عنوان البحث: العقل العملي ومشروعية السّلطة عند نصير الدّين الطوسي: دراسة في الحكمة والعدالة والإمامة
اسم الكاتب: أ. د.يوسف عبد الأمير طباجة، غازي شمص شمص
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
العقل العملي ومشروعية السّلطة عند نصير الدّين الطوسي: دراسة في الحكمة والعدالة والإمامة
Practical Reason and the Legitimacy of Authority in Nasir al-Din al-Tusi: A Study in Wisdom, Justice, and Imamate
Dr . Youssef Abdel Amir Tabaja أ. د.يوسف عبد الأمير طباجة([1])
Ghazi Shamas Shamas غازي شمص شمص([2])
تاريخ الإرسال:16-8-2026 تاريخ القبول:28-8-2026
الملخص turnitin:3%
يبحث هذا المقال في أسس مشروعية السلطة عند نصير الدين الطوسي من خلال تحليل العلاقة بين العقل العملي والحكمة والعدالة والاستحقاق من جهة، والإمامة واللطف والعصمة والنصب من جهة أخرى. وينطلق من فرضية مفتوحة لا تفترض تطابق المستويين الفلسفي والكلامي أو تكاملهما مسبقًا، بل تختبر أنماط الاستمرار وإعادة التأسيس والتوتر بينهما. ويعتمد البحث منهجًا تحليليًا نصيًا-سياقيًا مقارنًا، مركزًا على أخلاق ناصري ورسالة في الإمامة، مع إدخال المرحلة الإسماعيلية والتحول إلى المجال الإيلخاني ومشكلة الغيبة في تفسير تطور مفهوم الرئاسة. وتبين الدراسة أن الحكمة العملية تؤسس الحاجة إلى التدبير السياسي انطلاقًا من الاجتماع الإنساني وإمكان التنازع، بينما تجعل العدالة والاستحقاق والعلم والكفاءة معايير لتقويم أهلية الحاكم، بما يميز الرئاسة المستحقة من مجرد الغلبة. غير أن الكتابة الكلامية تعيد تأسيس الرئاسة من خلال وجوب الإمام واللطف والعصمة والنصب، وهي شروط لا تنتجها الحكمة العملية وحدها. كما تكشف الغيبة وعدم التمكين عن عدم التطابق بين المشروعية الإمامية الكاملة والسلطة السياسية الفعلية. وتخلص الدراسة إلى أن تصور الطوسي للسلطة لا يقوم على بنية تكاملية خطية، بل على مستويات مترابطة ومتفاوتة تتضمن استمرار بعض معايير الأهلية، وإعادة صياغة أساس الرئاسة، وتوترًا بين النموذج المعياري وواقع السلطة السياسية.
الكلمات المفتاحية: نصير الدين الطوسي؛ العقل العملي؛ الحكمة العملية؛ مشروعية السلطة؛ العدالة؛ الاستحقاق؛ الإمامة؛ الغيبة.
Abstract
This article examines the foundations of political legitimacy in the thought of Nasir al-Din al-Tusi by analyzing the relationship between practical reason, practical wisdom, justice, and political desert, on the one hand, and imamate, divine grace (lutf), infallibility, and appointment, on the other. Rather than presupposing a seamless integration between the philosophical and theological levels, the study treats continuity, reformulation, and tension as competing interpretive possibilities. It adopts a comparative textual and contextual approach, focusing primarily on Akhlaq-i Nasiri and Risala fi al-Imama, while also taking into account al-Tusi’s Ismaili phase, his transition into the Ilkhanid political sphere, and the problem of occultation. The study argues that practical philosophy explains the need for political governance through human sociability and the possibility of conflict, whereas justice, knowledge, competence, and desert provide normative criteria for distinguishing rightful rule from mere domination. Al-Tusi’s theological writings, however, re-establish authority through the necessity of the Imam, lutf, infallibility, and divine appointment—conditions that cannot be derived from practical philosophy alone. The problem of occultation further reveals a gap between the complete legitimacy of the infallible Imam and the authority exercised by actual political rulers. The article therefore concludes that al-Tusi’s conception of authority is better understood not as a linear integrative theory, but as a layered structure involving continuity in some criteria of political qualification, theological reformulation of the basis of authority, and unresolved tensions between normative legitimacy and political actuality.
