فاعليّة التّدخلات النّفسية الرّقميّة في خفض الضّيق النّفسي وتعزيز الرّفاه لدى البالغين المتأثرين بالأزمات في لبنان تحليل ثانوي لبيانات دراسة شبه تجريبيّة
عنوان البحث: فاعليّة التّدخلات النّفسية الرّقميّة في خفض الضّيق النّفسي وتعزيز الرّفاه لدى البالغين المتأثرين بالأزمات في لبنان تحليل ثانوي لبيانات دراسة شبه تجريبيّة
اسم الكاتب: أ.د. محمد جابر، محمد ابراهيم فضل الله
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
فاعليّة التّدخلات النّفسية الرّقميّة في خفض الضّيق النّفسي وتعزيز الرّفاه لدى البالغين المتأثرين بالأزمات في لبنان تحليل ثانوي لبيانات دراسة شبه تجريبيّة
The effectiveness of digital psychological interventions in reducing psychological distress and promoting well-being among crisis-affected adults in Lebanon: A secondary analysis of quasi-experimental study data
Dr. Mohamad Jaber أ.د. محمد جابر ([1])
)[2] محمد ابراهيم فضل الله( Mohamad Ibrahim fadlalah
تاريخ الإرسال:22-8-2026 تاريخ القبول: 1-9-2026
الملخص turnitin:3%
شهد لبنان خلال السّنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة المتداخلة، بالتّزامن مع صعوبات متزايدة في الوصول المنتظم إلى خدمات الصّحّة النّفسية التّقليديّة. وقد عززت هذه الظروف الحاجة إلى نماذج بديلة تضمن استمراريّة الدّعم والرّعاية النّفسيّة، ومن بينها التّدخلات النّفسيّة الرّقميّة والعلاج النّفسي عبر الإنترنت.
هدفت الدراسة الحاليّة إلى إجراء تحليل ثانوي لبيانات دراسة شبه تجريبيّة سابقة، بغرض تقويم التّغيّر في مستوى الضّيق النّفسي والرّفاه النّفسي لدى عينة من البالغين اللبنانيين الذين تلقوا خدمات للصّحة النّفسيّة عبر الإنترنت خلال ظروف الأزمات.استند التّحليل إلى بيانات 90 بالغًا لبنانيًا تراوحت أعمارهم بين 18 و60 عامًا، ممن طلبوا دعمًا نفسيًا عبر الإنترنت. واعتمدت الدّراسة تصميم القياس القبلي–البعدي، واستمرت التّدخلات النّفسية الرّقميّة مدة ستة أسابيع. جرى تقييم الرّفاه النّفسي باستخدام مؤشر الرّفاه لمنظمة الصّحّة العالمية (WHO-5)، والضّيق النّفسي باستخدام مقياس كيسلر للضيق النّفسي (K10). واستُخدم اختبار (t) للعينات المترابطة لتقييم الفروق بين القياسين القبلي والبعدي، إلى جانب حساب حجم التأثير باستخدام معامل (Cohen’s d).
ارتفع متوسط درجات الرّفاه النّفسي على مقياس WHO-5 من 44.8 قبل التدخل إلى 61.3 بعده، وكان الفرق ذا دلالة إحصائيّة (t = 9.12)، p < .001، مع حجم تأثير كبير (d = 1.21). كما انخفض متوسط درجات الضّيق النّفسي على مقياس K10 من 29.7 قبل التدخل إلى 19.5 بعده، وكان الانخفاض ذا دلالة إحصائيّة (t = -10.4)، p < .00)، مع حجم تأثير كبير (d = 1.38).
تشير النّتائج إلى وجود ارتباط بين المشاركة في خدمات الصّحّة النّفسية الرّقميّة وتحسن الرّفاه النّفسي وانخفاض مستوى الضّيق النّفسي لدى أفراد العينة. ومع ذلك، فإنّ طبيعة التصميم شبه التّجريبي وغياب المجموعة الضابطة لا يسمحان بإسناد التّغيّرات الملحوظة إلى التّدخل الرّقمي وحده بصورة سببيّة. وتبرز النتائج أهمية إجراء دراسات عشوائيّة محكومة مستقبلًا لاختبار تدخلات رقميّة أكثر تحديدًا، بما فيها التّدخلات النّفسية المراعية للصدمات.
الكلمات المفتاحيّة: الصّحّة النّفسية الرّقميّة، العلاج النّفسي عن بُعد، الضّيق النّفسي، الرّفاه النّفسي، الأزمات، لبنان، التّدخلات المراعية للصدمات.
