عنوان البحث: جغرافيّة القطاع الزّراعي وخدماته في المناطق الجبليّة: قرى قضاء بعبدا فوق ارتفاع 300 متر أنموذجاً
اسم الكاتب: د. إيلي شديد
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
جغرافيّة القطاع الزّراعي وخدماته في المناطق الجبليّة: قرى قضاء بعبدا فوق ارتفاع 300 متر أنموذجاً
Géographie du secteur agricole et de ses services dans les zones montagneuses: le cas des villages du caza de Baabda situés au-dessus de 300 mètres d’altitude
د. إيلي شديد([1]) Dr. Elie Chedid
تاريخ الإرسال:2-7-2026 تاريخ القبول:13-7-2026
الملخص turnitin:2%
يشكّل القطاع الزّراعي إحدى الرّكائز الأساسيّة للاقتصاد الوطني، غير أنّه شهد تراجعًا ملحوظًا خلال السَّنوات الأخيرة نتيجة الأزمات الاقتصاديّة والماليّة والتغيرات المناخيّة والاضطرابات الجيوسياسيّة، ما انعكس سلبًا على الإنتاج الزّراعي. وتُجسّد القرى الجبليّة الواقعة فوق ارتفاع 300 متر في قضاء بعبدا هذا الواقع، حيث تقلّص النّشاط الزّراعي وانحسرت المساحات المستثمرة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الخدمات الزّراعيّة والتّوسع العمراني. وتهدف الدِّراسة إلى تحليل واقع القطاع الزّراعي في هذه القرى وتقييم دور الخدمات الزّراعيّة، ولا سيما الإرشاد والدّعم الفنّي والتّسويقي، في تعزيز الإنتاجيّة واستدامة النّشاط الزّراعي، واقتراح آليات لتطوير هذه الخدمات بما يسهم في تنشيط القطاع وتحقيق التنمية المحليّة المستدامة.
الكلمات المفتاحية: هامشيّة القطاع، التراجع والانحسار الجغرافي، الأزمات الهيكليّة والاقتصاديّة، التنمية المحليّة المستدامة، الدّعم الزّراعي.
Abstract
Le secteur agricole est considéré comme l’un des piliers fondamentaux de l’économie nationale; cependant, il a connu un recul notable au cours des dernières années en raison des crises économiques et financières, des changements climatiques et des bouleversements géopolitiques, ce qui a eu des répercussions négatives sur la production agricole. Les villages de montagne situés au-dessus de 400 mètres d’altitude dans le caza de Baabda illustrent cette réalité, où l’activité agricole s’est contractée et les superficies exploitées ont diminué en raison de la hausse des coûts de production, de la faiblesse des services agricoles et de l’expansion urbaine. La présente étude vise à analyser la situation du secteur agricole dans ces villages et à évaluer le rôle des services agricoles, notamment le conseil, l’appui technique et commercial, dans le renforcement de la productivité et la durabilité de l’activité agricole, ainsi qu’à proposer des mécanismes de développement de ces services susceptibles de contribuer à la revitalisation du secteur et à la réalisation d’un développement local durable.
Mots-clés : marginalisation du secteur, recul et contraction géographique, crises structurelles et économiques, développement local durable, soutien agricole.

1– المقدمة
ارتبطت الزراعة في المناطق الجبليّة بالسكان منذ القدم، بوصفها من الأنشطة الاقتصاديّة التّقليديّة، وقد استفاد الإنسان من الموارد الطبيعيّة المتاحة لتأمين حاجاته الغذائيّة وتحقيق موردٍ للعيش. وتمتاز هذه المنطقة بتنوع مناخها واعتدال درجات الحرارة في بعض الارتفاعات، ما يسمح بزراعة العديد من الأشجار المثمرة والمحاصيل الزّراعيّة. كما تساهم الزّراعة الجبليّة في الحفاظ على الغطاء النّباتي والحدّ من انجراف التربة، أضف إلى دورها في تثبيت السّكان في قراهم والحد من الهجرة الريفيّة([2]).
إلّا أنّ هذا القطاع في منطقة الدِّراسة يواجه العديد من التّحدّيات التي تحدّ من تطوره واستدامته. فوعورة التّضاريس وشدة الانحدارات تجعل استصلاح الأراضي واستثمارها أمرًا مكلفًا وصعبًا، كما تؤدي إلى صعوبة استخدام الآلات الزّراعيّة الحديثة. وتُضاف إلى ذلك مشكلة تفتت الملكيّات الزّراعيّة، ونقص الموارد المائيّة ، وارتفاع كلفة الإنتاج الزّراعي مقارنة بالمناطق السّهليّة. كما يعاني المزارعون من ضعف الخدمات الزّراعيّة والتّسويقيّة، وتقلبات الأسعار، وتزايد تأثيرات التّغيرات المناخيّة من موجات جفاف وصقيع. لذلك أصبحت الزراعة الجبليّة بحاجة إلى سياسات تنموية ودعم فني، واقتصادي يضمن استمراريتها ويعزز مساهمتها في التنمية المحليّة ([3]).
2- إشكاليّة الدِّراسة: على الرغم من توافر بعض المقومات الطبيعيّة والبشريّة الملائمة للنشاط الزّراعي في المنطقة المدروسة، إلّا أن القطاع الزّراعي يشهد تراجعًا ملحوظًا وانخفاضًا في مساهمته الاقتصاديّة والاجتماعيّة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول العوامل المؤدّية إلى هذا الضّعف، ومدى تأثيرها على استثمار الأراضي الزّراعيّة واستدامة الإنتاج الزّراعي. وانطلاقًا من هذه الإشكاليّة الرئيسة، يمكن استنباط مجموعة من التّساؤلات الفرعيّة التي تُوجّه مسار البحث وتحدد أبعاده، وهي كالآتي:
– ما هو واقع النّشاط الزّراعي في المنطقة المدروسة؟
– ما هي المقومات الطبيعيّة والبشريّة والاقتصاديّة المتوافرة للقطاع الزّراعي؟
– ما هي أبرز المعوقات التي تحدّ من تطور الزراعة في المنطقة؟
– ما هو دور الخدمات الزّراعيّة في دعم القطاع الزّراعي وتنميته؟
– ما السّبل الكفيلة بتطوير النشاط الزّراعي وزيادة مساهمته في التنمية المحلية؟
3- فرضية الدِّراسة
– تعاني الزراعة في المنطقة المدروسة من ضعف ناتج عن تداخل عوامل طبيعيّة وبشريّة واقتصاديّة.
– أدى التوسع العمراني وتفتت الملكيّات الزّراعيّة إلى تقلص المساحات المزروعة وانخفاض الإنتاج الزّراعي.
– يساهم ضعف الخدمات الزّراعيّة وقلّة الاستثمارات في الحد من تطور القطاع الزّراعي.
– يمكن تحسين واقع الزراعة من خلال تعزيز الخدمات الزّراعيّة، وتطوير البنية التّحتيّة الزّراعيّة وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.
– توجد علاقة مباشرة بين توافر المقومات الزّراعيّة ومستوى النشاط الزّراعي في المنطقة.
4- أهمّيّة الدِّراسة
تكتسب هذه الدِّراسة أهمّيتها من سعيها إلى تحليل واقع الخدمات الزّراعيّة في منطقة الدِّراسة، وتبيان مدى توافق هذه الخدمات مع احتياجات المجتمع الرّيفي ومتطلبات التنمية الزّراعيّة الحديثة. وفي ظل التقدّم العلمي والتكنولوجي المتسارع الذي يميز العصر الحالي، أصبحت الخدمات الزّراعيّة بمختلف أشكالها عنصرًا أساسيًا في دعم القطاع الزّراعي وتعزيز إنتاجيته([4]). وتركز الدِّراسة على تحديد أنماط الخدمات الزّراعيّة المتوافرة في القضاء وتحليل توزيعها الجغرافي، بما يسهم في تشخيص التّحدّيات والمعوقات التي تحدّ من فاعليتها. كما تهدف إلى استكشاف الفرص المتاحة لتطوير القطاع الزّراعي من خلال تحسين الخدمات المقدمة وتبني التقنيات الحديثة الملائمة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على زيادة الإنتاج الزّراعي وتحقيق التنمية الزّراعيّة المستدامة في القضاء.
5- أهداف الدِّراسة:
- تقييم واقع الخدمات الزّراعيّة ومسيرة تطورها الزّمني، بهدف تحديد مدى كفاءتها في تحسين مستويات الإنتاج الزّراعي ورفع جودته.
- تحديد العوامل الجغرافية (الطبيعيّة والبشرية) المؤثرة في توزيع الخدمات الزّراعيّة .
- قياس أثر الخدمات الزّراعيّة في دفع مسار التنمية الزّراعيّة بالقضاء([5])، وتحديد درجة ارتباطها بمستويات التنمية المحليّة.
- تحليل التّوزيع المكاني للخدمات الزّراعيّة، ودراسة انعكاساته على كفاءة الإنتاج الزّراعي في مختلف قرى الدِّراسة
- رصد المشكلات والمعوقات التي تواجه توزيع الخدمات الزّراعيّة في منطقة الدِّراسة، واستشراف السبل الكفيلة بمعالجتها وتجاوزها.
6- المنهج المتبع: لتحقيق أهداف هذه الدِّراسة وفق منهجيّة علمية رصينة، اعتُمِد على مجموعة من المناهج والأساليب البحثيّة المتكاملة. فقد استُخدم المنهج الوصفي لتشخيص واقع الخدمات الزّراعيّة في منطقة الدِّراسة ورصد خصائصها، ووُظِّف أسلوب التّحليل الكميّ لقياس أثر هذه الخدمات في تنمية القطاع الزّراعي وتحليل مؤشراته المختلفة. كذلك، جرى الاعتماد على المنهج الإحصائي لمعالجة البيانات واستخلاص النتائج العلميّة التي تُبرز أهمّيّة المحاصيل الزّراعيّة والخدمات المرتبطة بها، وتُسهم في تفسير واقع التنمية الزّراعيّة واتجاهاتها في منطقة الدِّراسة.
7- أسباب الإختيار:
7-1- الأسباب العلميّة
- إبراز واقع القطاع الزّراعي في منطقة تعاني من تراجع النّشاط الزّراعي.
- دراسة العوامل المؤثرة في ضعف الزّراعة وتحليل آثارها على التنمية المحليّة.
- المساهمة في إثراء الدّراسات الجغرافيّة والزّراعيّة المتعلقة بالمنطقة المدروسة.
- تسليط الضوء على دور الخدمات الزّراعيّة في دعم التنمية الزّراعيّة.
7-2- الأسباب الاقتصاديّة
- أهمية القطاع الزّراعي في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.
- الحاجة إلى استثمار الموارد المتاحة بصورة أكثر كفاءة لزيادة الإنتاج الزّراعي.
- دراسة إمكانية تنشيط القطاع الزّراعي وتعزيز مساهمته في الاقتصاد المحلي.