Keywords: Nasir al-Din al-Tusi; practical reason; practical wisdom; political legitimacy; justice; political desert; imamate; occultation.
- 1. المقدمة: تثير مشروعية السلطة في فكر نصير الدين الطوسي إشكالًا يتجاوز بيان حاجة الاجتماع الإنساني إلى الحاكم؛ إذ يتعلق بالمعايير التي تميز مجرد حيازة السلطة من استحقاق الرئاسة، وبالعلاقة بين ما تؤسسه الحكمة العملية من شروط عقلية وأخلاقية للحكم، وما تضيفه الكتابة الكلامية من مفاهيم الإمامة واللطف والعصمة والنصب. ففي أخلاق ناصري تندرج السياسة ضمن الحكمة العملية، ويربط الطوسي الاجتماع بالتعاون والكمال، ثم يجعل اختلاف الأغراض وإمكان التنازع سببًا للحاجة إلى التدبير السياسي (الطوسي، 2008). ولا تساوي هذه الحاجة بين كل سلطة قائمة والسلطة المستحقة؛ إذ يميز بين سياسة الفضيلة وسياسة الغلبة، ويقرر أن الملك المقصود ليس صاحب مظاهر القوة فحسب، وإنما من يكون «مستحقًا لملكه في الحقيقة» (الطوسي، 2008، ص. 313). وهو ما يتيح التمييز تحليليًا بين واقع السيطرة وبين الأهلية المعيارية للرئاسة.
غير أن الاقتصار على القراءة المفهومية لـأخلاق ناصري يعزل النص عن سياقه التاريخي. فقد أُلّف الكتاب نحو سنة 633هـ/1235م أثناء إقامة الطوسي في قهستان في خدمة الحاكم الإسماعيلي نصير الدين عبد الرحيم بن أبي منصور، وحملت صيغته الأولى إهداءً إلى راعيه وإشارة إلى الإمام النزاري المعاصر؛ ثم أعاد الطوسي صياغة مقدمته بعد سقوط السلطة النزارية سنة 654هـ/1256م، وحذف الإهداء السابق وقدم تفسيرًا مختلفًا لظروف إقامته مع الإسماعيليين (Madelung, 1985). ولا يثبت ذلك وحده تحولًا كاملًا في نظريته السياسية، لكنه يجعل اختلاف مراحل التأليف والسياق عنصرًا لا يمكن تجاهله في قراءة مفاهيم الرئاسة والإمامة.
وتكتسب المرحلة الإسماعيلية أهمية إضافية لأن المسألة لم تكن سياسية فقط، بل اتصلت أيضًا بحدود العقل ووظيفة الإمام. فبحسب قراءة Madelung للرسالة السيرذاتية للطوسي، انتهى الطوسي في مرحلة من مساره الفكري إلى نقد كفاية العقل المستقل في إدراك المبادئ القصوى، وربط تجاوز هذا القصور بالحاجة إلى «التعليم» والمعلم الذي ينقل العقل من النقص إلى الكمال (Madelung, 1985). ومن ثم لا ينبغي افتراض أن وظيفة الإمامة ظلت واحدة في جميع نصوصه؛ إذ تظهر في بعض نصوص المرحلة الإسماعيلية بوصفها سلطة تعليمية ومعرفية، بينما يعاد تأسيسها في الكتابة الكلامية الإمامية بواسطة التكليف واللطف والعصمة.