Abstract
Lebanon has experienced a series of overlapping economic, social, and security crises in recent years, alongside increasing difficulties in maintaining regular access to conventional mental health services. These circumstances have heightened the need for alternative models capable of ensuring continuity of psychological support and care, including digital psychological interventions and online psychotherapy.
This study aimed to conduct a secondary analysis of data from a previous quasi-experimental study to evaluate changes in psychological distress and psychological well-being among a sample of Lebanese adults who received online mental health services during periods of crisis.
The analysis was based on data from 90 Lebanese adults aged 18–60 years who sought psychological support online. A pre–post intervention design was employed, with digital psychological interventions delivered over a six-week period. Psychological well-being was assessed using the World Health Organization–Five Well-Being Index (WHO-5), while psychological distress was measured using the Kessler Psychological Distress Scale (K10). A paired-samples t-test was used to examine differences between pre- and post-intervention scores, and effect sizes were calculated using Cohen’s d.
The mean WHO-5 psychological well-being score increased from 44.8 before the intervention to 61.3 after the intervention. This difference was statistically significant (t = 9.12, p < .001), with a large effect size (d = 1.21). Similarly, the mean K10 psychological distress score decreased from 29.7 at pre-intervention to 19.5 at post-intervention. This reduction was statistically significant (t = −10.4, p < .001), with a large effect size (d = 1.38).
The findings indicate an association between participation in digital mental health services and improved psychological well-being, as well as reduced psychological distress, among participants in the study sample. However, given the quasi-experimental design and the absence of a control group, the observed changes cannot be causally attributed solely to the digital intervention. These findings highlight the importance of conducting future randomized controlled trials to evaluate more clearly defined digital interventions, including trauma-informed psychological interventions.
Keywords: digital mental health, online psychotherapy, psychological distress, psychological well-being, crises, Lebanon, trauma-informed iterventionns.
1- المقدمة
شهد لبنان خلال السّنوات الأخيرة أزمات متداخلة ومتكررة شملت الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والصّحيّة والأمنيّة، إضافة إلى النّزاعات المسلّحة وما يرافقها من تهديد للأمن الشّخصي والأسري، واضطراب الحياة اليوميّة، والنّزوح، وصعوبة التّنقل. ولا تقتصر انعكاسات هذه الظروف على الجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بل تمتد إلى الصّحّة النّفسية، إذ يمكن للتّعرّض المتكرر للضغوط وعدم اليقين والخسائر والتّهديدات أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات الضّيق النّفسي والقلق، وأن يؤثر سلبًا في الشّعور بالاستقرار والرّفاه النّفسي.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتزامن الحاجة المتزايدة إلى الدّعم النّفسي مع انخفاض القدرة على الوصول إلى خدمات الصّحّة النّفسية الحضورية. ففي حِقب النّزاعات والأزمات الأمنيّة، قد يصبح الانتقال إلى المراكز العلاجيّة صعبًا أو غير آمن، وقد تتوقف بعض الخدمات النّفسيّة أو تصبح أقل انتظامًا واستمراريّة.
وفي هذا السّياق، برزت الصّحّة النّفسية الرّقميّة (Digital Mental Health) بوصفها إحدى الاستجابات الممكنة لهذه الفجوة. وتشمل هذه الخدمات العلاج النّفسي عبر الاتصال المرئي، والتّدخلات النّفسيّة القائمة على الإنترنت، والتثقيف النّفسي، وبرامج المساعدة الذاتيّة الموجهة، والدّعم النّفسي الرّقمي، وغيرها من أشكال الرعايّة التي تستخدم التقنيات الرّقميّة.
وتشير الأدلة الدّوليّة إلى أنّ التّدخلات النّفسيّة عبر الإنترنت يمكن أن تكون فعالة في التّعامل مع مجموعة من المشكلات النّفسيّة. كما أظهرت مراجعات وتحليلات بعديّة أن بعض أشكال العلاج النّفسي المدعوم بمعالج عبر الإنترنت قد تحقق نتائج علاجيّة مهمة في عدد من الاضطرابات النّفسية.