7-3- الأسباب الاجتماعيّة
- ارتباط عدد من السكان بالنشاط الزّراعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
- الحدّ من الهجرة الرّيفيّة والمحافظة على استقرار السكان في مناطقهم.
- تحسين المستوى المعيشي للأسر المرتبطة بالقطاع الزّراعي.
7-4- الأسباب الشّخصيّة
- الرّغبة في التعرف إلى واقع الزراعة في المنطقة المدروسة ومشكلاتها.
- الاهتمام بالجغرافيا الزّراعيّة والتنمية الريفية.
- المساهمة في تقديم مقترحات عملية يمكن أن تساعد في تطوير القطاع الزّراعي مستقبلاً.
8- أسباب عدم اختيار المناطق دون 300 متر
أ- تتركز غالبيّة المدن الكبرى في قضاء بعبدا ضمن الشّريط الساحلي، حيث أدّى التوسع العمراني والتحول الوظيفي للاقتصاد المحلي إلى تراجع النّشاط الزّراعي وانحساره إلى حدّ شبه كامل. وباتت هذه المدن تعتمد بصورة رئيسة على الأنشطة التجاريّة، والخدميّة التي تشكّل القاعدة الاقتصاديّة المهيمنة ومصدر الاستقطاب السّكاني والاستثماري، مما أسهم في تهميش الوظيفة الزّراعيّة داخلها.
ب- تقع أراضي هذا القسم ضمن نطاقات ذات انحدارات شديدة، إذ تصل نسبة الانحدار في بعض المواقع إلى نحو 70%، الأمر الذي يحدّ بصورة كبيرة من إمكانات استثمارها زراعيًّا. كما أن تحويل هذه الأراضي إلى مدرجات أو مساحات صالحة للزراعة يتطلب أعمالًا هندسيّة مكلفة واستثمارات ماليّة مرتفعة، ما يقلّل من جدواها الاقتصاديّة ويشكّل عائقًا أساسيًّا أمام التوسع الزّراعي واستغلال الموارد الأرضيّة المتاحة.
ج- تعرّضت أراضي عدد من هذه القرى، ولا سيما قرى زندوقة والقصيبة والكنيسة، لأعمال تلغيم خلال مدّة الحرب الأهليّة اللبنانيّة، الأمر الذي ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم. وتزداد خطورة هذه المشكلة بسبب غياب الخرائط الدّقيقة التي تحدد مواقع الألغام ومخلّفات الحرب، ما يحول دون استثمار مساحات واسعة من الأراضي الزّراعيّة ويجعلها مناطق غير آمنة. كما يشكّل ذلك تهديدًا مباشرًا لحياة السكان والمزارعين، ويعرّض الأفراد الذين يحاولون استغلال هذه الأراضي أو العمل فيها لمخاطر جسيمة قد تصل إلى الإصابة أو الوفاة، الأمر الذي يحدّ من إمكانات التنمية الزّراعيّة ويعيق الاستفادة المثلى من الموارد الأرضيّة المتاحة.
9- الموقع
يتحدّد قضاء بعبدا بحدود طبيعيّة وإداريّة واضحة؛ إذ تشكّل طريق بيروت-دمشق الدّوليّة وقمم جبل الكنيسة حدوده الشّرقيّة، فيما يرسم مجرى نهر بيروت حدوده الشّماليّة. ويمتد القضاء من شواطئ البحر الأبيض المتوسط غربًا حتى قمم جبل الكنيسة شرقًا عند بلدة كفرسلوان على ارتفاع 2050 مترًا، لتبلغ مساحته الإجماليّة نحو 195 كلم². ويتاخم القضاءَ شمالًا كلٌّ من قضاء المتن والعاصمة بيروت، وشرقًا قضاء زحلة، وجنوبًا قضاء عاليه. أمّا من الناحية الجغرافيّة، فتقع منطقة الدِّراسة بين دائرتَي عرض 33°48’30” و33°50’20” شمالاً، وبين خطَّي طول 35°28′ و35°50′ شرق غرينتش.
10- شكل السّطح
يتّخذ القضاء شكل المنحدر المتدرّج من الشّرق إلى الغرب، تتراوح ارتفاعاته بين مستوى سطح البحر تقريبًا وأعلى نقطة فيه في بلدة كفرسلوان التي تبلغ 2050 مترًا. ويُفرز هذا التنوّع التضاريسي تنوّعًا مناخيًّا واضحًا يتوزّع على ثلاثة أقاليم: الإقليم السّاحلي في البلدات المنخفضة القريبة من السّاحل كالحدث وكفرشيما وحارة حريك، والإقليم الجبلي المتوسط في القرى التي يتراوح ارتفاعها بين 500 و1000 متر كالقصيبة وزندوقة ودير الحرف، والإقليم الجبلي المرتفع في القرى التي تتجاوز 1000 متر كحمّانا وفالوغا وكفرسلوان.





11- القوى العاملة الزّراعيّة
بلغ عدد اليد العاملة الزّراعيّة([11]) في منطقة الدِّراسة 1727عاملًا، وهم يتوزعون بين عمال موسميين ودائمين ويتمركز القسم الأكبر من المزارعين في قرى رأس المتن وكفرسلوان وترشيش وحمانا وقرنايل وينخفض في القرى الأخرى الى نسب دون 1% على سبيل المثال لا الحصر القصيبة، العربانية، بتبيات…
| إسم القرية | عدد المزارعين | % | إسم القرية | عدد المزارعين | % |
| راس المتن | 187 | 10.8 | بعبدا | 17 | 1.0 |
| كفرسلوان | 164 | 9.5 | القصيبة | 16 | 0.9 |
| ترشيش | 137 | 7.9 | العربانية | 14 | 0.8 |
| حمانا | 131 | 7.6 | بتبيات | 12 | 0.7 |
| قرنايل | 121 | 7.0 | أرصون | 11 | 0.6 |
| صليما | 109 | 6.3 | دير خونا | 11 | 0.6 |
| جوار الحوز | 106 | 6.1 | الشميسة | 10 | 0.6 |
| العبادية | 103 | 6.0 | الدليبة | 9 | 0.5 |
| قبيع | 82 | 4.7 | عين موفق | 8 | 0.5 |
| رويسة البلوط | 71 | 4.1 | حارة حمزة | 8 | 0.5 |
| الشبانية | 48 | 2.8 | بعلشميه | 8 | 0.5 |
| عاريا | 42 | 2.4 | قرطاضة | 8 | 0.5 |
| فالوغا | 32 | 1.9 | جورة أرصون | 7 | 0.4 |
| حاصبيا | 26 | 1.5 | الخريبة | 7 | 0.4 |
| الهلالية | 25 | 1.4 | القرية | 7 | 0.4 |
| الخلوات | 24 | 1.4 | حارة الست | 6 | 0.3 |
| القلعة | 24 | 1.4 | الكنيسة | 2 | 0.1 |
| شويت | 23 | 1.3 | |||
| بتخنيه | 23 | 1.3 | |||
| دير الحرف | 23 | 1.3 | |||
| بمريم | 22 | 1.3 | |||
| بزبدين | 22 | 1.3 | |||
| راس الحرف | 21 | 1.2 | |||
| المجموع | 1727 | ||||
جدول رقم (2): التوزع العددي والنسبي للمزراعين على قرى الدِّراسة([12])
رسم بياني رقم (1): التفاوت في توزع المزارعين على القرى)[13](
11-1- تراجع في عدد القوى العاملة الزّراعيّة
بلغ عدد المزارعين في منطقة الدِّراسة 2345 وذلك عام 2019 )[14]( أم حاليًّا، فقد بلغ عدد وفق الدِّراسة الميدانيّة 1727 عاملا أي بنسبة تراجع بلغت 26.4% ما يعكس استمرار تراجع النشاط الزّراعي وتناقص القوى العاملة في هذا القطاع.
11-2- توزع القوى العاملة الزّراعيّة حسب النشاط الزّراعي
| الصنف | تربية نحل | تربية ماشية | تربية دواجن | صنوبر | خضار وأشجار مثمرة | المجموع |
| عدد | 54 | 8 | 11 | 211 | 1443 | 1727 |
| % | 3.1 | 0.5 | 0.7 | 12.2 | 83.5 | 100 |
جدول رقم (3): التوزع العددي والنسبي للقوى العاملة الزّراعيّة([15])
يتبين لنا من خلال الجدول رقم (3) أنّ النّسبة الأكبر من العمال الزّراعيين ينشطون في مجال زراعة الخضار، والأشجار المثمرة بنسبة 83.5% والصنوبر التي تغطي أشجارها مساحة كبيرة من القسم الأوسط من قضاء بعبدا فتشكل نسبة اليد الزّراعيّة 12،2 بينما تنخفض في الفئات الأخرى.
| إسم القرية | المساحة الزّراعيّة (كلم2) | إسم القرية | المساحة الزّراعيّة (كلم2) |
| راس المتن | 8523 | بعبدا | 4523 |
| كفرسلوان | 12563 | القصيبة | 2186 |
| ترشيش | 6523 | العربانية | 2364 |
| حمانا | 6752 | بتبيات | 0.68 |
| قرنايل | 5578 | أرصون | 3241 |
| صليما | 3254 | دير خونا | 0.65 |
| جوار الحوز | 2854 | الشميسة | 0.88 |
| العبادية | 6854 | الدليبة | 0.423 |
| قبيع | 1254 | عين موفق | 0.91 |
| رويسة البلوط | 0.98 | حارة حمزة | 0.75 |
| الشبانية | 3652 | بعلشميه | 1789 |
| عاريا | 2568 | قرطاضة | 2564 |
| فالوغا | 9458 | جورة أرصون | 0.215 |
| حاصبيا | 0.85 | الخريبة | 0.523 |
| الهلالية | 1.2 | القرية | 0.63 |
| الخلوات | 0.92 | حارة الست | 0.75 |
| القلعة | 0.84 | الكنيسة | 2453 |
| شويت | 1.6 | ||
| بتخنيه | 1742 | ||
| دير الحرف | 1856 | ||
| بمريم | 1234 | ||
| بزبدين | 3422 | ||
| راس الحرف | 0.87 |
جدول(4): المساحات الزّراعيّة في قرى الدِّراسة([16])
12– المحاصيل الزّراعيّة
تحتل المحاصيل الزّراعيّة في قضاء بعبدا مكانة بارزة ضمن النشاط الاقتصادي في القرى الجبليّة والرّيفيّة، إذ تستفيد الزّراعة من التّنوع المناخي واختلاف الارتفاعات بين المناطق. ويُقدَّر إجمالي الإنتاج الزّراعي السنوي في القضاء بنحو 20 ألف طن، تتوزع بين ما يقارب 15 ألف طن من الفواكه و5 آلاف طن من الخضار. ويعود هذا التفوق الواضح للفواكه إلى انتشار البساتين والأشجار المثمرة في معظم القرى الزّراعيّة، ولا سيما في حمانا ورأس المتن وبحمدون والقرى المجاورة، إذ تشكل أشجار التفاح والكرز والخوخ والإجاص والعنب والتّين والزيتون الجزء الأكبر من الإنتاج الزّراعي.أمّا إنتاج الخضار، فيُقدَّر بحوالي 6 آلاف طن سنويًّا، ويتركز في الأراضي السّهليّة والوديان والحقول الصغيرة المنتشرة في عدد من بلدات القضاء. وتشمل الزراعات المهمّة البندورة والخيار والكوسا والباذنجان والفاصولياء، والبطاطا والخضار الورقيّة التي تُنتج بكميات متفاوتة تبعًا لتوافر المياه وظروف السّوق. وتؤدي هذه الزراعات دورًا مهمًّا في تلبية حاجات الأسواق المحليّة وتأمين دخل إضافي للأسر الزّراعيّة.