ويقتضي توسيع عينة النصوص، مع ذلك، احتياطًا مصدرّيًا. فـروضة التسليم الذي نُسب طويلًا إلى الطوسي واستُعمل شاهدًا على مرحلته النزارية ليس ثابت النسبة بلا خلاف؛ إذ أعادت مريم معزي فحص هذه النسبة بالنقد الداخلي والخارجي وانتهت إلى رفضها، مع وجود مواقف بحثية أخرى تقبل النسبة أو تتحفظ عليها (معزي، 2014، صص. 167–171). ولذلك لا يعتمد البحث هذا الكتاب بوصفه شاهدًا يقينيًا مستقلًا على رأي الطوسي، بل يستفيد منه في حدود الخلاف حول نسبته، مع إعطاء الأولوية للنصوص الأكثر ثبوتًا.
كما أن التحول من البيئة النزارية إلى المجال الإيلخاني يضع نظرية السلطة أمام اختبار تاريخي مباشر. فقد ارتبط الطوسي بعد سقوط ألموت بهولاكو وعاش المرحلة التي انتهت بسقوط بغداد سنة 656هـ/1258م، وقد اختلف الباحثون في تحديد طبيعة دوره في تلك الأحداث؛ فبعض القراءات نسبت إليه دورًا بارزًا، في حين رفضت أخرى اختزال علاقته بالمغول في صورة المحرض المسؤول عن قتل الخليفة (Madelung, 1985). ولا يسعى البحث إلى حسم هذا الخلاف التاريخي، بل إلى استخدامه في اختبار التمييز بين سلطة قامت بالفعل بالغلبة وبين معيار الاستحقاق الذي يقدمه الطوسي في خطابه الفلسفي.
وتظهر المشكلة من زاوية أخرى في رسالة في الإمامة. فالإمام عند الطوسي هو صاحب «الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا» (الطوسي، 2024)، ويؤسس وجوبه بقاعدة اللطف ثم يرتب عليها العصمة والنصب. غير أن هذا البناء يثير إشكالًا أكبر حين ينتقل الطوسي نفسه إلى مسألة عدم التمكين والغيبة؛ فهو يميز بين أصل نصب الإمام وبين تحقق تصرفه الفعلي، ويرد سبب غيبة الإمام إلى «الخوف الغالب وعدم التمكين» من جهة المكلفين (الطوسي، 2024، صص. 208–216). وهنا يصبح السؤال السياسي ملحًا: إذا كانت المشروعية الإمامية باقية مع غياب الإمام، فما وضع السلطة التي تمارس الحكم فعلًا في زمن الغيبة؟
- إشكاليّة البحث: بناءً على ذلك، لا ينطلق البحث من افتراض أن الفلسفة العملية وعلم الكلام عند الطوسي يمثلان مستويين «متكاملين» بالضرورة؛ فهذه كانت إحدى المشكلات في الصياغة السابقة، التي جعلت التكامل جزءًا من سؤال البحث نفسه. وإنما تتمثل الإشكالية في تحديد طبيعة العلاقة بين معايير الرئاسة في الحكمة العملية وتأسيس الإمامة في علم الكلام، مع اختبار أثر اختلاف المرحلة التاريخية والسياق السياسي في هذه العلاقة.
