التّوجيه المهني كفايةً مركزية في المنهج لا خدمةً على هامشه دراسة تحليليّة في ضرورة إدماجه في المناهج اللبنانيّة الجديدة

0

عنوان البحث: التّوجيه المهني كفايةً مركزية في المنهج لا خدمةً على هامشه دراسة تحليليّة في ضرورة إدماجه في المناهج اللبنانيّة الجديدة

اسم الكاتب: عبد الرحمن إبراهيم مكّي

تاريخ النشر: 2026/09/10

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 45

تحميل البحث بصيغة PDF

DOI: https://doi.org/10.67928/6614

التّوجيه المهني كفايةً مركزية في المنهج لا خدمةً على هامشه

دراسة تحليليّة في ضرورة إدماجه في المناهج اللبنانيّة الجديدة

Career guidance as a central component of the curriculum, not a peripheral service: An analytical study on the necessity of integrating it into the new Lebanese curricula

Abdul Rahman Ibrahim Makki عبد الرحمن إبراهيم مكّي([1])

تاريخ الإرسال:11-8-2026                                     تاريخ القبول:23-8-2026

الملخّص                                                                             turnitin:4%

هدفت هذه الدّراسة إلى تحليل موقع التّوجيه المهني في النِّظام التّربوي اللبناني، وبيان ضرورة إعادة تموضعه من خدمةٍ إداريّة على هامش المدرسة إلى مجال تعلُّمٍ مستعرِض داخل المنهج، وذلك في ضوء ورشة المناهج اللبنانيّة الجديدة. واعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي مستندةً إلى التّحليل الوثائقي والتّحليل الثانوي للبيانات، عبر مساءلة خمس فرضيّات بحثيّة في ضوء ثلاثة مستويات من الأدلّة: بيانات دوليّة مقارنة، ومؤشّرات اقتصاديّة عن سوق العمل، ونتائج ميدانيّة لبنانيّة. وأظهرت النّتائج أنّ تطلّعات المتعلّمين المهنيّة تتّسم بالضّيق والارتباك والانفصال عن بنية الطلب على العمل؛ وأنّ تسارع دوران سوق العمل عالمياً واختلاله في لبنان — إذ بلغت بطالة الشّباب نحو ضِعف بطالة الرّاشدين، وفاقت البطالة لدى الجامعيين معدّلها العام لدى الشّباب قبل الأزمة — يجعل الحاجة إلى التّوجيه أشدّ إلحاحًا؛ وأنّ للتوجيه المهني أثرًا قابلاً للقياس حتى عند الحدّ الأدنى من الاستثمار، إذ ارتفع إلمام التلاميذ بمعطيات المهنة المختارة من 60.1% إلى 88.5% بعد برنامجٍ محدود؛ وأنّ ميدانَي التّعليم المهني والتقني ودورِ الأسرة يظلّان خارج متناول المقاربة الخدميّة؛ وأنّ الهشاشات البنيوية للخدمة في لبنان ناتجة من موقعها خارج المنهج لا من قصور الأداء الفردي. وخلصت الدّراسة إلى تصوّرٍ إجرائي لإدماج التّوجيه المهني في بنية المناهج الجديدة عبر خمسة مبادئ ومصفوفة كفايات متدرّجة، مع تحديد شروط النّجاح ومخاطر التّطبيق.

الكلمات المفتاحيّة: التّوجيه المهني، الكفايات المستعرِضة، تطوير المناهج، الجهوزيّة المهنيّة، التّعليم المهني والتّقني، سوق العمل، لبنان.

Abstract

This study analyses the position of career guidance within the Lebanese education system and argues for its repositioning from an administrative service at the margins of the school to a cross-cutting field of learning inside the curriculum, in light of Lebanon’s ongoing curriculum reform. A descriptive-analytical design was adopted, drawing on documentary analysis and secondary analysis of existing data, and examining five research hypotheses against three levels of evidence: comparative international data, labour-market indicators, and Lebanese field results. The findings show that learners’ occupational expectations are narrow, confused and detached from the structure of labour demand; that accelerating global labour-market churn and the dysfunction of the Lebanese labour market — where youth unemployment is roughly twice the adult rate, and where graduate unemployment exceeded the general youth rate before the crisis — make guidance more urgent than ever; that career guidance produces measurable effects even at minimal levels of investment, with students’ command of information about their chosen occupation rising from 60.1% to 88.5% after a limited programme; that vocational and technical education and the mediating role of the family both remain beyond the reach of the service-based approach; and that the structural fragility of guidance provision in Lebanon stems from its location outside the curriculum rather than from individual underperformance. The study concludes with an operational proposal for embedding career guidance within the new curriculum architecture through five principles and a progression matrix of competencies, together with success conditions and implementation risks.

Keywords: career guidance; cross-cutting competencies; curriculum development; career readiness; vocational education; labour market; Lebanon.

 1.المقدّمة

ثمّة قرارٌ واحد يتّخذه الإنسان في السّابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، وتمتدّ آثاره أربعين سنة على الأقلّ: قرار الاختصاص والمهنة. وهو قرار يجمع بين أعلى درجات الأثر وأدنى درجات المعرفة؛ إذ يُطلب إلى مراهقٍ لم يدخل مكان عملٍ قطّ، ولم يجرِ حوارًا مهنيًّا واحدًا، ولا يعرف من عالم المهن إلّا ما تعرضه شاشته، فيحسم مصيره بناءً على انطباعٍ أو رغبة أهلٍ أو خيار رفيق.

وفي المقابل، ينظّم النِّظام التّربوي كلَّ شيءٍ آخر تنظيمًا دقيقًا: يحدّد للرّياضيات حصصها، ولِلُّغة أهدافها، وللكيمياء مختبرها، ويضع لكلّ مادّة منهاجًا ومصفوفةً وكتابًا وتقويمًا. أمّا القرار الذي تتوقّف عليه جدوى هذا كلّه — أين سيذهب المتعلّم بما تعلّمه — فيُترك للصّدفة، أو لبضع حصصٍ يُتَبرَّع بها إن سمح الوقت وسمحت الإدارة.

وتكتسب هذه المسألة في لبنان راهنيةً استثنائيّة. فبعد نحو ثلاثة عقود على المناهج المعتمدة منذ 1997، أُقرّ “الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التّعليم العام ما قبل الجامعي” ثمّ انتقلت الورشة إلى بناء المناهج التّفصيليّة وتأليف الموارد، مع توجّهٍ معلَن نحو مناهج قائمة على الكفايات ومحورها المتعلّم (المركز التّربوي للبحوث والإنماء، 2022). وهذه لحظة إعادة تأسيس لا تتكرّر قريبًا، وما لا يُكتب فيها اليوم قد ينتظر عقدًا أو أكثر.

  1. إشكاليّة البحث وأسئلته

عُومل التّوجيه المهني في النِّظام التّربوي اللبناني، منذ إدخاله رسميًّا إلى القطاع العام سنة 2006، بوصفه خدمةً تُلحَق بالمدرسة من خارجها: يُكلَّف بها عددٌ من الأساتذة بقرارٍ إداري، وتُنفَّذ في الوقت الذي تسمح به إدارة المدرسة، وتُموَّل — حين تُموَّل — من مشاريع ظرفيّة. وقد أنتجت هذه المقاربة خدمةً هشّة التّغطية والتّكوين والاستمراريّة، فيما بقيت الحاجة إليها تتعاظم بفعل تسارع تحوّلات سوق العمل واختلال المواءمة بين مخرجات التّعليم وحاجات الاقتصاد.

