زيارة الأربعين وأثرها في تعزيز الصّحّة النّفسية في عصر التحوّل الرّقمي مقاربة في علم النّفس الإيجابي
عنوان البحث: زيارة الأربعين وأثرها في تعزيز الصّحّة النّفسية في عصر التحوّل الرّقمي مقاربة في علم النّفس الإيجابي
اسم الكاتب: د. فاطمة مصطفى دقماق
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
زيارة الأربعين وأثرها في تعزيز الصّحّة النّفسية في عصر التحوّل الرّقمي
مقاربة في علم النّفس الإيجابي
The Arbaeen Pilgrimage and Its Role in Promoting Mental Health in the Era of Digital Transformation: A Positive Psychology Perspective
Dr. Fatima Mustafa Dikmak د. فاطمة مصطفى دقماق([1])
تاريخ الإرسال:20-7- 2026 تاريخ القبول:2-8-2026
الملخّص turnitin:3%
تُمثّل زيارة الأربعين ظاهرة حضاريّة إنسانيّة فريدة، كونها تتجاوز البعد الدِّيني لتشمل العديد من الأبعاد المتكاملة، كما أنّها تُوفّر مساحة سانحة لممارسات اجتماعية تُسهم في تلقّي خبرات إنسانيّة جمعيّة غنيّة بالمعنى، وداعمة في تعزيز الصّحّة النّفسية الفرديّة والجماعيّة، لا سيّما في ظلّ التحوّل الرّقمي المُتسارع وما ينتج عنه من تداعيات على المستوى النّفسي والاجتماعي لا بدّ من التوقّف عندها، إذ إنّ هذا التحوّل قد أحدث ما يُشبه الطوفان الرّقمي المعرفي، وعلى الرّغم من الإيجابيّات التي نتجت عنه على مستوى تسهيل التواصل والحصول على المعارف المتنوعة، إلّا أنّ ذلك قد أفرز الكثير من السّلبيات بشكل خاص على مستوى زيادة العزلة النّفسية والتفكّك في الرّوابط الاجتماعيّة.
من منظور علم النّفس الإيجابي، تُجسّد زيارة الأربعين منظومة متكاملة من القِيم الدّاعمة للرّفاه النّفسي، مثل المعنى، والانتماء، والتكافل، والإيثار، والمرونة النّفسيّة. وهي بذلك تبرز كمحطّة مهمّة وداعمة للتّعافي الداخلي، كونها تُسهم في إعادة توازن الفرد مع ذاته ومع الآخرين، كما أنّها تُقدّم نموذجًا حضاريًا يُسهم في الحدّ من ضغوط العصر الرّقمي من خلال خبرة جماعية غنية بالمعنى والدعم الاجتماعي الواقعي .
يهدف هذا البحث إلى دراسة زيارة الأربعين بوصفها ظاهرة حضاريّة ذات أبعاد نفسيّة، اجتماعيّة مُعاصرة وداعمة للصّحّة النّفسيّة لا سيما في ظل التحوّل الرّقمي المُتسارع، وذلك من منظور علم النّفس الإيجابي، ويُعنى بالإجابة على التّساؤل الرئيس : هل من دور لزيارة الأربعين في الحدّ من الآثار النّفسية السّلبيّة للتحوّل الرّقمي المُتسارع؟
الكلمات المفتاحيّة: زيارة الأربعين، الصّحّة النّفسية، علم النّفس الإيجابي، التحوّل الرّقمي .
Summary
The Arbaeen pilgrimage represents a unique human and civilizational phenomenon, as it goes beyond the purely religious dimension to encompass multiple interconnected aspects. It also provides a valuable space for social practices that foster rich, meaningful collective human experiences and support the promotion of both individual and collective mental health.
This is particularly important in light of the rapid digital transformation and its psychological and social consequences, which call for careful reflection. This transformation has created something similar to a vast digital flood of information; despite its benefits in facilitating communication and access to diverse knowledge, it has also generated many negative effects – especially an increase in psychological isolation and a fragmentation of social bonds.
From the perspective of positive psychology, the Arbaeen pilgrimage reflects an integrated system of values that support psychological well-being, such as meaning, belonging, solidarity, altruism, and psychological resilience. So it stands out as an important and supportive station for inner recovery, as it helps restore balance between the individual and themselves as well as with others. It also presents a civilizational model that contributes to increasing the pressures of the digital age through a collective experience rich in meaning and real social support.
This study aims to examine the Arbaeen pilgrimage as a civilizational phenomenon with psychological and contemporary social dimensions that support mental health, particularly in light of the rapid digital transformation, from the perspective of positive psychology.
The study also seeks to address the main question: Does the Arbaeen pilgrimage play a role in reducing the negative psychological effects of rapid digital transformation?
Key words: Arbaeen pilgrimage , psychological health , positive psychology , digital transformation.

مقدّمة
لقد أدّى التطوّر المُتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرّقمي، إلى إحداث تغيّرات وتحوّلات عميقة وجوهريّة في بُنية المجتمعات والمجالات المختلفة، ومن بينها مجالات الصّحّة النّفسيّة التي تُعدّ غاية في الأهمّيّة على مستوى رفاهية الأفراد والمجتمعات.
وقد نتج عن هذا التقدّم الذي شهده العالم الافتراضي، تسهيلات لا بدّ من الاعتراف فيها على المستويات كافة، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي، عنصرًا أساسيًا ومدخلّا لا بدّ منه في مجالات الحياة البشريّة المختلفة، العلميّة والصّحيّة والاجتماعيّة والتّربويّة، وقد أصبحت تقنيات هذا الذّكاء جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة بكل تفاصيلها. في الوقت نفسه، نجد أنّ هذا التطوّر يترافق مع تحدّيات وسلبيّات لا يُمكن أن نَغفل عنها، لا سيّما على مستوى الاستخدام المُفرط وغير المُنضبط لتقنيّات الذكاء الاصطناعي، والذي من شأنه أن يترك آثارًا سلبيّة على مستوى الصّحّة النّفسيّة، إن على مستوى زيادة العزلة الاجتماعيّة وتراجع جودة العلاقات الإنسانيّة، أم على مستوى ارتفاع مستويات القلق والضغوط النّفسيّة الناتجة عن المقارنات الاجتماعيّة، وغير ذلك من النواتج التي تُعدّ ضارّة بالصّحّة النّفسيّة والتوازن الداخلي.