وتكتسب هذه المسألة أهمّيّة إضافيّة في البيئات المتأثرة بالحروب والأزمات؛ لأنّ القيمة المحتملة للعلاج النّفسي الرّقمي لا تتمثل فقط في إمكانيّة خفض الأعراض، بل أيضًا في المحافظة على استمراريّة الرّعاية النّفسيّة عندما يصبح الوصول الحضوري إلى الخدمات صعبًا.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض فاعليّة التّدخلات الرّقميّة بصورة تلقائيّة في البيئات والحالات جميعها. فقد تتأثر نتائجها بعوامل متعددة، منها جودة الاتصال بالإنترنت، والكفاءة في استخدام التكنولوجيا، وخصوصيّة المكان الذي يتلقى فيه الفرد الجلسة، وطبيعة الاضطراب وشدته، وكفاءة المعالج في تقديم العلاج عن بُعد، إضافة إلى الجوانب الأخلاقيّة والمهنيّة المتعلقة بسرّيّة المعلومات وحماية البيانات.
ومن هنا تأتي الدّراسة الحاليّة بوصفها تحليلًا ثانويًا لبيانات دراسة شبه تجريبيّة سابقة، بهدف إعادة فحص التّغير في اثنين من المؤشرات النّفسيّة الأساسيّة، هما الضّيق النّفسي والرّفاه النّفسي، لدى عينة من البالغين اللبنانيين الذين استخدموا خدمات الصّحّة النّفسية عبر الإنترنت خلال ظروف الأزمات.
2- مشكلة الدّراسة
على الرغم من التطور المتزايد في مجال الصّحّة النّفسيّة الرّقميّة، ما تزال هناك حاجة إلى المزيد من الأدلة العلميّة المستمدة من البيئات المتأثرة بالأزمات والحروب، ولا سيما في البلدان التي تعاني من محدودية الموارد والخدمات النّفسية.
وفي السّياق اللبناني، تتزايد أهمية البحث في البدائل الرّقميّة نتيجة التّداخل بين الحاجة المرتفعة إلى خدمات الصّحّة النّفسية وبين الصعوبات التي قد تحد من الوصول المنتظم إلى الرعاية الحضورية. وعليه، تتمثل مشكلة الدراسة في السؤال الرئيس الآتي:
إلى أي مدى يرتبط تلقي خدمات الصّحّة النّفسيّة عبر الإنترنت بانخفاض مستوى الضّيق النّفسي وتحسن الرّفاه النّفسي لدى البالغين اللبنانيين المتأثرين بالأزمات؟
ويركز هذا السؤال بصورة أكثر تحديدًا على التغير في مؤشرين نفسيين أساسيين قبل التدخل وبعده، بدلًا من تناول الإنترنت بوصفه وسيلة عامة للدعم النّفسي.
3-أهمّيّة الدراسة
تنبع الأهمّيّة العلميّة للدّراسة من الحاجة إلى فهم دور التّدخلات النّفسية الرّقميّة في البيئات غير المستقرة والمتأثرة بالأزمات، وإلى توسيع المعرفة المتعلقة بفاعليّة هذه التّدخلات خارج البيئات الصّحيّة المستقرة.
أمّا الأهمّيّة السّريريّة، فتتمثل في دراسة إمكانيّة استخدام الرّعاية النّفسية الرّقميّة وسيلةً للمحافظة على استمراريّة الدّعم النّفسي عندما يصبح العلاج الحضوري صعبًا أو متعذرًا.
وتبرز كذلك أهمّيّة اجتماعيّة وإنسانيّة في السياق اللبناني، إذ يمكن للخدمات الرّقميّة أن تساعد في الوصول إلى الأفراد الموجودين في المناطق النائية أو المتأثرة بالنزاعات، وكذلك الأشخاص الذين تحد الظروف الأمنيّة أو الاقتصاديّة من قدرتهم على الانتقال إلى مراكز العلاج.
كما يمكن أن تمثل نتائج الدّراسة أساسًا لتطوير بحوث أكثر تخصصًا في مجال العلاج النّفسي الرقمي المراعي للصدمات، بدلًا من الاقتصار على دراسة الدّعم النّفسي الرّقمي بصورة عامة.
4-أهداف الدّراسة
تهدف الدّراسة الحاليّة إلى:
- تقييم التّغير في مستوى الرّفاه النّفسي بعد تلقي خدمات الصّحّة النّفسيّة الرّقميّة مدة ستة أسابيع.
- تقييم التّغير في مستوى الضّيق النّفسي بعد التدخل.
- تقدير حجم التّغير النّفسي من خلال حساب حجم التأثير.
- مناقشة القيمة المحتملة للتدخلات النّفسيّة الرّقميّة في المحافظة على استمراريّة الرّعاية خلال الأزمات.
- تحديد اتجاهات بحثية مستقبليّة للتدخلات الرّقميّة المراعية للصدمات في لبنان.