وتتحدّد إشكاليّة البحث في السؤال المركزي الآتي: ما الموقع الذي ينبغي أن يحتلّه التّوجيه المهني في بنية المناهج اللبنانيّة الجديدة، وما الأسس العلميّة والميدانيّة التي تسوّغ نقله من موقع الخدمة إلى موقع المجال المنهجي المستعرِض؟

ويتفرّع من هذا السؤال المركزي خمسة أسئلة فرعيّة:

– ما السّمات التي تتّصف بها خيارات المتعلّمين المهنيّة في غياب تدخّلٍ توجيهي منظَّم؟

– ما العوامل التي تجعل الحاجة إلى التّوجيه المهني أشدّ إلحاحًا في اللحظة الرّاهنة؟

– ما مدى قابليّة أثر التّوجيه المهني للقياس، وما مقداره قياسًا بحجم الاستثمار فيه؟

– لماذا يعجز التّوجيه المهني، في صيغته الخدميّة، عن معالجة ميدانَي التّعليم المهني والتقني ودور الأسرة؟

– ما الشّروط البنيويّة اللازمة لجعل التّوجيه المهني خدمةً مستدامة وفاعلة في النِّظام التّربوي اللبناني؟

  1. أهمّيّة البحث: تنبع أهمّيّة هذا البحث من ثلاثة اعتبارات متكاملة:

الأهميّة التّوقيتيّة: يتزامن البحث مع ورشة إعادة بناء المناهج اللبنانيّة، وهي نافذة قرارٍ محدودة زمنيًا؛ فما يُدرَج في مصفوفة المدى والتتابع اليوم يحكم الممارسة التّربوية لعقدٍ مقبل على الأقلّ، وما يُغفَل فيها يصعب استدراكه لاحقًا.

الأهميّة العلميّة: تندر الدّراسات التي تناولت التّوجيه المهني في لبنان تناولًا تحليليًّا يربط بين المعطى الميداني المحلّي والأدلّة الدّوليّة المقارنة، ويقدّم تصوّرًا منهجيًّا قابلًا للتنفيذ لا مطالبةً عامة.

الأهميّة التّطبيقيّة: يقدّم البحث مخرجاتٍ جاهزة للاستعمال من واضعي المناهج: مصفوفة كفايات متدرّجة، ومبادئ ناظمة، وتصوّرًا لبرنامجٍ موجَّه إلى الأهل، ومقارنةً بنيوية بين مقاربتين.

  1. فرضيات البحث: انطلاقًا من الإشكاليّة وأسئلتها، صيغت خمس فرضيّات تُساءَل في ضوء الأدلّة المتوافرة([2]):

الفرضيّة الأولى: تتّسم خيارات المتعلّمين المهنيّة، في غياب تدخّلٍ توجيهي منظَّم، بضيق الأفق وتنامي عدم اليقين والانفصال عن بنية الطلب الفعلي على العمل.

الفرضيّة الثانية: تجعل تحوّلات سوق العمل عالميًّا واختلالاته في لبنان الحاجةَ إلى التّوجيه المهني أشدّ إلحاحًا اليوم منها في أيّ وقتٍ مضى، وتجعل ورشة المناهج الجديدة نافذةَ فرصةٍ لمعالجتها.

الفرضيّة الثالثة: للتوجيه المهني أثرٌ قابل للتعريف والقياس في معارف المتعلّمين ومعايير اختيارهم، وهو أثرٌ مرتفع قياسًا بحجم الاستثمار فيه.

الفرضيّة الرابعة: يعجز التّوجيه المهني في صيغته الخدميّة عن معالجة ميدانَين حاسمَين هما ضعف جاذبيّة التّعليم المهني والتقني، ودورُ الأسرة بوصفها الوسيط الأوّل للقرار المهني.

الفرضية الخامسة: تنتج الهشاشات البنيوية لخدمة التّوجيه المهني في لبنان من موقعها خارج المنهج لا من قصورٍ في الأداء الفردي؛ ومن ثمَّ فإنّ إدماجها في المنهج شرطٌ لازم لاستدامتها وفاعليتها.

  1. أهداف البحث: يسعى البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

– تحليل السّمات التي تتّصف بها خيارات المتعلّمين المهنيّة في ضوء البيانات الدّوليّة والمحلّية المتوافرة.

– تبيان العوامل الاقتصاديّة والتّربوية التي تجعل التّوجيه المهني حاجةً عاجلة في السّياق اللبناني الراهن.

– استخلاص الأدلّة المتوافرة على أثر التّوجيه المهني وقابليّته للقياس.

– كشف حدود المقاربة الخدميّة في معالجة ملفَّي التّعليم المهني والتّقني ودور الأسرة.

– اقتراح تصوّرٍ إجرائي لإدماج التّوجيه المهني في بنية المناهج اللبنانيّة الجديدة، مع تحديد شروط نجاحه ومخاطر تطبيقه.

  1. مصطلحات البحث: يشيع في الأدبيّات التّربوية العربيّة، وفي التنظيم الإداري اللبناني تحديدًا، خلطٌ بين ثلاثة مفاهيم متجاورة يقتضي تمييزها:

الإرشاد النّفسي (Counseling): مرافقةٌ نفسيّة-تربويّة تُعنى بفهم الذّات ومعالجة صعوبات التكيّف والتعلّم، ويتولّاها مختصّون في علم النّفس العيادي أو التّربوي (الخطيب، 2009).

التّوجيه التّربوي/الدّراسي (Educational Guidance): مساعدة المتعلّم على اختيار فرع الدّراسة ومسارها بما يتوافق مع قدراته وتحصيله، وهو منحصر داخل المنظومة المدرسيّة (أيوب، 1999).

التّوجيه المهني (Career Guidance): عمليةٌ تربويّة ممتدّة تهدف إلى تمكين المتعلّم من بناء قرارٍ مهنيّ مستنير وإدارة مساره عبر الزّمن، عبر ثلاثة محاور متلازمة: معرفة الذّات، ومعرفة عالم العمل والمسارات المؤدّية إليه، ومهارات اتّخاذ القرار وإدارة المسار (الدّيوبي، 2000؛ OECD, 2021)([3]).

الكفاية المستعرِضة (Transversal Competency): كفايةٌ لا تنتمي إلى مادّة دراسيّة بعينها بل تتوزّع على المواد كافّة وتُبنى عبرها، ويُخصَّص لها في الوقت نفسه حيّزٌ زمني مستقلّ في المصفوفة.

والفارق الجوهري أنّ المفهومين الأوّلين علاجيان في جوهرهما — يتدخّلان عند وجود صعوبة — بينما التّوجيه المهني نمائيّ: يُفترض أن يخضع له كلّ متعلّم لا المتعثّرون وحدهم، وأن يمتدّ على سنوات لا أن يتركّز في لحظة الأزمة. وهذا الفارق وحده كافٍ لتبرير موقعه في المنهج: فما يُقصد به الجميع، ويمتدّ عبر المراحل، ويُبنى بالتدرّج، هو تعريفُ المنهج نفسه.

