عنوان البحث: الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان
اسم الكاتب: د. رُلا ناصر الجمل
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان
Spatial memory and sense of belonging among a group of displaced people from southern Lebanon
د. رُلا ناصر الجمل([1]) Dr. Rula Nasser AL-Jamal
تاريخ الإرسال:10-8- 2026 تاريخ القبول:22-8-2026
الملخص turnitin :6%
هدفت الدّراسة الحاليّة، إلى كشف الكيفيّة التي تسهم بها الذّاكرة المكانيّة في تشكيل الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان بعد تجربة النّزوح، وذلك من خلال التّعرف إلى طرائق استحضارهم لذكريات المكان، ومظاهر تعبيرهم عن الانتماء، وتفسيرهم للعلاقة النّفسيّة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء.
اعتمدت الدّراسة المنهج المختلط ذي الغلبة النّوعيّة، من خلال المقابلة شبه الموجهة بوصفها الأداة الرئيسة لجمع البيانات، إلى جانب استمارة وصفيّة قصيرة وفق مقياس ليكرت الخماسي لدعم النّتائج النّوعيّة بمؤشرات كمّيّة ووصفيّة. وتكوّنت عيّنة الدّراسة من 22 مشاركًا ومشاركة من النّازحين من جنوب لبنان، ممن اضطروا إلى مغادرة مناطقهم الأصليّة نتيجة الظروف الأمنيّة والحربيّة الأخيرة.
أظهرت النّتائج أنّ الذّاكرة المكانيّة لدى المشاركين بقيت حاضرة بدرجة مرتفعة جدًا، إذ استحضر النّازحون أماكنهم الأصليّة من خلال المنزل، الأرض، الحي، الجيران، المدرسة، العمل، وأماكن اللقاء، إضافة إلى تفاصيل حسيّة ووجدانيّة مثل الرّوائح، الأمان، الحنين، والحزن. كما كشفت النّتائج أنّ الشّعور بالانتماء ظل مرتفعًا، وتجلّى في الارتباط بالهُويّة، والجذور، والعائلة، والعلاقات الاجتماعيّة، والرّغبة في العودة. وبيّنت الدّراسة أنّ العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء علاقة تفاعليّة؛ فالذّاكرة تحفظ صورة المكان ومعناه، والانتماء يمنح هذه الذّاكرة قيمة نفسيّة واجتماعيّة. غير أنّ هذه العلاقة قد تحمل طابعًا مزدوجًا لدى بعض الحالات، إذ تعزز الانتماء من جهة، وتستحضر الخوف والفقد من جهة أخرى.
توصي الدّراسة بضرورة تصميم برامج دعم نفسي، واجتماعي تراعي ارتباط النّازحين بأماكنهم الأصليّة، وتوظيف الذّاكرة المكانيّة بصورة إيجابيّة لتعزيز الصّمود والانتماء والتّكيف مع واقع النّزوح.
الكلمات المفتاحيّة: الذّاكرة المكانيّة، الشّعور بالانتماء، النزوح، جنوب لبنان.
Summary
This study, aimed to reveal how spatial memory contributes to shaping the sense of belonging among displaced persons from South Lebanon after their displacement experience. This was achieved by identifying how they recall memories of place, how they express belonging, and their interpretation of the psychological relationship between spatial memory and the sense of belonging.
The study employed a mixed-methods approach with a predominance of qualitative data collection. Semi-structured interviews served as the primary data collection tool, supplemented by a short descriptive questionnaire using a five-point Likert scale to support the qualitative findings with quantitative and descriptive indicators. The study sample consisted of 22 participants, all displaced persons from South Lebanon, who were forced to leave their original areas due to the recent security and military situation.
The results showed that participants’ spatial memory remained very strong, as displaced people recalled their places of origin through their homes, land, neighborhoods, neighbors, schools, workplaces, and meeting places, in addition to sensory and emotional details such as smells, feelings of safety, nostalgia, and sadness. The results also revealed that their sense of belonging remained high, manifested in their connection to their identity, roots, family, social relationships, and desire to return. The study indicated that the relationship between spatial memory and belonging is interactive; memory preserves the image and meaning of a place, while belonging gives this memory psychological and social value. However, this relationship can be ambivalent in some cases, as it reinforces belonging on one hand, while evoking fear and loss on the other.
The study recommends the necessity of designing psychosocial support programs that consider the displaced people’s connection to their places of origin and utilize spatial memory positively to enhance resilience, belonging, and adaptation to the reality of displacement.
Keywords: Spatial memory, sense of belonging, displacement, South Lebanon.
المقدمة
ترتبط حياة الإنسان بالأماكن التي يعيش فيها ارتباطًا يتجاوز حدود الوجود المادي. فالمكان الذي نشأ فيه الفرد، وعاش بين أزقته وبيوته وحقوله، يحتفظ في ذاكرته بصور وتجارب ومواقف تصبح جزءًا من قصته الشّخصيّة وهويته الاجتماعيّة. ومع مرور الزّمن تتحول هذه الخبرات إلى ذكريات راسخة تمنح المكان معاني خاصة يصعب فصلها عن مشاعر الفرد وانتمائه.
وتزداد أهمّيّة هذه العلاقة عندما يتعرض الإنسان لظروف قسريّة تجبره على مغادرة المكان الذي اعتاد العيش فيه. فالنّزوح لا يعني الانتقال من منطقة إلى أخرى فحسب، بل يرافقه شعور بالفقد والحنين والانقطاع عن جزء من الحياة اليوميّة التي كانت تشكل مصدرًا للأمان والاستقرار. وفي مثل هذه الظروف تبرز الذّاكرة المكانيّة بوصفها وسيلة يستعيد من خلالها الأفراد تفاصيل الأماكن التي تركوها، بما تحمله من أشخاص، وأحداث، وعلاقات، وتجارب.
وقد شهد جنوب لبنان خلال المدّة الأخيرة موجة نزوح واسعة نتيجة الأحداث العسكريّة؛ وما رافقها من أضرار لحقت بالمنازل ومصادر الرّزق، الأمر الذي دفع العديد من الأسر إلى مغادرة مناطقها الأصليّة والإقامة في أماكن جديدة. وفي ظل هذه التّجربة تبرز تساؤلات حول الكيفيّة التي تستمر بها علاقة الأفراد بأماكنهم الأصليّة على الرّغم من الابتعاد منها، وحول الدور الذي تؤديه الذكريات المرتبطة بالمكان في المحافظة على شعورهم بالانتماء.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدّراسة إلى فهم الأبعاد النّفسيّة للعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان، وكشف المعاني التي يمنحونها لأماكنهم الأصليّة بعد تجربة النّزوح وما ترتب عليها من تحولات في حياتهم اليوميّة.
إشكاليّة الدّراسة: يمثل المكان أحد المكونات الأساسيّة التي تتشكل من خلالها هوية الفرد وإحساسه بالانتماء. وعندما يفقد الإنسان مكانه نتيجة ظروف قاهرة، فإنّه لا يفقد مسكنًا أو مصدر رزق فحسب، بل قد يفقد جزءًا من شبكة الذّكريات والعلاقات والمعاني التي ارتبطت بذلك المكان عبر سنوات طويلة. وفي المقابل، قد تستمر هذه العلاقة من خلال ما تحتفظ به الذّاكرة من صور وتجارب ومواقف تعيد إنتاج الإحساس بالمكان على الرّغم من الغياب الجسدي عنه.
وفي ضوء تجربة النّزوح التي عاشها العديد من أبناء جنوب لبنان خلال الأشهر الأخيرة، يبرز التّساؤل حول طبيعة العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء، وكيف يمكن للذكريات المرتبطة بالمكان أن تؤثر في إحساس النّازحين بانتمائهم إلى مناطقهم الأصليّة بعد الابتعاد منها. كما تبرز الحاجة إلى فهم الأبعاد النّفسيّة التي تتجلى في هذه العلاقة، خاصة لدى الأفراد الذين فقدوا منازلهم أو أعمالهم واضطروا إلى التّكيف مع بيئات جديدة. ومن هنا تتحدد مشكلة الدّراسة في محاولة الإجابة عن السؤال الآتي:
كيف تسهم الذّاكرة المكانيّة في تشكيل الشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان بعد تجربة النّزوح؟
انطلاقاً من طبيعة الدّراسة وهي نوعيّة استكشافيّة، لم تعتمد الباحثة فرضيّات إحصائيّة، بل انطلقت من أسئلة بحثية موجهة، كانت على الشكل الآتي:
أسئلة الدّراسة
- كيف يستحضر النّازحون من جنوب لبنان ذكرياتهم المرتبطة بالمكان الذي نزحوا منه؟
- كيف يعبّر النّازحون عن شعورهم بالانتماء إلى مناطقهم الأصليّة بعد النزوح؟
- كيف يفسر النّازحون العلاقة بين استحضار المكان المفقود وإحساسهم المستمر بالانتماء إليه؟
- هل تختلف العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء باختلاف الجنس لدى النّازحين من جنوب لبنان؟
أهداف الدّراسة:
- التّعرف إلى طبيعة الذّاكرة المكانيّة لدى النّازحين من جنوب لبنان.
- استكشاف مظاهر الشّعور بالانتماء إلى المكان الأصلي بعد تجربة النزوح.
- كشف المشاعر والمعاني النّفسيّة المرتبطة باستحضار المكان المفقود.
- فهم طبيعة العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى النّازحين.
- إبراز الأبعاد النّفسيّة التي تتجلى من خلال ارتباط النّازحين بأماكنهم الأصليّة على الرّغم من الابتعاد منها.
- التّعرف إلى الكيفيّة التي قد تتباين بها خبرات الذّاكرة المكانيّة، والشّعور بالانتماء تبعًا للعمر والجنس لدى المشاركين.
جديد الدّراسة وأهميتها: تكتسب الدّراسة حداثتها وأهميتها من قلّة الدِّراسات العربيّة، وخصوصًا اللبنانيّة التي تناولت الذّاكرة المكانيّة بوصفها موضوعًا نفسيًا مرتبطًا بخبرات النّزوح وفقدان المكان.
وتنقسم أهمية الدّراسة الى قسمين:
الأهميّة النّظريّة:
- إثراء المعرفة المتعلقة بالذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء في سياق النّزوح القسري.
- المساهمة في سد النّقص في الدِّراسات العربيّة التي تناولت هذا الموضوع.
الأهمّيّة التطبيقيّة:
- الاستفادة من النّتائج في تصميم برامج الدّعم النّفسي والاجتماعي للنّازحين.
- مساعدة المختصين على فهم أثر فقدان المكان في حياة الأفراد وانتمائهم.
حدود البحث: تتجلى حدود البحث الحالي على النّحو الآتي:
الحدود الموضوعيّة: يتناول هذا البحث موضوع الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان، من خلال كشف طبيعة الذّكريات المرتبطة بالأماكن الأصليّة التي نزح عنها المشاركون، وما تحمله هذه الذّكريات من معانٍ نفسيّة وانفعاليّة واجتماعيّة. كما يسعى البحث إلى فهم مظاهر الشّعور بالانتماء إلى المكان الأصلي بعد النّزوح، ودور استحضار المكان في المحافظة على الارتباط بالهُويّة والجذور والعلاقات الاجتماعيّة على الرّغم من الابتعاد القسري عنه.
الحدود المكانيّة: اقتصر البحث على مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم الأصليّة؛ والإقامة بصورة مؤقتة في مناطق لبنانيّة أخرى نتيجة الظروف الأمنيّة والحربيّة التي شهدتها مناطقهم.
الحدود الزّمانيّة: نُفِّذت هذه الدّراسة خلال مدّة النّزوح التي عاشها المشاركون في الأشهر الأخيرة، حيث كان معظمهم قد غادروا مناطقهم الأصليّة منذ نحو أربعة أشهر تقريبًا عند إجراء المقابلات وتطبيق أدوات الدّراسة.
الحدود البشريّة: اقتصر البحث على عيّنة قصديّة مكونة من اثنين وعشرين مشاركًا ومشاركة من النّازحين من جنوب لبنان، من الذّكور والإناث ومن فئات عمريّة مختلفة، ممن عاشوا تجربة النّزوح بصورة مباشرة، وكانوا قادرين على التّعبير عن خبراتهم المرتبطة بالذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء.
تعريف مصطلحات الدّراسة:
الذّاكرة المكانيّة: يرى كوليد Colledge(1999)أنّ الذّاكرة المكانيّة ترتبط بالقدرة على تكوين تمثيلات ذهنيّة للبيئة المحيطة والاحتفاظ بالمعلومات المكانيّة المتعلقة بالمواقع والمعالم والعلاقات المكانيّة بينها، واستدعائها واستخدامها في التعرف إلى الأماكن والتّنقل داخلها.
تعريف إجرائي: يقصد بالذّاكرة المكانيّة في هذه الدّراسة مجموعة الذكريات والصّور الذهنية، والمشاعر التي يستحضرها النّازحون عند الحديث عن الأماكن التي عاشوا فيها في جنوب لبنان قبل النّزوح.
الشّعور بالانتماء: يرى هاجرتي وزملاؤه Hagerty&al. (1992) أنّ الشّعور بالانتماء يتمثل في إدراك الفرد لذاته بوصفه عضوًا مقبولًا ومهمًا ضمن جماعة أو بيئة معينة، مع شعوره بوجود روابط إيجابية ومتبادلة تجمعه بالآخرين داخل هذا السياق. كما تشير يوفال- ديفيس Yuval-Davis (2006) إلى أنّ الانتماء يتجاوز مجرد العضويّة في جماعة أو مكان، ليعبر عن ارتباط عاطفي وإدراكي يشعر من خلاله الفرد بأنه “في موطنه” وأنه جزء معترف به من جماعة أو سياق اجتماعي معين.
تعريف إجرائي: يقصد بالشّعور بالانتماء في هذه الدّراسة درجة الارتباط النّفسي، والعاطفي التي يعبر عنها النّازحون تجاه مناطقهم الأصليّة في جنوب لبنان على الرّغم من ابتعادهم عنها نتيجة النّزوح.
النّازحون: يشير مصطلح النّازحين إلى الأفراد الذين أُجبروا على ترك أماكن إقامتهم المعتادة بسبب ظروف قسريّة، كالحروب والنّزاعات المسلحة والكوارث، والانتقال إلى مناطق أخرى داخل الدولة نفسها من دون مغادرة حدودها الدّوليّة (United Nations, 1998).
التّعريف الإجرائي: يقصد بالنّازحين في هذه الدّراسة الأفراد من الذكور والإناث الذين اضطروا إلى مغادرة مناطق سكنهم الأصليّة في جنوب لبنان، والانتقال إلى مناطق أخرى داخل لبنان خلال الأشهر الأخيرة نتيجة الظروف الأمنيّة، والحربيّة وما ترتب عليها من أضرار طالت منازلهم أو مصادر رزقهم.