من جهة أخرى، تشكّل زيارة الأربعين محطّة كونيّة قد باتت تشغل العالم بأسره، إذ تجتمع خلال هذه الظاهرة الاستثنائيّة حشود مليونيّة تتوافد من دول عدة لإحياء الذكرى، تلتقي وتتعارف، تتواصل وتتجانس على الارتباط بقضيّة مشتركة ونهج واحد، وما لذلك من أثر إيجابي بارز على مستوى تمتين الروابط وتعزيز الانتماء فيما بينهم . من وجهة نظر علم النّفس الإيجابي، تجسّد زيارة الأربعين منظومة متكاملة من القِيم الدّاعمة للرّفاه النّفسي، إضافة إلى كونها تُقدّم نموذجًا حضاريًا يُسهم في الحدّ من ضغوط العصر الرّقمي، وذلك من خلال تفعيل التّواصل الإنساني الأصيل الذي تُتيحه، والمشاركات الاجتماعيّة والتطوّعيّة المختلفة خلالها، وما لذلك من أثر إيجابي على مستوى الصّحّة النّفسية الفرديّة والمجتمعيّة، هذا مُضافًا إلى عُمق المعنى والغرض الذي يتجلّى في مفهوم الزيارة الأربعينيّة والذي يتجاوز الجوانب الماديّة، إلى الانغماس والانصهار في نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي ذلك تجسيد لأعلى درجات المعنى في الحياة .
الإشكاليّة: تنطلق الدّراسة من إشكالية تتمثّل في البحث عن قدرة الممارسات الجماعيّة ذات الطابع القِيمي والروحي في دعم الرفاه النّفسي، وتعزيز الصّحّة النّفسيّة، إضافة إلى مواجهة مظاهر العزلة والاغتراب النّفسي المرتبطة بالاعتماد المُفرط على الوسائط الرّقميّة.
وتتمحور إشكاليّة البحث حول التساؤل الآتي: هل من دور لزيارة الأربعين في الحدّ من الآثار النّفسية السّلبيّة للتحوّل الرّقمي المُتسارع؟
أهميّة البحث: تبرز أهمّية البحث في كونه يُسلّط الضوء على أهمّيّة زيارة الأربعين كمحطّة حضاريّة معزّزة للرّفاه والصّحّة النّفسيّة، انطلاقًا من كونها مساحة للتلاقي والتّواصل الحقيقي والأصيل فيما بين الأفراد، كما تبرز أهميّته في كونه يُضيء على سلبيات التحوّل الرّقمي المُتسارع على مستوى الصّحّة النّفسية .
فرضيّة البحث: تفترض الدراسة أن زيارة الأربعين تمثّل تجربة روحيّة واجتماعيّة، تُسهم في الحدّ من الآثار النّفسيّة السّلبيّة للتحوّل الرّقمي المُتسارع، من خلال تعزيز مؤشّرات الصّحّة النّفسيّة التي يؤكّدها علم النّفس الإيجابي، مثل الشعور بالمعنى، والطمأنينة، والانتماء، والمرونة النّفسيّة.
الهدف من البحث: يهدف هذا البحث إلى دراسة زيارة الأربعين بوصفها ظاهرة حضاريّة ذات أبعاد نفسية، اجتماعيّة معاصرة – إضافة إلى شموليّتها لأبعاد متعدّدة أخرى- مع الإضاءة على دورها في تعزيز الصّحّة النّفسيّة لا سيّما في ظل التحوّل الرّقمي المُتسارع، وذلك من منظور علم النّفس الإيجابي. إذ إنّ الزِّيارة الأربعينيّة تبرز كنموذج تطبيقي للرّفاه النّفسي القائم على التّفاعل الإنساني المباشر، والقادر على الحدّ من الآثار النّفسيّة السّلبيّة للتحوّل الرّقمي.
الدّراسات السّابقة
- في دراسة أجراها حسين، علاء عبد الخالق (2025) بعنوان: دور زيارة الأربعين في تعزيز الصّحّة النّفسية والاجتماعيّة للمشاركين، هدفت إلى التعرّف إلى أثر المشاركة في زيارة الأربعين في الصّحّة النّفسية والاجتماعيّة للزائرين. اعتمدت الدّراسة المنهج المختلط، وشملت عينة من (500) مشارك، إضافة إلى مقابلات مع (50) مشاركًا. وقد أظهرت النّتائج أن المشاركة في الزيارة ارتبطت بارتفاع الشّعور بالطمأنينة والسّكينة النّفسيّة، وانخفاض مستويات القلق والتوتّر، إضافة إلى زيادة الدّعم الاجتماعي والإحساس بالانتماء ومعنى الحياة.
- كما أُجريت دراسة بعنوان: The Impact of Arbaeen Long-Walk on the Health of Pilgrims (2025)، ونُشرت في مجلة Health Science Reports، بهدف استكشاف الآثار الصّحيّة والنّفسية لمسيرة الأربعين لدى المشاركين، واعتمدت على إجراء مقابلات مع عدد من الزائرين. وقد أظهرت النّتائج أنّ المشاركة في المسيرة أسهمت في تعزيز الشّعور براحة النّفس والطمأنينة، وخفض مستويات القلق والغضب والتوتر، إضافة إلى تحسين المزاج، وتقليل الشّعور بالوحدة، إلى جانب تعزيز الصّمود النّفسي، والثّقة بالنّفس، والانتماء الجماعي.
- وفي دراسة أجرتها الباحثتان دقماق، فاطمة وجابر، مريم (2025) بعنوان : التطوّع لخدمة زوار الأربعين وأثره في الصّحّة النّفسية، المضايف الحسينية اللبنانية أُنموذجًا، هدفت الدّراسة إلى تبيان أثر العمل التطوعي في المضايف الحسينيّة، على مستوى الصّحّة النّفسية لدى الأفراد المتطوّعين، وذلك من خلال دراسة ميدانيّة تعتمد على تقنية المقابلة الفرديّة، وقد خَلُصت إلى أبرز النّتائج : أنّ العمل التطوّعي في زيارة الأربعين يُسهم في رفع الشّعور بالانتماء والرّضا النّفسي، كما يُساعد في تنمية الصّمود النّفسي والقدرة على تحمّل الضغوط، إضافة إلى تعزيز العلاقات الاجتماعيّة والشّعور بقيمة الذات لدى المتطوّعين.
- كما قد توصلت دراسة Craig وآخرين (Craig et al., 2021)، بعنون : الروحانية، المعنى في الحياة، والدّعم الاجتماعي، والتي هدفت إلى استقصاء العلاقة بين الروحانيّة والصّحّة النّفسيّة، إلى أنّ تأثير الرّوحانيّة في تحسين الصّحّة النّفسيّة يتوسطه كل من المعنى في الحياة، والدّعم الاجتماعي، وتقدير الذات.