  1. الدّراسات السّابقة

7.1 الدّراسات العربيّة والمحلّية

تناول أيوب (1999) واقع التّوجيه الدّراسي والمهني لدى تلاميذ التعليم الثانوي في لبنان، وخلص إلى ضعف البنية المؤسّسية للخدمة وغياب الأدوات المقنّنة. ودرس المعشني (2001) خدمات الإرشاد النفسي والتّوجيه المهني في سلطنة عُمان، فأبرز نموذجًا عربيًّا قائمًا على مراكز توجيه ممتدّة من الصف الخامس حتى الثاني عشر وأدلّة مهنية منشورة. وتناولت الجضم (2002) التّوجيه الدّراسي والمهني للتلميذ اللبناني في نهاية المرحلة المتوسّطة في قضاء كسروان، فأظهرت هشاشة التدخّل عند مفترق الصّف التاسع. وعالجت شديد (2008) المخطّط المهني الشّخصي للتلميذ في مرحلة التّعليم الثانوي في لبنان، مستندةً إلى مفهوم «المشروع الشّخصي» المستعار من التّجربة الفرنسيّة.

أمّا مكّي (2014) فقد أجرى دراسة ميدانيّة على عيّنة من 480 تلميذًا وتلميذة في الصف الثالث الثانوي في سبع عشرة ثانويّة رسميّة في محافظتَي الجنوب والنبطيّة، مع قياسٍ بعديّ على 190 منهم، ومقابلات مقنّنة مع أعضاء فريق التّوجيه المهني الرسمي كافّة، فرصد الأسس التي يعتمدها التّلاميذ في اختيار مهنة المستقبل والتغيّر الحاصل فيها بعد التدخّل التّوجيهي. وتُستثمَر نتائج هذه الدّراسة في البحث الحالي بوصفها مصدرًا للبيانات الثانوية المحلّية.

7.2 الدّراسات والأطر الدّوليّة

على المستوى الدّولي، أرسى هولمان (Holman, 2014) إطار المعايير الثمانية للتوجيه المهني الجيّد، الذي صار مرجعًا لتقويم برامج التّوجيه في المدارس والكلّيات وخضع للتحديث سنة 2024 (Gatsby Foundation, 2024). وطوّرت منظمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة مشروع «الجهوزيّة المهنيّة» الذي حدّد أحد عشر مؤشّرًا للجهوزيّة المهنيّة لدى المراهقين مستندةً إلى مراجعة قواعد بيانات طوليّة وطنيّة (OECD, 2021)، ثمّ أصدرت تقريرًا مقارنًا عن حالة الإعداد المهني للمراهقين في العالم استنادًا إلى بيانات PISA بين 2000 و2022 (OECD, 2025a)، أضف إلى عملٍ خاصّ بعلاقة التّوجيه المهني بالتفاوت الاجتماعي والحراك الاجتماعي (OECD, 2024). وفي المجال التّطبيقي، يبقى عمل غيسبرز وهندرسون (Gysbers & Henderson, 1994) مرجعًا في تصميم برامج التّوجيه المدرسي وإدارتها.

7.3 التّعقيب على الدّراسات السّابقة

يتبيّن من استعراض الدّراسات السّابقة أنّها انقسمت اتّجاهين: اتّجاهٌ عربي ومحلّي غلب عليه التّوصيف الميداني لواقع الخدمة ورصد نواقصها، من دون أن يقدّم تصوّرًا منهجيًّا لموقع التّوجيه في بنية المنهج؛ واتّجاهٌ دولي بلغ درجةً عالية من الدقّة في تحديد المؤشّرات وقياس الأثر، لكنّه نشأ في سياقات مؤسّسية وموارديّة مختلفة عن السّياق اللبناني. ويسعى البحث الحالي إلى الجمع بين المستويين: الإفادة من دقّة الأطر الدّوليّة في التّعريف والقياس، وربطها بالمعطى اللبناني الميداني، ثمّ ترجمة ذلك إلى مقترحٍ منهجيّ قابل للإدراج في مصفوفة المناهج الجديدة — وهو ما لم تتناوله، في حدود اطّلاع الباحث، أيٌّ من الدّراسات السّابقة.

  1. منهج البحث وإجراءاته

8.1 منهج البحث: اعتمد البحث المنهج الوصفي التّحليلي، بوصفه الأنسب لطبيعة الإشكاليّة القائمة على تحليل واقعٍ قائم واستخلاص مقتضياته. ووُظِّف ضمنه أسلوبان متكاملان: التّحليل الوثائقي للنصوص التنظيمية والأطر المرجعية والتقارير الرسمية، والتّحليل الثانوي للبيانات (Secondary Data Analysis) المستمدّة من مصادر إحصائية منشورة ومن دراسة ميدانية سابقة.

8.2 مصادر البيانات

– بيانات دوليّة مقارنة: تقارير منظمة التّعاون والتّنمية الاقتصاديّة المستندة إلى برنامج PISA وإلى مراجعة قواعد بيانات طوليّة وطنيّة، وتقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

– بيانات سوق العمل اللبناني: مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية للأسر (2018–2019) والمسح المتابِع للقوى العاملة (كانون الثاني 2022) الصادران عن إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون مع منظمة العمل الدّوليّة.

– بيانات تربوية لبنانية: الوثائق والنّشرات الإحصائيّة الصادرة عن المركز التّربوي للبحوث والإنماء، ولا سيّما الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي.

– بيانات ميدانيّة محلّية: نتائج الدّراسة الميدانية التي أجراها الباحث (مكّي، 2014) على عيّنة من تلاميذ الصف الثالث الثانوي في الثانويات الرّسميّة.

8.3 حدود البحث: تتحدّد حدود البحث الموضوعيّة بموقع التّوجيه المهني في بنية المنهج، من دون التوسّع في تقنيات التّوجيه وأدواته السيكومتريّة. وتتحدّد حدوده المكانيّة بالسّياق اللبناني، مع استعمال المقارنات الدّوليّة لغرض التّأطير لا لغرض الاستنساخ. أمّا البيانات الميدانيّة المحلّية المستعمَلة فتعود إلى دراسةٍ أُجريت في محافظتَي الجنوب والنّبطيّة، ومن ثمّ فإنّ تعميمها على لبنان كلّه يقتضي تحفّظًا، وإن كان اتّجاه نتائجها متّسقًا مع ما تُظهره الأدلّة الدّوليّة.

ويُضاف إلى ذلك حدٌّ منهجي يقتضي التصريح به: أنّ القياس القبلي/البعدي المستعمَل في الدّراسة الميدانيّة المحلّية لم يتضمّن مجموعةً ضابطة، ما يجعل عزو التغيّر إلى البرنامج وحده عزوًا محتملًا لا مؤكَّدًا. وقد عُولج هذا الحدّ بمقاطعة النّتائج المحلّيّة مع الأدلّة الدّوليّة بدل الاعتماد عليها منفردة.