دخلت زراعة الكستناء إلى قضاء بعبدا حديثًا نسبيًّا، وشهدت توسعًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، خاصة في القرى المرتفعة التي تتمتع بظروف مناخيّة ملائمة. وتشير التقديرات إلى أن إنتاج القضاء يتراوح بين 100 و120 طن سنويًّا، تتركز النسبة الأكبر منه في بلدة ترشيش والقرى المجاورة، مع توقعات بارتفاع الإنتاج مستقبلًا نتيجة دخول المزيد من الأشجار الفتية مرحلة الإثمار الكامل، وتُساهم المحاصيل الزّراعيّة في قضاء بعبدا في دعم الأمن الغذائي المحلي والمحافظة على النّشاط الاقتصادي في القرى الجبليّة، على الرّغم من التّحديات التي تواجه القطاع الزّراعي والمتمثلة بارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع اليد العاملة الزّراعيّة، ومحدوديّة شبكات الري الحديثة، وصعوبة تسويق المنتجات في بعض المواسم. ومع ذلك، لا تزال الزراعة تشكل موردًا أساسيًّا للعديد من العائلات، وتُسهم في الحفاظ على الطابع الرّيفي للمنطقة والحد من هجرة السكان من القرى نحو المدن.
| المحصول | الكمية(طن/سنة) | المحصول | الكمية(طن/سنة) |
| التفاح | 4300 | البطاطا | 1650 |
| العنب | 2500 | البندورة | 1600 |
| الكرز | 2000 | المشمش | 600 |
| الزيتون | 1800 | الخيار | 600 |
| الإجاص | 1200 | الكوسا | 500 |
| التين | 900 | الفاصوليا | 400 |
| الجوز | 600 | الملفوف | 350 |
| الباذنجان | 350 | الخس والخضار الورقي | 250 |
| الجزر | 130 | الثوم | 120 |
| البصل | 125 | كستناء | 115 |
| المجموع | 20090 |
جدول رقم (5): التوزع العددي للمحاصيل الزّراعيّة([17] )
13- تراجع في الإنتاج الزارعي:
تكشف أرقام الإنتاج الزّراعي في قضاء بعبدا واقعًا مقلقًا ومثيرًا للريبة، إذ تراجع الإنتاج السّنوي من نحو 47 ألف طن قبل عشر سنوات إلى ما يقارب 20 ألف طن في السنة الحاليّة، أي بانخفاض يتجاوز 57% خلال عقد واحد فقط. وتتضافر جملة من الأسباب في تفسير هذا التّراجع الحاد، في مقدّمتها ظاهرة النّزوح الرّيفي التي أفرغت القرى الزّراعيّة من أبنائها وأدّت إلى تهجير الأراضي وتركها من دون استثمار. يُضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي ضربت لبنان منذ العام 2019، والتي أعجزت المزارعين عن تأمين مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومحروقات لتشغيل مضخات الري.
كما أسهمت التغيّرات المناخية وشُح المياه في تقليص المساحات المزروعة، أضف إلى ضعف الدعم الحكومي وغياب السياسات الزّراعيّة الفاعلة التي كان يمكنها الحدّ من هذا النزيف. وإن لم تُعالَج هذه الأسباب بجدّية وسرعة، فإن القطاع الزّراعي في القضاء مرشّح لمزيد من الانهيار في السنوات المقبلة.
أمّا بالنسبة إلى الصنوبر فهو يختلف بين سنة وآخرى ففي بعض الأحيان يصل إنتاج المنطقة من الصنوبر الأبيض الى 3000 طن، وأحيانًا لا شيء بسبب المرض الذي يضرب الغابة الصنوبريّة منذ العام 2014 على الرّغم من الإجراءات التي قامت بها الدولة.
14- شيخوخة المجتمع الزّراعي: تُشكّل ظاهرة شيخوخة المجتمع الرّيفي أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزّراعي في قضاء بعبدا وسائر المناطق اللبنانيّة، إذ بات غالبيّة المزارعين النشطين من كبار السنّ أي الذين تتراوح أعمارهم من أكثر 50 عامًا يشكلون الشريحة الكبرى إذ يشكلون 51،7% ، في ظل عزوف الأجيال الشّابة عن امتهان الزراعة والإقبال على مهن أخرى في المدن. وتنعكس هذه الظاهرة سلبًا على الإنتاجية الزّراعيّة، إذ يعجز المزارع المسنّ عن القيام بالأعمال الشّاقة كالحرث والقطاف والتّقليم، ما يُقلّص مساحات الأراضي المستثمرة ويُضعف جودة المنتجات. كما أنّ رحيل هؤلاء المزارعين يعني في الوقت ذاته ضياع خبرات زراعية متوارثة يصعب تعويضها، ما يُهدد استدامة القطاع برمّته على المدى البعيد.
| الفئة العمرية | أقل من 25 | بين 25 و50 | أكثر من 50 | المجموع |
| العدد | 25 | 810 | 892 | 1727 |
| النسبة | 1.4% | 46.9% | 51.7% | 100 |
جدول رقم(6): التوزع العددي والنسبي للقوى العاملة الزّراعيّة حسب العمر([18])
رسم بياني رقم (2):النسبة المئوية لتوزع القوى العالمة الزّراعيّة([19])
15– الجرارت الزّراعيّة:
يُقدَّر عدد الجرارات الزّراعيّة العاملة في قضاء بعبدا 267 جرارًا زراعيًا([20])، تتركز غالبيتها في القرى الجبليّة ذات النّشاط الزّراعي الكثيف، ولا سيما رأس المتن وحمانا وقرنايل وصليما والعبادية. ويعكس هذا العدد مستوى المكننة الزّراعيّة المتوسطة في القضاء، إذ ما زالت بعض الأعمال الزّراعيّة تعتمد جزئيًا على اليد العاملة بسبب صغر الحيازات الزّراعيّة وطبيعة التضاريس الجبليّة.
| إسم القرية | عدد الجرارت | إسم القرية | عدد الجرارات | ||
| راس المتن | 22 | بعبدا | 4 | ||
| كفرسلوان | 20 | القصيبة | 3 | ||
| ترشيش | 19 | العربانية | 3 | ||
| حمانا | 14 | بتبيات | 3 | ||
| قرنايل | 14 | أرصون | 3 | ||
| صليما | 13 | دير خونا | 3 | ||
| جوار الحوز | 12 | الشميسة | 3 | ||
| العبادية | 12 | الدليبة | 3 | ||
| قبيع | 10 | عين موفق | 3 | ||
| رويسة البلوط | 9 | القرية | 3 | ||
| الشبانية | 8 | حارة حمزة | 2 | ||
| عاريا | 8 | بعلشميه | 2 | ||
| فالوغا | 8 | قرطاضة | 2 | ||
| حاصبيا | 7 | جورة أرصون | 2 | ||
| الهلالية | 7 | الخريبة | 2 | ||
| الخلوات | 7 | ||||
| القلعة | 6 | ||||
| شويت | 6 | ||||
| بتخنيه | 5 | ||||
| دير الحرف | 5 | ||||
| بمريم | 5 | ||||
| بزبدين | 5 | ||||
| راس الحرف | 4 | ||||
| المجموع | 267 | ||||
جدول رقم (7): التوزع العددي للجرارات الزّراعيّة([21]).
16-الشاحنات الزّراعيّة:
بلغ عدد الشاحنات الزراعية 311 شاحنة تتوزع بين 256 شاحنة متوسطة الحجم و55 شاحنة صغيرة الحجم([22])
17– العلاقة بين عدد المزارعين وعدد الجرارات الزّراعيّة
تكشف بيانات الدِّراسة الميدانية ترابطًا لافتًا بين عدد المزارعين وعدد الجرارات الزّراعيّة في قرى قضاء بعبدا الواقعة فوق ارتفاع 300 متر: كلما زاد عدد المزارعين في القرية، ارتفع معه عدد الجرارات المستخدمة فيها، وهو مؤشر منطقي على تنامي النشاط الزّراعي وحاجته المتزايدة إلى المكننة. وتتجلى هذه العلاقة بوضوح في رأس المتن وكفرسلوان وترشيش وحمانا وقرنايل، وهي القرى نفسها التي سجلت أعلى الأعداد على الصعيدين معًا. وباحتساب النِّسبة الإجماليّة من بيانات الدِّراسة:
- عدد المزارعين في منطقة الدِّراسة: 1727 مزارعًا.
- عدد الجرارات الزّراعيّة: 267 جرارًا.
يتبيّن أن كل جرار زراعي يقابله في المتوسط نحو 6.5 مزارعين، وهي نسبة تعكس مستوى مكننة متوسطًا، إذ ما تزال بعض الأعمال تعتمد جزئيًّا على اليد العاملة نظرًا لصغر الحيازات وطبيعة التّضاريس الجبليّة. ويمكن تعزيز هذا الاستنتاج مستقبلًا باحتساب معامل ارتباط بيرسون (r) بين المتغيرين على مستوى القرى كافة، وهو ما يستدعيه بحث لاحق أكثر تعمقًا يعتمد على السّلاسل الزّمنيّة للبيانات.
18- أنواع الزراعات المنتشرة في المنطقة
18-1- تبقى الزّراعة التّقليديّة أو البعليّة من أقدم هذه الطرق، وأكثرها انتشارًا في المناطق التي تعتمد على مياه الأمطار مصدرًا وحيدًا للري، غير أنّها تبقى رهينة التقلبات المناخية وغير مضمونة النّتائج.
18-2- الزراعة المروية التي تعتمد على شبكات الري الاصطناعي من قنوات وأنابيب ورشاشات وأنظمة التنقيط، لتوفير المياه للمحاصيل بصورة منتظمة ومضبوطة بعيدًا من مزاج الطبيعة.
18-3- انتشرت الزراعة المحميّة داخل البيوت البلاستيكية والأنفاق والبيوت الزجاجيّة، ما أتاح إنتاج المحاصيل في غير مواسمها الطبيعيّة وبجودة عالية ومعدلات إنتاج مرتفعة([23]).