يتّضح من الدّراسات السّابقة أنّها قد أكّدت وجود أثر إيجابي لزيارة الأربعين بشكل خاص، وللمارسات الدِّينية بشكل عام، في تعزيز الصّحّة النّفسيّة من خلال خفض مستويات القلق والتوتّر، وتعزيز الطمأنينة، والصّمود النّفسي، والدّعم الاجتماعي، والشّعور بالانتماء ومعنى الحياة. وتُفيد هذه الدّراسات في تأكيد العلاقة بين زيارة الأربعين وتعزيز مؤشّرات الصّحّة النّفسية. إلّا أنّها لم تتناول الأثر لزيارة الأربعين على مستوى الصّحّة النّفسية، في عصر التحوّل الرّقمي، وهو ما يسعى البحث الحالي إلى معالجته .
المنهج المعتمد: اعتمد البحث المنهج الوصفي– التحليلي من خلال وصف وتحليل تأثيرات التحوّل الرّقمي على الصّحّة النّفسية، وكذلك تحليل الأدبيّات النّفسيّة المعاصرة ذات الصلة بعلم النّفس الإيجابي، ولا سيّما مفاهيم المعنى في الحياة، الرفاه، والمرونة النّفسية، ودور زيارة الأربعين في تعزيزها.
المحور الأول : الصّحّة النّفسية في عصر التحوّل الرّقمي
تحتلّ الصّحّة النّفسية مكانةً مهمّةً على مستوى الأولويات المرتبطة بصحة الأفراد، و هي لا تقلّ أهمّيّة عن الصّحّة الجسديّة العامة، إذ إنّها تشكّل ركيزة أساسية في بناء شخصية مُتوازنة وقادرة على التكيّف الإيجابي مع كافة الضغوط.
اشتمل هذا المحور على العناوين الآتية :
- مفهوم الصّحّة النّفسية وأهميّتها : يوجد العديد من النظريّات المفسّرة للصّحّة النّفسيّة، منها نظريّة التحليل النّفسي والنّظريّة السّلوكيّة ونظريّة الحاجات الإنسانيّة وغيرها، كما قد تعدّدت التّعريفات التي اهتمت بمفهوم الصّحّة النّفسية، ومنها :
- تعريف منظّمة الصّحّة العالمية، إذ تُعرّف الصّحّة النّفسيّة أنها: “حالة من الرّفاه يتمكّن فيها الفرد من إدراك قدراته، والتّعامل مع ضغوط الحياة، والعمل بشكل مُنتج، والمساهمة في مجتمعه” 7) (WHO, 2023,P.
- أمّا الجمعيّة الأمريكيّة لعلم النّفس (APA)، فتعدُّ أنّ الصّحّة النّفسيّة هي
“حالة من العقل تتميّز بالرّفاه العاطفي، والتكيّف السّلوكي الجيد، بدرجة نسبية من الحريّة من القلق والأعراض المعطِّلة، والقدرة على إقامة علاقات بنّاءة ومواجهة الضغوط العادية”
)American Psychological Association (
- كما تُعرَّف الصّحّة النّفسية أنّها “حالة التكيُّف والتوافق واالانتصار على الظروف، والمواقف التي يعيشها الشخص في سلام حقيقي مع نفسه وبيئته والعالم من حوله” (بطرس،2008، ص. 64) .
وأمّا عن أهمّية الصّحّة النّفسية فهي تُعدّ أحد الأبعاد الأساسيّة للصحة العامة، وقد تفوق بالأهمية جوانب الصّحّة الجسديّة، لا سيّما مع تزايد ضغوط الحياة المختلفة نتيجة التغيُّرات الاجتماعيّة والتكنولوجية، وكذلك الأمنية، وما لها من تأثير على السّلام الداخلي وتوازن الصّحّة النّفسية. كما أنّ الصّحّة النّفسيّة تتجاوز مفهوم غياب المرض النّفسي لتشمل الرّفاه النّفسي العام، والتمتُّع بالسّعادة وحسن الحال، وكذلك امتلاك المرونة النّفسيّة والقدرة على التكيُّف مع ضغوط الحياة .
ويُمكننا تحديد أهمية الصّحّة النّفسية على مستويين:
1.1.على مستوى الفرد: نرى أنّ الصّحّة النّفسيّة الجيدة تُسهم في تعزيز المرونة النّفسيّة، والقدرة على مواجهة الصدمات (Bonanno, 2004,P.22–24) ، ويُمكننا تلخيص أهمّيّة الصّحّة النّفسيّة على مستوى الفرد بالآتي :
– المساهمة في زيادة نشاط الفرد وقدرته على الإنتاج.
– تطوير قدرة الفرد على مواجهة الشدائد والأزمات وزيادة القدرة على التعامل معها من دون انكسار.
– المساعدة في اتخاذ القرارات المناسبة بسهولة .
– المساهمة في إبعاد الفرد عن التّناقضات في سلوكه .
– زيادة قدرة الفرد على ضبط انفعالاته ورغباته بما يحقّق له التّوازن في السّلوك.
– تحسين جودة الحياة العامة.
– المساهمة في الوقاية من الأمراض على اختلافها.
- على مستوى المجتمع
تؤكّد تقارير منظّمة الصّحّة العالمية أنّ تعزيز الصّحّة النّفسيّة ينعكس إيجابًا على الإنتاجيّة الاقتصاديّة والاستقرار الاجتماعي (WHO, 2022,P.3–5) كما تبيّن الدّراسات أن المجتمعات ذات المستويات العليا من الصّحّة النّفسيّة تتمتّع بتماسك اجتماعي أكبر وانخفاض في معدّلات العنف (Putnam, 2000,P. 326–328).
ويُمكننا تلخيص أهمّيّة الصّحّة النّفسيّة بالنسبة إلى المجتمع بما يلي :
– تُعدّ الصّحّة النّفسيّة عنصرًا مهمًا في تحقيق التكيُّف الاجتماعي.
– تُساعد الفرد في زيادة قدرته على تقبُّل الاختلاف في المحيط الاجتماعي .
– تُساهم في زيادة إنتاج المجتمعات .
– تُساهم بشكل إيجابي في تفعيل الدافعية للتعلُّم والعمل وكلّ ما فيه مصلحة المجتمع وتطويره .
– المساهمة في بناء أُسر مستقرّة، وهي أساس البناء الاجتماعي السليم (الموصلي،2007، ص.22).