  1. نتائج البحث ومناقشتها

9.1 مناقشة الفرضيّة الأولى: سمات الخيار المهني في غياب التّوجيه

تُظهر البيانات الدّوليّة المستمدّة من برنامج PISA ثلاث ظواهر متلازمة. أوّلها ضيق الأفق المهني: فقد ارتفعت، في البلدان التي شاركت في دورات البرنامج جميعها منذ سنة 2000، نسبةُ التلاميذ الذين يتوقّعون العمل في فئة المهن الاختصاصيّة من نحو 48% إلى نحو 59%، فيما بقيت باقي فئات العمل ثابتة أو متراجعة، وبلغ المتوسّط في دورة 2022 نحو 58% ممّن أبدوا توقّعًا مهنيًّا (OECD, 2025a). وثانيها تنامي عدم اليقين: إذ ارتفعت نسبة غير الحاسمين ارتفاعًا ملموسًا منذ 2018، ويرتبط عدم اليقين المهني في سنّ المراهقة بنتائج تشغيلية أضعف في الرّشد (OECD, 2021). وثالثها الانفصال عن بنية الطلب، ويزداد حدّةً لدى التلاميذ من الخلفيات الاجتماعية الأضعف، إذ تفسّر الخلفيّة الاجتماعيّة التطلّعات التّعليميّة أكثر ممّا يفسّرها التحصيل الدراسي نفسه (OECD, 2025a).

وتتقاطع هذه الصورة مع المعطى اللبناني: فقد تحكّم الميل الشّخصي غير المُختبَر ورغبة الأهل معًا بنحو 79% من دوافع اختيار المهنة، مقابل 9.8% فقط لحاجات سوق العمل؛ واستقى نحو 87% من التّلاميذ معلوماتهم المهنيّة من وسائل الإعلام العامّة؛ ولم تتجاوز نسبة من يناقشون مستقبلهم المهني مع موجّهٍ مختصّ 0.2%، في مقابل 26.4% يناقشونه مع الرفاق (مكّي، 2014).

ويُستخلص من ذلك أنّ هذه الظواهر ليست خصوصيّة بلدٍ ولا نتيجة تقصير فردي، بل هي النّتيجة المنطقيّة لغياب الإشارة المنظَّمة: فحين لا يتلقّى المراهق إشارةً من سوق العمل ومن المدرسة، يملأ الفراغ بما هو متاح. وعليه تتحقّق الفرضيّة الأولى.

9.2 مناقشة الفرضيّة الثانية: إلحاح الحاجة ونافذة الفرصة

على المستوى العالمي، يقدّر تقرير «مستقبل الوظائف 2025» أنّ نحو 22% من الوظائف ستشهد تحوّلًا بنيويًّا بحلول 2030، بما يعادل استحداث نحو 170 مليون وظيفة وزوال نحو 92 مليون، وأنّ نحو 39% من المهارات المطلوبة اليوم ستتبدّل خلال خمس سنوات، وأنّ 63% من أصحاب العمل يعدُّون فجوة المهارات العائق الأكبر أمام التحوّل (WEF, 2025). ومغزى ذلك تربويًّا ليس أن تلاحق المدرسة كلّ مهنة جديدة، بل أن تُكسِب المتعلّم القدرة على قراءة التحوّل وإدارة مساره داخله.

وعلى المستوى اللبناني، ارتفع معدّل البطالة من 11.4% في 2018–2019 إلى 29.6% في كانون الثاني 2022، وبلغت بطالة الشّباب 47.8% أي نحو ضِعف معدّل الراشدين (25.6%)، وتراجعت نسبة التّشغيل إلى السكان من 43.3% إلى 30.6% ولم تتجاوز 17.9% لدى الشّباب، فيما تخطّت العمالة غير النِّظاميّة 60% من مجمل التّشغيل (ILO & CAS, 2022).

غير أنّ الرّقم الأكثر دلالةً هو رقمٌ سابق للأزمة: ففي مسح 2018–2019 بلغت بطالة الشّباب 23.3%، لكنّها بلغت لدى حاملي الشّهادات الجامعيّة 35.7% (ILO, 2019). أي إنّ الشّهادة الجامعية كانت، قبل الانهيار المالي بأشهر، عاملَ مخاطرةٍ لا عامل حماية؛ وهذا هو التّوقيع الإحصائي لاختلال المواءمة، فالمشكلة ليست نقصًا في التعليم بل سوءَ توجيهٍ له([4]). ويكتمل المشهد بمؤشّر الهجرة؛ وحين يصبح التّعليم مسارًا إلى الهجرة لا إلى الإنتاج، تخسر الدّولة مرّتين: مرّةً حين تموّل التكوين، ومرّةً حين تفقد المتكوِّن.

ويتزامن هذا كلّه مع ورشة المناهج الجديدة القائمة على مقاربة الكفايات (المركز التّربوي للبحوث والإنماء، 2022). والمقاربة بالكفايات ليست تفصيلًا تقنيًّا هنا؛ إنّها تغيير في السؤال المؤسِّس: من «ماذا يعرف المتعلّم؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه، وأين؟» — وهو سؤال التّوجيه المهني حرفيًّا. وعليه تتحقّق الفرضيّة الثانية.

9.3 مناقشة الفرضيّة الثالثة: قابليّة الأثر للقياس ومقداره

يُواجَه التّوجيه المهني عادةً باعتراضٍ ضمني مفاده أنّه نشاط لطيف غير قابل للقياس، وهو اعتراض لم يعد قائمًا. فمراجعة عددٍ من قواعد البيانات الطوليّة الوطنيّة سمحت بتحديد أحد عشر مؤشّراً لجهوزيّة المراهق المهنيّة، تتّصل بكيفيّة استكشافه لعالم العمل واختباره له وتفكيره فيه أثناء الدّراسة الثانوية، وثبت ارتباطها بنتائج تشغيليّة أفضل في الرشد (OECD, 2021).

وعلى المستوى التّطبيقي، وضع إطار المعايير الثمانية معايير محدَّدة لما ينبغي أن توفّره كلّ مدرسة (Holman, 2014)، ثمّ صار مرجعًا لأكثر من 90% من المدارس والكلّيات في سياقه، وارتفع متوسّط التحقّق من أقلّ من 1.9 من أصل 8 سنة 2018 إلى 5.8 سنة 2024، وارتبط ارتفاع التحقّق بانخفاض نسبة الشّباب خارج التّعليم والعمل والتدريب (NEET) في سنّي 16 و18 (Gatsby Foundation, 2024)([5]).

الجدول (1): المعايير الثمانية للتوجيه المهني الجيّد — إعادة صياغة مكثّفة

المعيار العنوان المضمون
1 برنامج مستقرّ برنامج توجيه مدمج ومعروف لدى المتعلّمين والأهل والمعلّمين وأصحاب العمل.
2 التعلّم من معلومات سوق العمل وصول كلّ متعلّم وأهله إلى معلومات جيّدة عن الخيارات وفرص العمل، بمرافقة مرشد مؤهَّل.
3 مراعاة حاجات كلّ متعلّم تمايز الحاجات بحسب المرحلة والوضع، مع تضمين اعتبارات المساواة والتنوّع.
4 ربط تعلّم المواد بالمهن أن يربط كلّ معلّم مادّته بالمسارات المهنيّة المتّصلة بها.
5 لقاءات مع أصحاب العمل والعاملين احتكاك منتظم بأشخاص يمارسون مهناً فعلية.
6 خبرات في أماكن العمل خبرة مباشرة عبر الزيارات والمرافقة والتدرّب.
7 لقاءات مع التعليم العالي والمهني الاطّلاع على المسارات الأكاديمية والمهنيّة كافّة، لا على المسار الجامعي وحده.
8 الإرشاد الشخصي مقابلات توجيه فردية مع مرشد مؤهَّل تأهيلاً مناسباً.