ويصاغ السؤال الرئيس على النحو الآتي:
كيف تتشكل معايير مشروعية السلطة واستحقاق الرئاسة في نصوص نصير الدين الطوسي، وما طبيعة العلاقة بين الأساس العقلي-الأخلاقي للرئاسة والأساس الكلامي للإمامة في ضوء التحولات الفكرية والسياسية التي مر بها؟
ويتفرع منه أربعة أسئلة:
- كيف ينتقل الطوسي من العقل العملي والحكمة والاجتماع إلى ضرورة السياسة ومعيار العدالة والاستحقاق؟
- كيف يميز بين سياسة الغلبة والرئاسة المستحقة، وما الذي يكشفه سياقه الإيلخاني عن هذا التمييز؟
- هل تمثل الإمامة استمرارًا للرئيس الفاضل في الحكمة العملية، أم تعيد تأسيس الرئاسة داخل بنية كلامية مختلفة؟
- ما وضع السلطة السياسية الفعلية في زمن الغيبة إذا ظلت الرئاسة الكاملة مرتبطة بالإمام المعصوم؟
- الفرضية والأهداف: ينطلق البحث من فرضية مفتوحة مؤداها أن نصوص الطوسي تكشف عن تقاطعات بين المستوى الفلسفي والكلامي في شروط مثل العلم والعدل والكفاءة، لكن هذه التقاطعات لا تكفي مسبقًا لإثبات وحدة الأساس النظري للمشروعية؛ فقد تكشف المقارنة عن استمرار بعض المفاهيم، أو إعادة صياغتها، أو عن توتر يبقى بلا حل كامل.
ويهدف البحث، تبعًا لذلك، إلى تحليل معايير الرئاسة في أخلاق ناصري ومقارنتها بالتأسيس الكلامي للإمامة في رسالة في الإمامة، مع الاستفادة المقارنة من تجريد الاعتقاد، وتتبع دلالة التحول الأخلاقي في المرحلة المتأخرة من خلال أوصاف الأشراف، إلى جانب الشواهد المتعلقة بالمرحلة الإسماعيلية والسياق الإيلخاني..
- الدراسات السابقة والفجوة البحثية: تناولت الدراسات السابقة جوانب متعددة من هذا الموضوع؛ فقد درس Madelung (1985) علاقة أخلاق الطوسي بالفلسفة والتشيع والمرحلة الإسماعيلية، بينما أبرز Halilović (2017) انتقال الأخلاق من الفرد إلى الاجتماع، وركز Haji (2011) على العدالة وبنية الرئاسة، في حين تناول Nansi et al. (2017) العدالة السياسية وصلتها بالإمامة والاستحقاق، ودرس Mehrabani Fadaei وMovahedinia (2022) الفكر السياسي للطوسي من داخل مؤلفاته الكلامية. وقد استندت النسخة الأولى من البحث إلى هذه المسارات بصورة متفرقة.
وتتمثل الفجوة التي يعالجها البحث في عدم الاكتفاء بجمع هذه العناصر في نموذج تكاملي، بل في اختبار العلاقة بينها عبر اختلاف النصوص والمراحل، وإدخال السياق التاريخي ومشكلة الغيبة والسلطة الفعلية في صلب التحليل.
- منهج البحث: يعتمد البحث منهجًا تحليليًا نصيًا-سياقيًا مقارنًا. ويظل أخلاق ناصري المصدر الرئيس لتحليل الحكمة العملية والعدالة والغلبة والاستحقاق، وتمثل رسالة في الإمامة المصدر المباشر لتحليل اللطف والعصمة والنصب والغيبة، مع الاستفادة المقارنة من الدراسات التي تناولت هذه المفاهيم في تجريد الاعتقاد وغيره من مؤلفات الطوسي الكلامية. وتُستخدم الشواهد المتعلقة بالمرحلة الإسماعيلية لتتبع تحول وظيفة العقل والتعليم والإمام، مع التعامل الحذر مع روضة التسليم بسبب الخلاف في نسبته (معزي، 2014).
ولا يقصد بالسياق التاريخي ردّ الأفكار إلى الوقائع السياسية ردًا سببيًا مباشرًا، وإنما اختبار استمرار المفاهيم أو تغيرها بين قهستان وألموت والمجال الإيلخاني. كما يستخدم البحث مصطلح «مشروعية السلطة» بوصفه مفهومًا تحليليًا معاصرًا، من دون نسبته لفظيًا إلى الطوسي، ويبحث عما يقابله في مفاهيمه، مثل الرئاسة والملك والاستحقاق والعدل والتدبير وسياسة الغلبة والإمامة؛ وهو احتياط منهجي كان موجودًا في النسخة الأصلية ويستحسن الإبقاء عليه.