الدِّراسات السّابقة: اعتمدت هذه الدّراسة على مجموعة من الدِّراسات السّابقة ومنها:
الدِّراسات المتعلقة بالذّاكرة المكانيّة:
– دراسة كاباج وآخرون (2024 Kapaj et al. (بعنوان : “الاحتفاظ طويل الأمد بذاكرة المعالم والمسارات المكتسبة من خلال مهمة ملاحة واقعية بمساعدة الخريطة”
“Long-Term Landmark and Route Memory Retention Acquired in a Real-World Map-Aided Navigation Task”
هدفت الدّراسة إلى استقصاء مدى احتفاظ الأفراد بالذّاكرة المكانيّة طويلة المدى للمعالم، والمسارات بعد مرور عامين على تجربة ملاحة واحدة في بيئة حقيقيّة. أجريت هذه الدّراسة في مدينة زيورخ في سويسرا. اعتمدت الدّراسة المنهج التّجريبي الطولي، فقد كانت متابعة المشاركين بعد عامين من تجربة ميدانيّة للملاحة باستخدام خرائط مدعومة بالمعالم البصريّة. وأظهرت النّتائج أنّ المشاركين احتفظوا بقدر ملحوظ من الذّاكرة المكانيّة طويلة المدى، ولا سيما فيما يتعلق بالمعالم المكانيّة والمسارات، ما يؤكد أن الخبرات المكانيّة ذات المعنى يمكن أن تبقى راسخة في الذّاكرة لحِقبٍ طويلة.
– دراسة بوثوسيريبادي وآخرون (2024) Puthusseryppady et al. بعنوان: “ارتباط انخفاض الاستكشاف المكاني بضعف الذاكرة المكانية لدى البالغين في منتصف العمر”
“Less spatial exploration is associated with poorer spatial memory in midlife adults”
هدفت الدّراسة إلى استكشاف العلاقة بين الاستكشاف المكاني والذّاكرة المكانيّة لدى البالغين في منتصف العمر. أجريت هذه الدّراسة في الولايات المتحدة الأميركيّة في جامعة كاليفورنيا، في منطقة سانتا باربرا الكبرى. اعتمد الباحثون بيئة واقع افتراضي، وشارك في الدّراسة 160 فردًا من فئتين عمريتين. أظهرت النّتائج أن انخفاض مستوى الاستكشاف المكاني ارتبط بانخفاض أداء الذّاكرة المكانيّة، ما يشير إلى أنّ التّفاعل النّشط مع البيئة يسهم في تكوين تمثيلات مكانية أكثر قوة واستمرارًا.
- دراسة بشارة (2023) بعنوان: “ذكريات مكانيّة: مخيمات اللاجئين الفلسطينيين كآلة زمن” أُجريت الدّراسة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربيّة، مع تركيز خاص على مخيم الجلزون، وإشارات إلى مخيمات أخرى مثل مخيم عايدة في بيت لحم.
هدفت الدّراسة إلى تحليل الكيفيّة التي تحافظ بها الذّاكرة المكانيّة على هوية اللاجئين الفلسطينيين من خلال الفضاءات المكانيّة داخل المخيمات. اعتمدت الدّراسة المنهج الكيفي والتّحليل السّردي والتّاريخي. أوضحت الدّراسة أن الذّاكرة المكانيّة تؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على الهُويّة والانتماء لدى اللاجئين، وأنّ أسماء الأحياء والشّوارع والبيوت والقرى الأصليّة تستمر بوصفها رموزًا مكانية تحفظ الذّاكرة الجمعيّة على الرّغم من مرور الزمن.
– دراسة عوّاد وآخرون (2025) Awwad et al. بعنوان:”الذاكرة الجمعية والتماسك السردي: دراسة حاسوبية للتاريخ الشفهي للاجئين الفلسطينيين في لبنان”
“Collective Memory and Narrative Cohesion: A Computational Study of Palestinian Refugee Oral Histories”, in Lebanon.
هدفت الدّراسة إلى فهم كيفية حفاظ اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على الذّاكرة الجمعيّة والهُويّة من خلال السّرد الشّفهي. اعتمدت الدّراسة تحليلًا كميًا وكيفيًا لروايات التّاريخ الشّفهي. أظهرت النّتائج أنّ الانتماء إلى المكان الأصلي ظل عاملًا رئيسًا في بناء الذّاكرة الجمعيّة، وأنّ الرّوايات المتعلقة بالقرى والمعالم المكانيّة أسهمت في المحافظة على الهُويّة والانتماء عبر الأجيال.
الدِّراسات المتعلقة بالشّعور بالانتماء في سياق النّزوح:
- دراسة ألين وآخرون (2021) Allen et al. بعنوان: “الانتماء: مراجعة للقضايا المفاهيمية، وإطار تكاملي واتجاهات للبحوث المستقبلية”
“Belonging: A review of conceptual issues, an integrative framework, and directions for future research”.
هدفت الدّراسة إلى مراجعة الأدبيّات العلميّة المتعلقة بالشّعور بالانتماء، وتقديم إطار نظري متكامل يوضح مفهومه وأبعاده والعوامل المؤثرة فيه وآثاره النّفسيّة والاجتماعيّة. اعتمدت الدّراسة المنهج التّحليلي القائم على المراجعة النّظريّة للأدبيات. توصلت الدّراسة إلى أنّ الشّعور بالانتماء يمثل حاجة نفسيّة أساسيّة تؤثر بصورة مباشرة في الصّحة النّفسيّة والرّفاه والتّكيف الاجتماعي، وأنّه مفهوم متعدّد الأبعاد يشمل الارتباط العاطفي، والهُويّة، والعلاقات الاجتماعيّة، والشّعور بالقبول داخل البيئة التي يعيش فيها الفرد. كما أكدت أنّ فقدان الانتماء يرتبط بارتفاع مستويات الضّغوط النّفسيّة والشّعور بالعزلة.
الدِّراسات المتعلقة بالعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء ضمن سياقات النّزوح واللجوء.
لا توجد تقريبًا دراسات تستخدم المتغيرين نفسيًا بصيغتهما المباشرة: “الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء” (لدى النّازحين أو اللاجئين Spatial Memory / Memory of Place (الذّاكرة المكانيّة أو ذاكرة المكان. وهذا في الحقيقة يمثل الفجوة البحثيّة التي ستستند إليها دراستنا؛ إذ تسعى دراستنا إلى استكشافها بصورة مباشرة لدى النّازحين من جنوب لبنان.
– دراسة مورّاني Murrani (2023) بعنوان: “رسم خرائط الوطن والذاكرة والتعافي المكاني في سياق الهجرة القسرية: رسم خرائط تشاركي مع اللاجئين وطالبي اللجوء”
“Mapping Home, Memory and Spatial Recovery in Forced Migration: Participatory Mapping with Refugees and Asylum Seekers”
هدفت الدّراسة إلى استكشاف دور الذّاكرة المكانيّة في إعادة بناء الإحساس بالمكان والانتماء لدى اللاجئين وطالبي اللجوء من خلال الخرائط التّشاركيّة. أجريت هذه الدّراسة في إنكلترا. اتبعت الدّراسة المنهج النوعي باستخدام الخرائط التّشاركيّة والمقابلات مع لاجئين وطالبي لجوء في جنوب غرب إنجلترا. أظهرت النّتائج أنّ استحضار الأماكن الأصليّة من خلال الخرائط، والروايات الشّخصيّة ساعد المشاركين على استعادة ذكرياتهم المكانيّة والمحافظة على إحساسهم بالهُويّة والانتماء، كما أسهم في التّكيف مع البيئة الجديدة من دون فقدان العلاقة النّفسيّة بالمكان الأصلي.
- دراسة فرينش وأكيسون Frensch & Akesson (2025) بعنوان: “منظور اجتماعي – مكاني لتعزيز الشعور بالانتماء لدى أسر اللاجئين المستقرة في المدن الكندية الصغيرة”
“A Socio-Spatial Perspective on Fostering a Sense of Belonging among Refugee Families Resettled in Canadian Small Cities”
هدفت الدّراسة إلى تحليل الكيفيّة التي يسهم بها المكان والحي والمدينة في تنمية الشّعور بالانتماء لدى الأسر اللاجئة بعد إعادة توطينها. أجريت هذه الدّراسة في كندا. اعتمدت الدّراسة مراجعة تكامليّة للأدبيّات المنشورة بين عامي 2012 و2022 من منظور اجتماعي-مكاني. توصلت الدّراسة إلى أنّ الشّعور بالانتماء لدى اللاجئين يتشكل من خلال التّفاعل بين المكان والعلاقات الاجتماعيّة والذكريات المرتبطة بالوطن الأصلي، وأنّ إعادة بناء الروابط المكانيّة والاجتماعيّة تعد عاملًا رئيسًا في دعم الاندماج والرّفاه النّفسي.
- دراسة بناه Panah (2025) بعنوان: “تتبّع دور الذاكرة في إعادة تشكيل التعلّق بالمكان والشعور بالانتماء في سياق الهجرة”
“Tracing the Role of Memory in Reshaping Place Attachment and Belonging through Immigration”
أُعدّت هذه الدّراسة في جامعة كالغاري في كندا، واستندت إلى تجربة الهجرة من إيران إلى كندا. هدفت الدّراسة إلى استقصاء دور الذّاكرة في إعادة تشكيل التّعلق بالمكان والشّعور بالانتماء لدى المهاجرين. اعتمدت الدّراسة منهجًا نوعيًا قائمًا على السّرد الشّخصي والتّصوير الفوتوغرافي بوصفه وسيلة لاستحضار الذّكريات المكانيّة. أظهرت النّتائج أنّ الذكريات المرتبطة بالمكان الأصلي استمرت في تشكيل الهُويّة والانتماء لدى المشاركين، وأن استحضار هذه الذّكريات ساعدهم على إعادة بناء علاقتهم بالمكان الجديد من دون فقدان ارتباطهم النّفسي بالمكان الأول.
– دراسة غوبريوم Gubrium (2025) بعنوان: “تتبّع دور الذاكرة في إعادة تشكيل التعلق بالمكان والانتماء من خلال الهجرة”
“Belonging on the Move: A Multi-Method Exploration of Belonging among Migrants”
هدفت الدّراسة إلى فهم كيفية تشكل الشّعور بالانتماء لدى المهاجرين أثناء التّنقل والانتقال بين أماكن متعددة. أجريت في النّرويج. اعتمدت الدّراسة تصميمًا متعدد الأساليب، شمل مقابلات السّيرة الذاتيّة، ورسم الخرائط، والمشي البحثي. (Walking Interviews) أوضحت النّتائج أنّ الشّعور بالانتماء لا يرتبط بالإقامة في مكان ثابت فقط، بل يتشكل من خلال الذكريات المرتبطة بالوطن الأصلي، والعلاقات الاجتماعيّة، والخبرات اليوميّة في المكان الجديد، وأن الانتماء يمكن أن يمتد عبر أكثر من مكان في الوقت نفسه.
التّعقيب العام على الدِّراسات السّابقة: يتضح من استعراض الدِّراسات السّابقة أنّ الاهتمام العلمي بمفاهيم الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء قد ازداد بصورة ملحوظة خلال السّنوات الأخيرة، لما لهذين المفهومين من دور في تفسير العلاقة بين الإنسان والمكان، ولا سيما في الظروف التي يتعرض فيها الأفراد للنزوح أو اللجوء أو فقدان البيئة المألوفة. وقد تناولت بعض الدِّراسات الذّاكرة المكانيّة بوصفها نظامًا معرفيًا يسهم في الاحتفاظ بالخبرات المكانيّة واستدعائها، بينما ركزت دراسات أخرى على الشّعور بالانتماء بوصفه حاجة نفسيّة أساسيّة ترتبط بالهُويّة، والقبول والعلاقات الاجتماعيّة والاستقرار النّفسي. كما اتجه عدد من الدِّراسات الحديثة إلى بحث العلاقة بين الذّاكرة والمكان والانتماء في سياقات الهجرة واللجوء، مؤكدة أنّ الذّكريات المرتبطة بالمكان تؤدي دورًا مهمًا في المحافظة على الهُويّة، واستمرار الارتباط النّفسي بالمكان الأصلي على الرّغم من الابتعاد منه.
وتشير مراجعة هذه الدِّراسات إلى وجود مجموعة من نقاط الاتفاق، من أبرزها تأكيد أنّ الخبرات والذّكريات المرتبطة بالمكان تسهم في بناء الهُويّة وتعزيز الشّعور بالانتماء، وأنّ فقدان المكان لا يؤدي بالضّرورة إلى فقدان الانتماء، بل قد تصبح الذّاكرة وسيلة للحفاظ على الروابط النّفسيّة والعاطفيّة مع المكان الأصلي. كما أجمعت معظم الدِّراسات على أن العلاقات الاجتماعيّة، والمعاني الشّخصيّة المرتبطة بالمكان تؤدي دورًا محوريًا في استمرار الإحساس بالانتماء، خاصة في سياقات النّزوح والهجرة القسريّة.
وفي المقابل، أظهرت مراجعة الدِّراسات وجود تباين في أهدافها ومناهجها وأدواتها؛ إذ اعتمدت بعض الدِّراسات على المناهج الكمّيّة لقياس الذّاكرة المكانيّة أو الشّعور بالانتماء، في حين استخدمت دراسات أخرى مناهج نوعيّة، مثل المقابلات، والسّرد الذّاتي، والخرائط التّشاركيّة، والتّصوير الفوتوغرافي، لفهم التّجارب المكانيّة للمشاركين. كما أجريت معظم هذه الدِّراسات في بيئات ثقافيّة واجتماعيّة مختلفة، شملت لاجئين ومهاجرين في أوروبا وأمريكا الشّماليّة، الأمر الذي يحد من إمكانيّة تعميم نتائجها على السّياق اللبناني. وفي ضوء ما سبق، يتضح أنّ الأدبيّات السّابقة قد تناولت الذّاكرة المكانيّة أو الشّعور بالانتماء كلٌّ على حدة، كما تناولت بعض الدِّراسات الأجنبيّة العلاقة بين الذّاكرة والمكان والانتماء في سياقات الهجرة واللجوء. إلّا أنّه، في حدود ما أمكن الوصول إليه من دراسات عربيّة حديثة ومحكمة بين عامي 2021 و2026، لم تعثر الباحثة على دراسة تناولت بصورة مباشرة العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة، والشّعور بالانتماء في سياق النزوح أو اللجوء. ومن هنا تبرز أهمّية الدّراسة الحاليّة، كونها تسعى إلى سد هذه الفجوة من خلال استكشاف الأبعاد النّفسيّة لهذه العلاقة لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان، بما يسهم في إثراء الأدبيّات العربيّة في مجال علم النّفس المرتبط بالمكان والنّزوح والانتماء.
الإطار النّظري: تتناول هذه الدّراسة الأبعاد النّفسيّة للدور الذي تؤديه الذّاكرة المكانيّة في المحافظة على الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان، وهي علاقة تتقاطع فيها مجموعة من المفاهيم النّفسيّة والاجتماعيّة المرتبطة بتجربة الإنسان مع المكان وما يحمله من ذكريات ومعانٍ ودلالات. وقد أولت الأدبيات العلميّة اهتمامًا متزايدًا بدور المكان في تشكيل الهُويّة النّفسيّة للفرد، وبكيفيّة استمرار تأثيره في مشاعره وانتمائه حتى في حالات الابتعاد القسري منه.