المصدر: صياغة الباحث استناداً إلى Holman (2014) وGatsby Foundation (2024).

أمّا على المستوى المحلّي، فقد أظهر القياس القبلي/البعدي الذي أُجري على تلاميذ تابعوا برنامج توجيه مهني في ثانويات رسمية تحوّلاتٍ قابلة للقياس، على النحو المبيَّن في الجدول (2).

الجدول (2): أثر برنامج توجيه مهني محدود على تلاميذ الصف الثالث الثانوي (%)

المؤشّر قبل بعد التغيّر
إلمام جيّد بمعطيات المهنة المختارة 60.1 88.5 + 28.4
اعتماد حاجات سوق العمل معيارًا للاختيار 9.8 20.7 + 10.9
اعتماد الميل الشخصي غير المُختبَر معيارًا 66.5 54.6 − 11.9
مناقشة المستقبل المهني مع موجّه مختصّ 0.2 24.5 + 24.3
مناقشة المستقبل المهني مع الرفاق 26.4 5.3 − 21.1
عدم تحديد الاختصاص المنوي الالتحاق به 22.1 9.6 − 12.5

المصدر: مكّي (2014)، عيّنة قبلية 480 تلميذاً وعيّنة بعدية 190 تلميذاً.

ومع مراعاة الحدّ المنهجي المشار إليه في القسم 8.3، يبقى اتّجاه التغيّر متّسقًا مع الأدبيات الدّوليّة، ومقداره لافتًا قياسًا بضآلة المُدخَل: بضع حصص من دون تجهيزات ولا قاعدة بيانات ولا أدوات قياس معتمدة. وعليه تتحقّق الفرضيّة الثالثة.

9.4 مناقشة الفرضيّة الرابعة (أ): التعليم المهني والتقني

يستقبل التّعليم المهني والتقني في لبنان نحو 13% من مجموع تلاميذ المرحلتين المتوسّطة والثانوية، ونحو 26% من تلاميذ المرحلة الثانوية تحديدًا (المركز التّربوي للبحوث والإنماء، د. ت.)([6])، في مقابل متوسّطٍ في بلدان منظمة التّعاون والتنمية الاقتصاديّة بلغ 44% من تلاميذ المرحلة الثانوية العليا سنة 2023، ويتجاوز ثلثَي التلاميذ في بلدانٍ مثل النمسا وتشيكيا وفنلندا وهولندا وسلوفينيا (OECD, 2025b).

غير أنّ الرقم ليس المشكلة الحقيقيّة؛ المشكلة في آليّة الوصول. فالتلميذ اللبناني لا يدخل التّعليم المهني غالبًا لأنّه اختاره، بل لأنّه استُبعد من سواه. وهذا ينتج حلقةً تُغذّي نفسها: تلاميذ أضعف تحصيلًا يقصدون المسار، فتضعف سمعته، فينفر منه الأهل، فيزداد تركّز الضعف فيه. وهي حلقة لا تُكسر بحملة إعلاميّة بل بتدخّلٍ يسبق لحظة الإخفاق: أي بتوجيهٍ منظَّم في الصف التّاسع الأساسي يعرض المسار المهني بوصفه خيارًا أوّليًّا موجبًا لا مخرجًا اضطراريًّا— وهو المفترق الذي أظهرت الجضم (2002) هشاشة التدخّل عنده.

والمفارقة أنّ المعطيات المقارنة لا تدعم الصورة الذّهنيّة السّائدة: فمعدّل البطالة لدى البالغين (25–64) الحاصلين على مؤهّل مهني ثانوي بلغ 4.8% سنة 2024 مقابل 5.7% لدى حاملي مؤهّل ثانوي عام، ولدى الفئة (25–34) بلغ 6.1% مقابل 8.0%؛ أمّا معدّل التّشغيل فبلغ 79.5% مقابل 75.9%، ويرتفع الفارق لدى الفئة الشّابّة إلى 83.2% مقابل 73.8% (OECD, 2025b). كما أنّ نحو 76% من تلاميذ التّعليم المهني الثانوي في هذه البلدان يتابعون برامج تتيح نظريًّا الانتقال المباشر إلى التعليم العالي، ونحو 30% منهم في برامج تجمع بين المدرسة ومكان العمل. وهنا يظهر الخلل التّصميمي في التّجربة اللبنانيّة: إذ يبقى التّدريب في سوق العمل أثناء الدّراسة شبه غائب إلّا في إطار مدارس «التعليم المزدوج»، فيُحرم المسار من ميزته المقارنة الأساسيّة ويُحتفظ له بوصمته.

الجدول (3): التعليم المهني والتقني — مؤشّرات مقارنة

المؤشّر لبنان متوسّط بلدان OECD
حصّة المسار المهني من تلاميذ المرحلة الثانوية نحو 26% نحو 44% (2023)
نفاذ خرّيجي المسار إلى التعليم العالي محدود ومشروط نحو 76% في برامج تتيحه نظرياً
التعلّم في مكان العمل ضمن المسار شبه غائب إلّا في «التعليم المزدوج» نحو 30% في برامج مزدوجة
بطالة حاملي مؤهّل مهني ثانوي (25–34) غير متوافر بهذا التصنيف 6.1% مقابل 8.0% للتعليم العام
آليّة الدخول الغالبة الاستبعاد من المسار الأكاديمي الاختيار الموجَّه في نهاية التعليم الأساسي

المصدر: إعداد الباحث استنادًا إلى OECD (2025b) وبيانات المركز التّربوي للبحوث والإنماء.

9.5 مناقشة الفرضيّة الرابعة (ب): الأسرة وسيطاً للقرار

بقي الوالدان في المرتبة الأولى بين مرجعيات التلميذ قبل التدخّل التّوجيهي وبعده على السواء (33.1% ثمّ 25.7%)، أي إنّ البرنامج المدرسي أعاد ترتيب المرجعيّات ولم يُزح الأسرة عن موقعها (مكّي، 2014). وعلى المستوى الدولي، تفسّر الخلفية الاجتماعية التّطلّعات التّعليميّة أكثر ممّا يفسّرها التحصيل الدراسي (OECD, 2025a). ويمكن ردّ إخفاق هذا الوسيط، على الرّغم من حسن نيّته، إلى ثلاثة عوامل:

– تقادُم الخريطة: يقدّم الأهل نصيحتهم استنادًا إلى سوق عملٍ عرفوه قبل ثلاثة عقود؛ وفي سوقٍ يتبدّل نحو 39% من مهاراته خلال خمس سنوات (WEF, 2025) تصير النّصيحة المبنيّة على خريطةٍ قديمة خطًأ منهجيًّا لا تقصيرًا شخصيًّا. وقد بلغت نسبة التّلاميذ الطامحين إلى المهن الفكريّة والعلميّة العليا 64%، في حين أنّ 21.1% فقط من الآباء ينتمون إلى هذه الفئة (مكّي، 2014).