18-4-في ظل الوعي البيئي المتنامي، شهدت الزّراعة العضويّة نهضة ملموسة، إذ تعتمد على الأسمدة الطبيعيّة والمكافحة البيولوجيّة للآفات بعيدًا من المواد الكيميائيّة، لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء الصحي والآمن.
19– الثروة الحيوانية
19-1- الأبقار والأغنام والدّواجن
يحتلّ قطاع الإنتاج الحيواني مكانةً محوريةً في منظومة الأمن الغذائي، إذ يُشكّل ركيزةً لا غنى عنها في مسيرة تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي للشعوب والمجتمعات. فمن خلال هذا القطاع الحيوي، تُؤمَّن احتياجات السكان اليوميّة من البروتينات الحيوانيّة الضرورية، سواءٌ أكانت لحومًا بيضاء أم حمراء، أم ألبانًا وما يُستخلص منها من منتجات غذائيّة متعددة([24]). ومن الجدير بالذّكر أنّ التّوزيع الجغرافي لأنواع الحيوانات المُربّاة في كلّ منطقة لا يخضع للمصادفة، بل تتحكّم فيه جملةٌ من العوامل المتشابكة، في مقدّمتها المعطيات المناخيّة والبيئيّة الطبيعيّة من حرارة ورطوبة وتضاريس ومراعٍ، إلى جانب الاعتبارات الاقتصاديّة التي تُحدّد الأنواع الأكثر جدوى وربحيةً في كل بيئة ومنطقة.
19-2- النحل
يتصدّر نحل العسل قائمة الحشرات ذات القيمة الاقتصاديّة العالية، لما يُقدّمه من إسهامات جوهريّة على الصعيدين الغذائي والتّنموي في منطقة الدِّراسة. فعلى الصعيد الغذائي، يُمثّل العسل مصدرًا غذائيًّا استراتيجيًّا لشريحة واسعة من السكان، في حين تُسهم تربية النّحل على الصّعيد الاقتصادي في توليد دخل إضافي مستدام يُعزّز المستوى المعيشي للأسر المنتِجة؛ إذ بلغ عدد النّحالين 54 نحالًا وتتعدد المخرجات الاقتصاديّة لهذا القطاع لتتجاوز إنتاج العسل التّقليدي، إذ تشمل استخراج الشّمع واستثمار سمّ النّحل في التّطبيقات العلاجيّة، ولا سيما في مجال أبحاث علاج الخلايا السّرطانيّة، أضف إلى الدّور البيئي المحوري الذي تؤدّيه عمليات تلقيح الأزهار في دعم المنظومة الزّراعيّة برمّتها([25]). وتُصنَّف مشاريع تربية النحل ضمن أكثر الاستثمارات الزّراعيّة جاذبيةً وجدوى، نظرًا لتميّزها بقصر دورة الإنتاج وسرعة تحقيق العوائد الماليّة، مع تنوّع استثنائي في المنتجات المُولِّدة للدخل. وقد شهد هذا القطاع في السّنوات الأخيرة توسّعًا ملحوظًا في أعداد المنتسبين إليه، مدفوعًا بالارتفاع المتواصل في أسعار العسل وتنامي الطلب عليه محليًّا وعالميًّا، وهو ما أفضى إلى تهيئة بيئة تسويقيّة مواتية جعلت تصريف هذا المنتج أمرًا ميسوراً وذا عائد اقتصادي مجزٍ.
20– مقومات الزراعة
أولًا: المقومات الطبيعيّة تشمل المناخ من حرارة وأمطار ورطوبة، والتربة بخصائصها وخصوبتها، والتّضاريس التي تُيسّر الزراعة في السهول وتُعيقها في الجبال، والموارد المائية من أمطار ومياه سطحية وجوفية. وتكامل هذه العوامل شرط أساسي لنجاح الإنتاج الزّراعي([26]).
ثانيًا: المقومات البشريّة تتمثل في اليد العاملة الماهرة وخبرة المزارعين، ورأس المال اللازم لشراء المستلزمات الزّراعيّة، والتكنولوجيا الحديثة من آليات وتقنيات ري وأنظمة رقمية، أضف إلى الخدمات الدّاعمة كالإرشاد الزّراعي والتعاونيات ومراكز الأبحاث.
ثالثًا: المقومات الاقتصاديّة تشمل توفر رأس المال والقروض الميسّرة، ومنظومة التّسويق الزّراعي والبنية التحتيّة من نقل وتخزين وتبريد، والسّياسات الحكوميّة الدّاعمة من إعفاءات ودعم مالي، إضافة إلى حجم الطلب والأسعار السائدة في الأسواق.
21- أثر النّزوح الرّيفي على الإنتاج الزّراعي في قضاء بعبدا
ألقى هذا النّزوح بظلاله الثقيلة على القطاع الزّراعي في المنطقة،إذ أفضى إلى نقص حاد في اليد العاملة الرّيفيّة التي كانت تُشكّل العمود الفقري لاستمرارية الإنتاج الزّراعي([27]). وبفعل هجرة الشّباب والقوى المنتجة، باتت الأراضي الزّراعيّة الخصبة التي كانت تُنتج الخضار والفواكه والزيتون تُهجر تدريجيًّا أو تُترك من دون استثمار كافٍ. وعلى المدى البعيد، أدّى تقلّص الإنتاج المحلي إلى تراجع الاكتفاء الذاتي الغذائي للمنطقة، وارتفاع الاعتماد على المنتجات المستوردة من مناطق أخرى. وفي المحصلة، بات إحياء القطاع الزّراعي في قضاء بعبدا رهينًا بسياسات تحفيزيّة جادة تُشجّع على العودة إلى الأرض وتُعيد للزراعة مكانتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
22– المشاكل
22-1-: المشكلات الطبيعيّة
22-1-1- التّغيرات المناخيّة
باتت التّغيرات المناخيّة من أخطر التّحدّيات التي تواجه القطاع الزّراعي في الوقت الحاضر، إذ تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة واختلال مواعيد هطول الأمطار وتزايد حِقب الجفاف. وينعكس ذلك سلبًا على نمو المحاصيل الزّراعيّة وإنتاجيتها، كما يزيد من احتماليّة تعرض المزروعات للأمراض والآفات الزّراعيّة ويؤدي إلى تراجع العائد الاقتصادي للمزارعين.
22-1-2: ندرة الموارد المائية
يعتمد القضاء على المياه الجوفيّة المستخرجة من الآبار الارتوازية، والآبار السّطحيّة التي تنتشر في العديد من البلدات الزّراعيّة. وتساهم مياه الأمطار والثلوج المتساقطة على المرتفعات في تغذية المخزون الجوفي وتجديد الينابيع بصورة دوريّة. كذلك يمر في القضاء عدد من المجاري المائيّة الموسميّة والدّائمة، أبرزها الرّوافد التي تغذي نهر الغدير في الجزء الغربي من القضاء، إضافة إلى الاستفادة غير المباشرة من مياه نهر بيروت في بعض المناطق المجاورة للحدود الشّماليّة للقضاء. تعتمد الزّراعة بشكل أساسي على توافر المياه سواء من الأمطار أو من مصادر الرّي المختلفة. إلّا أنّ تراجع كميات المتساقطات والاستغلال المفرط للمياه الجوفيّة يؤديان إلى نقص المياه اللازمة للري، ما يحدّ من المساحات المزروعة ويؤثر في إنتاجيّة المحاصيل وجودتها، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة المروية.
:3-1-22تدهور التربة الزّراعيّة
تتعرض التربة الزّراعيّة للعديد من المشكلات مثل الانجراف والتّعرية نتيجة موجات الصقيع، والبرد التي يتعرض لها في قسمه الأعلى أي في قرى كفرسلوان (1450 متر) وترشيس (1650متر) إضافة الى فقدان العناصر الغذائيّة الضرورية لنمو النباتات. كما أنّ الاستخدام المكثف وغير المدروس للأسمدة والمبيدات الكيميائيّة يؤدي إلى تدهور خصائص التّربة وانخفاض خصوبتها، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الإنتاج الزّراعي([28]).
22-1-4: الكوارث الطبيعيّة
تتعرض المناطق الزّراعيّة أحيانًا لمخاطر طبيعيّة مثل العواصف، والصّقيع والتي قد تؤدي إلى إتلاف المحاصيل الزّراعيّة وتدمير البنية التحتية الزّراعيّة. وتسبب هذه الكوارث خسائر اقتصاديّة كبيرة للمزارعين وتؤثر على استقرار الإنتاج الزّراعي.
22-2- المشكلات البشريّة
22-2-1- نقص اليد العاملة الزّراعيّة
شهدت المناطق الرّيفيّة خلال العقود الأخيرة تراجعًا في أعداد العاملين في الزراعة نتيجة الهجرة نحو المدن بحثًا عن فرص عمل أفضل ومستوى معيشي أعلى. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أجور العمال الزّراعيين وصعوبة تأمين الأيدي العاملة اللازمة خلال المواسم الزّراعيّة.
2-2-22 – ضعف الخبرة والتدريب الزّراعي
لا يزال عدد من المزارعين يعتمدون على الأساليب التّقليديّة في الزراعة، ما يحدُّ من قدرتهم على زيادة الإنتاج وتحسين جودته. كما أنّ ضعف برامج التدريب والإرشاد الزّراعي يعيق انتشار التّقنيات الحديثة والممارسات الزّراعيّة المستدامة.
22-2-3- تفتت الملكيّات الزّراعيّة
يؤدي تقسيم الأراضي الزّراعيّة بين الورثة عبر الأجيال إلى ظهور حيازات صغيرة ومتفرقة يصعب استثمارها بكفاءة اقتصادية. كما أن صغر حجم الملكية الزّراعيّة يحد من إمكانيّة استخدام الآلات الحديثة، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج.
4-2-22– التوسع العمراني
يمثّل التوسع العمراني أحد أبرز المشكلات التي تواجه الزراعة، فتُحوَّل العديد من الأراضي الزّراعيّة إلى مشاريع سكنيّة وتجارية وصناعية. ويؤدي ذلك إلى تقلص المساحات الزّراعيّة المنتجة، خصوصًا في المناطق القريبة من المدن الكبرى([29]).
22-3- المشكلات الاقتصاديّة
1-3-22– ارتفاع تكاليف الإنتاج الزّراعي
تشهد مستلزمات الإنتاج الزّراعي ارتفاعًا مستمرًّا في الأسعار، بما في ذلك البذور والأسمدة والمبيدات والآلات الزّراعيّة والمحروقات. ويؤدي ذلك إلى زيادة الأعباء الماليّة على المزارعين وتراجع هامش الربح، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عن النشاط الزّراعي.
22-3-2- ضعف التمويل الزّراعي
يعاني العديد من المزارعين من صعوبة الحصول على القروض الزّراعيّة، والتّسهيلات الماليّة اللازمة لتطوير مشاريعهم. كما أن ارتفاع معدلات الفائدة وضعف الدعم الحكومي يحدان من قدرة المزارعين على الاستثمار في التقنيات الحديثة وتوسيع نشاطهم الزّراعي.