- التحوّل الرّقمي وتحدّياته على مستوى الصّحّة النّفسية
لقد أدّى التطوّر التكنولوجي إلى إحداث تحوّلات عميقة وجوهرية في بُنية المجتمعات، وإلى إحداث تغيّرات سريعة في المجالات المختلفة، ومن بينها مجالات الصّحّة النّفسيّة، إذ إنّ التحوّل الرّقمي المُتسارع وما نتج عنه من تقنيات الذّكاء الاصطناعي المختلفة، قد بات يشكّل عنصرًا أساسيًا في تطوير أنظمة وبرامح رعاية الصّحّة النّفسية، وعلى الرّغم من الإيجابيّات التي نتجت عن هذا التحوّل الرّقمي على مستوى تسهيل وصول المعارف المختلفة وتطويرها وسهولة استخدامها، فإنّ ذلك قد ترافق مع تحدّيات لا يُمكن أن نَغفل عنها، وسلبيّات قد نتجت لا سيّما على مستوى الاستخدام المُفرط وغير المُنضبط لتقنيّات الذّكاء الاصطناعي، والذي من شأنه أن يترك آثارًا سلبيّة على مستوى الصّحّة النّفسيّة. وسنعرض جملة منها :
- التوتّر الناتج عن التغيّرات التكنولوجيّة المُتسارعة
قد يؤدّي التحوّل الرّقمي والتطوّر السريع لتقنيّات الذكاء الاصطناعي إلى توتّر لدى الأفراد الذين يشعرون بالقلق، والخوف من فقدان وظائفهم لصالح الآلات الذّكيّة، أو لعدم قدرتهم على مواكبة التطوّرات السّريعة في ميدان التكنولوجيا. هذا النّوع من القلق قد يؤثر على الصّحّة النّفسيّة، ويزيد من احتمال الإصابة ببعض الاضطرابات.
- الضغط النّفسي الناتج عن المقارنات الاجتماعيّة
يلجأ الأفراد إلى مقارنة حياتهم الواقعيّة بما يشاهدونه من “حياة مثالية” لدى الآخرين على المنصات الرّقميّة وأدوات الذكاء الاصطناعي، وما ينتج عن ذلك من شعور بالنقص وتدنٍّ في تقدير الذات، إضافة إلى الشّعور بعدم الكفاءة الذاتيّة.
- الضّغط الناتج عن السعي نحو القبول الاجتماعي من خلال الهُويّة الرّقميّة
يسعى بعض الأفراد إلى الحصول على القبول والتقدير الاجتماعي لهم على وسائل التّواصل الرّقمي، من خلال الإعجابات والتّقديرات على صفحاتهم، إلاّ أنّ ذلك يمنح الفرد إحساسًا مؤقتًا بالرضا، لكنه يجعل تقدير الذات مرتبطًا برأي الآخرين، وقد يؤدي إلى اعتماد نفسي خارجي بدلًا عن الثقة الداخلية.
- مخاطر خصوصيّة البيانات والتأثيرات السّلبيّة على الصّحّة النّفسيّة
ففي زمن التحوّل الرّقمي، ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع وتحليل البيانات الشّخصيّة، تبرز مخاوف متعلّقة بخصوصيّة البيانات وأمان المعلومات. وهذا يتنافى مع مبدأ السّريّة والخصوصيّة الذي هو مطلب أساسي في الخدمات النّفسيّة، وبالتالي فإنّ التسريبات أو سوء استخدام البيانات الشّخصيّة، قد يؤدي إلى آثار نفسية سلبية وشعور بعدم الأمان.
- تهديد الوظائف الأُسريّة واستقرارها النّفسي
لقد أدّى التغلغل المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة إلى تحوّلات عميقة في طبيعة العلاقات الأسرية، فقد باتت بعض هذه التّقنيات تؤدي أدوارًا كانت من صميم العلاقة الإنسانيّة الأصيلة داخل الأسرة، ولا سيّما في ما يتّصل بالدّعم العاطفي والتّواصل والمشاركة الوجدانيّة. فقد أصبح بعض الأفراد يلجؤون إلى المساعدات الذّكيّة، والتّطبيقات التّفاعليّة بوصفها بديلًا عن الشّريك أو أفراد الأسرة، وهذا من شأنه أن يؤدي تدريجيًا إلى فتور العلاقات الأُسريّة وتراجع الترابط العاطفي، كما أنّه يهدّد وظيفتها النّفسيّة الدّاعمة، ويؤثّر سلبًا على الاستقرار النّفسي للأسرة.
- العزلة والاغتراب النّفسي في ظل البيئة الرّقميّة
قد يؤدي الاستخدام المُفرط للتكنولوجيا وتقنيات الذّكاء الاصطناعي إلى الحدّ من التواصل الاجتماعي الأصيل، وتقليل التّفاعلات الإنسانيّة، وهذا يتنافى مع فطرة المخلوق البشري الطبيعيّة الذي هو مخلوق اجتماعي بالتكوين والفطرة. كما أن ذلك من شأنه أن يزيد من الشّعور بالعزلة الاجتماعيّة، ويؤثّر سلبًا على العلاقات الإنسانيّة بين الأفراد، كما قد يزيد من مخاطر الشعور بالوحدة والاكتئاب.
وقد أدّى هذا التحوّل المُتسارع نحو البيئة الرّقميّة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتّطبيقات الذّكيّة إلى إحداث تغيّيرات عميقة في بُنية المجتمعات وأنماط التفاعل الاجتماعي والعلاقات الإنسانيّة، فقد أفرزت مجموعة من التّحدّيات النّفسيّة، من أبرزها ظاهرة العزلة والاغتراب النّفسي. فالاستخدام المفرط للفضاءات الرّقمية قد يتسبّب في تقليص التفاعل الاجتماعي الواقعي، الأمر الذي يُضعف الروابط الإنسانيّة المباشرة ويعزّز الشّعور بالوحدة والانفصال عن الآخرين.
في حين أن ظاهرة العزلة والاغتراب التفسي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصّحّة النّفسية، وحالة التّوازن النّفسي والاجتماعي التي تمكّن الفرد من إدراك قدراته والتكيّف مع ضغوط الحياة وبناء علاقات اجتماعيّة إيجابيّة، وبالتالي عندما يختلّ هذا التّوازن نتيجة تراجع التّفاعل الواقعي الأصيل واستبداله بالتّواصل الافتراضي، قد تظهر لدى الفرد مؤشّرات نفسيّة غير سوية مثل الشعور بالوحدة والاغتراب، وفقدان الإحساس بالانتماء الاجتماعي.
كما أنّ الانغماس في العالم الرّقمي يُسهم في تعزيز ما يُعرف بالهُوية الافتراضية، فيميل بعض الأفراد إلى بناء صورة رقميّة مثاليّة لأنفسهم تختلف عن واقعهم الفعلي، في حين يؤدي هذا التّباين بين الذّات الواقعيّة والذات الافتراضيّة إلى الشّعور بالتوتّر النّفسي والشّعور بعدم الرضا عن الذات، كما يدفع الفرد إلى السّعي نحو القبول الاجتماعي من خلال الهُويّة الرّقميّة. إضافة إلى ذلك، فإنّ ضعف التّواصل الاجتماعي الواقعي من شأنه أن يحدّ من فرصة التعبير العاطفي المباشر والدّعم الاجتماعي الحقيقي، وهما عنصران أساسيان للحفاظ على التّوازن النّفسي.