– لاتكافؤ الشّبكات: القدرة على تعريف الابن بمهندسٍ أو طبيبٍ أو صاحب مشغل ليست موزَّعة بالتّساوي بين الأسر؛ ولهذا تنبّه الأدبيّات إلى أنّ على المدرسة ألّا تتّكل على الأسرة في إدارة الحوار المهني، لأنّ الاتّكال عليها يُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي بدل أن يخفّفه (OECD, 2021; OECD, 2024).

– تراتبيّة الهيبة: تحتفظ مهنٌ بعينها بمكانة رمزيّة تتجاوز واقع الطلب عليها؛ وقد بلغت نسبة الراغبين في الطبّ والهندسة والحقوق نحو 37% في العيّنة اللبنانيّة (مكّي، 2014).

ويُستخلص من 9.4 و9.5 معًا أنّ هذين الميدانين يقعان خارج ما تستطيع المقاربة الخدميّة بلوغه: فالأوّل يقتضي تدخّلًا منظَّمًا في مرحلةٍ دراسيّة بأكملها، والثاني يقتضي مكوّنًا مقرَّرًا موجَّهًا إلى الأهل؛ وكلاهما يفترض حيّزًا زمنيًّا وموارد لا توفّرهما إلّا بنية المنهج. وعليه تتحقّق الفرضيّة الرابعة.

9.6 مناقشة الفرضيّة الخامسة: منشأ الهشاشة البنيويّة: أنتجت المقاربة الخدميّة خمس هشاشات متلازمة:

– هشاشة العدد: حين لا يكون للخدمة حيّز في المنهج، لا يكون لها معيارٌ لتحديد ملاك بشري، فيصير عدد الموجّهين رقمًا تفاوضيًّا لا نتيجةَ حساب.

– هشاشة التكوين: حين تكون الوظيفة تكليفًا لا اختصاصًا، ينتفي المبرّر لاشتراط تكوينٍ مسبق أو مستمرّ، فيتحوّل التّوجيه إلى نصيحة عامّة بدل ممارسةٍ مبنيّة على أدوات ومعطيات.

– هشاشة البرامج والأدوات: حين لا يكون هناك منهاج، لا يكون هناك مضمون معتمَد ولا موارد مقرَّرة، فيلجأ الممارسون إلى ما تيسّر من برامج جهاتٍ خاصة من دون تدقيق أو مواءمة.

– هشاشة المعلومة: يقوم التّوجيه كلّه على معلومات محدَّثة عن الاختصاصات وسوق العمل؛ وفي غياب قاعدة بيانات وطنية وتقارير دورية، يُطلب إلى الموجّه أن يرشد إلى طريقٍ من دون أن تُعطى له الخريطة.

– هشاشة الاستمراريّة: وهي الأخطر، إذ تبقى الخدمة القائمة على قرارات تكليف قابلة للإلغاء في أيّ لحظة مهما بلغت فاعليتها.

وهذه الهشاشات ليست أعراضًا متفرّقة تُعالَج كلٌّ منها على حدة، بل هي نتائج منطقية لخيارٍ واحد هو وضع التّوجيه خارج المنهج؛ ومن ثمّ فإنّ الحلّ لا يكون بزيادة عدد الموجّهين وحدها ولا بشراء برنامج إلكتروني، بل بتغيير موقع التّوجيه في البنية. وعليه تتحقّق الفرضية الخامسة.

الجدول (4): المقاربة الخدميّة والمقاربة المنهجيّة — مقارنة بنيويّة

وجه المقارنة التّوجيه بوصفه خدمة التّوجيه بوصفه مجالاً في المنهج
السند قرار تكليف إداري نصّ في المنهاج والمصفوفة
الحيّز الزمني ما تسمح به الإدارة حصص مقرَّرة ومحميّة
المضمون مبادرات فردية ومصادر متفرّقة كفايات ومخرّجات وموارد معتمدة
الفاعل موجّه مُكلَّف موجّه مختصّ + المعلّمون كافّة
التقويم غائب غالباً مؤشّرات أداء ومتابعة دورية
الاستمرارية رهن القرار الإداري محميّة بدورة إصلاح المناهج
التغطية المدارس التي يمكن بلوغها كلّ متعلّم بوصفه صاحب حقّ
  1. التصوّر المقترح: التّوجيه المهني مجالًا مستعرِضًا

لا يقترح البحث مادّةً دراسيّة جديدة تُضاف إلى جدولٍ مكتظّ، ولا كتابًا يُحفظ ويُمتحَن فيه، بل مجالًا مستعرِضًا يتوزّع بين حيّزٍ زمني مخصَّص وإدماجٍ في المواد القائمة، ويقوم على خمسة مبادئ.

10.1 المبادئ الخمسة

– مبدأ التدرّج الرأسي: يبدأ التّوجيه مبكرًا ويتدرّج، ولا يُختصر بحصّةٍ قبل امتحان الشّهادة.

– مبدأ الإدماج الأفقي: أن يُلزَم مؤلّفو المناهج بتضمين كلّ مادّة روابط صريحة بالمسارات المهنيّة المتّصلة بها، فيصير سؤال «إلى أين يقودني هذا الدرس؟» جزءًا من الدّرس لا سؤالًا يُطرح خارجه.

– مبدأ الاحتكاك بالواقع: أن يكون لكلّ متعلّم في كلّ مرحلة حدٌّ أدنى مضمون من اللقاءات مع ممارسي المهن، ومن الزيارات إلى أماكن العمل، ومن اللقاءات مع مؤسسات التعليم العالي والتعليم المهني والتقني على قدم المساواة.

– مبدأ الإرشاد الشّخصي: أن يكون لكلّ متعلّم الحقّ في مقابلة توجيه فردية واحدة على الأقلّ في نهاية الحلقة الثالثة وأخرى في المرحلة الثانوية، يجريها مختصّ مؤهَّل.

– مبدأ المعلومة الموثوقة: أن يُبنى المجال على قاعدة بيانات وطنيّة محدَّثة للاختصاصات والمهن وحاجات السوق، تكون في متناول المتعلّم وأهله والمعلّم.

10.2 مصفوفة الكفايات المقترحة: يقدّم الجدول (5) تصوّرًا أوّليًّا لتوزيع كفايات المجال على المراحل، صيغ بلغة الكفايات لا بلغة المضامين ليكون قابلًا للإدراج مباشرةً في مصفوفة المدى والتتابع.

الجدول (5): مصفوفة مقترحة لكفايات التّوجيه المهني بحسب المراحل

المرحلة الكفاية المحورية مؤشّرات أداء مقترحة
الحلقة الثانية من التعليم الأساسي أن يتعرّف المتعلّم إلى ميوله ونقاط قوّته وإلى تنوّع المهن في محيطه يصف مهناً في بيئته ويربطها بحاجات المجتمع؛ يعبّر عن أنشطة يجيدها؛ يميّز بين المهن من دون تراتب قِيَمي.
الحلقة الثالثة (وصولاً إلى الصف التاسع) أن يربط المتعلّم بين قدراته ومسارات التعليم المتاحة، ويستخدم معلومات موثوقة يقيّم مصدر معلومة عن اختصاص أو مهنة؛ يقارن بين المسار الأكاديمي والمسار المهني والتقني؛ يجري لقاءً موجَّهاً مع ممارس مهنة.
الصفّان الأول والثاني الثانويان أن يبني المتعلّم مشروعه الشخصي ويختبر واقعيته يصوغ خطة أوّلية بأهداف ومسارات بديلة؛ يشارك في زيارة ميدانية؛ يعلّل اختيار الفرع الثانوي بمعايير معلَنة.
الصف الثالث الثانوي أن يتّخذ المتعلّم قراراً مهنياً معلَّلاً ويخطّط لتنفيذه يوازن بين الميل والقدرة وحاجة السوق؛ يعدّ ملفّ ترشّح وسيرة ذاتية أوّلية؛ يجري مقابلة توجيه فردية ويوثّق خلاصتها.
مستعرِض عبر المراحل أن يطوّر المتعلّم مهارات إدارة المسار مدى الحياة يتعامل مع التغيير وعدم اليقين؛ يبني شبكة علاقات مهنية أوّلية؛ يميّز بين المهارات القابلة للانتقال والمهارات التخصّصية.