22-3-3- مشكلات التسويق الزّراعي
يواجه المزارعون صعوبات عديدة في تسويق منتجاتهم نتيجة تقلب الأسعار، ووجود عدد كبير من الوسطاء وضعف مراكز التجميع والتوضيب والتخزين. وغالبًا ما يضطر المزارعون إلى بيع منتجاتهم بأسعار منخفضة لا تتناسب مع تكاليف الإنتاج.
22-3-4- المنافسة الخارجيّة
تتعرض المنتجات الزّراعيّة المحليّة لمنافسة شديدة من المنتجات المستوردة التي قد تكون أقل سعرًا، أو مدعومة من حكومات بلدانها. ويؤثر ذلك في قدرة المزارعين المحليين على تصريف إنتاجهم وتحقيق أرباح مناسبة.
22-3-5- الأزمة الاقتصاديّة والماليّة
أثرت الأزمة الاقتصاديّة التي يشهدها لبنان بشكل كبير على القطاع الزّراعي، إذ ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج بشكل غير مسبوق نتيجة تراجع قيمة العملة الوطنيّة. وأصبح العديد من المزارعين عاجزين عن شراء الأسمدة والبذور والمبيدات بالكميات المطلوبة.
22-3-6- عدم ثبات الإنتاج الزّراعي
يبقى الإنتاج الزّراعي من أكثر القطاعات الاقتصاديّة تذبذبًا وعدم استقرار، فعلى الصعيد المناخي، تُمثّل الأمطار غير المنتظمة والجفاف والفيضانات، والصقيع والعواصف تهديدات مستمرة تُربك دورة الإنتاج وتُعرّض المحاصيل للتلف قبل أو أثناء موسم الحصاد، أضف إلى ظاهرة التّغير المناخي التي باتت تُضاعف حدة هذه التقلبات، وتجعلها أقل قابلية للتنبؤ. أمّا على الصعيد الطبيعي، فتُسهم الآفات الزّراعيّة والحشرات الضّارة في إتلاف كميات كبيرة من المحاصيل، كما أن تدهور خصوبة التربة وانجرافها جراء الاستخدام المفرط يُضعف قدرة الأرض الإنتاجيّة على المدى البعيد([30]). وفي سياق العوامل الاقتصاديّة، يجد المزارع نفسه أمام تحديات متعددة كارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات ووقود، إلى جانب شُح التمويل وضعف البنية التّحتيّة الرّيفيّة، وتقلبات أسعار السوق التي قد تُحبط الدّافعيّة نحو التوسع الزّراعي. ويتجلى أثر هذا التّذبذب بوضوح في انعكاساته الخطيرة على الأمن الغذائي واستقرار دخل المزارعين، ما يستدعي تبنّي سياسات زراعيّة متكاملة تشمل التأمين الزّراعي، وتطوير أصناف نباتية مقاومة، وتحسين شبكات الري، لتخفيف وطأة هذا التفاوت وضمان استدامة الإنتاج.
23– مشكلات الخدمات الزّراعيّة
23-1- ضعف الإرشاد الزّراعي
يسعى الإرشاد الزّراعي كذلك إلى رفع المستوى الاقتصادي للمزارع من خلال تعريفه بأسواق التصريف، وطرق التخزين والتسويق الجيد للمنتجات الزّراعيّة. وفي ظل التّحدّيات الراهنة كالتغير المناخي وشُح المياه، بات الإرشاد الزّراعي ضرورة حتمية لا غنى عنها لتحقيق الأمن الغذائي وضمان استدامة القطاع الزّراعي([31]). ويبقى الإرشاد الزّراعي وسيلة مهمة لنقل المعرفة والتّقنيّات الحديثة إلى المزارعين، إلّا أنّ العديد من المناطق تعاني من ضعف هذه الخدمات أو محدودية انتشارها. ويؤدي ذلك إلى بقاء المزارعين بعيدين عن التّطورات العلميّة الحديثة التي يمكن أن تسهم في تحسين الإنتاج.
23-2- نقص البنية التحتية الزّراعيّة
الخدمات الفنية الزّراعيّة هي مجموعة من الخدمات المتخصصة التي تقدمها الجهات الحكوميّة، والخاصة للمزارعين بهدف دعم القطاع الزّراعي وتطويره وتحقيق أعلى مستويات الإنتاجية. وتشمل هذه الخدمات تحليل التربة والمياه لتحديد احتياجات الأراضي الزّراعيّة من العناصر الغذائيّة، وتقديم التوصيات اللازمة لتحسين خصوبتها وإنتاجيتها وتعاني بعض المناطق الزّراعيّة من ضعف شبكات الري والطرق الزّراعيّة ومراكز التخزين والتبريد والتوضيب. ويؤدي هذا النقص إلى ارتفاع تكاليف النقل والتسويق وزيادة نسبة التلف والخسائر في المنتجات الزّراعيّة.
23-3- محدوديّة البحث العلمي الزّراعي
تُشكّل الخدمات الفنية الزّراعيّة ركيزةً أساسية لتحقيق التنمية الزّراعيّة المستدامة([32])، غير أن هذه المنظومة الحيويّة تصطدم بعائق جوهري يتمثل في ضعف التمويل المخصص للبحوث الزّراعيّة، الذي يُقيّد قدرة المؤسسات البحثيّة على ابتكار حلول فعّالة للمشكلات المتجددة التي يواجهها القطاع. وهكذا يجد المزارع نفسه أمام فجوة واسعة بين حاجته الماسّة إلى دعم فني متطور وبين محدودية ما تستطيع المؤسسات تقديمه في ظل شُح الموارد، مما يجعل تعزيز الإنفاق على البحث الزّراعي، وتطوير الخدمات الفنيّة ضرورةً لا تحتمل التأجيل إذا كان الهدف تمكين المزارعين من مواجهة التّحديات البيئيّة والاقتصاديّة التي يفرضها العصر الحديث.
23-4- ضعف دور التّعاونيات الزّراعيّة
تؤدّي التعاونيات الزّراعيّة دورًا مهمًّا في دعم المزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج وتسويق المنتجات الزّراعيّة. غير أن ضعف إمكانات العديد من التعاونيات، أو محدودية نشاطها يؤدي إلى تراجع قدرتها على مساعدة المزارعين وتحسين أوضاعهم الاقتصاديّة([33]).
23-5 – ضعف الدعم الحكومي
يعاني القطاع في المنطقة من ضعف الدعم الحكومي ومحدودية التخطيط الزّراعي، مما يحدّ من قدرته على التطور ومواجهة التحديات الاقتصاديّة. وتشكّل القروض الزّراعيّة إحدى وسائل دعم الاستثمار الزّراعي واستدامة المشاريع المهمّة، إلّا أنّ التمويل الزّراعي يعاني من التذبذب وعدم الاستقرار بسبب ارتباطه بالتّخصيصات الماليّة للدولة. وقد أدى ذلك إلى إضعاف كفاءة العديد من المشاريع الزّراعيّة وتراجع قدرتها على الاستمرار والتوسع.
23-6- التبريد الزّراعي
تشكّل “السلسلة الباردة” إحدى ضمانات جودة الغذاء وسلامته المهمّة، إذ تكفل سيارات النقل المبردة الحفاظ على المنتجات الزّراعيّة أثناء نقلها من المزارع إلى الأسواق. وتُسهم خدمات التّبريد الزّراعي في الحدّ من الفاقد والهدر الغذائي الناجم عن الحرارة وسوء التخزين، ما يُخفّف العبء الاقتصادي عن المزارعين. ولذلك باتت الاستثمارات في البنية التحتية للتبريد ضرورة حتمية لرفع تنافسيّة المنتجات الزّراعيّة ودعم الأمن الغذائي المستدام.
24– تحليل للقطاع الزّراعي في قضاء بعبدا swot
24-1- نقاط القوة
24-1-1-التّنوع المناخي
يتمتع قضاء بعبدا بتنوع مناخي استثنائي نادرًا ما يتوفر في منطقة جغرافية بهذا الحجم المحدود، إذ تتدرج تضاريسه من المناطق السّاحليّة المعتدلة في أطرافه الغربيّة إلى المرتفعات الجبليّة الباردة في أجزائه الشّرقيّة. وهذا التنوع يمنح المزارعين ميزة تنافسية فريدة، إذ يُتيح زراعة طيف واسع من المحاصيل التي تتباين في متطلباتها المناخية، فتجد في القضاء الحمضيات والموز في المناطق الدافئة، والتفاح والكرز والجوز في المرتفعات، والعنب والزيتون في المناطق المتوسطة. كما أن هذا التنوع يُطيل الموسم الزّراعي ويُخفف من مخاطر الخسائر الكاملة جراء موجات البرد أو الحر، ما يجعل القضاء قادرًا على تأمين إنتاج زراعي متواصل على مدار معظم أشهر السنة.
24-1-2- وفرة الأشجار المثمرة
تُشكّل الأشجار المثمرة الموروثة رأسمالًا زراعيًّا ثمينًا تراكم عبر أجيال متعاقبة من المزارعين، وهي ميزة لا يمكن بناؤها في وقت قصير. فالأشجار المعمّرة كالزيتون والتّين والتوت، والكرمة التي تملأ سفوح جبال القضاء تحتاج عقوداً طويلة لتبلغ مرحلة النضج والإنتاج الوفير، وقد وفّر الأجداد هذا الجهد للأجيال الحاليّة. وتتميز هذه الأشجار بقدرتها على الإنتاج بتكاليف تشغيليّة منخفضة نسبيًّا مقارنةً بالمحاصيل الحوليّة، كما أن منتجاتها تحظى بطلب متزايد في الأسواق المحليّة والدّوليّة لا سيما في ظل التوجه العالمي نحو الغذاء الطبيعي والصحي.
24-1-3- قرب الأسواق الاستهلاكيّة
يمنح الموقع الجغرافي لقضاء بعبدا، المتاخم لبيروت العاصمة، ميزة تنافسية استراتيجيّة يفتقر إليها كثير من المناطق الزّراعيّة اللبنانية. فالقرب من أكبر تجمع سكاني واستهلاكي في لبنان يعني انخفاض تكاليف النقل والتوزيع، وإمكانية توصيل المنتجات الطازجة إلى المستهلك في وقت قياسي يحافظ على جودتها([34]). كما يُتيح هذا الموقع ربطًا مباشرًا مع المطاعم والفنادق والسوبرماركت في بيروت وضواحيها، أضف إلى سهولة الوصول إلى مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري الدّوليين اللذين يُمثلان بوابتَي التصدير الرئيستين.