- الإطار النّظري والتّحليلي
المبحث الأول: العقل والحكمة العمليّة وأساس الاجتماع السياسي عند نصير الدّين الطوسي
يقتضي البحث في الأساس العقلي للسياسة عند نصير الدين الطوسي التمييز بين مستويات استعمال مفهوم العقل في مؤلفاته. فالعقل المجرد الذي يظهر في مباحثه الفلسفية والكلامية يتعلق أساسًا بقضايا المعرفة والوجود وإثبات الجوهر العقلي، وهو ما توضحه دراسة Türkmen التي تبين أن معالجة الطوسي للعقل المجرد تتحرك أساسًا ضمن أفق معرفي وميتافيزيقي، ولا تمثل في ذاتها نظرية في العقل السياسي (Türkmen, 2024). لذلك فإن المدخل الأقرب إلى المجال السياسي هو العقل العملي كما يظهر في أخلاق ناصري، لا إسقاط دلالات العقل المجرد على السياسة مباشرة.
يربط الطوسي الحكمة بالفعل الإنساني وغاية الكمال؛ فالفلسفة العملية تتعلق بما ينبغي فعله لإخراج الاستعداد الإنساني من القوة إلى الفعل والانتقال من النقص إلى الكمال، ثم تتوزع موضوعاتها بين الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن (الطوسي، 2008). ويؤكد بناء أخلاق ناصري نفسه هذا التصور، إذ يجعل السياسة أحد الأقسام الرئيسة للحكمة العملية، إلى جانب الأخلاق وتدبير المنزل، ويخصص لها القسم الثالث من الكتاب (Al-Tusi, 2011).
ولا يعني إدراج السياسة في الحكمة العملية أنها مجرد امتداد تقني لإدارة المجتمع؛ لأن غايتها تبقى مرتبطة بالكمال والفضيلة. وهذه النقطة مهمة لفهم المشروعية عند الطوسي: فالسلطة لا تظهر ابتداءً بوصفها قوة قائمة بذاتها، وإنما بوصفها صورة من صور التدبير الموجه للفعل الإنساني. وقد أشار Madelung إلى أن أخلاق ناصري ينتمي بوضوح إلى تقليد الفلسفة العملية، مع استفادة واسعة من مسكويه وابن سينا والفارابي، وإن كان الطوسي يعيد صياغة مواده بحرية ولا يكتفي بنقلها حرفيًا (Madelung, 1985).
وتظهر أهمية العقل العملي بصورة أوضح في تمييز الطوسي بين ما يستند إلى «الطبع» وما يستند إلى «الوضع». فثمة مبادئ تتصل بالمصالح والأفعال الفاضلة وتحظى بثبات نسبي لأنها تخضع للعقل والخبرة، في مقابل أحكام وأوضاع ترتبط بالأعراف أو بالتشريع وتتغير بتغير الأزمنة والأحوال والدول (الطوسي، 2008؛ Madelung, 1985). ولا يعني هذا الفصل استقلال العقل السياسي عن الشريعة؛ بل يكشف منذ البداية عن وجود مجالين مختلفين في مصدر أحكامهما ودرجة ثباتهما، وهو ما سيصبح مهمًا لاحقًا عند مقارنة الحكمة العملية بالتأسيس الكلامي للإمامة.
غير أن السياسة لا تصبح ضرورية بمجرد وجود العقل أو الحكمة، وإنما من خلال طبيعة الاجتماع الإنساني نفسه. فالإنسان لا يستطيع استيفاء حاجاته وتحقيق كماله منفردًا، وإنما يحتاج إلى تعاون الآخرين وتقاسم الأعمال والمنافع. وقد أبرز Halilović هذه السمة في فكر الطوسي، معتبرًا أن أحد إسهاماته الأساسية يتمثل في توسيع مجال الأخلاق من تهذيب الفرد إلى النظر في المجتمع ذاته، بحيث تصبح الحياة الاجتماعية جزءًا من تحقق الكمال الإنساني لا مجرد إطار خارجي له (Halilović, 2017).