ومن هنا، فإن العزلة والاغتراب النّفسي في البيئة الرّقمية يشكّلان أحد التحدّيات المُعاصرة للصحة النّفسيّة في ظل التحّول الرّقمي المُتسارع. لذلك، يبرز البعد المزدوج للعلاقة بين التحوّل الرّقمي والصّحّة النّفسية، إذ تتأرجح بين إمكانيّة الدعم والنماء إذا استُثمرت بشكل إيجابي من جهة، ومخاطر الانحدار النّفسي، حين الاستخدام غير المنضبط من جهة أخرى.
المحور الثاني: علم النّفس الإيجابي والصّحّة النّفسيّة
يُعدّ علم النّفس الإيجابي من الاتجاهات الحديثة في علم النّفس، وهو مجال يهتمّ بتطوير نقاط القوة والفضائل لدى الفرد، وما لذلك من أثر فعّال في تعزيز الصّحّة النّفسية.
اشتمل هذا المحور على العنوانين الآتيين:
- علم النّفس الايجابي ومُرتكزاته الأساسيّة
يهتمّ علم النّفس الإيجابي بالجوانب المُشرقة من التجربة الإنسانيّة مثل السعادة، الرضا، المرونة النّفسيّة، المعنى في الحياة، الفضائل، والإبداع. أي أنّه ينطلق من نقاط القوة ويهدف إلى رفع الشّخص من المستوى “الطبيعي” إلى المستوى الأمثل، وهو يختلف عن علم النّفس التقليدي الذي يركّز على الاضطرابات النّفسيّة، والأمراض، والمشكلات، ويهتمّ بمعالجة الأعراض (مثل الاكتئاب، القلق، الصدمات)، أي أنّه ينطلق من النقص والخَلل ويهدف إلى إعادة الشخص إلى المستوى “الطبيعي”.
– تُعرّف الجمعيّة الأمريكيّة لعلم النّفس، علم النّفس الايجابي أنّه: الدّراسة العلمية لكلّ ما يمكن أن يجعل الأفراد والجماعات الإنسانيّة مزدهرة (سالم، 2012، ص3).
– ويُعرّف سلامة علم النّفس الإيجابي أنّه “علم دراسة وفهم وتطوير الهناء الشّخصي الذاتي، أي دراسة مكوّنات الحياة الإيجابيّة (تميمي وآخرون، 2016، ص 141). ويُمكننا تلخيص المُرتكزات الرئيسية لعلم النّفس الايجابي فيما يلي:
1.1.التركيز على نقاط القوة: بدلاً من الاقتصار على تشخيص الاضطرابات، يسعى علم النّفس الايجابي إلى تنمية القدرات الشّخصيّة والفضائل الإنسانيّة مثل الشجاعة، الحكمة، الإبداع، التعاطف.
1.2. تحقيق الرفاهية والسعادة: فالسعادة ليست مجرد غياب الألم، بل وجود مشاعر إيجابيّة، كالرضا عن الحياة، والشعور بالمعنى والإنجاز.
1.3. النّظرة الشّموليّة للإنسان: ينظر علم النّفس الايجابي إلى الفرد كبناء مُتكامل (جسدي – نفسي – اجتماعي – روحي)، ويؤكّد على التوازن بين هذه الأبعاد.
- الوقاية بدلاً من العلاج فقط: وذلك من خلال تعزيز المرونة النّفسيّة والمهارات الإيجابيّة التي تُساعد الفرد على تقليل فرص الإصابة بالاكتئاب أو القلق.
- التركيز على التجارب المُثلى (Flow): وهي حالات الانغماس التام في نشاط يوازن بين التحدّي والمهارة، ما يُسهم في توليد شعورًا بالمتعة والإنجاز.
- الارتباط الاجتماعي الإيجابي: إذ إنّ العلاقات الداعمة والتّعاطف والتعاون تشكّل مكوّنًا أساسيًا على مستوى الصّحّة النّفسيّة.
- علم النّفس الإيجابي كمدخل نظري لتعزيز الصّحّة النّفسية
تعود الجذور الأساسية لعلم النّفس الإيجابي إلى كلّ من التيار الإنساني في علم النّفس في القرن العشرين الذي كان يؤكّد على تفتّح الامكانيّات والعطاء، كما تعود إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى الفلسفة اليونانيّة التي تربط السعادة البشريّة باتّباع الفضائل. هذه السعادة التي تعدّ عنصرًا مهمًا يُرتكز عليه في تعزيز الصّحّة النّفسية لدى الأفراد.
وتتمثّل رسالة علم النّفس الايجابي عند سيلجمان في تذكير علماء النّفس العيادي، والصّحّة النّفسيّة بأنّ هذا العلم ليس مجرّد دراسة العجز والمرض والضرر، بل هو أيضًا في موازاة ذلك، دراسة الاقتدار والفضائل الإنسانيّة، وهو ليس فقط مجرّد اهتمام بالمرضى، بل هو كذلك اهتمام بتنمية قدرات العمل والحب والنمو والفرح وصولًا إلى السعادة ( حجازي، 2012، ص 23 -24).
إذ يتّجه علم النّفس الإيجابي إلى البحث عن مدى وجود القِوى والفضائل الإنسانيّة كالأمل والمثابرة، والصلابة والشّجاعة وغيرها من الفضائل الإيجابيّة والعمل على إبرازها وتطويرها لدى الفرد، وهذا من شأنه أن يؤدي دورًا وقائيًا يُسهم في تجنيب الأفراد وحمايتهم من الإضطرابات النّفسيّة المختلفة، ومن شأنه في المقابل أن يؤدي دورًا فعالًا ومعزّزًا للصّحّة النّفسيّة.
فعلم النّفس الإيجابي يتبنّى مُسلّمات المنحى الإنساني والمتمثّلة بالإيجابيّة، الدّافع للنّماء وتحقيق الذات، المسؤوليّة، الإلتزام بالآخرين، وصولًا إلى إطلاق طاقات الحياة والعطاء إلى حدودها الفُضلى. كما يتبنّى علم النّفس الإيجابي هذه الانطلاقة الحيويّة البنّاءة مُرتكزًا له في البحث والممارسة. وتتطلّب هذه الانطلاقة الحيوية الأصيلة ظروفًا بيئيّة ملائمة كي تتجسّد وتتحقّق. ولذلك فإن علم النّفس الإيجابي لا يعمل على صعيد الفرد فقط، إنّما هو يعمل كذلك على صعيد الجماعات والمؤسسات والمجتمعات، فيتضافر حسن الحال الفردي مع حسن الحال الجماعي والمجتمعي. ويتمثّل المبدأ العام في كل ذلك في البحث عن الإيجابيّات والطاقات والإمكانات والفرص، والعمل على تنشيطها وتعزيزها بوصفها أفضل السبل وأنجع الوسائل لعلاج المعوّقات والسّلبيات (حجازي، 2012، ص 32).