24-2- نقاط الضعف
24-2-1- صغر الحيازات الزّراعيّة
تُعاني الأراضي الزّراعيّة في قضاء بعبدا من تشرذم شديد وتقسيم مفرط نتج عن توارث الأراضي جيلًا بعد جيل وتوزيعها على الورثة، حتى باتت الحيازة الواحدة في أحيان كثيرة لا تتجاوز بضعة دونمات. وهذا الواقع يُفرز جملة من الإشكاليات المتشعبة؛ فالحيازات الصغيرة لا تُتيح تحقيق اقتصاديات الحجم الكافية لتغطية تكاليف الاستثمار في الآليات والتّقنيات الحديثة، كما أنها تحول دون تنفيذ مشاريع ري منظمة أو زراعة محاصيل تستلزم مساحات واسعة. يُضاف إلى ذلك أن تداخل ملكيات الأراضي وتعدد ورثتها يُعقّد اتخاذ القرارات ويُعيق أي مشاريع تطويريّة أو تجميع للأراضي.
24-2-2- ارتفاع كلفة الإنتاج
تراكمت في السنوات الأخيرة عوامل عدة أسهمت في رفع تكاليف الإنتاج الزّراعي إلى مستويات قياسيّة باتت تُهدد جدوى الاستثمار في القطاع. فانهيار الليرة اللبنانيّة أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المستلزمات الزّراعيّة المستوردة كالأسمدة والمبيدات والبذور المحسّنة والبلاستيك الزّراعي. وتضاف إلى ذلك أزمة المحروقات التي رفعت تكاليف تشغيل مضخات الرّي والجرارات ووسائل النقل، فيما ارتفعت أجور اليد العاملة الموسميّة بشكل لافت في ظل شُح العمالة الزّراعيّة. والنتيجة أن كثيرًا من المزارعين باتوا يبيعون منتجاتهم بأسعار لا تُغطي تكاليف إنتاجها، ما يدفعهم إلى التخلي عن الزراعة.
24-2-3- نقص الدّعم الحكومي
يعاني القطاع الزّراعي في قضاء بعبدا، كسائر المناطق اللبنانية، من غياب شبه تام للدّعم الحكومي الفاعل والمنظّم. فلا توجد سياسة زراعيّة واضحة تحمي الأراضي الزّراعيّة من التّحويل العمراني، ولا صندوق تأمين زراعي يحمي المزارع من خسائر الكوارث الطبيعيّة، ولا منظومة قروض ميسّرة تُتيح له الاستثمار والتوسع. كما أن ضعف البنية التحتيّة من طرق ريفية ومستودعات تبريد وأسواق جملة منظّمة يُضاعف الأعباء على المزارع ويُقلص هامش ربحه.
24-3- الفرص
23-3-1-السياحة الرّيفيّة
يشهد العالم اليوم نموًا متسارعًا في الطلب على تجارب السّياحة الرّيفيّة والطبيعيّة، وهو توجه يُشكّل فرصة ذهبيّة لقضاء بعبدا بما يمتلكه من مقومات طبيعيّة وثقافيّة وزراعيّة فريدة. فالقضاء يقع على مسافة لا تتجاوز نصف ساعة من بيروت، ما يجعله وجهة مثالية لسياحة نهاية الأسبوع والرّحلات اليوميّة. ويمكن تطوير هذا القطاع عبر إنشاء مزارع سياحية تُتيح للزوار المشاركة في الأعمال الزّراعيّة وتذوق المنتجات الطازجة، وتنظيم مهرجانات موسمية مرتبطة بمواسم الحصاد، وإحياء الحرف اليدويّة المرتبطة بالزراعة كعصر الزيت وصناعة النبيذ والمربيات التقليدية.
24-3-2- الزراعة العضويّة
يشهد الطلب على المنتجات العضويّة الخالية من المبيدات والأسمدة الكيميائية نموًا عالميًّا متصاعدًا، ويبلغ المستهلك فيها سعرًا أعلى بكثير من المنتجات التقليدية. وقضاء بعبدا مؤهّل للتحول نحو الزراعة العضويّة بفعل عدة عوامل؛ منها وجود أشجار معمّرة لم تتعرض لجرعات مكثفة من الكيماويات، وتوفر التربة الجبليّة ذات الخصائص الجيدة، وإمكانيّة التّسويق المباشر للمستهلك في بيروت القريبة. ويستلزم هذا التّحوّل برامج تدريب وإرشاد وشهادات اعتماد دوليّة، غير أن العائد الاقتصادي المرتفع يجعله استثمارًا بالغ الجدوى على المدى المتوسط.
24-3-3- التّصدير
تمتلك المنتجات الزّراعيّة اللبنانية سمعة تاريخية راسخة في الأسواق الخارجية، لا سيما في دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا حيث تتمركز جاليات لبنانية كبيرة تتشوق إلى منتجات بلدها الأصلي. وبالنسبة لقضاء بعبدا، فإن قربه من المطار والمرفأ يجعله في موقع مثالي للاستفادة من فرص التصدير. ويمكن التركيز على منتجات ذات قيمة مضافة عالية كزيت الزيتون البكر الممتاز والنبيذ الجبلي والفواكه الموسمية المميزة والمنتجات المصنّعة تقليدياً، وهي منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية إذا رُفعت جودتها وحُسّن تغليفها وتسويقها
24-4- التهديدات
24-4-1- التوسع العمراني
يُمثّل الزحف العمراني المتواصل على الأراضي الزّراعيّة التهديد الأشد خطورة والأكثر إلحاحاً، إذ إنه تهديد لا رجعة فيه؛ فالأرض التي تُبنى عليها لن تعود يوماً إلى زراعة. وقضاء بعبدا بموقعه الملاصق لبيروت يتعرض لضغط عمراني استثنائي، حيث تتسابق مشاريع الإسكان والمجمعات التجارية على التمدد نحو أراضيه الزّراعيّة مدفوعةً بارتفاع أسعار العقارات وغياب الرقابة الصارمة. ويتفاقم هذا الوضع بغياب قانون واضح وصارم يحمي المناطق الزّراعيّة ويمنع تحويل وجهتها، مما يجعل المزارع أمام إغراء بيع أرضه بأسعار مرتفعة بدلاً من الاستمرار في زراعتها.
24-4-2- التغير المناخي
بات التغير المناخي واقعاً ملموساً يُعاني منه مزارعو قضاء بعبدا بشكل متزايد؛ فالأنماط المطرية باتت أكثر تقلباً وعشوائية، مع موجات جفاف مطوّلة تتخللها عواصف مفاجئة شديدة تُلحق أضراراً بالغة بالمحاصيل. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يُغيّر خريطة توزع المحاصيل ويُضعف إنتاجية أشجار الفاكهة التي تحتاج إلى ساعات برد كافية في فصل الشتاء. وتتمثل خطورة هذا التهديد في أنه ليس ظرفاً عارضاً بل تحولاً بنيوياً طويل الأمد يستوجب إعادة التفكير في أصناف المحاصيل المزروعة وتقنيات الري وأساليب إدارة التربة.
24-4-3- الحرائق
تُمثّل الحرائق تهديداً متزايداً للغطاء النباتي في قضاء بعبدا، إذ تتضافر عوامل عدة في تفاقمها، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة وتراكم الحشائش الجافة في الأراضي المهجورة، إلى جانب ضعف منظومة الإطفاء وشُح المياه. والخطر الأكبر أن الحريق لا يُدمّر موسماً واحداً فحسب، بل يقضي على أشجار معمّرة تحتاج عقوداً لاستعادة إنتاجها.
25- المقترحات التنموية
25-1- دعم الطاقة المتجددة والبنية التحتية الزّراعيّة
يشكّل توفير الدعم الحكومي لمنظومات الطاقة الشمسية أحد الحلول الاستراتيجية لمواجهة أزمة الطاقة التي تعاني منها المنشآت الزّراعيّة. ويتضمن ذلك تقديم دعم مالي مباشر للمزارعين لشراء منظومات الطاقة الشمسية، بهدف تشغيل مضخات استخراج المياه من الآبار الجوفية، وتشغيل المرشات الزّراعيّة، فضلاً عن توفير الطاقة اللازمة لعمليات الري ودفع المياه عبر الشبكات الزّراعيّة، مما يسهم في تقليل تكاليف الإنتاج والاعتماد على الوقود التقليدي.
25-2- دعم مستلزمات الإنتاج الزّراعي
مع بداية كل موسم زراعي جديد، تُصبح الحاجة ملحة لتوفير الخدمات الزّراعيّة الأساسية للمزارعين، وتشمل هذه الخدمات توفير البذور المحسّنة عالية الإنتاجية، والأسمدة الكيميائية بمختلف أنواعها، والمبيدات الزّراعيّة اللازمة لمكافحة الآفات والأمراض، مع تنفيذ حملات إرشادية مستمرة لتوعية المزارعين بأساليب الاستخدام الأمثل لهذه المدخلات. كما يبقى تيسير الحصول على القروض الزّراعيّة من المصارف الزّراعيّة المتخصصة، ومتابعة تنفيذها، من العناصر الحيوية لضمان استمرارية النشاط الزّراعي وتطويره.
25-3- دعم التسويق الزّراعي وإنشاء مراكز الاستقبال
يمثل دعم المصانع المتخصصة في تصنيع المنتجات الزّراعيّة إحدى الركائز الأساسية للحد من الفاقد الزّراعي، وذلك من خلال استلام أكبر قدر ممكن من المحاصيل الزّراعيّة عند الحصاد، مما يحد من تلفها في الحقول أو بيعها بأسعار متدنية لا تغطي تكاليف الإنتاج، والتي قد تسبّب خسائر فادحة للمزارعين. وفي هذا السياق، يُوصى بإنشاء عدد أكبر من الصوامع وساحات استقبال المحاصيل الاستراتيجية، بهدف تخفيف الزخم الناتج عن تدفق الإنتاج خلال مواسم الحصاد، وتحسين ظروف التخزين والتسويق.
25-4- تشجيع الاستثمار وتطوير المهارات
يُسهم تشجيع الاستثمار الأجنبي في مجال الإنتاج الزّراعي كآلية فاعلة لنقل الخبرات وتطوير مهارات المزارعين، وتحسين جودة الإنتاج. كما يُسهم تعزيز الاستثمار الزّراعي في القطاع الخاص، من خلال تصنيف المستلزمات الزّراعيّة وتنظيمها، في خلق فرص عمل وتشغيل الأيدي العاملة المحلية، والحد من الاعتماد المفرط على الاستيراد، وبالتالي تحقيق أمن غذائي أكثر استدامة للمنطقة.
25-5- تعزيز البنية المائية وإتمام مشاريع الري
يستلزم تحقيق الأمن الغذائي تأمين موارد مائية كافية، وذلك من خلال الاستثمار في مصادر المياه السطحية وتطوير خدمات حفر الآبار. ويتطلب ذلك أيضاً استكمال مشاريع ري الجزيرة الجنوبية والشرقية المقترحة، وإنجاز مشروع قنوات ري السلامة والزاب الكبير وصيانتها، بما يضمن توزيعاً عادلاً للمياه وكفاءة أعلى في استخدامها.