لكن الحاجة إلى التعاون لا تضمن انتظامه. فاختلاف الأغراض والمصالح، وإمكان الاستئثار والتعدي والتغلب، تجعل الاجتماع معرضًا للنزاع؛ ومن ثم تظهر الحاجة إلى تدبير يحدد المواقع والحقوق ويمنع العدوان ويحفظ استمرار التعاون، وهو ما يسميه الطوسي «السياسة» (الطوسي، 2008). ويعيد حاجي بناء هذه الحجة بوصفها انتقالًا من قابلية الإنسان للكمال إلى الاجتماع، ثم من إمكان التنازع إلى الحاجة إلى العدالة والحكومة (حاجي، 2011).
وبذلك يمكن القول إن ضرورة السلطة في أخلاق ناصري ليست نقطة أولى مفترضة، وإنما نتيجة لمشكلتين متلازمتين: حاجة الإنسان إلى الاجتماع لتحقيق مصالحه وكماله، وعدم قدرة الاجتماع على ضبط تعارض المصالح تلقائيًا. إلا أن هذه النتيجة تثبت الحاجة إلى التدبير ولا تثبت بعدُ أن كل تدبير قائم تدبير مشروع؛ فقد تنجح سلطة ما في فرض النظام بالقوة من دون أن تستوفي شروط الحكم الفاضل. ومن هنا يصبح السؤال التالي متعلقًا بالمعيار الذي يميز ضبط الاجتماع من الحكم المستحق، وتظهر العدالة بوصفها أول اختبار معياري للسلطة.
المبحث الثاني: العدالة من تنظيم الاجتماع إلى معيار استحقاق السلطة
لا تدخل العدالة عند الطوسي إلى السياسة بوصفها فضيلة إضافية بعد قيام الحكم، بل بوصفها المبدأ الذي يحدد نوع النظام الذي ينبغي أن ينتجه التدبير السياسي. فهي ترتبط في بنائه الأخلاقي بالمساواة والاعتدال وإعادة النسب والعلاقات إلى مواضعها الملائمة، ثم تنتقل هذه الوظيفة من النفس الفردية إلى الاجتماع؛ إذ يحتاج تبادل الأعمال والمنافع إلى معيار يمنع تحول التفاوت إلى استئثار أو ظلم (الطوسي، 2008).
وتكشف هذه النقلة أن المشكلة السياسية ليست مجرد منع الفوضى. فالمجتمع يمكن أن يخضع لقوة قادرة على ضبطه من غير أن يكون ذلك الضبط عادلًا؛ ولذلك تصبح العدالة معيارًا تتحدد به قيمة السلطة نفسها. وقد لفت Halilović إلى أن البعد الاجتماعي للأخلاق عند الطوسي يجعل معالجة الاختلالات الاجتماعية جزءًا من مشروعه الأخلاقي، بينما يعيد حاجي بناء نظريته السياسية حول الحاجة إلى العدالة بوصفها استجابة لمشكلة التنازع في الاجتماع (Halilović, 2017؛ حاجي، 2011).
ويظهر هذا البعد بوضوح في ربط الطوسي حفظ العدالة بثلاثة عناصر: الناموس، والحاكم، وأداة التبادل؛ فالقواعد وحدها لا تكفي إذا لم توجد سلطة تجعلها نافذة في العلاقات الواقعية (الطوسي، 2008). وفي هذا السياق يميز بين وظيفة معيارية تحدد العدل وبين وظيفة تنفيذية يمثلها «العادل الناطق» الذي يتدخل حين تعجز العلاقات التلقائية عن حفظ التوازن. وبذلك لا تتأسس ضرورة الحاكم على امتلاك القوة في ذاتها، وإنما على الحاجة إلى تحويل قاعدة العدالة إلى ترتيب فعلي.