المصدر: إعداد الباحث، بالإفادة من OECD (2021) وGatsby Foundation (2024).

10.3 المكوّن الموجَّه إلى الأهل: يُقترح أن يتضمّن المجال مكوّنًا مقرَّرًا موجَّهًا إلى الأهل — لا نشاطًا تطوّعيًّا يُنفَّذ إن توافر الوقت — يقوم على أربعة عناصر مبيّنة في الجدول (6).

الجدول (6): مكوّنات مقترحة لبرنامج موجَّه إلى الأهل

المكوّن المضمون التوقيت والمخرَج
لقاء المسارات عرض المسارات المتاحة كافّة — الأكاديمية والمهنيّة والتقنية — ببيانات تشغيل ودخل حقيقية لا بخطاب ترغيبي في الصفّين الثامن والتاسع لا في الثالث الثانوي؛ المخرَج: أن يعرف الأهل الخيارات قبل أن يُغلَق بعضها
دليل الأهل نشرة أو بوّابة رقمية بلغة مبسّطة عن الاختصاصات وشروط الانتساب وحاجات السوق متاح على مدار السنة؛ المخرَج: مصدر موثوق يحلّ محلّ الشائعة
مهارة الحوار المهني تدريب قصير على الأسئلة التي تُطرح على الابن بدل الأجوبة التي تُملى عليه ورشة في كلّ حلقة؛ المخرَج: حوار منزلي منظَّم
الأهل مورداً استثمار مهن الأهل أنفسهم: كلّ وليّ أمر ممارسٍ لمهنة هو مصدر مقابلة مهنية لصفّ ابنه على مدار السنة؛ المخرَج: شبكة مهنية مدرسية يستفيد منها التلاميذ كافّة

ويستحقّ العنصر الرابع وقفة، لأنّه يعالج مشكلة لاتكافؤ الشّبكات بأدواتها نفسها: فحين يصير أهلُ تلميذٍ واحد موردًا لصفٍّ بكامله، يتحوّل رأس المال العلائقي من امتيازٍ فردي إلى مورد مشترك، بكلفةٍ تكاد تكون معدومة.

  1. شروط النّجاح ومخاطر التطبيق

إدراج التّوجيه المهني في المنهج شرطٌ ضروري لكنّه غير كافٍ، وثمّة أربعة مخاطر يجدر التحسّب لها:

– خطر التمدرُس: أن يتحوّل المجال إلى مادّة نظريّة تُحفظ فيها تعريفات المهن، فيُفرَغ من مضمونه لأنّ جوهره الاختبار والاحتكاك لا الاستظهار. والوقاية بجعل التقويم قائمًا على إنجازٍ ملموس — مشروع شخصي، ملفّ إنجاز، تقرير زيارة — لا على علامة امتحان.

– خطر النصّ من دون موارد: أن يُكتب المجال في المنهاج ثمّ لا تُخصَّص له حصص ولا كوادر ولا موازنة. والوقاية بربط إقراره بخطّة موارد معلَنة ومجدولة.

– خطر التّكوين المفقود: أن يُكلَّف بالمجال معلّمون من دون تأهيل. والوقاية باشتراط اجتياز تكوينٍ معتمد قبل المباشرة، وبإرساء تكوين مستمرّ، وبفصل دور «الموجّه المختصّ» عن دور «المعلّم المُدمِج».

– خطر معيار التقويم الخاطئ: أن يُقاس نجاح المكوّن الموجَّه إلى الأهل برضاهم عن خيار أبنائهم بدل أن يُقاس بقدرة الابن على تعليل خياره بمعايير معلَنة.

ويُضاف شرطٌ حوكميّ: أن تُسنَد إلى جهةٍ واحدة مسؤوليّة قيادة المجال ومتابعته وتقويمه دوريًّا، وأن يُنشر تقرير سنوي عن حالة التّوجيه المهني في المدارس بمؤشّرات قابلة للمقارنة. فما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُنشَر لا يُحاسَب عليه أحد.

  1. الخلاصة والتوصيات: خلص البحث إلى تحقّق فرضياته الخمس: فخيارات المتعلّمين المهنيّة، في غياب تدخّلٍ منظَّم، ضيّقة ومرتبكة ومنفصلة عن بنية الطلب؛ وتحوّلات سوق العمل عالميًّا واختلاله لبنانيًّا تجعل الحاجة إلى التّوجيه عاجلة، فيما تتيح ورشة المناهج نافذة فرصة؛ ولأثر التّوجيه المهني قابلية للقياس ومقدارٌ مرتفع قياساً بضآلة الاستثمار؛ ويعجز التّوجيه في صيغته الخدميّة عن معالجة ملفَّي التعليم المهني والتّقني ودور الأسرة؛ وتنتج هشاشاته البنيويّة من موقعه خارج المنهج لا من قصور الأداء الفردي.

والكلفة الحقيقيّة لغياب التّوجيه المهني لا تُقاس بالإنفاق الموفَّر بل بالهدر: هدرٌ في الطاقات حين يُساق المتعلّم إلى مسارٍ لا يلائمه؛ وهدرٌ في المال العام حين تموّل الدولة تكوينًا لا يجد له سوقًا؛ وهدرٌ في الرّصيد الوطني حين تدفع بطالةُ الخرّيجين بهم إلى الهجرة، فتتحوّل بدورها إلى عاملٍ من عوامل ضعف الإقبال على التعليم. وهكذا تُغلَق الحلقة: تعليمٌ لا يقود إلى عمل، وعملٌ لا يجد كفاءات، ومجتمعٌ يفقد شبابه.

وفي ضوء ذلك يوصي البحث بما يأتي:

– إدراج التّوجيه المهني في مصفوفة المدى والتتابع للمناهج الجديدة بوصفه مجالًا مستعرِضًا له كفايات ومؤشّرات أداء ومخرّجات قابلة للقياس، لا نشاطًا موازيًا.

– تخصيص حيّز زمني ثابت ومحميّ للمجال في المرحلتين المتوسّطة والثانوية، وتضمينه الجدول الرسمي.

– إلزام مؤلّفي المناهج بتضمين كلّ مادّة روابط صريحة بالمسارات المهنيّة والاختصاصات المتّصلة بها.

– إرساء تدخّل توجيهي منظَّم في الصف التّاسع الأساسي يعرض المسار المهني والتّقني بوصفه خيارًا أوّليًّا موجبًا، بالتّوازي مع إصلاحٍ تصميميّ يفتح جسور العبور من هذا المسار إلى التعليم العالي ويوسّع التعلّم في مكان العمل.