5- فرضيّات الدّراسة
الفرضيّة الأولى (H1): توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسط درجات الرّفاه النّفسي قبل التّدخل وبعده، لصالح القياس البعدي.
الفرضيّة الثانية (H2): توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسط درجات الضّيق النّفسي قبل التّدخل وبعده، إذ تنخفض درجات الضّيق النّفسي في القياس البعدي مقارنة بالقياس القبلي.
6- الإطار النظري
6-1- الصّحّة النّفسية الرّقميّة
يشير مفهوم الصّحّة النّفسية الرّقميّة إلى استخدام التقنيات الرّقميّة في الوقاية والتقييم والتّدخل والمتابعة في مجال الصّحّة النّفسيّة. ويتضمن هذا المفهوم طيفًا واسعًا من الخدمات، بدءًا من الاستشارات النّفسيّة عبر الاتصال المرئي، وصولًا إلى البرامج النّفسيّة المنظمة المقدمة عبر الإنترنت.
وتتمثل إحدى المزايا الأساسيّة لهذه الخدمات في قدرتها على تقليل أثر المسافة الجغرافيّة، وإتاحة قدر أكبر من المرونة في الحصول على العلاج، والمحافظة على التّواصل بين المعالج والمستفيد عندما تحول الظروف الخارجيّة دون الحضور إلى العيادة.
ولا يعني ذلك أنّ العلاج النّفسي الرّقمي يمثل بديلًا مطلقًا عن العلاج الحضوري، بل يمكن النّظر إليه بوصفه نمطًا إضافيًا لتقديم الرّعاية النّفسيّة، على أن تحدد ملاءمته استنادًا إلى طبيعة الحالة السريريّة، ودرجة الخطورة، واحتياجات المستفيد، والإمكانات المتاحة.
6-2- الضّيق النّفسي في سياق الأزمات
يشير الضّيق النّفسي إلى حالة من المعاناة الانفعاليّة التي قد تتضمن أعراض القلق والاكتئاب والتوتر والإرهاق النّفسي. ويمكن أن ترتفع مستوياته في البيئات التي تتسم بعدم اليقين والتّهديد المتكرر والخسائر الاقتصادية والاجتماعيّة والنّزاعات المسلّحة.
وبناءً على ذلك، يمثل انخفاض الضّيق النّفسي أحد المؤشرات المهمة في تقييم التّدخلات النّفسيّة المقدمة للأفراد المتأثرين بالأزمات.
6-3- الرّفاه النّفسي
لا تقتصر الصّحّة النّفسيّة على غياب الأعراض أو الاضطرابات النّفسيّة، بل تشمل جوانب إيجابيّة تتعلق بالمزاج والطاقة والقدرة على ممارسة أنشطة الحياة اليوميّة والشّعور العام بالعافيّة.
ويتيح مؤشر الرّفاه لمنظمة الصّحّة العالمية (WHO-5) تقييم هذا الجانب بصورة موجزة. ومن ثم، فإن الجمع بين قياس الضّيق النّفسي وقياس الرّفاه النّفسي يوفر رؤية أكثر شمولًا للتّغير النّفسي؛ إذ يسمح بتقييم انخفاض المعاناة من جهة، وتحسن الجوانب الإيجابية للصّحّة النّفسيّة من جهة أخرى.
6.4 العلاج النّفسي عن بُعد والتّدخلات المراعية للصدمات
تشير الأدبيّات العلميّة إلى امتلاك التّدخلات النّفسية القائمة على الإنترنت إمكانات علاجيّة في التعامل مع عدد من الاضطرابات والمشكلات النّفسية، بما فيها القلق والاكتئاب وبعض الأعراض المرتبطة باضطراب ما بعد الصّدمة.
ويحظى العلاج المعرفي السّلوكي عبر الإنترنت (iCBT) بقاعدة بحثيّة واسعة نسبيًا، في حين ما تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الدراسات المتعلقة ببعض التّدخلات المتخصصّة في معالجة الصّدمات عن بُعد.
ومن بين الاتجاهات التي تستحق المزيد من الدّراسة العلاج بإزالة التّحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR) عند تقديمه عن بُعد. إلا أنّه ينبغي التمييز بوضوح بين مناقشة EMDR بوصفه اتجاهًا بحثيًا مستقبلًا وبين عدِّه جزءًا من النّتائج الحاليّة؛ فالدّراسة الحاليّة لم تصمم لاختبار فاعليّة EMDR بوصفه تدخلًا علاجيًا مستقلًا.
7- المنهجيّة
7-1- تصميم الدراسة: يمثل البحث الحالي تحليلًا ثانويًا لبيانات دراسة شبه تجريبيّة سابقة اعتمدت تصميم القياس القبلي–البعدي.