وانطلاقًا من ذلك، يستعرض هذا الإطار النّظري مجموعة من المفاهيم والمحاور المرتبطة بموضوع الدّراسة، بدءًا من العلاقة بين المكان والهُويّة النّفسيّة، مرورًا بمفهوم الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء، وصولًا إلى مناقشة العلاقة بينهما في ضوء تجربة النّزوح وفقدان المكان، وذلك بهدف توفير أساس نظري يساعد في فهم الظاهرة المدروسة وتفسير نتائجها.
- المكان والهُويّة النّفسيّة: من منظور علم النّفس البيئي، قدم بروشانسكي وزملاؤه Proshansky (1983) مفهوم الهُويّة المكانيّة (Place Identity) الذي يشير إلى ذلك الجزء من هُويّة الفرد المتكوّن من الأفكار والمشاعر والقيم والذّكريات المرتبطة بالأماكن التي عاش فيها. ووفقًا لهذا التّصور، تسهم البيئة المكانيّة في تشكيل صورة الفرد عن ذاته، وتصبح جزءًا من بنيته النّفسيّة وإدراكه لهُويته الشّخصيّة والاجتماعيّة.
وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ العلاقة بين الإنسان والمكان لا تقتصر على الارتباط العاطفي أو الذكريات الشّخصيّة فحسب، بل تمتد لتؤدي دورًا مهمًا في تشكيل الهُويّة الفرديّة والجماعيّة، وفي دعم الشّعور بالاستمرارية النّفسيّة والانتماء. وفي هذا السّياق، ترى ليفيتسكا Lewicka (2011) أنّ الأماكن التي يرتبط بها الأفراد عبر خبراتهم الحياتيّة تشكل جزءًا من تصورهم لذواتهم، وتؤثر في شعورهم بالاستقرار والارتباط الاجتماعي. كما يؤكد ألين Allenوزملاؤه (2021) أنّ الشّعور بالانتماء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئات والأماكن التي تمنح الأفراد إحساسًا بالقبول والاستمراريّة والمعنى، وأنّ فقدان هذه البيئات قد ينعكس على شعورهم بالهُويّة والانتماء النفسي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمّيّة خاصة في سياقات النّزوح، إذ يجد الأفراد أنفسهم منفصلين عن الأماكن التي ارتبطت بذكرياتهم وخبراتهم الحياتيّة، الأمر الذي يجعل فهم العلاقة بين المكان والهُويّة النّفسيّة مدخلًا أساسيًا لفهم مشاعر الانتماء والارتباط بالمكان لدى النّازحين.
- الذّاكرة المكانيّة: انطلاقًا من أهمّيّة هذا المفهوم في الدّراسة الحاليّة، يتناول هذا المحور خمسة جوانب رئيسة تتمثل في: مفهوم الذّاكرة المكانيّة وتعريفها، ومكوناتها الأساسيّة، وخصائصها، ووظائفها النّفسيّة والاجتماعيّة، ثم علاقتها بالهُويّة والتعلق بالمكان وأهميتها في سياق النّزوح وفقدان المكان.
1-2مكونات الذّاكرة المكانيّة: تشير الأدبيّات إلى أنّ الذّاكرة المكانيّة تتكون من مجموعة عناصر مترابطة، من أهمها:
- المعالم المكانيّة (Landmarks): وتشمل الأماكن أو العناصر البارزة التي تساعد الفرد على التّعرف إلى البيئة المحيطة واستدعائها.
- المسارات (Routes): وتمثل الطرق والاتجاهات التي يعتاد الفرد سلوكها بين الأماكن المختلفة.
ج-الخرائط الذّهنيّة (Cognitive Maps): وهي الصّور أو التّمثيلات العقليّة التي يكونها الفرد عن البيئة المكانيّة والعلاقات القائمة بين مكوناتها.
- الخبرات والانفعالات المرتبطة بالمكان: وتشمل الذّكريات الشّخصيّة والمشاعر التي تتكون نتيجة التّفاعل مع المكان عبر الزمن.
2-2 خصائص الذّاكرة المكانيّة: تتميز الذّاكرة المكانيّة بعدد من الخصائص التي تجعلها مختلفة عن غيرها من أنماط الذّاكرة، ومن أبرزها:
- ارتباطها الوثيق بالخبرات الحياتيّة اليوميّة.
- احتفاظها بالتفاصيل المكانيّة لحِقبٍ زمنيّة طويلة.
- ارتباطها بالمشاعر والانفعالات المرتبطة بالأماكن.
- قابليتها للاستدعاء حتى بعد الابتعاد من المكان لحِقبٍ طويلة.
- إسهامها في تكوين الشّعور بالاستمراريّة والهُويّة الشّخصيّة.
وقد أشارت ليفيتسكا Lewicka (2011) إلى أنّ الذكريات المرتبطة بالمكان لا تتعلق بالجوانب الماديّة للبيئة فحسب، بل تشمل أيضًا المعاني الشّخصيّة والاجتماعيّة التي يضفيها الأفراد على الأماكن التي عاشوا فيها.
تشير الأدبيّات الحديثة إلى وجود علاقة وثيقة بين الذّاكرة المكانيّة والتّعلّق بالمكان، إذ تسهم الذكريات المرتبطة بالأماكن في بناء روابط عاطفيّة ونفسيّة مستمرة بين الفرد والبيئة التي عاش فيها. فالأماكن لا تكتسب أهميتها من خصائصها الماديّة فحسب، وإنّما من الخبرات والذّكريات والمعاني التي تتراكم فيها عبر الزّمن. وفي هذا السّياق، أوضح لوماس Lomas (2024) أنّ الذّاكرة تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل التّعلق بالمكان والمحافظة عليه، إذ تسهم الخبرات الماضية والذكريات الشّخصيّة في إضفاء قيمة عاطفيّة خاصة على الأماكن، مما يجعلها جزءًا من هُوية الفرد وتاريخه الشّخصي. كما بينت الدّراسة أنّ استدعاء الذّكريات المرتبطة بالمكان يعزز الشّعور بالقرب النّفسي منه؛ حتى في حالات الابتعاد الجغرافي أو التّغيرات التي تطرأ عليه، الأمر الذي يفسر استمرار الارتباط بالأماكن المفقودة أو التي تعذر الوصول إليها.
2-3 الذّاكرة المكانيّة في سياق النّزوح وفقدان المكان: تكتسب الذّاكرة المكانيّة أهمّيّة خاصة في حالات النّزوح والتّهجير القسري، إذ تتحول من مجرد وسيلة لاستحضار الأماكن إلى آليّة نفسيّة تساعد الأفراد على المحافظة على ارتباطهم بأماكنهم الأصليّة بعد فقدانها. فمع الابتعاد القسري من المكان، تبقى الذّكريات المرتبطة بالمنازل والأحياء والعلاقات الاجتماعيّة حاضرة في الوعي، وتستمر في تشكيل تصورات الأفراد عن ذواتهم وهويتهم وانتمائهم.
وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ الذّكريات المرتبطة بالمكان تؤدي دورًا مهمًا في المحافظة على الروابط النّفسيّة والعاطفيّة مع الأماكن المفقودة. وفي هذا السّياق، أوضح تشيان Qian وزملاؤه (2026) أنّ الذّاكرة تمثل أحد المرتكزات الأساسيّة للتعلق بالمكان، إذ تسهم الخبرات والذّكريات المتراكمة في تعزيز الارتباط الرمزي والعاطفي بالأماكن والمحافظة على المعاني المرتبطة بها عبر الزّمن. كما أظهرت الدّراسة أنّ الذّاكرة تساعد الأفراد على الحفاظ على شعورهم بالهُويّة والاستمراريّة على الرّغم من التّغيرات المكانيّة التي قد تفرضها الظروف المختلفة.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن النّظر إلى الذّاكرة المكانيّة لدى النّازحين بوصفها موردًا نفسيًا يساعدهم على الحفاظ على ارتباطهم بأماكنهم الأصليّة، وعلى استمراريّة مشاعر الانتماء إليها على الرّغم من ظروف النّزوح والابتعاد منها.
- الشّعور بالانتماء: يُعد الشّعور بالانتماء من المفاهيم النّفسيّة والاجتماعيّة الأساسيّة التي حظيت باهتمام واسع في الأدبيّات العلميّة، نظرًا لدوره في تشكيل هُويّة الفرد وعلاقته بالآخرين وبالأماكن التي يعيش فيها. فإحساس الإنسان بأنّه جزء من جماعة أو مجتمع أو مكان معين يسهم في تعزيز شعوره بالأمان والاستقرار والاستمراريّة النّفسيّة، كما يساعده على بناء روابط اجتماعيّة وعاطفيّة تمنحه الإحساس بالمعنى والقبول.
وتزداد أهمّيّة الشّعور بالانتماء في الظروف التي يتعرض فيها الأفراد لتغيّرات جذريّة في بيئاتهم الحياتيّة، كما هو الحال في حالات النّزوح وفقدان المكان، إذ قد يواجه الأفراد تحدِّيات تتعلق بالحفاظ على ارتباطهم النّفسي والاجتماعي بأماكنهم الأصليّة. وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المحور مفهوم الشّعور بالانتماء وأبعاده المختلفة، وأهميته النّفسيّة والاجتماعيّة، ثم يناقش طبيعة هذا الشّعور في سياق النّزوح وما يرافقه من تحولات في علاقة الفرد بالمكان والهُويّة.
1-3 مفهوم الشّعور بالانتماء: ترى يوفال-ديفيس Yuval-Davis (2006) أنّ الانتماء لا يقتصر على مجرد العضويّة في جماعة أو مكان، بل يعبّر عن ارتباط عاطفي وإدراكي يشعر من خلاله الفرد أنّه جزء من سياق اجتماعي أو مكاني معين، وأنّه “في موطنه” ضمن هذا السّياق.
وفي إطار الدّراسة الحاليّة، يُنظر إلى الشّعور بالانتماء بوصفه حالة نفسيّة تعكس درجة الارتباط العاطفي، والرمزي التي يشعر بها النّازح تجاه منطقته الأصليّة على الرّغم من ابتعاده منها نتيجة ظروف النّزوح.
- أبعاد الشّعور بالانتماء: يُعد الشّعور بالانتماء مفهومًا متعدد الأبعاد يتجاوز مجرد ارتباط الفرد بمكان أو جماعة معيّنة، إذ يشمل مجموعة من الجوانب النّفسيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة التي تتفاعل فيما بينها لتشكّل إحساس الفرد أنه جزء من كيان أكبر يمنحه المعنى والاستقرار والهُويّة. وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ الانتماء يتضمن بعدًا عاطفيًا يتمثل في مشاعر الارتباط والحنين والألفة تجاه الأشخاص أو الأماكن التي تمثل أهمّيّة للفرد، وبعدًا هوياتيًا يرتبط بإدراك الفرد لذاته وعلاقته بالمكان، أو الجماعة بوصفهما جزءًا من تكوينه الشّخصي وهويته الاجتماعيّة. كما يتضمن بعدًا اجتماعيًا يعكس طبيعة العلاقات والروابط التي تجمع الفرد بالآخرين وتمنحه الشّعور بالقبول والتّقدير والعضويّة داخل جماعة معينة، إضافة إلى البعد المكاني الذي يتمثل في الارتباط النّفسي بالمكان، وما يحمله من ذكريات وخبرات ومعانٍ شخصيّة تسهم في تعزيز الإحساس بالاستقرار والاستمراريّة.
وتؤكد الدِّراسات الحديثة أنّ هذه الأبعاد لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتداخل فيما بينها لتشكّل تجربة الانتماء بوصفها خبرة إنسانيّة متكاملة. فارتباط الفرد بمكان معين لا ينفصل عن الذّكريات التي يحملها عنه، ولا عن العلاقات الاجتماعيّة التي نشأت فيه، ولا عن المعاني التي أصبح يمثلها في تكوين هويته الشّخصيّة. ومن هنا يكتسب الشّعور بالانتماء أهمّيّة خاصة لدى الأفراد الذين تعرضوا لتجربة النّزوح، إذ قد يصبح المكان الأصلي وما يرتبط به من ذكريات وعلاقات جزءًا أساسيًا من إحساسهم بالهُويّة والاستمراريّة النّفسيّة على الرّغم من الابتعاد منه.
- العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء: تحظى العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء باهتمام متزايد في الأدبيات النّفسيّة المعاصرة، انطلاقًا من أنّ ارتباط الإنسان بالمكان لا يقتصر على وجوده المادي فيه، بل يمتد إلى ما يختزنه من ذكريات وتجارب ومعانٍ تسهم في تشكيل هويته وإحساسه بالانتماء. فالمكان الذي يعيش فيه الفرد يتحول بمرور الزّمن إلى جزء من خبراته الشّخصيّة والاجتماعيّة، ويصبح حاضرًا في ذاكرته حتى بعد مغادرته، الأمر الذي يجعل الذّاكرة المكانيّة أحد المرتكزات الأساسيّة لاستمرار الشّعور بالانتماء، ولا سيما في ظروف النّزوح أو فقدان المكان. وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المحور العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء من خلال أربعة جوانب رئيسة، تشمل دور الذّاكرة المكانيّة في بناء الانتماء، وإسهامها في تشكيل الهُويّة، وطبيعة العلاقة التّفاعليّة بين المفهومين، ثم أهمّيّة هذه العلاقة في سياق النزوح وفقدان المكان.
- الذّاكرة المكانيّة بوصفها أساسًا نفسيًا للشعور بالانتماء
تشير الأدبيات إلى أنّ الذّاكرة المكانيّة لا تؤدي وظيفة معرفية تتمثل في حفظ المعلومات المتعلقة بالأماكن فحسب، بل تمثل أيضًا أساسًا نفسيًا يبنى عليه الشّعور بالانتماء. فالأماكن التي يعيش فيها الإنسان تحتفظ في ذاكرته بما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وخبرات انفعاليّة، الأمر الذي يجعلها جزءًا من عالمه النّفسي حتى بعد الابتعاد منها. وتوضح الأدبيّات الحديثة أنّ الذكريات المكانيّة تمنح المكان قيمة وجدانيّة تتجاوز خصائصه الماديّة، إذ تصبح الذّكريات وسيلة لاستحضار الإحساس بالأمان والألفة والاستمراريّة، وهي عناصر تعد من المكونات الأساسية للشّعور بالانتماء. كما تؤكد مراجعة ألين Allen وزملاؤها (2021) أنّ الانتماء يتعزز عندما يشعر الفرد بوجود روابط ذات معنى مع الأشخاص، أو البيئات التي تشكل جزءًا من خبراته الحياتيّة، وهو ما يجعل الذّاكرة المكانيّة عنصرًا أساسيًا في المحافظة على هذا الشّعور عبر الزمن.
- دور الذّاكرة المكانيّة في تشكيل الهُويّة والانتماء
ترتبط الذّاكرة المكانيّة ارتباطًا وثيقًا ببناء الهُويّة الشّخصيّة والاجتماعيّة، إذ تسهم الأماكن التي يعيش فيها الفرد في تشكيل تصوراته عن ذاته من خلال ما يرتبط بها من خبرات وعلاقات وذكريات متراكمة. فالمكان لا يمثل إطارًا جغرافيًا محايدًا، وإنّما يصبح جزءًا من التّاريخ الشّخصي للفرد، ويكتسب مع الزّمن معاني ورموزًا تؤثر في إدراكه لهُويّته وانتمائه. وعندما يستحضر الفرد ذكرياته المرتبطة بمكان معين، فإنّه لا يستعيد صورًا أو أحداثًا منفصلة، بل يستعيد جزءًا من ذاته ومن الخبرات التي أسهمت في تكوين شخصيته.