ومع ذلك، لا يظهر الحاكم عند الطوسي مصدرًا مطلقًا للعدل. فالنسخة الأصلية من البحث أحسنت التقاط وصفه للحاكم بأنه تابع لمعيار أعلى، وأن وظيفته لا تنفصل عن الناموس الذي ينبغي أن يحتكم إليه (الطوسي، 2008). وهذه الفكرة مهمة في إعادة بناء مفهوم المشروعية؛ لأن السلطة لا تستمد قيمتها من مجرد كونها سلطة، بل تصبح قابلة للتقويم بمعيار سابق على إرادتها.
وهنا تتصل العدالة بالعلاقة بين العقل والشريعة من دون أن تسمح بعدُ بالقول بوجود «تكامل» محسوم بينهما. فبحسب قراءة Madelung، يميز الطوسي في أخلاق ناصري بين الأخلاق العقلية ذات المبادئ الكلية وبين الأحكام الموضوعة التي تتغير بتغير الأزمنة والظروف، لكنه يجعل الناموس الإلهي في الوقت نفسه محددًا للمقادير والمراتب التي يتحقق بها العدل في المجال العملي (Madelung, 1985). وهذا يعني أن العقل والشريعة يلتقيان في موضوع الفعل الفاضل والعدل، لكن العلاقة الدقيقة بينهما تحتاج إلى تحليل، ولا ينبغي حسمها مسبقًا بأنها علاقة تكامل كامل.
ويتجاوز أثر العدالة أداء الحاكم بعد توليه الحكم إلى أهليته للرئاسة نفسها. فالطوسي يربط الرئاسة الحقيقية بالحكمة والعدالة والتمييز والمعرفة، بحيث لا يكفي أن يكون الشخص قادرًا على إخضاع الآخرين أو إدارة المصالح القائمة (الطوسي، 2008). ويعزز هذا الاتجاه ما تذهب إليه دراسة نانسي وآخرين، التي تقرأ العدالة السياسية عند الطوسي ضمن شبكة تضم الاستعداد والاستحقاق والعقل والشريعة وصفات الإمام، لا بوصفها قيمة منفصلة عن أهلية الرئيس (نانسي وآخرون، 2017).
ومن ثم تؤدي العدالة وظيفتين ينبغي التمييز بينهما: فهي من جهة غاية ومعيار لممارسة الحكم، ومن جهة أخرى شرط في أهلية من يتولى الرئاسة. لكن الانتقال من الأولى إلى الثانية يثير سؤالًا لا تحله العدالة وحدها: قد نعرف ما هو الحكم العادل، لكن من الذي يملك الحق في ممارسته؟ وهل الكفاءة في إقامة العدل تكفي لاستحقاق الرئاسة، أم أن هناك شروطًا أخرى تتعلق بالمعرفة والفضيلة ومصدر السلطة نفسها؟
عند هذه النقطة يصبح التمييز بين الاستحقاق والغلبة ضرورة داخلية في الحجة، لا مجرد موضوع جديد يضاف إليها. فالعدالة تحدد معيار الحكم الجيد، بينما يختبر مفهوم الاستحقاق من هو الجدير بحمل السلطة أصلًا؛ وهذا هو موضوع المبحث الثالث.