ويتيح هذا التّصميم دراسة التّغير داخل المجموعة نفسها بين مرحلتي ما قبل التدخل وما بعده، لكنه لا يوفر المستوى نفسه من الاستدلال السّببي الذي توفره التّجارب العشوائيّة المحكومة.
7-2- المشاركون
تكونت العينة من 90 بالغًا لبنانيًا تراوحت أعمارهم بين 18 و60 عامًا، ممن طلبوا دعمًا نفسيًا عبر الإنترنت خلال الأشهر الستة السابقة للمشاركة في الدّراسة.
وشملت معايير المشاركة:
- أن يكون المشارك بالغًا.
- توفر إمكانيّة الوصول إلى الإنترنت.
- القدرة على التواصل باللغة العربيّة أو الإنجليزيّة.
- الإبلاغ عن وجود مستوى من الضّيق النّفسي.
واستُبعد الأفراد الذين كانوا يتلقون علاجًا نفسيًا داخل المستشفى، أو الذين يعانون من إعاقات معرفيّة شديدة.
7-3- التدخل
شارك أفراد العيّنة مدة ستة أسابيع في خدمات للصحة النّفسية عبر الإنترنت، تضمنت العلاج النّفسي وأشكالًا من الدعم النّفسي الرّقمي.
ونظرًا إلى أنّ البيانات الأصليّة المتاحة لا تفصل النّتائج وفق نوع التّدخل العلاجي المحدد الذي تلقاه كل مشارك، فإنّ التّحليل الحالي يتعامل مع هذه الخدمات بوصفها حزمة من التّدخلات النّفسيّة الرّقميّة، ولا ينسب النتائج إلى مدرسة علاجية أو تقنية علاجية محددة.
7-4- أدوات القياس
أولًا: مؤشر الرّفاه لمنظمة الصّحّة العالميّة (WHO-5)
استخدم مؤشر WHO-5 لتقييم مستوى الرّفاه النّفسي الذاتي لدى المشاركين، وهو مؤشر موجز يركز على الجوانب الإيجابيّة للصّحّة النّفسيّة والشّعور العام بالعافية.
ثانيًا: مقياس كيسلر للضيق النّفسي (K10)
استخدم مقياس K10 لتقييم مستوى الضّيق النّفسي لدى المشاركين، وهو من المقاييس المستخدمة في تقييم الأعراض المرتبطة بالضّيق النّفسي، ولا سيما أعراض القلق والاكتئاب.
7-5- إجراءات الدراسة
أكمل المشاركون أدوات القياس قبل بدء التدخل، ثم شاركوا في خدمات الصّحّة النّفسيّة الرّقميّة مدة ستة أسابيع. وبعد انتهاء مدّة التدخل، أعيد تطبيق أدوات القياس نفسها لتقييم التغير في المتغيرات النّفسيّة المدروسة.
7-6- التّحليل الإحصائي
استُخدم اختبار (t) للعينات المترابطة (Paired-Samples t-test) لمقارنة المتوسطات القبليّة والبعدية.
كما استُخدم معامل (Cohen’s d) لتقدير حجم التأثير، بما يسمح بعدم الاقتصار على الدّلالة الإحصائيّة وحدها، وتقدير الحجم العملي للتّغيرات التي ظهرت بعد التّدخل.
8- النّتائج
8-1- نتائج الرّفاه النّفسي
بلغ متوسط درجات مؤشر WHO-5 قبل التدخل 44.8، وارتفع بعد التدخل إلى 61.3.
وبلغت قيمة الاختبار الإحصائي:
t = 9.12، p < .001، Cohen’s d = 1.21
وتشير هذه النتيجة إلى وجود فرق ذي دلالة إحصائيّة بين القياسين القبلي والبعدي في مستوى الرّفاه النّفسي، مع حجم تأثير كبير. وبذلك تدعم النّتائج الفرضية الأولى للدراسة.
8-2- نتائج الضّيق النّفسي
بلغ متوسط درجات K10 قبل التدخل 29.7، وانخفض بعد التدخل إلى 19.5.
وبلغت قيمة الاختبار الإحصائي:
t = -10.4، p < .001، Cohen’s d = 1.38
وتشير النتيجة إلى انخفاض ذي دلالة إحصائيّة في مستوى الضّيق النّفسي بعد التدخل، مع حجم تأثير كبير. وبذلك تدعم النتائج الفرضية الثانية للدراسة.