وتشير الأدبيات الحديثة إلى أنّ الذكريات المكانيّة تساعد في الحفاظ على استمرارية الهُويّة عبر الزمن، لأنّها تربط الماضي بالحاضر، وتمنح الفرد شعورًا بالاستقرار والاستمراريّة على الرّغم من التّغيّرات التي قد تطرأ على حياته. كما أنّ الأماكن التي ارتبطت بمواقف ذات قيمة عاطفيّة أو اجتماعيّة تصبح جزءًا من البناء النّفسي للفرد، الأمر الذي يجعل الشّعور بالانتماء إليها يستمر حتى بعد الابتعاد منها. وفي هذا السّياق، أوضح لوماس Lomas (2024) أنّ الذّكريات المرتبطة بالمكان تؤدي دورًا أساسيًا في المحافظة على المعنى الشّخصي للمكان وتعزيز العلاقة النّفسيّة به، في حين ترى ليفيتسكا Lewicka (2011) أنّ الارتباط بالمكان يتطور من خلال تراكم الخبرات والذكريات التي تجعل المكان جزءًا من هُويّة الفرد وذاكرته.
- العلاقة التّفاعليّة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء
تتسم العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء بطابع تفاعلي؛ إذ يؤثر كل منهما في الآخر بصورة مستمرة. فمن جهة، تسهم الذّاكرة المكانيّة في تعزيز الشّعور بالانتماء من خلال استحضار الخبرات والمعاني المرتبطة بالمكان، ومن جهة أخرى، يؤدي الشّعور بالانتماء إلى ترسيخ هذه الذكريات وإضفاء قيمة وجدانيّة عليها، ما يجعلها أكثر رسوخًا واستمرارًا في الذّاكرة. وبذلك تتشكل علاقة متبادلة يصبح فيها المكان جزءًا من هُوية الفرد، بينما تتحول الذّكريات المرتبطة به إلى مصدر دائم للشّعور بالانتماء.
وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ هذه العلاقة تقوم على التفاعل بين الجوانب المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، إذ تسهم الخبرات الإيجابيّة التي يعيشها الفرد داخل المكان في تكوين ذكريات ذات دلالة وجدانيّة، تتحول لاحقًا إلى مصدر للإحساس بالألفة والأمان والاستقرار. كما تؤكد الأدبيّات أنّ استمرار استحضار هذه الذكريات يساعد على بقاء الارتباط بالمكان حتى في حالات التغير المكاني أو الابتعاد منه، وهو ما يجعل الذّاكرة المكانيّة أحد العوامل التي تدعم استمراريّة الانتماء والمحافظة عليه عبر الزمن (Allen et al, 2021؛ Lomas, 2024).
8– أهمّيّة العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء في سياق النّزوح وفقدان المكان
تكتسب العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء أهمّيّة خاصة في ظروف النزوح، إذ يتعرض الأفراد إلى فقدان المكان الذي ارتبطوا به لسنوات طويلة. ففي مثل هذه الظروف، لا تقتصر آثار النّزوح على فقدان المسكن أو البيئة الجغرافيّة، وإنما تمتد إلى فقدان جزء من الخبرات والعلاقات والمعاني التي كانت تشكل أساس الشّعور بالاستقرار والانتماء. ومع ذلك، تظل الذّاكرة المكانيّة تؤدي دورًا مهمًا في المحافظة على الصّلة النّفسيّة بالمكان الأصلي، من خلال استحضار تفاصيله وذكرياته وما يرتبط به من رموز شخصيّة واجتماعيّة.
وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أن استمرار استحضار المكان في الذّاكرة يساعد الأفراد على الحفاظ على شعورهم بالهُويّة والانتماء على الرّغم من التّغيّرات المكانيّة التي فرضتها ظروف النّزوح. وفي هذا السّياق، أوضح تشيان Qian وزملاؤه (2026) أنّ الذّكريات المرتبطة بالمكان تعزز الارتباط الرّمزي والعاطفي به، وتسهم في المحافظة على استمراريّة الهُويّة والمعنى الشّخصي للمكان. كما تؤكد الأدبيّات أنّ هذه العلاقة قد تمثل أحد مصادر الصّمود النّفسي، إذ تساعد الأفراد على مواجهة مشاعر الفقد والاقتلاع المكاني، وتمنحهم شعورًا باستمرار ارتباطهم بأماكنهم الأصليّة على الرّغم من الابتعاد منها. ومن هذا المنطلق، تنطلق الدّراسة الحاليّة من افتراض أنّ الذّاكرة المكانيّة لا تمثل مجرد استرجاع للماضي، بل تعد موردًا نفسيًا يسهم في الحفاظ على الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان.
الإطار المفاهيمي للدّراسة: يتضح من استعراض الأدبيّات النّظريّة أنّ المكان يمثل أكثر من كونه إطارًا جغرافيًا، إذ يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء الخبرات الإنسانيّة والهُويّة النّفسيّة. ومن خلال التّفاعل المستمر مع المكان، تتكون لدى الفرد ذاكرة مكانيّة تحتفظ بالخبرات والمعاني والرموز المرتبطة بالأماكن التي عاش فيها، وتصبح هذه الذّكريات جزءًا من بنائه النفسي وإدراكه لذاته.
وفي ضوء ذلك، تنطلق الدّراسة الحاليّة من تصور مفاهيمي يقوم على أنّ الذّاكرة المكانيّة تمثل أحد المرتكزات النّفسيّة الرئيسة التي تسهم في استمرار الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان، من خلال ما تحتفظ به من ذكريات وخبرات ومعانٍ مرتبطة بالمكان الأصلي. ومن ثم، تسعى الدّراسة إلى استكشاف الكيفية التي تتجلى بها هذه العلاقة في الخبرات الذاتية للمشاركين، وكشف أبعادها النّفسيّة في سياق تجربة النّزوح.
وعلى الرّغم من القيمة العلميّة لهذه الدِّراسات، فإنّها تكشف فجوة بحثيّة تتمثل في محدوديّة الدِّراسات التي تناولت العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء بصورة مباشرة، ولا سيما من منظور نفسي، وفي سياق النّزوح الدّاخلي الناتج عن الحروب والصّراعات. كما لم يُعثر – من خلال مراجعة الأدبيّات العربيّة والأجنبيّة التي أمكن الوصول إليها – على دراسة تناولت هذه العلاقة لدى النّازحين من جنوب لبنان، أو سعت إلى كشف أبعادها النّفسيّة اعتمادًا على الخبرات الذّاتيّة للمشاركين.
ومن هنا تنطلق الدّراسة الحاليّة لتقديم إضافة علمّيّة تتمثل في الدّور الذي تؤديه الذّاكرة المكانيّة في تعزيز الشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان، بالاعتماد على المنهج النوعي من خلال المقابلات شبه الموجهة، إلى جانب المقياس الوصفي القصير، بما يسمح بفهم أعمق للخبرات النّفسيّة المرتبطة بالنزوح وفقدان المكان، ويسهم في إثراء الأدبيّات العربيّة في هذا المجال الذي ما يزال بحاجة إلى مزيد من البحث والدّراسة.
منهج الدّراسة: اعتمدت الدّراسة المنهج النّوعي الاستكشافي، لملاءمته لطبيعة المشكلة البحثيّة التي تهدف إلى فهم الأبعاد النّفسيّة للعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان، من خلال استكشاف خبراتهم الشّخصيّة وإدراكاتهم للمكان وتجربة النّزوح. وقد اختير المنهج النوعي الاستكشافي لقدرته على تقديم فهم معمق للخبرات الإنسانية كما يعيشها المشاركون، وهو ما يتناسب مع طبيعة الدّراسة الحاليّة (Creswell & Poth, 2018). كما يتيح هذا المنهج فهم الظاهرة في سياقها الطبيعي، وكشف المعاني التي يضفيها المشاركون على تجاربهم، بعيدًا من الاقتصار على القياس الكمي أو اختبار الفرضيّات الإحصائيّة.
ولا تستهدف الدّراسة تحقيق التّعميم الإحصائي، وإنّما تسعى إلى تقديم فهم معمق للظاهرة المدروسة في سياقها الخاص، بما يسهم في بناء معرفة نوعيّة يمكن الإفادة منها في تفسير خبرات مشابهة ضمن سياقات نزوح أو تهجير أخرى، مع مراعاة خصوصيّة كل سياق اجتماعي وثقافي.
ولتحقيق أهداف الدّراسة، استُخدمت المقابلة شبه الموجهة بوصفها الأداة الرئيسة لجمع البيانات، إلى جانب مقياس وصفي قصير صُمم لدعم وصف خصائص المشاركين واستكشاف بعض المؤشرات المرتبطة بموضوع الدّراسة. وقد عُرضت أداتا الدّراسة على عدد من المحكمين المتخصصين في علم النّفس، والبحث العلمي للتحقق من وضوح البنود وملاءمتها لأهداف الدّراسة، كما أُجريت مقابلات استطلاعيّة للتأكد من وضوح الأسئلة وسهولة فهمها قبل البدء في جمع البيانات.
مجتمع الدّراسة وعينتها: تكوّن مجتمع الدّراسة من النّازحين من جنوب لبنان الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم نتيجة الأحداث الأخيرة، واستقروا بصورة مؤقتة في مناطق لبنانيّة أخرى بعد تعرض منازلهم أو مناطق سكنهم لأضرار مباشرة. واختيرت عيّنة الدّراسة بطريقة قصديّة، نظرًا لملاءمة هذا النّوع من العينات لطبيعة البحث النوعي.
وقد بلغ عدد أفراد العينة (22) مشاركًا من الذكور والإناث ومن فئات عمريّة مختلفة، وجميعهم نزحوا من جنوب لبنان منذ نحو أربعة أشهر. وقد روعي في اختيارهم أن يكونوا قد عاشوا تجربة النّزوح بصورة مباشرة، بما يمكنهم من تقديم وصف غني ومعمق لخبراتهم المتعلقة بالذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء، وهو ما يتوافق مع أهداف الدّراسة وطبيعة المنهج النّوعي المعتمد.
جدول 1. الخصائص الديموغرافية لأفراد العينة.
| مدة النزوح | مكان الإقامة الحالي | مكان الإقامة الأصلي | المهنة قبل النزوح | الحالة الاجتماعية | العمر | الجنس | الحالة |
| 4 أشهر | مرياطة | قضاء بنت جبيل | معالج فيزيائي | متأهل | 30 سنة | ذكر | 1 |
| 4 أشهر | مرياطة | الكفاءات | معلمة رياضيات | عزباء | 27 سنة | أنثى | 2 |
| 4 أشهر | مرياطة | الضاحية الجنوبية | بائع سجاد | أعزب | 20 سنة | ذكر | 3 |
| 4 أشهر | مرياطة | الضاحية الجنوبية | ربة منزل | متزوجة | 51 سنة | أنثى | 4 |
| 4 أشهر | مرياطة | النبطية | تاجر | متزوج | 41 سنة | ذكر | 5 |
| 4 أشهر | مرياطة | الكفاءات | تاجر سجاد | متزوج | 56 سنة | ذكر | 6 |
| 4 أشهر | مرياطة | النبطية | ربة منزل | متزوجة | 36 سنة | أنثى | 7 |
| 4 أشهر | مرياطة | الجنوب | تاجر سجاد | متزوج | 58 سنة | ذكر | 8 |
| 4 أشهر | مرياطة | قضاء بنت جبيل | الدعاية والإعلان | متزوجة | 28 سنة | أنثى | 9 |
| 4 أشهر | مرياطة | النبطية | ربة منزل | مطلقة | 51 سنة | أنثى | 10 |
| 4 أشهر | مرياطة | الشرقية | صالون تجميل | عزباء | 25 سنة | أنثى | 11 |
| 4 أشهر | مرياطة | الجنوب | مجال التجميل | عزباء | 21 سنة | أنثى | 12 |
| 4 أشهر | مرياطة | بنت جبيل | تاجر | متزوج | 38 سنة | ذكر | 13 |
| 4 أشهر | مرياطة | بنت جبيل | ربة منزل | متزوجة | 55 سنة | أنثى | 14 |
| 4 أشهر | مرياطة | بنت جبيل | تاجر | أعزب | 23 سنة | ذكر | 15 |
| 4 أشهر | مرياطة | الصرفند | ربة منزل | متزوجة | 37 سنة | أنثى | 16 |
| 4 أشهر | مرياطة | الصرفند | ربة منزل | أرملة | 75 سنة | أنثى | 17 |
| 4 أشهر | مرياطة | الصرفند | طالبة | عزباء | 17 سنة | أنثى | 18 |
| 4 أشهر | مرياطة | الصرفند | طالبة | أعزب | 19 سنة | أنثى | 19 |
| 4 أشهر | مرياطة | الصرفند | طالب | أعزب | 18 سنة | ذكر | 20 |
| 4 أشهر | مرياطة | بنت جبيل | ربة منزل | أرملة | 58 سنة | أنثى | 21 |
| 4 أشهر | مرياطة | بنت جبيل | صالون تجميل | عزباء | 27 سنة | أنثى | 22 |
أدوات الدّراسة: اعتمدت الدّراسة على أداتين رئيستين لجمع البيانات، هما: الاستبانة الوصفيّة القصيرة، والمقابلة شبه الموجهة، وذلك بما يتناسب مع طبيعة المنهج المختلط ذي الغلبة النّوعيّة، ومع هدف الدّراسة المتمثل في فهم العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان.
أولًا: الاستبانة الوصفية القصيرة
استُخدمت الاستبانة بوصفها أداة كمّيّة ووصفيّة مساندة للبيانات النوعيّة، وهدفت إلى تقديم مؤشرات كمّيّة منظمة حول درجة حضور الذّاكرة المكانيّة، ومستوى الشّعور بالانتماء، وطبيعة العلاقة بينهما لدى المشاركين. وقد بُنيت الاستبانة في ضوء الإطار النّظري للدّراسة والدِّراسات السّابقة المرتبطة بمفاهيم الذّاكرة المكانيّة، والتعلق بالمكان، والشّعور بالانتماء، ولا سيما الأدبيّات التي تناولت الهُويّة المكانيّة، والارتباط العاطفي بالمكان، والانتماء في سياقات النّزوح وفقدان المكان، مثل أعمال توان Tuan (1977)، وريلفRelph (1976)، وبروشانسكي وزملائهProshansky et al. (1983)، وهاجرتيHagerty et al. وزملائه(1992)، وليفيتسكا Lewicka (2011)، و ألين وزملائهAllen et al. (2021)، ولوماسLomas (2024)، وتشيان وزملائهQian et al. (2026)، إلى جانب الدِّراسات السّابقة الواردة في الإطار النّظري للدّراسة.