25-6- توفير المستلزمات الزّراعيّة الأساسية في مواعيدها
ينبغي أن تُرافق بداية كل موسم زراعي حزمةٌ متكاملة من الخدمات الداعمة، تشمل توفير البذور المحسّنة والأسمدة الكيميائية بأصنافها المختلفة والمبيدات الزّراعيّة، إلى جانب إطلاق حملات دعم دورية وتسهيل حصول المزارعين على القروض الزّراعيّة بإشراف مصرفي متخصص.
25-7- الالتزام بتنفيذ الخطط الزّراعيّة الموسمية
تضطلع مديرية زراعة منطقة دراسة بمسؤولية وضع خطط زراعية سنوية صيفية وشتوية ومتابعة تنفيذها، ويستوجب ذلك منح المزارعين الوقت الكافي للتسجيل وحصر المساحات الزّراعيّة المشمولة، بهدف توجيه الخدمات الزّراعيّة بدقة وكفاءة.
25-8– توسيع طاقة التخزين الاستراتيجي للمحاصيل
يستلزم التعامل مع وفرة الإنتاج الزّراعي في موسم الحصاد إنشاء عدد أكبر من الصوامع وتوسيع مساحات استقبال المحاصيل الاستراتيجية، للحدّ من الضغط على منظومة التسويق وصون جودة المنتج.
25-9- مناطق الألغام
في غياب خرائط الألغام، يستوجب التنسيق بين السلطة المحلية والدولة اتباع منهجية متكاملة تبدأ بتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الجهات المحلية والوطنية والمنظمات الدولية المتخصصة كـ UNMAS وHALO Trust، تتولى وضع خطة عمل واضحة وتوزيع المسؤوليات. وتعتمد هذه المنهجية على المسح الميداني التشاركي، إذ يُستعان بشهادات السكان المحليين وكبار السن الذين عاصروا فترة الحرب لتحديد المناطق المشبوهة، ثم تُرفع هذه المعلومات إلى الدولة لتوظيف تقنيات الكشف الحديثة كالرادار وأجهزة التصوير الحراري. كما تضطلع السلطة المحلية بدور محوري في تسهيل وصول فرق إزالة الألغام إلى المواقع، وتنظيم حملات توعية للمجتمعات المحيطة، فيما تتكفل الدولة بتوفير التمويل اللازم والكوادر الفنية المتخصصة، والتنسيق مع المانحين الدوليين للحصول على الدعم. وطوال هذه المرحلة، تُحافظ الجهتان على قنوات تواصل مستمرة من خلال تقارير دورية منتظمة وآليات واضحة للإبلاغ الفوري عن أي لغم يُكتشف، لضمان تحديث قاعدة البيانات الميدانية أولاً بأول، حتى يُصبح بالإمكان تسليم الأراضي المطهّرة تدريجياً للاستغلال الزّراعي بصورة آمنة.
25-10- حماية المنتجات الزّراعيّة المحلية من المنافسة الخارجية
تستوجب صون مصالح المزارعين اتخاذ تدابير حمائية فعّالة تحول دون إغراق السوق المحلية بالمنتجات الزّراعيّة المستوردة، وذلك عبر فرض رسوم جمركية مناسبة، وتقييد استيراد المنتجات المنافسة خلال موسم الإنتاج المحلي في محافظة منطقة دراسة، بما يضمن للمزارع أسعاراً عادلة وسوقاً تنافسية متوازنة.
25-11- توفير خدمات حفر الآبار في المناطق الشحيحة المياه
تعاني مناطق عديدة من شُح مائي يُعيق استمرارية الإنتاج الزّراعي النباتي والحيواني على حدٍّ سواء. ولمعالجة هذا التحدي، يغدو توسيع خدمات حفر الآبار الجوفية والسطحية في هذه المناطق أولويةً لا يمكن تأجيلها.
25-12- ترشيد استخدام المياه وتحديث تقنيات الري
يتحمّل المزارعون مسؤولية الحفاظ على الثروة المائية من خلال التخلي عن أساليب الري التقليدية المُهدِرة، والتحوّل نحو تقنيات الري الحديثة كالمرشات والري بالتنقيط، وهو ما يستلزم برامج توعوية مستمرة وحوافز تشجيعية فعلية.
25-13- تنمية الثروة الحيوانية ودعم تربية النحل
يمتلك القطاع الزّراعي في المحافظة إمكانات واعدة في مجال الثروة الحيوانية والسمكية وتربية النحل، غير أن استثمار هذه الإمكانات يتطلب تخصيص المراعي الطبيعيّة اللازمة ودعم أسعار العلف.
25-14- إنجاز مشاريع الري والبزل لضمان استدامة الإنتاج
لا يمكن تحقيق إنتاج زراعي منتظم في ظل شُح الموارد المائية وغياب شبكات الصرف الزّراعي. لذا، يبقى الإسراع في تنفيذ مشاريع الري والبزل في المناطق المحرومة من وصول المياه بصورة منتظمة شرطاً أساسياً لاستدامة النشاط الزّراعي.
25-15- الاستثمار في مزارع الإنتاج النموذجية
تُمثّل مزارع الإنتاج النموذجية نماذج تطبيقية رائدة تُجسّد إمكانات التكنولوجيا الزّراعيّة الحديثة، من معدات متطورة وري بالتنقيط وأساليب علمية في استغلال الأراضي، وينبغي تعزيز دورها وتوسيع انتشارها لتكون مرجعاً عملياً للمزارعين.
25-16- إنشاء التعاونيات الزّراعيّة
لا يمكن تصوّر نهضة زراعية حقيقية دون تعاونيات زراعية فاعلة، إذ تُتيح للمزارعين الصغار الخروج من عزلتهم الفردية والانخراط في منظومة عمل جماعية منظّمة. وفي قضاء بعبدا تحديداً، حيث تتسم الحيازات الزّراعيّة بصغر مساحتها وتشتّتها، يغدو العمل التعاوني ضرورة لا خياراً. فمن خلال التعاونيات يستطيع المزارعون تجميع مواردهم المالية لشراء المستلزمات الزّراعيّة بأسعار الجملة، مما يُخفض تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ. كما تُمكّنهم من تسويق منتجاتهم جماعياً عبر عقود مع المتاجر الكبرى والمطاعم والفنادق، بدلاً من الاعتماد على الوسطاء الذين يستنزفون جزءاً كبيراً من أرباحهم.
25-17- دعم المكننة الزّراعيّة
باتت المكننة الزّراعيّة ضرورة حتمية في ظل شيخوخة المجتمع الريفي وشُح اليد العاملة، وتستلزم في قضاء بعبدا نهجاً متكاملاً يجمع بين الدعم الحكومي عبر القروض الميسّرة والإعفاءات الجمركية، وإنشاء بنوك آليات تعاونية تُؤجَّر بأسعار رمزية، وتدريب الشباب على تشغيل هذه الآليات وصيانتها. والهدف ليس التخلي عن الطابع الزّراعي التقليدي، بل تحريره من القيود الجسدية التي تحول دون استمراره.
25-18- تشجيع الشباب على العمل الزّراعي
استقطاب الشباب إلى الزراعة يُمثّل التحدي الأكثر إلحاحاً لاستدامة القطاع، ويستوجب العمل على ثلاثة محاور متكاملة: أولها تغيير النظرة الاجتماعية السلبية تجاه الزراعة عبر حملات توعوية تُبرز نماذج الشباب الناجحين فيها، وثانيها تقديم دعم عملي يشمل المنح المالية وعقود الإيجار الرمزية للأراضي والتغطية التأمينية، وثالثها تطوير التعليم الزّراعي وربطه بمتطلبات السوق المحلية وتبادل الخبرات مع الدول الرائدة.
25-19- تعزيز الإرشاد الزّراعي
عدد المرشدين الزّراعيين الميدانيين محدود مقارنة بعدد القرى، ما يترك كثيراً من المزارعين دون دعم فني كافٍ. تطبيق بسيط باللغة العربية يتيح للمزارع تصوير نبتة مصابة والحصول على تشخيص أولي فوري، مع نشرات يومية عن الطقس وأسعار السوق، لا يُغني عن المرشد البشري لكنه يسدّ فجوة حقيقية في المناطق التي يصعب الوصول إليها بانتظام.
25-20- تطوير السياحة الزّراعيّة
تبرز السياحة الزّراعيّة كأحد أهم روافد التطوير الزّراعي، لكونها تجمع بين تحقيق الدخل للمزارعين والحفاظ على الموروث الثقافي وتنشيط الاقتصاد المحلي. ويمتلك قضاء بعبدا المقومات الطبيعيّة والزّراعيّة اللازمة لبناء تجربة سياحية ريفية متميزة، تشمل مسارات بين المزارع والكروم وبساتين الزيتون، وأسواقاً ريفية أسبوعية، ومهرجانات موسمية مرتبطة بمواسم الحصاد كالعنب والزيتون والكرز. وعلى المدى البعيد، يُتيح تطوير منتجعات زراعية صغيرة تحويل القضاء إلى وجهة سياحية رائدة تُجسّد نموذجاً حياً للتنمية المستدامة على الخريطة السياحية اللبنانية.
26- نحو نموذج تنموي حديث: مقترحات مبتكرة لتطوير القطاع الزّراعي
لا تكفي المقترحات السابقة وحدها لوقف تراجع القطاع الزّراعي في قرى قضاء بعبدا الجبليّة، فالتحديات التي يواجهها هذا القطاع من تغيّر مناخي وشُح موارد وهجرة الشباب باتت أعمق من أن تُعالَج بأدوات الدعم التقليدية وحدها. من هنا تأتي الحاجة إلى أفكار أحدث، تستثمر في الرقمنة والطاقة النظيفة وأنماط عمل لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة. في ما يلي عدد من الخطوات يمكن البناء عليها لنقل الزراعة في القضاء من نمط تقليدي إلى نموذج أكثر كفاءة وقدرة على الصمود.
26-1- الزراعة الذكية: من الحدس إلى القياس
بدل الاعتماد على خبرة المزارع وحدها في تحديد مواعيد الري والتسميد، يمكن نشر محطات استشعار بسيطة في الحقول تقيس رطوبة التربة ودرجة الحرارة وترسل توصياتها مباشرة إلى هاتف المزارع. وفي قرى مثل رأس المتن وكفرسلوان، حيث تنتشر الغابات الصنوبرية المتضررة، قد تكون الطائرات المسيّرة أداة فعّالة لرصد بؤر الإصابة بالحشرات قبل انتشارها، بدل انتظار ظهور الأعراض على نطاق واسع. المشروع لا يحتاج إلى استثمار ضخم في البداية؛ تجربة محدودة في قرية أو قريتين كافية لقياس الجدوى قبل التعميم.
26-2- ربط المزارع بالمستهلك مباشرة
قرب القضاء من بيروت ميزة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي. تطبيق هاتفي بسيط يربط المزارعين بالمطاعم والفنادق والمستهلكين مباشرة، على غرار نماذج “من المزرعة إلى المائدة” المعتمدة في دول أخرى، يمكن أن يختصر حلقة الوسطاء التي تستنزف جزءاً كبيراً من أرباح المزارع. ويمكن للمشترين، من جهتهم، حجز كميات من المحصول قبل الموسم عبر عقود مسبقة، ما يمنح المزارع نوعاً من الاستقرار المالي بدل انتظار ما يحمله السوق كل موسم.