جدول (1):الفروق بين القياسين القبلي والبعدي في الرّفاه النّفسي والضّيق النّفسي
| المتغير |
|
المتوسط البعدي | t | p | Cohen’s d | ||
| الرّفاه النّفسي WHO-5 | 44.8 | 61.3 | 9.12 | < .001 | 1.21 | ||
| الضّيق النّفسي K10 | 29.7 | 19.5 | 10.4 | < .001 | 1.38 |
وتوضح النتائج اتجاهين متكاملين؛ تمثل الأول في ارتفاع مؤشر الرّفاه النّفسي، في حين تمثل الثاني في انخفاض مستوى الضّيق النّفسي بعد مدّة التدخل.
9- المناقشة
هدفت الدّراسة الحاليّة إلى إعادة تحليل جانب محدد من بيانات دراسة شبه تجريبيّة تناولت استخدام خدمات الصّحّة النّفسيّة عبر الإنترنت لدى البالغين اللبنانيين خلال الأزمات. وقد ركز التحليل على متغيرين أساسيين، هما الرّفاه النّفسي والضّيق النّفسي.
أظهرت النتائج ارتفاعًا واضحًا في متوسط درجات الرّفاه النّفسي بعد مدّة التدخل، بالتّزامن مع انخفاض ملحوظ في مستوى الضّيق النّفسي. كما أظهرت أحجام التأثير أنّ مقدار التّغير كان كبيرًا في كلا المتغيرين.
وتنسجم هذه النّتائج في الاتجاه العام مع الأدبيّات التي تشير إلى إمكانيّة استخدام التّدخلات النّفسيّة الرّقميّة في التعامل مع عدد من المشكلات النّفسيّة، وإلى قدرة بعض التّدخلات المقدمة عبر الإنترنت على تحقيق نتائج علاجيّة مهمة.
وتكتسب هذه النّتائج أهمّيّة خاصة عند وضعها ضمن السّياق اللبناني، إذ إنّ قيمة العلاج النّفسي عن بُعد خلال الأزمات قد لا تقتصر على فاعليته السّريريّة المحتملة، بل تشمل أيضًا المحافظة على استمراريّة التّواصل العلاجي وإمكانيّة الوصول إلى الخدمات عندما يصبح الانتقال إلى العيادات والمراكز النّفسية صعبًا أو غير آمن.
ومن النّاحية السّريريّة، يشير انخفاض متوسط K10 من 29.7 إلى 19.5 إلى تغير واضح في مستوى الضّيق النّفسي لدى أفراد العيّنة. كما أنّ ارتفاع متوسط WHO-5 من 44.8 إلى 61.3 يشير إلى أن التغير لم يقتصر على انخفاض المعاناة النّفسية، بل ترافق أيضًا مع تحسن في مؤشر إيجابي للصّحّة النّفسيّة.
ويعد الجمع بين هذين الاتجاهين من نقاط القوة في تفسير النّتائج؛ لأنّ تقييم نجاح التّدخل النّفسي لا ينبغي أن يعتمد فقط على انخفاض الأعراض السّلبيّة، بل يمكن أن يشمل كذلك تحسن الشّعور العام بالرّفاه النّفسي.
ومع ذلك، ينبغي التّعامل مع النّتائج بحذر من النّاحية السّببيّة. فغياب المجموعة الضابطة وعدم استخدام التّوزيع العشوائي يعنيان أنّه لا يمكن الجزم بأن التّدخلات النّفسيّة الرّقميّة كانت العامل الوحيد المسؤول عن التغير الملحوظ.
فقد تكون هناك عوامل أخرى ساهمت في النّتائج، مثل مرور الوقت، أو تغير بعض الظروف الخارجيّة، أو الدّعم الاجتماعي، أو التّوقعات المرتبطة بالعلاج.
وعليه، فإنّ الصّياغة الأكثر دقة علميًا هي أن المشاركة في خدمات الصّحّة النّفسية الرّقميّة ارتبطت بتحسن الرّفاه النّفسي وانخفاض الضّيق النّفسي لدى أفراد العينة، بدلًا من القول إنّ الدّراسة أثبتت علاقة سببيّة نهائيّة بين التّدخل الرّقمي وهذه النتائج.
10- التّدخلات الرّقميّة المراعية للصدمات وإمكانات EMDR
تفتح نتائج الدّراسة المجال أمام الانتقال من دراسة خدمات الصّحّة النّفسية الرّقميّة بصورة عامة إلى دراسة تدخلات رقميّة أكثر تخصصًا، ولا سيما التّدخلات المراعية للصّدمات النّفسيّة.