تكوّنت الاستبانة من مجموعة من العبارات المرتبطة بمتغيري الدّراسة، وصيغت وفق مقياس ليكرت الخماسي، بما يسمح بتحديد درجة موافقة المشاركين على البنود. وقد شملت بنودًا مباشرة وأخرى عكسيّة، بهدف دعم دقة الاستجابات وتقليل النزعة إلى الموافقة الشكلية. وجرى إعداد البنود الأولية بالاستناد إلى التعريفات الإجرائية لمتغيري الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء، ثم عُرضت على مجموعة من المحكمين المتخصصين في العلوم النّفسيّة والتربويّة، والإحصاء، والقياس والتّقويم، للتحقق من وضوح الصّياغة، وملاءمة البنود لأهداف الدّراسة، وارتباطها بالمجالات المراد قياسها. وفي ضوء ملاحظات المحكمين، أُجريت بعض التّعديلات اللغويّة والمنهجيّة على عدد من البنود قبل اعتمادها في صورتها النّهائيّة.
ولم يُتحقق من الصّدق الإحصائي أو الثبات الإحصائي للاستبانة باستخدام معاملات الارتباط أو الاتساق الداخلي، نظرًا لمحدودية حجم العيّنة وطبيعة الدّراسة الاستكشافيّة، أضف إلى أنّ الاستبانة لم تُستخدم بوصفها أداة قياس معياريّة للتعميم الإحصائي، وإنّما بوصفها أداة وصفيّة مساندة للمقابلات النّوعيّة. ولذلك اقتصر التّحقق من صلاحيتها على صدق المحكمين وملاءمتها النّظريّة والمنهجيّة لموضوع الدّراسة.
ثانيًا: المقابلة شبه الموجهة
اعتمدت الدّراسة المقابلة شبه الموجهة بوصفها الأداة النّوعيّة الرئيسة لجمع البيانات، وهدفت إلى استكشاف الخبرات الذّاتيّة للنازحين، وكشف كيفيّة استحضارهم لذكريات المكان، وطريقة تعبيّرهم عن الشّعور بالانتماء، وتفسيرهم للعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء بعد تجربة النّزوح. وقد وُجهت المقابلات إلى عيّنة من النّازحين من جنوب لبنان ممن عاشوا تجربة النّزوح بصورة مباشرة، بما يتيح الحصول على بيانات غنيّة وعميقة حول موضوع الدّراسة.
بُني دليل المقابلة في ضوء أهداف الدّراسة وأسئلتها الفرعيّة، وبالاستناد إلى الإطار النّظري والدِّراسات السّابقة المتعلقة بالذّاكرة المكانيّة، الهُويّة المكانيّة، الشّعور بالانتماء، النزوح، وفقدان المكان. وقد تضمّن الدليل مجموعة من الأسئلة المفتوحة التي تناولت ثلاثة محاور رئيسة: الذّاكرة المكانيّة، الشّعور بالانتماء، والعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء. وقد روعي في صياغة الأسئلة أن تكون واضحة، مرنة، وغير إيحائيّة، بما يسمح للمشاركين بالتّعبير عن تجاربهم ومشاعرهم ومعانيهم الخاصة بحرّيّة.
وللتحقق من صدق أداة المقابلة، عُرض دليل المقابلة على مجموعة من المحكمين المتخصصين في العلوم النّفسيّة والتّربويّة، والإحصاء، والقياس والتقويم، للتأكد من ملاءمة الأسئلة لأهداف الدّراسة، ووضوحها، وتسلسلها المنطقي، وقدرتها على استثارة بيانات نوعيّة مرتبطة بموضوع البحث. وفي ضوء ملاحظاتهم، عُدلت بعض الصياغات، وأُعيد ترتيب بعض الأسئلة، وحُذفت أو دُمجت بعض البنود المتقاربة. كما أُجريت مقابلات استطلاعية محدودة للتأكد من وضوح الأسئلة وسهولة فهمها من قبل المشاركين، قبل البدء في التطبيق الفعلي للمقابلات.
إجراءات جمع البيانات: بعد إعداد أدوات الدّراسة وعرضها على عدد من المحكمين المتخصصين للتأكد من ملاءمتها لأهداف الدّراسة ووضوح بنودها، أُجريت مقابلات استطلاعيّة للتأكد من وضوح الأسئلة وسهولة فهمها من قبل المشاركين، وأُدخلت التّعديلات اللازمة في ضوء الملاحظات الواردة.
بعد ذلك، جرى اختيار المشاركين بطريقة قصديّة وفق معايير الدّراسة، وكان التَواصِل معهم وشرح أهداف البحث وطبيعته، مع تأكيد أنّ المشاركة طوعيّة، وأن المعلومات التي سيدلون بها ستستخدم لأغراض البحث العلمي فقط، مع الحفاظ على سريّة هوياتهم وعدم الإفصاح عن أي بيانات شخصيّة.
ثم طُبقت المقابلات شبه الموجهة بصورة فرديّة في مكان يضمن الخصوصيّة والراحة للمشاركين، واستغرقت كل مقابلة ما بين (30–45) دقيقة تقريبًا، وذلك بعد الحصول على موافقتهم على المشاركة وتسجيل المقابلة عند الحاجة. كما طُبق المقياس الوصفي القصير على المشاركين عقب انتهاء المقابلة، بهدف دعم البيانات النّوعيّة وتوفير مؤشرات وصفيّة تساعد في تفسير النتائج.
وعقب الانتهاء من جمع البيانات، فُرغت المقابلات نصيًا، ونُظمت البيانات تمهيدًا لتحليلها وفق أسلوب التحليل الموضوعي (Thematic Analysis)، بما يتلاءم مع طبيعة الدّراسة وأهدافها.
عرض نتائج الدّراسة ومناقشتها : يتناول هذا الجزء عرض نتائج الدّراسة المتعلقة بالأبعاد النّفسيّة للعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان. وقد نُظّمت النّتائج وفق تساؤلات الدّراسة المعتمدة، وقد جرى عرض كل سؤال من خلال مسارين متكاملين: مسار كمي وصفي مستند إلى الاستمارة الوصفيّة المعدة وفق مقياس ليكرت الخماسي، ومسار نوعي مستند إلى تحليل إجابات المشاركين في المقابلات شبه الموجهة. ويتيح هذا الدّمج تقديم قراءة أكثر عمقًا للظاهرة المدروسة، إذ تكشف المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة عن الاتجاه العام لاستجابات المشاركين، بينما تكشف المقابلات عن المعاني النّفسيّة والدّلالات الذاتيّة التي يمنحها النّازحون لذاكرتهم المكانيّة وشعورهم بالانتماء.
واعتمد عرض النّتائج على الدّمج بين المعطيات الكمّيّة والوصف النّوعي، فقد استُخدمت الاستمارة الوصفيّة بوصفها أداة كمية مساندة لقياس اتجاهات المشاركين وفق مقياس ليكرت الخماسي، إذ حُسبت المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة ومستويات الموافقة لكل مجموعة من البنود المرتبطة بتساؤلات الدّراسة. كما استُخدمت المقابلات شبه الموجهة بوصفها الأداة النّوعيّة الرئيسة، وحُلِّلت موضوعاتيًا من خلال استخراج الفئات الدّلاليّة المتكررة، وحساب تكراراتها ونسبها المئوية، ثم دعمها بشواهد حرفيّة مختصرة من أقوال المشاركين. ولا تهدف النّتائج الكمّيّة هنا إلى التّعميم الإحصائي، بل إلى تدعيم القراءة النّوعيّة وإبراز اتجاهات عامة داخل العيّنة المدروسة.
أولًا: نتائج السؤال الأول ومناقشتها
كيف يستحضر النّازحون ذكرياتهم المرتبطة بالمكان؟
- النّتائج الكمّيّة: للإجابة الكمية عن هذا السؤال، جرى الاعتماد على البنود التي تقيس وضوح تفاصيل المكان، القدرة على تخيل المنزل أو الحي، حضور صور الأماكن، تذكر الأشخاص والأماكن، تكرار استرجاع الذكريات، واعتبار ذكريات المكان جزءًا مهمًا من حياة المشاركين.
جدول 2. المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعيارية ومستوى الموافقة لبنود استحضار الذّاكرة المكانيّة لدى النّازحين.
| ت | الفقرة | المتوسط الحسابي | الانحراف المعياري | مستوى الموافقة |
| 1 | ما زلت أتذكر تفاصيل المكان الذي كنت أعيش فيه بوضوح. | 4.71 | 0.717 | مرتفع جدًا |
| 3 | أستطيع تخيل منزلي أو الحي كما كان قبل النزوح. | 4.62 | 0.740 | مرتفع جدًا |
| 5 | ما زالت صور الأماكن التي كنت أرتادها حاضرة في ذهني. | 4.57 | 0.746 | مرتفع جدًا |
| 7 | أتذكر كثيرًا الأشخاص والأماكن المرتبطة بحياتي قبل النزوح. | 4.52 | 0.750 | مرتفع جدًا |
| 9 | أسترجع ذكريات المكان الذي نزحت منه بشكل متكرر. | 4.19 | 1.078 | مرتفع |
| 11 | أشعر أن ذكرياتي عن المكان جزء مهم من حياتي. | 4.52 | 0.750 | مرتفع جدًا |
| المتوسط العام | استحضار الذّاكرة المكانيّة | 4.52 | 0.702 | مرتفع جدًا |
تشير النّتائج الكمّيّة إلى أن استحضار الذّاكرة المكانيّة لدى المشاركين جاء بدرجة مرتفعة جدًا، إذ بلغ المتوسط العام 4.52 بانحراف معياري قدره 0.702. وتدل هذه النتيجة على أنّ صور المكان الأصلي ما زالت حاضرة بقوة في وعي النّازحين، وأن النزوح لم يؤدِّ إلى تلاشي الذّاكرة المرتبطة بالمكان. وقد جاءت عبارة تذكر تفاصيل المكان بوضوح في المرتبة الأعلى بمتوسط 4.71، ما يعكس قدرة المشاركين على الاحتفاظ بتفاصيل دقيقة عن المكان الذي نزحوا منه. كما أظهرت النّتائج ارتفاع القدرة على تخيل المنزل أو الحي كما كان قبل النّزوح بمتوسط 4.62، وحضور صور الأماكن السّابقة بمتوسط 4.57. أمّا تكرار استرجاع الذكريات فقد جاء بمتوسط 4.19، وهو مستوى مرتفع، لكنه أدنى نسبيًا من بقية البنود، الأمر الذي يشير إلى أنّ استدعاء الذكريات يتأثر بالحالة النّفسيّة والظروف اليوميّة للمشارك.
- 2. النّتائج النّوعيّة: أظهر التحليل النوعي للمقابلات أن استحضار الذّاكرة المكانيّة لا يكون بصورة مجردة، بل من خلال فئات دلاليّة متكررة ترتبط بالمنزل، العلاقات الاجتماعيّة، أماكن الحياة اليوميّة، الأرض والطبيعة، والتّفاصيل الحسيّة والانفعاليّة.
جدول 3. الفئات النّوعيّة المستخرجة من مقابلات المشاركين حول كيفيّة استحضار الذّاكرة المكانيّة.
| الفئة النوعية المستخرجة | التكرار | النّسبة المئوية | شواهد حرفية من المقابلات |
| استحضار المنزل والغرفة والبيت | 22 | 100% | “البيت، غرفتي، الرفاق، عملي”. / “كل زاوية فيه” |
| استحضار العلاقات الاجتماعيّة | 22 | 100% | “الأصحاب، الرفاق، الناس أحبهم كثيرًا” / “الجيران، الأقارب، أماكن تجمعاتنا” |
| استحضار أماكن الحياة اليومية والعمل والدّراسة | 22 | 100% | “السوق، المطاعم” / “مكان العمل، زملائي في التعليم.” |
| استحضار الأرض والطبيعة والمعالم | 22 | 100% | “الحديقة، الأرض، الزيتون”. / “بحر صور، أنا على علاقة عميقة مع البحر.” |
| استحضار التفاصيل الحسية والانفعالية | 11 | 50.0% | “رائحة الهواء، الراحة النّفسيّة”. / “رائحة الأرض وطعم الأكل تغيّر.” |
تكشف النّتائج النّوعيّة أن المكان في وعي المشاركين لا يُستحضر بوصفه موقعًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفه فضاءً نفسيًا واجتماعيًا محمّلًا بالمعاني. فقد حضر المنزل والغرفة الخاصة والحي، والجيران والأرض والعمل والمدرسة وأماكن اللقاء بوصفها مداخل أساسيّة لاستعادة الذّاكرة. كما بيّنت الشّواهد أنّ الذّاكرة المكانيّة لدى النّازحين ليست بصريّة فقط، بل حسيّة وانفعاليّة أيضًا، حيث ارتبط المكان بالرّوائح، والهواء، والراحة النّفسيّة، وطعم الأرض، وأصوات الحياة اليوميّة. وتشير هذه النتيجة إلى أن الذاكرة المكانية لدى النازحين ذات طبيعة نفسية واجتماعية ووجدانية، وأن المكان يظل حاضرا من خلال ما يحمله من خبرات وعلاقات ومعان شخصية.
تتلاقى النتائج الكمّيّة والنوعيّة في تأكيد أنّ النّازحين يستحضرون ذكرياتهم المرتبطة بالمكان بدرجة قوية وواضحة. فقد أظهر الجانب الكمي متوسطًا عامًا مرتفعًا جدًا بلغ 4.52، بينما بيّن الجانب النّوعي أن هذا الاستحضار يتجسد في المنزل، الحيّ، الأرض، العلاقات، العمل، المدرسة، والتّفاصيل الحسيّة. ومن ثم، فإنّ الذّاكرة المكانيّة لدى النّازحين لا تمثل مجرد استرجاع معرفي للمكان، بل تمثل ذاكرة نفسيّة واجتماعيّة تحفظ الأمان والطفولة والهُويّة والعلاقات.
وترى الباحثة أنّ قوّة استحضار المكان لدى المشاركين تعود إلى أنّ النّزوح كان قسريًا ومفاجئًا، ولم يكن انتقالًا اختياريًا أو تدريجيًا؛ لذلك بقي المكان الأصلي حاضرًا في الوعي بوصفه جزءًا من حياة يوميّة انقطعت بفعل الحرب. كما ترى الباحثة أنّ كثافة التفاصيل التي استحضرها المشاركون تعكس عمق العلاقة النّفسيّة بينهم وبين أماكنهم، إذ إنّ الإنسان لا يتذكر المكان فقط لأنّه عاش فيه، بل لأنه كوّن داخله شبكة من المعاني والعلاقات والتّجارب التي أصبحت جزءًا من ذاته.
وتتفق هذه النتيجة مع نتائج دراسة للباحث توان Tuan (1977)، الذي رأى أنّ المكان يكتسب قيمته من الخبرات الإنسانيّة المرتبطة به، ويتحول بفعل التّجربة إلى مصدر للمعنى والارتباط العاطفي. كما تنسجم مع دراسة ريلف Relph (1976)، الذي أكد أن فقدان المكان أو الانفصال عنه قد يهدد الإحساس بالاستمرارية النّفسيّة. وتتفق كذلك مع بروشنسكي وزملائه Proshansky et al. (1983) في مفهوم الهُويّة المكانيّة، فتصبح الأفكار والمشاعر والذّكريات المرتبطة بالمكان جزءًا من هوية الفرد. كما تدعمها دراسة كاباي، هيلتون، فابريكانت Kapaj, Hilton, and Fabrikant (2024)، التي بيّنت أنّ الذّاكرة المكانيّة طويلة المدى يمكن أن تبقى راسخة، ولا سيما عندما ترتبط بمعالم ومسارات ذات معنى. وتختلف الدّراسة الحالية عنها في السياق؛ إذ تناولت دراسة كاباي Kapaj et al. الذّاكرة في سياق ملاحي معرفي، بينما تناولت الدّراسة الحاليّة الذّاكرة في سياق نزوح قسري مشحون بالمعنى النّفسي والاجتماعي.