26-3- تأمين وتمويل أكثر مرونة
غياب التأمين الزّراعي الفعلي يترك المزارع وحيداً أمام موجة صقيع أو موجة جفاف. الحل الذي أثبت جدواه في مناطق مشابهة هو التأمين القائم على مؤشرات مناخية: عندما تتجاوز درجة الحرارة أو تنخفض كمية الأمطار عن حد معين متفق عليه مسبقاً، يُصرف التعويض تلقائياً دون حاجة إلى معاينة ميدانية طويلة. وبموازاة ذلك، يمكن لمنصات تمويل أصغر رقمية أن تسهّل حصول صغار المزارعين على قروض بضمانات مبسطة تراعي واقع الحيازات الصغيرة المنتشرة في القضاء.
26-4- طاقة شمسية فوق الحقول لا بدلاً منها
تركيب ألواح شمسية مرتفعة فوق المدرجات الزّراعيّة، بما يُعرف بنظام الأغريفولتاييك، يحل مشكلتين معاً: يؤمّن كهرباء لتشغيل مضخات الري دون الحاجة إلى وقود، ويحمي المحاصيل تحته من الإجهاد الحراري المباشر. وهو خيار يناسب تحديداً الأراضي الجبليّة الوعرة التي يصعب استثمارها زراعياً بالكامل، إذ يمكن استغلال جزء منها للطاقة دون التخلي عن الزراعة تحتها.
26-5- تحويل مرض الصنوبر إلى فرصة اقتصادية
منذ 2014 والغابات الصنوبرية في القضاء تخسر جزءاً من إنتاجها بسبب المرض الذي يضربها. بدل ترك الأخشاب المتضررة دون استثمار، يمكن تحويلها إلى فحم حيوي يُحسّن خصوبة التربة الجبليّة الفقيرة، أو إلى كتلة حيوية تُستخدم في التدفئة. وبالتوازي، إنشاء وحدات تسبيخ بسيطة لمخلفات المواسم الزّراعيّة يقلّص الاعتماد على الأسمدة الكيميائية المستوردة، وهي كلفة متصاعدة على المزارعين في السنوات الأخيرة.
26-6- توثيق موثوق للمنتجات عالية القيمة
زيت الزيتون والكستناء من منتجات القضاء التي تحمل سمعة جيدة، لكن إثبات مصدرها وجودتها أمام الأسواق الخارجية يبقى تحدياً. تقنيات التوثيق الرقمي التي تتبع المنتج من الحقل إلى المستهلك يمكن أن تمنح شهادات موثوقة للمنتجات العضوية والمعتمدة، وتفتح أبواباً في أسواق أوروبا والخليج التي تتشدد في معايير التتبع والجودة.
26-7- حاضنة أعمال ورأس مال من المغتربين
كثير من أبناء القضاء المغتربين ما زالوا مرتبطين عاطفياً بأرض أجدادهم دون أن يجدوا قناة استثمار واضحة فيها. حاضنة أعمال زراعية بدعم من الجامعات ومراكز الأبحاث يمكن أن تحتضن مشاريع شابة في التصنيع الغذائي والتكنولوجيا الزّراعيّة، بينما تتيح منصة تمويل جماعي موجّهة للمغتربين تحويل هذا الارتباط إلى استثمار فعلي في مشاريع تنموية بقراهم الأصلية.
26-8- زراعة عمودية للحيازات الصغيرة جداً
تفتت الملكيات الزّراعيّة بين الورثة جعل كثيراً من الحيازات صغيرة جداً بحيث لا تجدي معها الزراعة التقليدية اقتصادياً. في هذه الحالات، تقنيات الزراعة المائية والعمودية، التي تنتج الخضار الورقية بمياه أقل بكثير وفي مساحة محدودة، قد تكون بديلاً واقعياً، خصوصاً في القرى القريبة من الأسواق الحضرية التي تحتاج إنتاجاً سريع الدوران على مدار السنة.
26-9- الغابات كمصدر دخل لا فقط كغطاء أخضر
إعادة تحريج الغابات الصنوبرية المتضررة، ودمج أشجار الزيتون واللوز ضمن نظم زراعة حرجية متكاملة، يمكن أن يُدخل قرى القضاء في برامج دولية تدفع مقابل خدمات بيئية موثقة كامتصاص الكربون. هذا لا يوفّر فقط مصدر دخل إضافي للمزارعين، بل يقلّص أيضاً مخاطر الحرائق التي تتفاقم كل صيف مع تراكم الحشائش الجافة في الأراضي المهجورة.
المراجع
أولاً: الكتب العربية
- سعيد، عبد الله إبراهيم (1995) أشكال الملكية وأنواع الأراضي في متصرفية جبل لبنان وسهل البقاع (1861–1914) دار الفارابي.
- العلي، عبد الباقي محمد (2012) تربية النحل علم وعمل وهواية، بغداد، ط1، دار الكتاب والوثائق العراقية.
- الأشرم، محمود (2007) التنمية الزّراعيّة المستدامة: العوامل الفاعلة. مركز دراسات الوحدة العربية.
- حسن، أحمد عبد المنعم (2012) تكنولوجيا الزراعات المحمية. الدار العربية للنشر والتوزيع.
- زين الدين، علي (1994) الزراعة في لبنان: واقعها وآفاق تطورها (دراسة ميدانية في الجنوب اللبناني). دار النصر.
- النجفي، سالم توفيق (1982) التنمية الاقتصاديّة الزّراعيّة. دار الكتب- الموصل – العراق
- النجفي، سالم توفيق (1984) التخطيط والسياسة الزّراعيّة. دار الكتب – الموصل – العراق
- وزان، صلاح (1998) تنمية الزراعة العربية: الواقع والممكن. مركز دراسات الوحدة العربية.
ثانيًأ: الكتب الأجنبية
9- Lteif, C., & Soulard, C.-T. (2015). Diagnosis and strategies for peri-urban agriculture in Beirut, Lebanon. Cahiers Agricultures, 24(1), 34–41.
ثالثًا: التّقارير الدّوليّة والأمميّة
10- الأمم المتحدة (1996) تقرير مؤتمر الأمم المتحدة بشأن المستوطنات البشرية (الموئل الثاني)، إسطنبول، 3–14 يونيو 1996.
11- اللجنة الاقتصاديّة والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) (2020) الأمن الغذائي العربي: مخاطر ومسارات-الأمم المتحدة.
12- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2011) تقرير التنمية البشرية 2011: الاستدامة والإنصاف — مستقبل أفضل للجميع 13- وزارة الزراعة اللبنانية (2015) الأطلس الزّراعي في لبنان (ص. 45–52).
14- وزارة الزراعة اللبنانية (2020) الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2020–2025 (ص. 32–38).
15- وزارة الزراعة اللبنانية، مصلحة الزراعة في جبل لبنان (2025) تقارير مصلحة الزراعة في جبل لبنان.
16- الأمم المتحدة (2020) رصد الأمن الغذائي في المنطقة العربية: ملفات 22 دولة.
.رابعاً: المواقع الإلكترونيّة
- United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). (n.d.). Arab food security: Country reviews. https://www.unescwa.org/publications/arab-food-security-country-reviews
[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة كلية التربية – قسم الجغرافيا البشريّة.
Assistant Professor at the Lebanese University, – Faculty of Education – Department of Human Geography. Email: elie.c.chedid@gmail.com
1– النجفي، سالم توفيق (1984) التخطيط والسياسة الزراعية – دار الكتب – الموصل – العراق.
2– وزان، صلاح (1998) تنمية الزراعة العربية: الواقع والممكن- مركز دراسات الوحدة العربية.
زين الدين، علي(1994) الزراعة في لبنان: واقعها وآفاق تطورها (دراسة ميدانية في الجنوب اللبناني)-دار النصر -[4]
2- النجفي، سالم توفيق (1982) التنمية الاقتصادية الزراعية– دار الكتب- الموصل-العراق
تنفيذ الباحث استنادًا الى نظم المعلومات الجغرافية -[10]
استنادًا الى الدراسة الميدانية تموز 2025.-[11]
تنفيذ الباحث إستنادا الى الدراسة الميدانية-[12]
تنفيذ الباحث استنادًا الى الدّراسة الميدانيّة-[13]
مصلحة الأبحاث الزّراعيّة في جبل لبنان-[14]
الدّراسة الميدانيّة تموز 2025-[15]
تنفيذ الباحث استنادًا الى نظم المعلومات الجغرافيّة. -[16]
تموز 2025 الدّراسة الميدانيّة-[17]
تنفيذ الباحث استنادًا الى الدّراسة الميدانيّة-[18]
2– وزارة الزراعة اللبنانية، مصلحة الزراعة في جبل لبنان. (2025). تقارير مصلحة الزراعة في جبل لبنان. وزارة الزراعة اللبنانية.
مصلحة الزراعة في جبل لبنان -[21]
الدراسة الميدانية تموز 2025-[22]
1-حسن، أحمد عبد المنعم. (2012). تكنولوجيا الزراعات المحمية– القاهرة- الدار العربية للنشر والتوزيع.
2- وزارة الزراعة اللبنانية. (2020). الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2020–2025 (ص. 32–38).
1-العلي، عبد الباقي محمد (2012) تربية النحل علم وعمل وهواية، بغداد، ط1، دار الكتاب والوثائق العراقية
2- الأشرم، محمود (2007) التنمية الزراعية المستدامة: العوامل الفاعلة – مركز دراسات الوحدة العربية.
3- سعيد، عبد الله إبراهيم. (1995) أشكال الملكية وأنواع الأراضي في متصرفية جبل لبنان وسهل البقاع (1914-1861). دار الفارابي.
[28]– United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA). (n.d.). Arab food security: Country reviews.
1- Lteif, C., & Soulard, C.-T. (2015). Diagnosis and strategies for peri-urban agriculture in Beirut, Lebanon. Cahiers Agricultures, 24(1), 34–41
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2011). تقرير التنمية البشرية 2011: الاستدامة والإنصاف — مستقبل أفضل للجميع. 1-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA). (2020). الأمن الغذائي العربي: مخاطر ومسارات. الأمم المتحدة -[31]
الأمم المتحدة (1996) تقرير مؤتمر الأمم المتحدة بشأن المستوطنات البشرية (الموئل الثاني)، إسطنبول، 3–14 يونيو 1996-[32]
وزارة الزراعة اللبنانية (2015) الأطلس الزراعي في لبنان (ص. 45–52) وزارة الزراعة اللبنانية -[33]
الأمم المتحدة. (2020). رصد الأمن الغذائي في المنطقة العربية: ملفات 22 دولة. الأمم المتحدة -[34]