وتكتسب هذه المسألة أهمّيّة في المجتمعات المتأثرة بالحروب والنّزاعات؛ إذ قد يحتاج بعض الأفراد إلى تدخلات علاجيّة متخصصة تستهدف الأعراض المرتبطة بالتّجارب الصّادمة، بدلًا من الاقتصار على الدّعم النّفسي العام.
ومن الاتجاهات العلاجيّة التي تستحق المزيد من البحث في هذا المجال العلاج بإزالة التّحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (Eye Movement Desensitization and Reprocessing – EMDR) عند تقديمه عن بُعد.
ولا تسمح بيانات الدّراسة الحاليّة باستخلاص استنتاجات حول فاعليّة EMDR تحديدًا، لأن التدخل الأصلي لم يعتمد بروتوكول EMDR موحدًا بوصفه المتغير العلاجي المستقل، ولم يستخدم تصميمًا يقارن بين EMDR وتدخل آخر.
ومع ذلك، يمكن أن تشكل النّتائج الحاليّة منطلقًا لدراسة مستقبليّة أكثر تخصصًا تختبر فاعليّة EMDR عن بُعد لدى الأفراد المتأثرين بالصدمات المرتبطة بالحرب، باستخدام أدوات قياس متخصصة لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة وتصميم بحثي يسمح باختبار الفاعليّة بصورة أكثر دقة.
11- الدّلالات السّريريّة والتّطبيقيّة
تشير النّتائج إلى أهمّية النّظر إلى خدمات الصّحّة النّفسيّة الرّقميّة بوصفها جزءًا من منظومة الاستجابة النّفسية خلال الأزمات، وليس بالضّرورة بديلًا كاملًا عن العلاج الحضوري.
ويمكن أن تساعد هذه الخدمات في المحافظة على استمراريّة الرّعاية والوصول إلى المستفيدين الذين يصعب عليهم الحضور إلى المراكز العلاجيّة بسبب الظروف الأمنيّة أو الجغرافيّة أو الاقتصاديّة.
ويتطلب التّوسع في استخدامها تدريب اختصاصيي الصّحّة النّفسيّة على المهارات المتعلقة بالعلاج عن بُعد، بما يشمل التقييم السّريري، والمحافظة على الخصوصيّة والسريّة، وإدارة المشكلات التّقنيّة، والتّعامل مع انقطاع الاتصال، وتحديد الحالات التي تحتاج إلى تدخل حضوري أو إحالة إلى مستوى أعلى من الرعاية.
12- حدود الدّراسة: ينبغي تفسير النتائج في ضوء عدد من الحدود المنهجيّة.
أولًا: لم تعتمد الد راسة توزيعًا عشوائيًا أو مجموعة ضابطة، الأمر الذي يحد من إمكانية الاستدلال على العلاقة السببية.
ثانيًا: اقتصرت مدّة التدخل على ستة أسابيع، ولم تتضمن البيانات المتاحة قياسات متابعة طويلة الأمد تسمح بتحديد مدى استمرار التحسن.
ثالثًا: اعتمدت الدّراسة على مقاييس التقرير الذاتي، وهو ما قد يجعل النتائج عرضة لبعض أشكال التحيز في الاستجابة.
رابعًا: لم يفصل التّصميم بين الأنواع المختلفة للتّدخلات النّفسيّة الرّقميّة، ولذلك لا يمكن تحديد التدخل الذي أسهم بدرجة أكبر في النّتائج.
خامسًا: لا تسمح البيانات المتاحة بإجراء تحليل مستقل لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، لعدم وجود مقياس متخصص لاضطراب PTSD ضمن المتغيرات المعروضة في الدراسة الأصلية.
13- التّوصيات
استنادًا إلى النّتائج والحدود السّابقة، توصي الدّراسة بإجراء تجارب عشوائية محكومة مستقبلًا تقارن التّدخلات النّفسيّة الرّقميّة بالرعاية النّفسية الحضوريّة أو بالرعاية المعتادة.
كما يوصى بإجراء قياسات متابعة بعد انتهاء العلاج، بما يسمح بتقييم مدى استمراريّة النّتائج على المدى المتوسط والطويل.
وفي الدراسات التي تستهدف الصّدمات النّفسية واضطراب ما بعد الصّدمة، ينبغي استخدام أدوات قياس متخصصة تسمح بتقييم أعراض PTSD بصورة مباشرة.
