الفصل الأول، 1.7 |
| X₃ — التّحفيز | «شعرتُ بأن العروض أو الإشعارات المعروضة عليّ دفعتني إلى اتخاذ قراري بسرعة أكبر مما كنت سأفعل في الأحوال العادية» | الفصل الأول، 1.7 |
| Y₂ — جودة القرار | «شعرتُ أن الخيار الذي اخترته كان الأنسب مقارنةً بالبدائل المتاحة أمامي» | الفصل الأول، 1.7 |
جدول 5: بنود توضيحية مؤكَّدة المصدر (5 من أصل نحو 37 بنداً)
ملاحظة منهجيّة على بند التّحفيز تحديدًا: يوضح الفصل الأول صراحةً وجوب تفادي صياغات تحمل حكمًا أخلاقيًّا مُضمَرًا من نوع «أشعر أنّ هذه العروض تُستغَل لاستعجالي»، لأنّ هذه الصّياغة تقيس الموقف من الأداة لا إدراك أثرها على التوقيت — وهو تمييز يُطبَّق بصرامة عند صياغة بقية بنود هذا البُعد.
– محاضر في الجامعة اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة في مرحلة الماجستير- بيروت- لبنان[1]
Lecturer at the Lebanese University and the Islamic University at the Master’s level – Beirut – Lebanon.Email: ahmadkjaber@hotmail.com
[2] – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة فرع العلوم والأبحاث- قسم إدارة الأعمال- طهران
PhD student at Azad Islamic University, Science and Research Branch – Tehran.Email: wael.bdr@gmail.com