ثانيًا: نتائج السؤال الثاني ومناقشتها
كيف يعبّر النّازحون عن شعورهم بالانتماء؟
- النّتائج الكمّيّة: للإجابة عن هذا السؤال، جرى الاعتماد على البنود التي تقيس الانتماء من خلال الهُويّة، والارتباط العاطفي بالمكان، والرّغبة في العودة، والإحساس بالجذور، واستمرار العلاقة بالمكان الأصلي على الرّغم من البعد.
جدول 4. المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعيارية ومستوى الموافقة لبنود الشّعور بالانتماء لدى النّازحين.
| رقم الفقرة | الفقرة | المتوسط الحسابي | الانحراف المعياري | مستوى الموافقة |
| 2 | أشعر أن منطقتي الأصلية تمثل جزءًا مهمًا من هويتي. | 4.81 | 0.680 | مرتفع جدًا |
| 10 | أشعر بارتباط عاطفي قوي بالمكان الذي نزحت منه. | 4.62 | 0.740 | مرتفع جدًا |
| 13 | ما زلت أشعر بانتماء قوي إلى منطقتي الأصلية. | 4.33 | 1.197 | مرتفع جدًا |
| 16 | أتمنى العودة إلى منطقتي الأصلية عندما تسمح الظروف. | 4.48 | 1.078 | مرتفع جدًا |
| 17 | تذكر المكان يمنحني شعورًا بالاستمرار والارتباط بجذوري. | 4.57 | 0.926 | مرتفع جدًا |
| 19 | أشعر أن علاقتي بمنطقتي الأصلية ما زالت مستمرة رغم البعد عنها. | 4.48 | 0.814 | مرتفع جدًا |
| المتوسط العام | الشّعور بالانتماء | 4.55 | 0.787 | مرتفع جدًا |
تشير النّتائج الكمّيّة إلى أنّ شعور النّازحين بالانتماء جاء بدرجة مرتفعة جدًا، إذ بلغ المتوسط العام 4.55 بانحراف معياري قدره 0.787. وقد حصلت عبارة اعتبار المنطقة الأصليّة جزءًا مهمًا من الهُويّة على أعلى متوسط حسابي بلغ 4.81، ما يدل على أنّ الانتماء لا يُختزل في الإقامة الجغرافيّة، بل يرتبط بصورة أساسيّة بإدراك الذات والجذور والتاريخ الشخصي. كما أظهرت النتائج ارتفاع الارتباط العاطفي بالمكان بمتوسط 4.62، وارتفاع الشّعور بأن تذكر المكان يمنح إحساسًا بالاستمرار والارتباط بالجذور بمتوسط 4.57. أما ارتفاع الانحراف المعياري في فقرة الانتماء القوي إلى المنطقة الأصليّة، فقد يشير إلى وجود تباين بين المشاركين تبعًا لاختلاف خبرات الحرب والخوف والفقد.
- النّتائج النّوعيّة: أظهر التّحليل النوعي أن المشاركين يعبّرون عن الانتماء من خلال فئات متعددة، شملت الانتماء المكاني، الاجتماعي، الأُسري، الهُوياتي، والانتماء المرتبط بالعودة والصّمود، إضافة إلى ظهور انتماء متوتر لدى بعض الحالات بفعل الخوف والحاجة إلى الأمان.
جدول 5. الفئات النوعيّة المستخرجة من مقابلات المشاركين حول مظاهر التعبير عن الشّعور بالانتماء.
| الفئة النوعية المستخرجة | التكرار | النسبة المئوية | شواهد حرفية من المقابلات |
| الانتماء المكاني المرتبط بالأرض والمنزل | 12 | 54.5% | “الأرض”. / “منزلي ومنطقتي وعملي” |
| الانتماء الاجتماعي المرتبط بالرفاق والجيران | 11 | 50.0% | “الرفاق، خطيبي، شغلي ومنزلي”. / “الناس والرفاق والعمل.” |
| الانتماء المرتبط بالعودة والصمود | 7 | 31.8% | “نعم وأكثر من قبل” / “أعود لأبني من جديد.” |
| الانتماء الأسري | 6 | 27.3% | “أصل جذور العائلة” / “الأولاد يعنون لي الكثير”. |
| الانتماء الهوياتي والجذور | 4 | 18.2% | “الهُويّة الذاتية”. / “جذور العائلة”. |
| انتماء متوتر بسبب الخوف والحاجة إلى الأمان | 4 | 18.2% | “أرغب في تغيير منزلي”. / “تعبنا من الخوف والقلق”. |
توضح النّتائج النّوعيّة أنّ الانتماء لدى المشاركين لا يظهر في صورة واحدة؛ فقد ظهر الانتماء المكاني المرتبط بالأرض والمنزل بنسبة 54.5%، والانتماء الاجتماعي بنسبة 50.0%، بما يدل على أنّ المكان الأصلي يستمد معناه من شبكة العلاقات التي احتضنها. كما ظهر الانتماء المرتبط بالعودة والصّمود بنسبة 31.8%، إذ عبّر بعض المشاركين عن أن النزوح زاد تمسكهم بالمكان. وفي المقابل، كشفت فئة الانتماء المتوتر بعدًا مهمًّا، إذ عبّر بعض المشاركين عن رغبتهم في الأمان أو تغيير مكان الإقامة بسبب الخوف المتكرر، مما يؤكد أن تجربة لا تؤثر في جميع الأفراد بالطريقة نفسها.
تؤكد النّتائج الكمّيّة والنّوعيّة أن النّازحين يعبّرون عن شعورهم بالانتماء من خلال الهُويّة، الجذور، الأرض، المنزل، العائلة، العلاقات الاجتماعيّة، والرّغبة في العودة. فقد جاء المتوسط العام للشّعور بالانتماء مرتفعًا جدًا 4.55، في حين أوضحت المقابلات أنّ هذا الانتماء يتخذ أشكالًا مكانيّة واجتماعيّة وأُسريّة وهوياتيّة ووطنيّة. ومع ذلك، كشفت النّتائج النّوعيّة وجود انتماء متوتر لدى بعض الحالات التي ارتبط المكان لديها بالخوف والحرب وفقدان الأمان.
وترى الباحثة أنّ ارتفاع الشّعور بالانتماء على الرّغم من النّزوح يعكس قدرة المكان الأصلي على البقاء حاضرًا داخل البناء النّفسي للفرد حتى بعد فقدانه ماديًا أو الابتعاد منه جغرافيًا. فالانتماء هنا لا يقوم على الإقامة الحاليّة، بل على تاريخ طويل من الخبرات والمعاني والعلاقات. كما ترى الباحثة أنّ التوتر الذي ظهر لدى بعض الحالات لا ينفي الانتماء، بل يكشف صراعًا نفسيًّا بين حب المكان والرّغبة في الأمان؛ فالفرد قد ينتمي إلى مكانه الأصلي وجدانيًا، لكنّه في الوقت نفسه يخشى العودة إلى مصدر الخطر.
وتتفق هذه النتيجة مع هاجرتي وآخرين Hagerty et al. (1992)، الذين عرّفوا الانتماء بوصفه خبرة نفسيّة يشعر فيها الفرد أنه جزء مهم ومقبول داخل جماعة أو بيئة معيّنة. كما تتفق مع ديفيس-يوفال Yuval-Davis (2006)، التي ترى أن الانتماء لا يقتصر على العضويّة أو الإقامة، بل يتضمن إحساسًا وجدانيًا وإدراكيًا بأن الفرد “في موطنه”. وتنسجم النّتيجة أيضًا مع ألين وآخرين Allen et al. (2021) الذين أكدوا أنّ الانتماء يرتبط بالبيئات والعلاقات التي تمنح الفرد القبول والمعنى والاستمراريّة. كما تتفق مع ليفيتسكا Lewicka (2011) التي أشارت إلى أنّ التّفاعل الطويل مع المكان يولد روابط نفسيّة وعاطفيّة قد تستمر بعد مغادرته. أمّا وجه الاختلاف فيتمثل في أن الدّراسة الحاليّة أظهرت بوضوح أنّ الحرب والخوف قد يجعلان الانتماء متوترًا، وهو ما يضيف بعدًا سياقيًا خاصًا بتجربة النّزوح القسري في جنوب لبنان.
ثالثًا: نتائج السؤال الثالث ومناقشتها
كيف يفسر النّازحون العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء؟
- النتائج الكمّيّة: للإجابة عن هذا السؤال، جرى الاعتماد على البنود التي تقيس العلاقة بين تذكر المكان وزيادة الانتماء، ودور الذّكريات في المحافظة على الارتباط بالمكان، وأثر فقدان المكان في زيادة التمسك، والشّعور بالقرب من المكان على الرّغم من البعد، والارتباط بالجذور.
جدول 6. المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعيارية ومستوى الموافقة لبنود العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء.
| رقم الفقرة | الفقرة | المتوسط الحسابي | الانحراف المعياري | مستوى الموافقة |
| 4 | كلما تذكرت منطقتي الأصلية ازداد شعوري بالانتماء إليها. | 4.38 | 1.071 | مرتفع جدًا |
| 8 | تساعدني ذكريات المكان على المحافظة على ارتباطي به. | 4.52 | 0.928 | مرتفع جدًا |
| 12 | أشعر أن فقدان المكان جعلني أكثر تمسكًا به. | 4.29 | 1.309 | مرتفع جدًا |
| 14 | أشعر أن ذكرياتي تجعلني قريبًا من المكان رغم ابتعادي عنه. | 4.33 | 1.065 | مرتفع جدًا |
| 17 | تذكر المكان يمنحني شعورًا بالاستمرار والارتباط بجذوري. | 4.57 | 0.926 | مرتفع جدًا |
| 20 | ترتبط ذكرياتي عن المكان ارتباطًا وثيقًا بشعوري بالانتماء إليه. | 4.43 | 0.811 | مرتفع جدًا |
| المتوسط العام | العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء | 4.42 | 0.938 | مرتفع جدًا |
تشير النتائج الكمية إلى أن العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء جاءت بدرجة مرتفعة جدًا، بمتوسط عام بلغ 4.42 وانحراف معياري قدره 0.938. وقد جاءت عبارة أن تذكر المكان يمنح شعورًا بالاستمرار والارتباط بالجذور في المرتبة الأعلى بمتوسط 4.57، ما يدل على أن الذّاكرة المكانيّة تؤدي وظيفة نفسيّة تتصل باستمرارية الذات والجذور والشعور بالقرب النفسي من أماكنهم رغم الابتعاد عنها. كما أظهرت النّتائج أن ذكريات المكان تساعد على المحافظة على الارتباط به بمتوسط 4.52، وأن الذكريات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشّعور بالانتماء بمتوسط 4.43. أمّا ارتفاع الانحراف المعياري في فقرة فقدان المكان وزيادة التمسك به، فيشير إلى أنّ أثر الفقد لا يسير في اتجاه واحد لدى المشاركين جميعهم.
- النّتائج النّوعيّة: أظهر تحليل المقابلات أنّ المشاركين يفسرون العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء من خلال خمس فئات رئيسة: تعزيز الانتماء، الحنين والرّغبة في العودة، أثر الحرب والخوف، زيادة التمسك بسبب الفقد، والعلاقة الاندماجية بين الذّاكرة والانتماء.
جدول 7. الفئات النوعية المستخرجة من مقابلات المشاركين حول تفسير العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء.
| الفئة النوعية المستخرجة | التكرار | النسبة المئوية | شواهد حرفية من المقابلات |
| الذكريات تعزز الانتماء وتقويه | 13 | 59.1% | “الذكريات المكانيّة تجعل الفرد مرتبطًا أكثر بالمكان”. / “الذكريات المكانيّة تعزز وتقوي الشّعور بالانتماء.” |
| الذكريات تولد الحنين والرغبة في العودة | 11 | 50.0% | “تولد الحنين إلى منطقتنا وجيراننا وأقاربنا”. / “الحزن والحماس للعودة”. |
| خبرات الحرب والخوف تربك الانتماء أو تضعفه | 9 | 40.9% | “شبعنا حروب ولا نريدها”. / “الخوف والقلق والتوتر الدائم” |
| فقدان المكان زاد التمسك أو الإصرار | 8 | 36.4% | “سأعود لأبني من جديد”. / “التهجير يعطينا أملًا بالعودة”. |
| الذّاكرة والانتماء علاقة اندماجية | 4 | 18.2% | “الذكريات المكانيّة هي الانتماء نفسها”. / “علاقة الروح بالجسد”. |
تكشف النّتائج النّوعيّة أنّ غالبيّة المشاركين يفسرون العلاقة بين الذّاكرة والانتماء بوصفها علاقة تعزيز واستمرار؛ إذ رأى 59.1% منهم أنّ الذكريات تقوي الانتماء، كما أشار 50.0% إلى أنّ الذكريات تولد الحنين والرّغبة في العودة. كذلك عبّر 36.4% عن أنّ فقدان المكان زاد التّمسك به. غير أنّ النّتائج كشفت أيضًا مسارًا آخر، إذ أشار 40.9% إلى أنّ خبرات الحرب والخوف قد تربك الشعور الانتماء أو تجعله أكثر توتراً لدى البعض. وهذا يعني أنّ الذّاكرة المكانيّة قد تكون مصدرًا للصمود والمحافظة على الانتماء من جهة، و مصدرًا محتملا للألم والقلق من جهة أخرى.
تؤكد النّتائج الكمّيّة والنّوعيّة أنّ النّازحين يفسرون العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء بوصفها علاقة وثيقة وتفاعليّة. فقد أظهر الجانب الكمي متوسطًا مرتفعًا جدًا بلغ 4.42، بينما أوضحت المقابلات أن الذّاكرة تسهم في تعزيز الانتماء، وإحياء الحنين، ودعم الرّغبة في العودة، والمحافظة على الجذور. غير أنّ النّتائج النّوعيّة أضافت بعدًا تفسيريًّا مهمًا، يتمثل في أنّ الذّاكرة لا تعمل دائمًا بوصفها مصدرًا للانتماء الإيجابي؛ إذ قد تتحول لدى بعض المشاركين إلى ذاكرة خوف وفقد، فتجعل العلاقة بالمكان متوترة أو مؤلمة.
وترى الباحثة أن العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء لدى النّازحين علاقة مزدوجة، فهي من جهة علاقة حماية نفسيّة تساعد الفرد على حفظ صلته بالمكان الأصلي، ومن جهة أخرى علاقة قد تفتح جروح الفقد والخوف عندما يستحضر الفرد دمار البيت أو فقدان العمل أو تهديد العائلة. ولذلك فإنّ قوة الذّاكرة لا تعني دائمًا راحة نفسيّة؛ فقد تكون الذّاكرة قوية ومؤلمة في الوقت نفسه. وتعد هذه النتيجة من أبرز ما تكشفه الدّراسة، لأنها تضع الذّاكرة المكانيّة في موقعها الحقيقي بوصفها موردًا نفسيًا للصمود ومصدرًا محتملًا للألم في آن واحد.