كذلك، من المهم في الدّراسات المستقبليّة الفصل بين أنواع التّدخلات الرّقميّة المختلفة، بدلًا من التّعامل معها بوصفها مجموعة علاجيّة واحدة، حتى يصبح من الممكن تحديد التّدخلات الأكثر فاعليّة.
أما فيما يتعلق بـEMDR، فيوصى بإجراء دراسة مستقلة حول تقديم العلاج عن بُعد وفق بروتوكول واضح، وبواسطة معالجين مؤهلين، مع استخدام قياسات قبليّة وبعديّة وقياسات متابعة، وتصميم بحثي يسمح بالمقارنة مع تدخل علاجي مناسب.
14- الخاتمة
تشير نتائج التّحليل الثانوي إلى أن تلقي خدمات الصّحّة النّفسيّة عبر الإنترنت مدة ستة أسابيع ارتبط بتحسن واضح في مستوى الرّفاه النّفسي وانخفاض الضّيق النّفسي لدى عينة مكونة من 90 بالغًا لبنانيًا.
وتكتسب هذه النّتائج أهمّيّة في سياق الأزمات والحروب، إذ يمكن للتقنيات الرّقميّة أن تسهم في المحافظة على استمراريّة الرّعايّة النّفسيّة والوصول إلى الأشخاص الذين يصعب عليهم الاستفادة من الخدمات الحضوريّة.
وفي الوقت نفسه، لا تسمح طبيعة التّصميم الحالي بإثبات علاقة سببيّة نهائيّة أو تحديد نوع التّدخل الرّقمي الأكثر فاعليّة.
وبناءً على ذلك، يمكن أن تنتقل البحوث المستقبليّة في لبنان من السؤال العام حول جدوى تقديم خدمات الصّحّة النّفسية عبر الإنترنت إلى أسئلة أكثر تخصصًا تتعلق بنوع التدخل العلاجي، وطبيعة الاضطراب المستهدف، وخصائص المستفيدين، والعوامل التي قد تؤثر في الاستجابة للعلاج.
ويمثل تطوير ودراسة التّدخلات الرّقميّة المراعية للصدمات، بما فيها دراسة إمكانيّة تقديم EMDR عن بُعد ضمن تصميمات بحثية محكمة، أحد الاتجاهات البحثيّة التي تستحق مزيدًا من الاهتمام في المجتمعات المتأثرة بالنّزاعات.
المراجع
-1Hedman-Lagerlöf, E., Carlbring, P., Svärdman, F., Riper, H., Cuijpers, P., & Andersson, G. (2023). Therapist-supported internet-based cognitive behaviour therapy yields similar effects as face-to-face therapy for psychiatric and somatic disorders: An updated systematic review and meta-analysis. World Psychiatry, 22(2), 305–314.
-2Jonsson, U., Linton, S. J., Ybrandt, H., Ringborg, A., Leander, L., Moberg, K., Hultcrantz, M., & Arnberg, F. K. (2023). Internet-delivered psychological treatment as an add-on to treatment as usual for common mental disorders: A systematic review with meta-analysis of randomized trials. Journal of Affective Disorders, 322, 221–234.
-3Paiva, J. M., Melani, M. D. S., Marques, E. S. N., von Arcosy, C., Coutinho, E. S. F., Ventura, P., & Berger, W. (2024). The efficacy of internet-delivered cognitive-behavioral therapy for posttraumatic stress disorder according to the mean age of patients: A systematic review and meta-analysis. Psychology, Health & Medicine, 29(4), 683–697.
-4Bates, A., et al. (2020). CovEMERALD: Assessing the feasibility and preliminary effectiveness of remotely delivered Eye Movement Desensitisation and Reprocessing following COVID-19 related critical illness: A study protocol for a randomised controlled trial. Trials.
5-وزارة الصّحّة العامة اللبنانية – البرنامج الوطني للصحة النّفسية
6- نحاس، نادين موريس؛ يازيجي، غادة جورج؛ الروادي، نعيم؛ وعانوتي، محمد فيصل (2022)
7- بسطا، لميّا الميّث، وأبو شقرا، سوزان. (2025). ما بعد الأزمات: الصّحّة النّفسية في لبنان في تأزّم مقلق. مجلة الجيش، (466)، 64–69.
[1] – Lecturer at the Lebanese University, Faculty of Arts and Humanities – Department of Clinical Psychology,Email: dmohamadjaber5@gmail.comز طلب نشر ا ونحتاج در في شهر تاريخ القبول
أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة – في قسم علم النّفس العيادي.
[2] – PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of General Psychology.Email: M.fadlalah@outlook.com
طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) –إيران- قسم علم النفس العام