من هنا، يُمكننا النظر إلى علم النّفس الإيجابي كونه مدخلًا نظريًا أساسيًا ومُرتكزًا مهمًا يُبنى عليه بشكل كبير في تعزيز الصّحّة النّفسيّة على المستوى الفردي، وكذلك على مستوى المجتمعات التي تتكوّن من الأفراد، ومتى ما كان الأفراد يتمتّعون بصحة نفسيّة جيدة، ويمتلكون خصال وصفات إيجابيّة، فإنّ ذلك من شأنه أن يُسهم في إشاعة أجواء مجتمعيّة إيجابيّة ومريحة، ويُدعّم مرتكزات الصّحّة النّفسيّة الجماعيّة التي من شأنها أن تُحقّق السعادة والازدهار على المستويين الفردي والإجتماعي.
المحور الثالث: زيارة الأربعين كظاهرة حضاريّة معزّزة للرّفاه النّفسي في مواجهة ضغوط العصر الرّقمي
تُعدّ زيارة الأربعين محطّة زمنيّة سانحة لترسيخ الكثير من القِيم الإنسانيّة، والفضائل الإيجابية والتي بدورها تؤدي دورًا بارزًا في تحقيق الرّفاه النّفسي وتعزيز الصّحّة النّفسية.
اشتمل هذا المحور على العناوين الآتية:
- القِيم النّفسية – الاجتماعيّة المُتجسّدة في الزيارة
لم تقتصر الأهداف الإصلاحيّة للثورة العاشورائيّة التي خاضها الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطّف، على المستوى الدِّيني فحسب، إنّما قد شملت كافة المستويات الاجتماعيّة والأخلاقيّة والعاطفيّة والنّفسيّة، فقد تجلّت في قِيمٍ إنسانيّة جامعةٍ، ومن بين هذه القِيم تلك التي تعكس توازن الشّخصيّة على المستوى النّفسي، من قِيم الصّبر والثبات، الأمان والاطمئنان، الأمل والسّعادة، ومشاعر الحب الحقيقي. وقد خُلّدت مضامين وقِيم هذه الثورة التّاريخيّة الاستثنائيّة على مدى العصور، ولعلّ السّر الكامن في خُلودها وامتداد الأهداف التي ثار لأجلها الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء إلى كل الأزمنة، يرتبط بشكل وثيق بمراسم الإحياء السنوي لهذه الذكرى بكل مظاهره، وبشكل رئيس زيارة الأربعين التي باتت تشغل العالم بأسره، وتشكّل مشهدًا كونيًا تجتمع فيه الحشود المليونيّة التي تتوافد من دول عدة لإحياء الذكرى، وما لهذه الزيارة السّنويّة الخالدة من أثر نفسي على مستوى تفعيل الارتباط الفكري والعاطفي بقضية عاشوراء، وتجديد العهد للالتزام بنهج الإمام الحسين (عليه السلام) والأهداف التي لأجلها كانت ثورته.
في حين تُعدّ زيارة الأربعين من أبرز المناسبات التي تترك أثرًا عميقًا في نفوس المشاركين فيها، ليس فقط على المستوى الفردي، بل أيضًا على مستوى تشكيل المشاعر الجماعيّة وتعزيز الروابط الاجتماعيّة، حيث يجتمع الملايين من الزوّار القادمين من دول عدّة على اختلاف جنسيّاتهم، وثقافاتهم في مسير واحد نحو كربلاء، ويتلاقَون في مشهد كونيّ قلّ نظيره لإحياء الذكرى، ما يخلق فيما بينهم تجربة وجدانيّة نفسيّة موحّدة تُعزّز الشّعور المشترك بوحدة قضيّتهم وانتمائهم لقِيم عاشوراء.
كما أن المشاركة الجماعيّة في زيارة الأربعين من شأنها أن تترك أثرًا كبيرًا في نفوس الأفراد الزائرين، يتجاوز المشاعر العاطفيّة والجماعيّة اللحظيّة ليتحوّل إلى سلوكيات اجتماعيّة تؤثر في بناء المجتمعات، فتجعل من قِيم الإيثار والتّعاون والتّضحيّة ثقافة متجذّرة في الوجدان الجمعي، وتُعزّز القدرة على الثبات في مواجهة التحدّيات بروح جماعيّة متماسكة.
في حين أن الشّعائر الحسينيّة قد أصبحت على اختلافها ومن بينها زيارة الأربعين، تزيد من أواصر التّماسك الاجتماعي والعمل على حب الخير والصلاح والإصلاح في المجتمعات، إضافة إلى الارتباط العاطفي بقضية عاشوراء وأهدافها، وهذا كلُه ببركة الدّماء الزاكيات التي أُريقت في كربلاء، «فالشّعائر الحسينيّة تُحقّق دورًا بالغ الأهمّيّة في أنها وسائل للتّعبير عن انشداد الجمهور إلى عاشوراء وارتباطهم العاطفي بهذا الحدث المهمّ، والذي يُعدُّ من أحداث التاريخ الإسلامي المهمّة» (معهد سيد الشهداء، 2015، ص 11).
- التفاعل الإنساني الأصيل مقابل التفاعل الرّقمي
تُعدّ زيارة الأربعين مناسبة سنوية تسمح لالتقاء الحشود الغفيرة من البشر على مساحة القارات، أولئك الذين يجذبهم العشق للنهج الحسيني، فيقصدون الزيارة الأربعينيّة من مختلف البلدان، ليتزوّدوا جرعات عاطفيّة وروحيّة تزيد في ارتباطهم بهذا الإمام القدوة الذي يتمسّكون بنهجه، والحرارة لا زالت تغلي في قلوبهم منذ آلاف السنين على قتله ظُلمًا.
كما وتشكّل زيارة الأربعين فرصة للتّعارف والتّفاعل الإنساني الأصيل فيما بين الزائرين، إذ إنّهم يجتمعون لأجل قضية واحدة وهدف مشترك، ويتكبّدون عناء المسافات لإحياء الذكرى وتجسيد الانتماء لهذا النهج المبارك، لا سيّما من خلال مشهدية المُشاة التي تُنظّم في كل زيارة، حيث يقطع الزائرون مسافات كبيرة مشيًا على الأقدام قاصدين المرقد الشّريف، في حين تشكّل هذه الظاهرة مساحة للتّعارف ما بين الأفراد الزائرين الوافدين من مختلف البلدان من دون أي اعتبارات سوى التقوى، كما في قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات : 13]، فالنّاس كلّهم سواسيّة في هذا المشهد الكونيّ التاريخي.