وتتفق هذه النّتيجة مع لوماس Lomas (2024)، الذي أوضح أن الذّاكرة تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل التعلق بالمكان والمحافظة عليه، وأن استدعاء الذكريات المرتبطة بالمكان يعزز الشّعور بالقرب النّفسي منه حتى بعد الابتعاد الجغرافي. كما تتفق مع تشيان وزملائه Qian et al. (2026) الذين بيّنوا أن الذّاكرة تمثل أحد المرتكزات الأساسيّة للتعلق بالمكان وتسهم في الحفاظ على الهُويّة والاستمراريّة. وتنسجم كذلك مع نتائج ألين وزملائها Allen et al. (2021) الذين أكدوا أنّ الانتماء يتعزز عبر الروابط ذات المعنى مع الأشخاص والبيئات. كما تقترب النتيجة من نتائج دراسة موراني، لويد وبيبوفيسي Murrani, Lloyd, and Popovici (2023)، التي تناولت علاقة البيت والذّاكرة والتّعافي المكاني في سياق التّهجير. وتختلف الدّراسة الحاليّة عن هذه الدِّراسات في إبرازها الجانب المقلق للذاكرة، فقد ظهر أن خبرات الحرب المتكررة قد تجعل الذّاكرة المكانيّة عاملًا مربكًا للانتماء، لا عاملًا داعمًا له فقط.
رابعًا: نتائج السؤال الرابع ومناقشتها
هل تختلف العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء باختلاف الجنس؟
- النتائج الكمّيّة: للإجابة الكمّيّة عن هذا السؤال، جرى حساب المتوسطات الحسابيّة والانحرافات المعياريّة لمحاور الذّاكرة المكانيّة، والانتماء، والعلاقة بين الذّاكرة والانتماء تبعًا لمتغير الجنس.
جدول 8. نتائج اختبار Mann–Whitney U للفروق في العلاقة بين الذاكرة المكانية والشعور بالانتماء تبعًا للجنس
| الجنس | العدد | المتوسط الحسابي | الانحراف المعياري | متوسط الرتب | مجموع الرتب | U | Z | Sig. | حجم الأثر r |
| الذكور | 7 | 4.74 | 0.331 | 12.43 | 87.00 | 59.00 | 0.751 | 0.452 | 0.164 |
| الإناث | 14 | 4.26 | 1.105 | 10.29 | 144.00 |
أظهرت النتائج وجود ارتفاع وصفي في مستوى العلاقة بين الذاكرة المكانية والشعور بالانتماء لدى الذكور مقارنة بالإناث. إلا أن اختبار مان ويتني بيّن أن هذا الاختلاف لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية، مما يعني أن الفروق الظاهرة بين الجنسين يمكن النظر إليها بوصفها فروقا داخل العينة ولا تقدم دليلا إحصائيا كافيا على اختلاف العلاقة بين الذاكرة المكانية والشعور بالانتماء تبعا للجنس. كما يشير حجم الأثر إلى أن تأثير الجنس في هذه العلاقة كان محدودا.
- النتائج النوعية حسب الجنس: أظهر التّحليل النوعي أن الاختلاف لا يتعلق بوجود العلاقة أو غيابها، بل بمركز الذّاكرة وطريقة التّعبير عن الانتماء. ويوضح الجدول الآتي أبرز الفروق النّوعيّة حسب الجنس.
جدول 9. الفروق النوعية في مضمون الذّاكرة المكانيّة وطريقة التعبير عن الانتماء تبعًا لمتغيري الجنس.
| المتغير | الفئة | المظهر النوعي البارز | شواهد حرفية مختصرة | الدلالة التفسيرية |
| الجنس | الذكور | الأرض، العمل، التضحيات، الشهداء، البناء والعودة | “دفعنا ثمن أرضنا غاليًا” / “سأعود لأبني من جديد”. | الذّاكرة تتحول إلى مصدر للصمود والتمسك بالمكان |
| الجنس | الإناث | المنزل، الأبناء، الأمان، الخوف، العلاقات الأسرية | “أخاف من الفقدان”. / “ولادي وأحفادي” | الذّاكرة تتداخل مع الحاجة إلى الأمان وحماية الأسرة |
تكشف النتائج النوعية أن الفروق بين الذكور والإناث لا تتمثل في وجود الانتماء أو غيابه، وإنما في طبيعة الخبرات والمضامين التي تبرز عند الحديث عن المكان. فقد اتجهت تعبيرات الذكور بصورة أوضح نحو الأرض والعمل والتضحيات والبناء والعودة، في حين ظهر في بعض تعبيرات الإناث حضور أكبر لمشاعر الخوف والقلق وحماية الأسرة والتعب من تجربة التهجير. وتشير هذه الفروق إلى تنوع طرق التعبير عن الذاكرة والانتماء تبعا للخبرات الشخصية والاجتماعية لكل مجموعة، دون أن يعني ذلك وجود اختلاف إحصائي حاسم في قوة العلاقة بين الذاكرة والانتماء.
تؤكد النّتائج الكمّيّة والنّوعيّة أن العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء تختلف باختلاف العمر والجنس في مضمون الذّاكرة وطريقة التّعبير عن الانتماء، لا في وجود العلاقة نفسها. فالذكور أظهروا متوسطات أعلى في العلاقة بين الذّاكرة والانتماء، وعبّروا نوعيًا عن المكان من خلال الأرض والعمل والصمود والعودة. أما الإناث، فقد أظهرن تباينًا أكبر، وارتبطت ذاكرتهن بالمنزل والأسرة والأمان والخوف على الأبناء.
وترى الباحثة أنّ هذه الاختلافات لا تعني أن الانتماء أقوى جوهريًا لدى فئة معيّنة، بل تعني أنّ تجربة الانتماء تتلون بطبيعة الدّور الاجتماعي والخبرة العمريّة. فالذّكور الذين ارتبطت ذاكرتهم بالعمل والأرض وإعادة البناء يميلون إلى تحويل الفقد إلى تمسك وصمود، بينما قد تختبر بعض الإناث المكان من خلال مسؤوليتهن الأسرية وخوفهن على الأبناء، فتظهر لديهن حاجة أعلى إلى الأمان.
خامسًا: نتائج السؤال الرّئيس ومناقشتها
كيف تسهم الذّاكرة المكانيّة في تشكيل الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان بعد تجربة النزوح؟
أظهرت نتائج الدّراسة، في ضوء الدّمج بين المعطيات الكمّيّة والنّوعيّة، أنّ الذّاكرة المكانيّة تسهم بصورة واضحة في تشكيل الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان بعد تجربة النّزوح، وذلك من خلال احتفاظها بصورة المكان الأصلي وما يرتبط به من تفاصيل ماديّة، وحسيّة واجتماعيّة ووجدانيّة. فقد بيّنت النّتائج أنّ المشاركين لا يستحضرون المكان بوصفه موقعًا جغرافيًا فقط، بل بوصفه فضاءً نفسيًا واجتماعيًا يحمل معاني البيت، والأرض، والحي، والجيران، والأهل، والعمل، والطفولة، والروتين اليومي، بما يجعل الذّاكرة المكانيّة وسيلة للمحافظة على الصلة النّفسيّة بالمكان على الرّغم من الابتعاد الجسدي منه.
وكشفت النّتائج أنّ الشّعور بالانتماء لدى النّازحين يتشكل من خلال أبعاد متداخلة، أبرزها البعد الهُوياتي، والبعد العاطفي، والبعد الاجتماعي، والبعد المكاني، إذ عبّر المشاركون عن انتمائهم إلى مناطقهم الأصليّة من خلال ربطها بالهُويّة والجذور والعائلة والعلاقات الاجتماعيّة والرّغبة في العودة. وقد أظهرت النّتائج الكمّيّة ارتفاع مستوى استحضار الذّاكرة المكانيّة، وارتفاع مستوى الشّعور بالانتماء، وارتفاع مستوى العلاقة بينهما، وهو ما دعمته النّتائج النّوعيّة التي بيّنت أنّ الذكريات المرتبطة بالمكان تُعيد إنتاج الإحساس بالانتماء وتحافظ على استمراره بعد النّزوح.
وتبيّن كذلك أنّ الذّاكرة المكانيّة لا تؤدي وظيفة معرفيّة فقط، بل تؤدي وظيفة نفسيّة وهوياتيّة؛ فهي تحفظ صورة المكان، وتربط الماضي بالحاضر، وتمنح النازح شعورًا بالاستمراريّة والارتباط بالجذور. ومن ثم، فإن استحضار المكان يسهم في تعزيز الانتماء لأنه يعيد إلى الوعي علاقات الفرد وخبراته وتاريخه الشّخصي المرتبط بالمكان الأصلي. غير أنّ هذه العلاقة لا تخلو من التوتر؛ فقد أظهرت بعض الحالات أن الذّاكرة المرتبطة بالحرب والخوف وفقدان الأمان قد تجعل الانتماء مترددًا أو مؤلمًا، خاصة عندما يصبح المكان الأصلي مرتبطًا في الوعي بالتهديد والخسارة والتعب المتكرر.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ الذّاكرة المكانيّة تسهم في تشكيل الشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان عبر ثلاث مسارات رئيسة: أولًا، حفظ صورة المكان وتفاصيله الحسيّة والاجتماعيّة؛ ثانيًا، ربط المكان بالهُويّة والجذور والعلاقات؛ وثالثًا، تعزيز الرّغبة في العودة والمحافظة على الصّلة النّفسيّة بالمكان. إلّا أنّ هذا الإسهام قد يتخذ عند بعض المشاركين طابعًا مزدوجًا، إذ يعزز الانتماء من جهة، ويستحضر الألم والخوف من جهة أخرى. ومن هنا، فإن العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء لدى النّازحين ليست علاقة خطية بسيطة، بل علاقة نفسية تفاعلية تجمع بين الحنين، والهُويّة، والصمود، والفقد، والحاجة إلى الأمان.
خلاصة وتوصيات ومقترحات: انطلقت فكرة هذا البحث من واقع تجربة النّزوح التي عاشها عدد من أبناء جنوب لبنان، وما رافقها من ابتعاد قسري من المكان الأصلي، بما يحمله هذا المكان من ذكريات، وعلاقات، ومعانٍ نفسيّة، واجتماعيّة. فقد أظهرت الخبرة الإنسانيّة أن فقدان المكان لا يعني فقدان المسكن أو البيئة الجغرافيّة فحسب، بل قد يعني أيضًا فقدان جزء من الذّاكرة الشّخصيّة والجماعيّة، ومن الإحساس بالأمان والاستمرارية والانتماء.
ومن هنا جاءت هذه الدّراسة لكشف الأبعاد النّفسيّة للعلاقة بين الذّاكرة المكانيّة، والشّعور بالانتماء لدى مجموعة من النّازحين من جنوب لبنان. وقد بيّنت النّتائج أن الذّاكرة المكانيّة لا تقتصر على استحضار تفاصيل المنازل، والطرقات، والأحياء، والمعالم، بل تشمل أيضًا استدعاء الأشخاص، والعلاقات الأُسريّة والاجتماعيّة، والروائح، والأصوات، والطقوس اليوميّة، والرموز المرتبطة بالأرض والجذور. وبذلك ظهرت الذّاكرة المكانيّة بوصفها خبرة نفسيّة عميقة تسهم في حفظ صورة المكان ومعناه داخل وعي النّازحين على الرّغمّ من الابتعاد منه.
كما أظهرت النّتائج أن الشّعور بالانتماء إلى المكان الأصلي بقي حاضرًا لدى معظم المشاركين، بل بدا في كثير من الحالات أكثر قوة بعد النّزوح، إذ جعل فقدان المكان قيمته أكثر وضوحًا، وزاد من التّمسك بالأرض والرّغبة في العودة. وقد تبيّن أنّ الانتماء لا يرتبط بالمكان المادي وحده، بل يتشكل من تفاعل الهُويّة، والعائلة، والجيران، والذّكريات، والتّاريخ الشّخصي، والجماعي. ومن ثم، فإن الذّاكرة المكانيّة أدت دورًا مهمًا في المحافظة على الانتماء، وتعزيز الإحساس بالجذور، واستمراريّة الذّات، والرّغبة في العودة.
غير أنّ نتائج الدّراسة كشفت أيضًا أنّ الذّاكرة المكانيّة ليست دائمًا مصدرًا للحنين والصمود فقط، بل قد تكون مرتبطة بمشاعر الحزن، والخوف، والفقد، والقلق، خاصة لدى المشاركين الذين ارتبطت ذكرياتهم بتجارب الحرب أو فقدان المنزل أو تضرر مصدر الرّزق. وهذا يدل على أنّ العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء علاقة مزدوجة، فهي قد تعزز الصمود والارتباط بالمكان، لكنّها قد تستحضر الألم والخوف عندما ترتبط بذكريات صادمة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ هذا البحث ساهم في إبراز أهمّيّة البعد النّفسي للمكان في فهم تجربة النّزوح، وأظهر أنّ التّعامل مع النّازحين لا ينبغي أن يقتصر على الدّعم المادي والإغاثي، بل يجب أن يراعي أيضًا علاقتهم النّفسيّة بأماكنهم الأصليّة، وما تحمله هذه العلاقة من ذاكرة، وهُويّة، وانتماء، وفقد، ورغبة في العودة.
أولًا: التوصيات: بناءً على نتائج الدّراسة وخلاصاتها، تتقدم الدّراسة بالتوصيات الآتية:
- ضرورة تصميم برامج دعم نفسي واجتماعي تراعي علاقة النّازحين بأماكنهم الأصليّة، وتتعامل مع النزوح بوصفه تجربة فقد تمس الذّاكرة والهُويّة والانتماء، لا مجرد انتقال مكاني مؤقت.
- توظيف الذّاكرة المكانيّة بصورة إيجابيّة في تعزيز الصمود النفسي، من خلال أنشطة مثل سرد الذكريات، والكتابة التّعبيريّة، ورسم خرائط الأماكن الأصلية، وتوثيق صور البيوت والقرى والأحياء.
- إدماج البعد الأسري والاجتماعي في التّدخلات الموجهة للنّازحين، لأنّ الانتماء لا يرتبط بالمكان وحده، بل يرتبط أيضًا بالعائلة والجيران والأصدقاء وشبكات الدّعم الاجتماعي.
- تدريب الاختصاصيين النّفسيين والاجتماعيين، والعاملين مع النّازحين على فهم أثر فقدان المكان في الصّحة النّفسيّة، وعلى التّعامل مع الذّاكرة المكانيّة بوصفها عنصرًا أساسيًا في خبرة النّزوح.
- إطلاق مبادرات مجتمعيّة لحفظ ذاكرة القرى والبلدات والمنازل المتضررة، من خلال الأرشفة الرّقميّة، والشّهادات الشّفويّة، ومعارض الصّور، بما يسهم في حفظ الهُويّة الجمعيّة وتعزيز الانتماء.