– إدراج مكوّن مقرَّر موجَّه إلى الأهل، يبدأ في الصفّين الثامن والتّاسع، ويستثمر مهن الأهل أنفسهم بوصفها شبكة مهنيّة مدرسيّة.

– اشتراط اجتياز تكوين معتمد قبل مباشرة أيّ مكلَّف مهامّه، وإرساء تكوين مستمرّ، وضمان استمراريّة الفريق بنصٍّ تنظيمي يربطه بالمنهج لا بقرارات التّكليف الظرفيّة.

– إنشاء قاعدة بيانات وطنية للاختصاصات والمهن، وإلزام الجهات المعنيّة بإصدار تقارير دوريّة عن حاجات سوق العمل.

– نشر تقرير سنوي عن حالة التّوجيه المهني في المدارس بمؤشّرات قابلة للمقارنة.

وبعبارةٍ واحدة: لن يكون التّوجيه المهني فاعلاً في مسيرة المتعلّم ما لم يصبح جزءاً من مسيرة المنهج نفسه.

المصادر والمراجع

  • وفق نظام جمعية علم النفس الأميركية APA – الإصدار السابع، مرتّبة هجائيًّا

أوّلًا: المراجع العربية

  • أيوب، ف. (1999). التّوجيه الدراسي والمهني وتلاميذ التعليم الثانوي في لبنان. المركز التّربوي للبحوث والإنماء.
  • الجضم، و. (2002). التّوجيه الدراسي والمهني للتلميذ اللبناني في نهاية المرحلة المتوسّطة في قضاء كسروان [رسالة ماجستير غير منشورة]. الجامعة اللبنانيّة، كلية التربية.
  • الخطيب، ص. أ. (2009). الإرشاد النفسي في المدرسة: أسسه ونظرياته (ط. 3). دار الكتاب الجامعي.
  • الديوبي، ع. س. (2000). المدخل إلى التّوجيه والإرشاد المهني (ط. 1). المركز العربي للتدريب المهني وإعداد المدرّبين.
  • شديد، ك. (2008). المخطّط المهني الشخصي للتلميذ في مرحلة التعليم الثانوي في لبنان [رسالة ماجستير غير منشورة]. الجامعة اللبنانيّة، كلية التربية.
  • المركز التّربوي للبحوث والإنماء. (د. ت.). الإحصاء التّربوي الشامل: مؤشّرات التعليم في لبنان. المركز التّربوي للبحوث والإنماء.
  • المركز التّربوي للبحوث والإنماء. (2022). الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي. المركز التّربوي للبحوث والإنماء.
  • المعشني، أ. (2001). خدمات الإرشاد النفسي والتّوجيه المهني في سلطنة عُمان [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة القدّيس يوسف، معهد الآداب الشرقية.
  • مكّي، ع. ر. إ. (2014). واقع التّوجيه المهني في لبنان ودوره في مساعدة تلاميذ الصف الثالث الثانوي على اختيار مهنة المستقبل [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة القدّيس يوسف، معهد الآداب الشرقية.
  • وزارة التربية والتعليم العالي. (2018). الإطار الاستراتيجي الوطني للتعليم والتدريب المهني والتقني في لبنان 2018–2022. وزارة التربية والتعليم العالي.

ثانيًا: المراجع الأجنبيّة

-12Gatsby Foundation. (2024). Good career guidance: The next ten years. The Gatsby Charitable Foundation.

-13Gysbers, N. C., & Henderson, P. (1994). Developing and managing your school guidance program (2nd ed.). American Counseling Association.

-14Holman, J. (2014). Good career guidance. The Gatsby Charitable Foundation.

-15International Labour Organization. (2019). Labour force and household living conditions survey (LFHLCS) in Lebanon 2018–2019. ILO Regional Office for Arab States.

-16International Labour Organization, & Central Administration of Statistics. (2022). Lebanon follow-up labour force survey – January 2022. ILO Regional Office for Arab States.

-17OECD. (2021). Indicators of teenage career readiness: Guidance for policy makers (OECD Education Policy Perspectives No. 43). OECD Publishing.

-18OECD. (2024). Career guidance, social inequality and social mobility (OECD Education Policy Perspectives). OECD Publishing.

-19OECD. (2025a). The state of global teenage career preparation. OECD Publishing.

-20OECD. (2025b). Education at a glance 2025: OECD indicators. OECD Publishing.

-21World Economic Forum. (2025). The future of jobs report 2025. World Economic Forum.

[1]– موجِّه مهني – مديريّة الإرشاد والتّوجيه، وزارة التّربية والتّعليم العالي، بيروت-لبنان

Career Advisor – Directorate of Guidance and Counseling, Ministry of Education and Higher Education, Lebanon.Email: abdelmakki679@gmail.com

[2]– لمّا كان البحث نظريًّا تحليليًّا لا تجريبيًّا، فإنّ «الفرضيات» ترد هنا بمعناها المنطقي بوصفها قضايا يجري اختبار صحّتها في ضوء الأدلّة الوثائقيّة والبيانات الثانويّة، لا بمعناها الإحصائي القائم على اختبار الدّلالة. وهذا الاستعمال شائع ومقبول في الدّراسات التّربويّة التّحليليّة.

[3]– تُستعمل في الأدبيات الأنغلوساكسونيّة عبارة جامعة هي Careers Education, Information, Advice and Guidance (CEIAG)، وتقابلها في الأدبيات الفرنكوفونية l’orientation scolaire et professionnelle. وقد اعتُمد في هذا البحث تعبير «التوجيه المهني» بمعناه الواسع الشامل للتربية على المسار المهني، لا بمعناه الضيّق المقتصر على النّصيحة عند لحظة الاختيار.

[4]– لا تُقرأ هذه الأرقام بوصفها إدانةً للتعليم الجامعي في ذاته، بل بوصفها مؤشّراً على اختلال التوزّع بين الاختصاصات وحاجات الاقتصاد، وعلى ضعف الجاذبية المزمن للتعليم المهني والتقني، وهي مسألة تناولها الإطار الاستراتيجي الوطني للتعليم والتدريب المهني والتقني (وزارة التربية والتعليم العالي، 2018).

[5]– لا يُقترح استنساخ هذا الإطار، فهو وليد سياق مؤسّسي وموارد مختلفة، كما أنّ الارتباط المرصود بين تحقّق المعايير وانخفاض نسبة NEET لا يُقرأ بالضرورة قراءةً سببية. وإنّما يُستفاد منه في أمرين قابلين للنقل: تحويل «التوجيه الجيّد» إلى معايير محدَّدة قابلة للقياس، وإبقاء هذه المعايير مستقرّة زمنًا كافيًا ليتراكم التحسّن.

[6]– تتبدّل هذه النسب من سنة إلى أخرى تبعًا لتقلّبات التسجيل، ولا سيّما بعد سنة 2019؛ ويُنصح بتثبيت الرّقم عند النّشر بالرجوع إلى أحدث نشرة إحصائية صادرة عن المركز التّربوي للبحوث والإنماء. علمًا أنّ المقارنة السّليمة منهجيًّا بين التّعليمين العام والمهني تكون على المستوى الثانوي، أي بعد الشهادة المتوسّطة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.