هذا التعارف والتّفاعل بين الأفراد الذين يجمعهم حب الإمام الحسين (عليه السّلام) والتمسّك بقضيّته وأهدافها، يجسّد نموذجًا من التّواصل الإنساني الحقيقي والأصيل، مقابل ما يشهده عالمنا اليوم من غزو وازدهار للمنصّات الرّقمية التي تقوم على التفاعل الرّقمي الافتراضي، وما ينتج عنها من سلبيات عندما تحلّ مكان المكوّن البشري الأصيل. من هنا يُمكننا عدُّ الزيارة الأربعينية إحدى المحطّات المهمّة المعزّزة والدّاعمة لإقامة علاقات تفاعليّة سليمة بين الأفراد.
- الرّفاه النّفسي في زيارة الأربعين
يُعدّ علم النّفس الإيجابي من التخصّصات التي تهدف إلى تعزيز الجوانب الإيجابيّة في حياة الأفراد، مثل السعادة، التفاؤل، والرضا، ما يُسهم في تحقيق رفاه نفسيّ مستدام.
ويعدُّ مفهوم الرّفاه Well-being من المفاهيم الحديثة نسبيًا في علم النّفس والذي كان محور اهتمام علم النّفس الإيجابيّ. إذ يلاحظ أنّه ابتداء من العام 1938 إلى العام 2002 كان هناك ما يقارب 138 دراسة عالميّة تناولت الرّفاه. أمّا بالنسبة إلى ترجمته للغة العربيّة فقد اختلفت الآراء، فهناك مَنْ يعدّه مُرادفًا للسعادة، وهناك من ترجمه إلى الوجود الأفضل، أو طيب العيش، وبعضهم يراه مُرادفًا للصحة النّفسية، وغيرهم يراه مُرادفًا لجودة الحياة، يُضاف إليها عدّة مفاهيم أخرى منها الهناء الشخصيّ، حسن الحال، والتّناغم الذاتيّ والحياة الطيّبة وغيرها (معمريّة، 2012، ص 126).
في حين يرتبط الرّفاه لدى الإنسان بتوافر بظروف وموارد خارجيّة، فيحدث تفاعل وتوافق بين الفرد وبيئته يساعده على النّمو والازدهار. ويشير عدد من الباحثين إلى أنّ الازدهار الإنساني لا يُختزل في خبرة داخليّة فردية، بل يتطلّب توافر شروط سياقية داعمة، فينشأ من التفاعل بين الفرد وبيئته، بما يتيح له تحقيق النمو والارتقاء (Vander Weele et al., 2025) كما تؤكد الأدبيّات أنّ العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة تشكّل محدّدات أساسية لإمكان تحقّق الرّفاه ((Kreitzer, 2016.
وقد طوّر العديد من الباحثين نماذج نظرية للرّفاه وطرق قياسه، وقدّم Seligman (2011) نموذج “الازدهار” (Flourish)ضمن مفاهيم علم النّفس الإيجابي، بوصفه إطارًا متعدّد الأبعاد للرّفاه يتجاوز المفهوم التقليدي للسعادة. في حين ترتكز الرّفاهيّة متعدّدة الأبعاد وفق نموذج PERMA لـ Seligman (2011) على العناصر الخمسة التالية:
P: العاطفة الإيجابيّة Positive Emotions
E: المشاركة Engagement
R: العلاقات Relationships
M: المعنى والغرض Meaning
:A الإنجاز Accomplishment
بالعودة إلى زيارة الأربعين والقِيم النّفسيّة والاجتماعيّة التي تتجلّى خلالها، نجد أنّ هذه المكوّنات الخمسة لنموذج PERMA للرّفاهية المتعدّدة الأبعاد، تتجسّد بشكل واضح وملحوظ من خلال الزيارة، وذلك من خلال العاطفة الايجابيّة التي يحملها الأفراد الزائرين تجاه إمامهم وقضيّته وأهدافها، وكذلك من خلال المشاركة في مراسيم الزيارة المختلفة، كالمشاركة في مواكب المشاة، إلى إقامة المضايف والإطعام، وغير ذلك من الطقوس المؤكّدة والمُتعارف بها، وما ينتج عن تلك المشاركات المختلفة من بناء علاقات مع الآخرين والزائرين الوافدين من دول متعدّدة، ما يُتيح فرصة لتحقيق الإنجازات على اختلافها، وما لذلك من أثر إيجابي على مستوى الصّحّة النّفسية الفرديّة والمجتمعيّة، هذا مُضافًا إلى عُمق المعنى والغرض الذي يتجلّى في مفهوم الزيارة الأربعينيّة والذي يتجاوز الجوانب المادية، إلى الانغماس والانصهار في نهج الإمام الحسين (عليه السّلام)، والحرص على إحياء ذكراه وخلودها عبر التاريخ، مهما غَلت التضحيات.
- زيارة الأربعين كنموذج للمعنى والانتماء في العصر الرّقمي
إنّ مفهوم المعنى في علم النّفس الإيجابي يجسّد امتلاك الفرد ليقين، واعتقاد تامّين بأنّ للحياة غرض سامٍ ونبيل ومختلف عن كلّ ما هو ماديّ وزائل. ويُشار إلى ذلك باستخدام مصطلح “الحياة المفعمة بالمعنى” بما تعنيه بأنّ الفرد يستثمر قدراته وإمكانيّاته، وما يمتلكه من نقاط قوة وفضائل في خدمة هدف يتجاوز ذاته بحدودها الضيّقة إلى هدف أعلى. وفي الوقت الذي يتشابه فيه مفهوم “الحياة المفعمة بالمعنى” مع مفهوم “الحياة الطيّبة أو الجيّدة” في كونهما يتضمّنان معًا تطبيق الفرد لمكامن قوّته وبصمات شخصيته في المهام المختلفة، إلّا أنّ الفرق بينهما يتمثّل في طبيعة ونوعيّة الأنشطة، فالحياة المفعمة بالمعنى تتميّز في دلالتها على اندماج الفرد في مهام وأنشطة ومشاركات تُسهم في الارتقاء العام بالآخرين وبالحياة إجمالًا في ضوء التّسامي بالذات. ولعلّ المشاركة في إحياء زيارة الأربعين، تلك المحطّة السنويّة التي باتت تشكّل ظاهرة كونيّة يجتمع فيها المشاركون من جميع أقطار العالم، هي أبهى نموذج لتجسيد مفهوم المعنى، فيتسامى من خلالها الأفراد الزائرون حدودهم الذّاتيّة وأغراضهم الضيّقة للرُقيّ إلى أعمق معنى، وذلك من خلال تخليدهم لذكرى تلك الثورة الاستثنائيّة التي كانت لأجل تحرير الإنسان وكرامة العيش في المجتمعات، ومن خلال تجديد انتمائهم الراسخ لهذا النهج المبارك.