- مراعاة أن الذّاكرة المكانيّة قد تكون مصدرًا للصّمود، لكنّها قد تكون أيضًا مصدرًا للألم، لذلك ينبغي أن تُستحضَر ذكريات المكان ضمن بيئة آمنة وتدريجيّة تراعي استعداد النّازحين النّفسي.
- ربط أي خطط مستقبليّة للعودة إلى المناطق الأصليّة ببرامج دعم نفسي واجتماعي، لأنّ العودة لا تعني فقط الرّجوع إلى المكان، بل مواجهة آثار الفقد والدّمار والتّغير في صورة المكان.
ثانيًا: المقترحات
في ضوء حدود الدّراسة الحاليّة وطبيعتها النوعيّة الاستكشافيّة، تقترح الدّراسة إجراء البحوث الآتية:
- إجراء دراسة كمّيّة واسعة حول العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى عينة أكبر من النّازحين، بما يسمح باختبار هذه العلاقة إحصائيًا.
- بناء مقياس عربي مقنن للذّاكرة المكانيّة في سياق النّزوح، يتضمن أبعادًا مثل الذّاكرة الحسيّة، والاجتماعيّة، والانفعاليّة، والهُوياتيّة، والرّمزيّة.
- إجراء دراسة طوليّة تتبع تغير الذّاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء عبر الزّمن، أثناء النّزوح، وبعد الاستقرار المؤقت، وبعد العودة المحتملة إلى المكان الأصلي.
- دراسة العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والصّحة النّفسيّة لدى النّازحين، ولا سيما علاقتها بالقلق، والحزن، والضغط النفسي، وأعراض الصدمة، والصمود النفسي.
- دراسة أثر درجة تضرر المنزل أو فقدان مصدر الرّزق في تشكيل العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء والرّغبة في العودة.
- اختبار فاعلية برنامج إرشادي قائم على السّرد والذّاكرة المكانيّة في تعزيز الصّمود النّفسي، وتنظيم مشاعر الحنين والفقد لدى النّازحين.
- إجراء دراسات مقارنة بين النّازحين داخليًا واللاجئين خارج الوطن، لمعرفة ما إذا كانت الذّاكرة المكانيّة تؤدي الوظيفة النّفسيّة نفسها في سياقات النّزوح الدّاخلي واللجوء الخارجي.
- دراسة دور الأسرة في نقل الذّاكرة المكانيّة والانتماء بين الأجيال، خاصة لدى الأطفال واليافعين الذين يعيشون تجربة النّزوح مع عائلاتهم.
وبذلك تؤكد هذه الدّراسة أنّ الذّاكرة المكانيّة تمثل مدخلًا مهمًا لفهم تجربة النّزوح من منظور نفسي، وأن الشّعور بالانتماء لا يختفي بالابتعاد من المكان، بل قد يستمر ويتعمق من خلال الذّكريات والمعاني والروابط التي يحملها النّازحون معهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الدِّراسات العربيّة واللبنانيّة التي تتناول العلاقة بين المكان، والذّاكرة، والانتماء، والصّحّة النّفسيّة في سياقات النزوح والحروب.
References
-1Allen, K.-A., Kern, M. L., Rozek, C. S., McInerney, D. M., & Slavich, G. M. (2021). Belonging: A review of conceptual issues, an integrative framework, and directions for future research. Australian Journal of Psychology, 73(1), 87–102.
-2Awad, G. A., Rayan, T. N., Dunagan, L., & Gamba, D. (2025). Collective memory and narrative cohesion: A computational study of Palestinian refugee oral histories in Lebanon. In M. Jarrar, N. Habash, M. El-Haj, A. Haddad Haddad, Z. Jallad, & C. Mansour (Eds.), Proceedings of the First International Workshop on Nakba Narratives as Language Resources (pp. 83–102). Association for Computational Linguistics.
-3Bshara, K. (2023). Spatial memories: The Palestinian refugee camps as time machine. Jerusalem Quarterly, 60, 14–30.
-4Creswell, J. W., & Poth, C. N. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). SAGE Publications.
-5Frensch, K. M., & Akesson, B. (2025). A socio-spatial perspective on fostering a sense of belonging among refugee families resettled in Canadian small cities. Wellbeing, Space and Society, 8, Article 100267.
-6Fuchs, L. M., Jacobsen, J., Walther, L., Hahn, E., Ta, T. M. T., Bajbouj, M., & von Scheve, C. (2021). The Challenged Sense of Belonging Scale (CSBS)—A validation study in English, Arabic, and Farsi/Dari among refugees and asylum seekers in Germany. Measurement Instruments for the Social Sciences, 3, Article 3.
-7Golledge, R. G. (Ed.). (1999). Wayfinding behavior: Cognitive mapping and other spatial processes. Johns Hopkins University Press.
-8Gubrium, E., & Colomer, L. (2025). Belonging on the move: A multi-method exploration of embodied affect, place attachment, and transnational mobility in migrant lives in Norway. Nordic Journal of Migration Research, 15(4), Article 6, 1–17.
-9Hagerty, B. M. K., Lynch-Sauer, J., Patusky, K. L., Bouwsema, M., & Collier, P. (1992). Sense of belonging: A vital mental health concept. Archives of Psychiatric Nursing, 6(3), 172–177.
-10Internal Displacement Monitoring Centre. (2024). Global report on internal displacement 2024. IDMC.
-11Kapaj, A., Hilton, C., & Fabrikant, S. I. (2024). Long-term landmark and route memory retention acquired in a real-world map-aided navigation task. In B. Adams, A. L. Griffin, & S. Schneider (Eds.), 16th International Conference on Spatial Information Theory (COSIT 2024) (Leibniz International Proceedings in Informatics [LIPIcs], Vol. 315, Article 13, pp. 13:1–13:9). Schloss Dagstuhl – Leibniz-Zentrum für Informatik.
-12Lewicka, M. (2011). Place attachment: How far have we come in the last 40 years? Journal of Environmental Psychology, 31(3), 207–230.
-13Lomas, M. J., Ayodeji, E., & Brown, P. (2024). Imagined places of the past: The interplay of time and memory in the maintenance of place attachment. Current Psychology, 43, 2618–2629.
-14Murrani, S., Lloyd, H., & Popovici, I.-C. (2023). Mapping home, memory and spatial recovery in forced displacement. Social & Cultural Geography, 24(8), 1305–1323.
-15Panah, Y. J. (2025). Tracing the role of memory in reshaping place attachment and belonging through immigration [master’s thesis, University of Calgary]. PRISM Repository.
-16Proshansky, H. M., Fabian, A. K., & Kaminoff, R. (1983). Place-identity: Physical world socialization of the self. Journal of Environmental Psychology, 3(1), 57–83.
-17Puthusseryppady, V., Cossio, D., Yu, S., Rezwana, F., Hegarty, M., Jacobs, E. G., & Chrastil, E. R. (2024). Less spatial exploration is associated with poorer spatial memory in midlife adults. Frontiers in Aging Neuroscience, 16, Article 1382801.
-18Qian, Y., Peng, X., & Jung, E. (2026). The role of cultural memory and place attachment in designing cultural heritage tourism. Scientific Reports, 16, Article 14321.
-19Relph, E. (1976). Place and placelessness. Pion.
-20Tuan, Y.-F. (1977). Space and place: The perspective of experience. University of Minnesota Press.
-21United Nations Commission on Human Rights. (1998). Guiding principles on internal displacement (E/CN.4/1998/53/Add.2). United Nations.
-22Yuval-Davis, N. (2006). Belonging and the politics of belonging. Patterns of Prejudice, 40(3), 197–214.
الملاحق
المقابلة شبه الموجهة
البيانات الأوليّة
- العمر:
- الجنس:
- الحالة الاجتماعيّة:
- المهنة قبل النزوح:
- مكان الإقامة الأصلي:
- مكان الإقامة الحالي:
- مدة النزوح:
مقدمة المقابلة
“نشكر لكم مشاركتكم في هذه الدّراسة. تهدف المقابلة إلى التّعرف إلى تجربتكم الشّخصيّة بعد النزوح من جنوب لبنان. لا توجد إجابات صحيحة أو خاطئة، وما يهمنا هو رأيكم وتجربتكم الخاصة. سيُتَعامل مع المعلومات جميعها بسرّيّة تامة.”
المحور الأول: الذّاكرة المكانيّة
- عندما تتذكر بلدتك أو منطقتك التي نزحت منها، ما أول شيء يخطر في بالك؟…………….
- لماذا اخترت هذا المكان بالذات؟………………
- ماذا يعني لك؟……………………..
- ما أكثر مكان ما زال حاضرًا في ذاكرتك حتى اليوم؟……………….
3.هل هناك تفاصيل معيّنة ما زلت تتذكرها بوضوح عن المكان الذي كنت تعيش فيه؟………….
- المنزل ………………………………………………………………….
- الحي …………………………………………………………………..
- المدرسة …………………………………………………………………
- مكان العمل……………………………………………………………….
- الأرض أو الحقول ………………………………………………………….
- أماكن اللقاء مع الأقارب والجيران ………………………………………………
- هل تستعيد ذكريات المكان بشكل متكرر؟ ومتى يحدث ذلك عادة؟……………………..
المحور الثاني: الشّعور بالانتماء
- ماذا يعني لك أن تنتمي إلى منطقتك أو بلدتك الأصلية؟……………………………
- بعد النزوح، هل ما زلت تشعر بأنك تنتمي إلى منطقتك الأصلية؟ لماذا؟……………….
- هل تشعر بالانتماء إلى المكان الذي تعيش فيه حاليًا؟ ولماذا؟……………………….
- ما الأشياء التي تجعلك تشعر بأنك ما زلت مرتبطًا بمنطقتك الأصلية؟…………………
المحور الثالث: العلاقة بين الذّاكرة المكانيّة والانتماء
- عندما تتذكر الأماكن التي كنت تعيش فيها، ماذا تشعر؟…………………………..
- هل تساعدك هذه الذكريات على الشّعور بأنك ما زلت تنتمي إلى منطقتك الأصلية؟ كيف؟……….
- هل تشعر أن فقدان المنزل أو مكان العمل أثّر في شعورك بالانتماء؟…………………
- برأيك، ما العلاقة بين ذكرياتك عن المكان وشعورك بالانتماء إليه؟………………….
السؤال الختامي
- هل هناك شيء مهم حول ذكريات المكان أو الشّعور بالانتماء لم نتحدث عنه وترغب في إضافته؟…………………………………………………
الاستمارة الوصفية للذاكرة المكانيّة والشّعور بالانتماء لدى النّازحين من جنوب لبنان
| أوافق بشدة | أوافق | محايد | لا أوافق | لا أوافق بشدة | العبارة | الرقم |
| ما زلت أتذكر تفاصيل المكان الذي كنت أعيش فيه بوضوح. | 1 | |||||
| أشعر أن منطقتي الأصلية تمثل جزءاً مهماً من هويتي. | 2 | |||||
| أستطيع تخيل منزلي أو الحي كما كان قبل النزوح. | 3 | |||||
| كلما تذكرت منطقتي الأصلية ازداد شعوري بالانتماء إليها. | 4 | |||||
| ما زالت صور الأماكن التي كنت أرتادها حاضرة في ذهني. | 5 | |||||
| لم يعد للمكان الذي نزحت منه أهمية كبيرة في حياتي. * | 6 | |||||
| أتذكر كثيراً الأشخاص والأماكن المرتبطة بحياتي قبل النزوح. | 7 | |||||
| تساعدني ذكريات المكان على المحافظة على ارتباطي به. | 8 | |||||
| أسترجع ذكريات المكان الذي نزحت منه بشكل متكرر. | 9 | |||||
| أشعر بارتباط عاطفي قوي بالمكان الذي نزحت منه. | 10 | |||||
| أشعر أن ذكرياتي عن المكان جزء مهم من حياتي. | 11 | |||||
| أشعر أن فقدان المكان جعلني أكثر تمسكاً به. | 12 | |||||
| ما زلت أشعر بانتماء قوي إلى منطقتي الأصلية.. | 13 | |||||
| أشعر أن ذكرياتي تجعلني قريباً من المكان رغم ابتعادي عنه. | 14 | |||||
| أشعر أن ذكرياتي عن المكان أصبحت ضعيفة بعد النزوح. * | 15 | |||||
| أتمنى العودة إلى منطقتي الأصلية عندما تسمح الظروف. | 16 | |||||
| تذكر المكان يمنحني شعوراً بالاستمرار والارتباط بجذوري. | 17 | |||||
| لا أرى علاقة بين ذكرياتي عن المكان وشعوري بالانتماء إليه. * | 18 | |||||
| أشعر أن علاقتي بمنطقتي الأصلية ما زالت مستمرة رغم البعد عنها. | 19 | |||||
| ترتبط ذكرياتي عن المكان ارتباطاً وثيقاً بشعوري بالانتماء إليه. | 20 | |||||
| لا أتمنى العودة الى منطقتي الاصلية عندما تسمح الظروف* | 21 | |||||
| لم تعد صور الأماكن التي كنت أرتادها حاضرة في ذهني* | 22 |
البنود العكسيّة
(*) البنود: 6، 15، 22 21 18
طريقة التصحيح: البنود العادية
- أوافق بشدة = 5
- أوافق = 4
- محايد = 3
- لا أوافق = 2
- لا أوافق بشدة = 1
البنود العكسية(6، 15، 18))
- أوافق بشدة = 1
- أوافق = 2
- محايد = 3
- لا أوافق = 4
- لا أوافق بشدة = 5
الدّرجة الكليّة
يتراوح المجموع الكلي بين:
- الحد الأدنى: 20 درجة
- الحد الأقصى: 100 درجة
وكلما ارتفعت الدرجة دلّ ذلك على قوة الذّاكرة المكانيّة وارتفاع الشّعور بالانتماء واستمرار العلاقة النّفسيّة بينهما لدى النّازحين.
ملاحظات حول البحث المعنون : “الذاكرة المكانية والشعور بالانتماء….”
اقترح ما يلي:
- اختصار العنوان وحذف المقطع الثاني بدأ من (دراسة مختلطة وحتى النهاية ..)
- لا ضرورة لإعادة كتابة العنوان في الملخص بل اختصار الهدف
- لم تحدد الباحثة خصائص العينة واعمارهم
- حذف العناوين الأجنبية من الدراسات السابقة وترجمة الهدف للغة العربية لأنها لغة البحث
- فيما خص النتائج الكمية لا نكتفي بحساب المتوسطات والانحرافات المعيارية للتوصل لنتائج موثوقة يجب إجراء اختبار احصائي، وبما ان العينة صغيرة اقترح إستخدام مان وتني كاسلوب احصائي
- لا يمكن إعادة كتابة الأرقام ثانية في متن النص فهي موجودة في الجداول يجب التعليق على النتائج كيفية
- عامة البحث مقبول بعد إجراء التعديلات المطلوبة.
- بالتوفيق.
– أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة، كليتي الآداب والتّربية، برتبة أستاذ مساعد- قسم علم النّفس[1]
Lecturer at the Lebanese University, Faculties of Arts and Education, with the rank of Assistant Professor. Department of Psychology Email: dr.rolajamal@gmail.com