من جهة أخرى، تُسهم زيارة الأربعين في تعزيز انتماء الزائرين لبعضهم البعض من خلال التلاقي وإحياء مراسيم الذكرى التي اجتمعوا لأجلها من أنحاء مختلفة، فقضيّتهم واحدة وإمامهم هو نفسه، وهذا ما يزيد من اللُحمة والإنتماء فيما بينهم، ويُسهم في تحقيق التوازن والاستقرار على المستوى النّفسي، لا سيّما وأنّ الحاجة إلى الإنتماء تعدّ من الحاجات الإنسانيّة المؤكّدة عند علماء النّفس. وهذه المناسبة من شأنها أن تترك أثرًا عميقًا في نفوس المشاركين فيها، ليس فقط على المستوى الفردي، إنّما أيضًا على مستوى التواصل الروحي والفكري، والعاطفي الذي يحدث خلال تأدية الزيارة والذي يترك أثره في نفوس الزائرين على مستوى تعزيز الانتماء لإمامهم أيضًا، وكذلك على مستوى تمتين الارتباط بأهداف قضيّته التي ثار واستُشهد لأجلها.
الخاتمة
لقد أدّى التطوّر التكنولوجي المُتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ما يُشبه الطوفان الرّقمي المعرفي، وقد نتج عن ذلك تغيُّرات عميقة وجوهريّة في بناء المجتمعات وكذلك المجالات العلميّة والعمليّة المختلفة، ومن بينها مجالات الصّحّة النّفسيّة التي باتت تحتلّ درجة عالية في سلّم الأولويّات بالنسبة إلى الأفراد، كما وقد تزامن هذا التطوّر السّريع مع بروز إيجابيات وسلبيات على حدٍ سواء، ترجع إلى طريقة الاستخدام كمًّا وكيفًا، بشكل خاص على مستوى الصّحّة النّفسية لدى الأفراد، وما يتسبّب به سوء الاستخدام للذكاء الاصطناعي والعالم الافتراضي، لا سيّما عندما يُصبح بديلًا عن مكوّنات أصيلة يجب أن تتوافر حتى تتكامل حياة الإنسان، ويحافظ على سلامه الداخلي وصحته النّفسيّة.
في حين تُعدّ زيارة الأربعين بما تمثّلة من فرصة سانحة للتلاقي والتّواصل بين الأفراد والشّعوب المختلفة، ومن مناسبة استثنائيّة لتعزيز الانتماء فيما بين الزائرين الوافدين من كل أقطار العالم ، وتعزيز الارتباط الروحي والنّفسي بإمامهم الواحد وقضيّتهم المشتركة، إضافة إلى ما تشمله الزيارة الأربعينيّة من مشاركات اجتماعيّة وتطوّعيّة، خبرة إنسانيّة وقائيّة داعمة، وظاهرة سانحة لتعزيز الارتباط والتّواصل الإنساني السّليم في ظل ضغوط العصر الرّقمي، هذا مُضافًا إلى ما تحويه الزيارة من القِيم الدّاعمة للرّفاه النّفسي، وعُمق المعنى والغرض الذي يتجاوز الجوانب المادية ليسمو إلى مستويات أرقى، من شأنها أن تبعث في النّفس الأمل والطمأنينة والسعادة، وغير ذلك من المفاهيم التي يؤكّد عليها علم النّفس الإيجابي، ما يعكس أثرًا إيجابيًا على مستوى الصّحّة النّفسيّة الفرديّة والمجتمعية، ويؤكّد ما لزيارة الأربعين من دور في الحدّ من الآثار النّفسيّة السّلبيّة للتحوّل الرّقمي وتقنيات العالم الافتراضي.
المصادر والمراجع
- العربية
- القرآن الكريم
- بطرس، حافظ (2008). . الصّحّة النّفسية .عمّان، الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى.
- التميمي، عبد الجليل وآخرون. (2016). علم النّفس الإيجابي (نشأته، أهدافه وتطبيقاته). عمان. دار صفاء للنشر والتوزيع.
- حجازي، مصطفى.(2012). إطلاق طاقات الحياة.قراءات في علم النّفس الإيجابي. لبنان. دار التنوير للطباعة والنشر.
- سالم، آمنة أحمد.(2012). أثر استخدام نموذج التفاؤل المتعلّم على تنمية التفكير الناقد والنضج الاجتماعي. رسالة دكتوراه. جامعة القاهرة .
- الطبري، محمد بن جرير.( 1403ه). تاريخ الأمم والملوك المعروف بـ تاريخ الطبري. تحقيق : نخبة من العلماء الأجلاء. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات .
- معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني.(2016). دروس عاشوراء. لبنان. جمعية المعارف الثقافية. الطبعة الأولى.
- معمرية، محمد. (2012). الصّحّة النّفسية وجودة الحياة. عمان. الأردن. دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة .
- الموصلي، وداد وحسن. (2007). الصّحّة النّفسية، دار العربي للنشر.
- النابلسي، عفيف.(2003). إشراقات كربلائية. لبنان. دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الأولى .
- الأجنبية
- American Psychological Association. APA dictionary of https://dictionary.apa.org
- Bonanno, G. A. (2004). Loss, trauma, and human resilience. American Psychologist, 59(1), 20–28. https://doi.org/10.1037/0003-066X.59.1.20
- Kreitzer, M. J. (2016). Human wellbeing and flourishing: If not now, when? Global Advances in Health and Medicine, 5(1).
- Putnam,R.D. (2000). Bowling alone: The collapse and revival of American community. Simon & Schuster.
- Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A visionary new understanding of happiness and well-being. New York, NY: Free Press.
- VanderWeele, T. J., et al. (2025). The development of the Global Flourishing Study questionnaire. BMC Global and Public Health.
- World Health Organization. (2022). Mental health action plan 2013–2030. WHO.
- World Health Organization. (2023). Mental health. https://www.who.int/health-topics/mental-health
[1] – أستاذ مساعد في الجامعة الإسلاميّة –بيروت- لبنان- قسم علم النّفس ومعالجة نفسيّة
Assistant Professor at the Islamic University – Beirut – Lebanon – Department of Psychology and Psychotherapy Email: fdikmak@hotmail.com