المبحث الثالث: السّلطة بين الغلبة والاستحقاق عند نصير الدّين الطوسي
إذا كانت العدالة تحدد المضمون المعياري للحكم، فإنها لا تجيب بمفردها عن سؤال من يستحق ممارسة السلطة. وهنا تكتسب مقابلة الطوسي بين سياسة الملك وسياسة الغلبة دلالة مركزية؛ فاختلاف السياستين لا يتعلق بوسائل الحكم وحدها، بل بالغاية التي تتوجه إليها كل منهما. تتجه السياسة الفاضلة إلى انتظام الجماعة وإخراج ما فيها من استعداد للكمال، في حين ترتبط سياسة الغلبة بالقهر والاستئثار وتحويل الآخرين إلى أدوات لمصلحة المتغلب (الطوسي، 2008). ومن ثم لا تصبح القوة، لمجرد نجاحها في فرض الطاعة، معيارًا كافيًا للرئاسة المستحقة. وهذا هو الأساس الذي بنت عليه النسخة الأولى التمييز بين السيطرة الفعلية وبين الاستحقاق السياسي.
ويتأكد هذا التمييز في حديث الطوسي عن معنى الملك؛ إذ لا يحصره في كثرة الحشم والممتلكات أو في مباشرة الحكم بالفعل، بل يربطه بمن يكون «مستحقًا لملكه في الحقيقة» (الطوسي، 2008). وتسمح هذه العبارة بالتمييز تحليليًا بين امتلاك وسائل السلطة والأهلية للرئاسة، مع ضرورة الحذر من تحويلها إلى ثنائية حديثة مكتملة بين السلطة de facto والسلطة de iure. فالطوسي لم يصغ نظرية حديثة في الشرعية بهذه المصطلحات، لكن نصه يثبت على الأقل أن وقوع الحكم في يد شخص لا يكفي، في ذاته، لإثبات استحقاقه له. وقد لاحظ Wickens بدوره أن أخلاق ناصري يلامس مشكلة العلاقة بين السلطة القائمة والاستحقاق المعياري، مع تحذيره من تحميل المقاطع السياسية في الكتاب نظرية تفصيلية أكثر مما تحتمل (Wickens, 1964).
ولا يتأسس الاستحقاق عند الطوسي على صفة واحدة. فالقدرة على تدبير المملكة والمدينة تتطلب رجحان التمييز وفضل المعرفة، لأن تقدم شخص على غيره من دون خصوصية تؤهله لذلك يفتح باب التنازع بدل أن يحسمه (الطوسي، 2008). ويرتبط بذلك ما سبق من اشتراط الحكمة والعدالة والفضيلة في الرئاسة، فتتكون أهلية الحاكم من مجموعة معايير عقلية وأخلاقية ووظيفية، لا من القوة وحدها. ويظهر في أخلاق ناصري كذلك أن تدبير الأحكام يحتاج إلى شخص متميز عن غيره بالمعرفة والتأييد، ويربط الطوسي بهذا السياق بين الملك المطلق والإمام والمدبر الذي ينتظم بوجوده الاجتماع المدني (الطوسي، 2008؛ Madelung, 1985).
كما يتصل الاستحقاق للغاية التي يمارس الحكم من أجلها. فإذا كانت السياسة جزءًا من الحكمة العملية وغايتها الانتقال بالإنسان من النقص إلى الكمال، فإن كفاءة الرئيس لا تختزل في القدرة على حفظ النظام؛ إذ يمكن للقوة القاهرة أن تنتج انتظامًا ظاهريًا من دون أن تحقق العدالة أو الفضيلة. ولهذا يصبح تقويم السلطة متعلقًا في الوقت نفسه بصفات الحاكم وبالآثار التي ينتجها تدبيره في الاجتماع: هل يقيم التناسب والعدل ويوجه الجماعة إلى الكمال، أم يحول الحكم إلى أداة للغلبة والاستئثار؟ وتلتقي هذه القراءة مع الدراسات التي ربطت الاستعداد والاستحقاق السياسيين عند الطوسي بالحكمة والعدالة والكفاءة، لا بمجرد السيطرة (Haji, 2011; Nansi et al., 2017).
غير أن هذا البناء المعياري يواجه اختبارًا تاريخيًا مهمًا في مسيرة الطوسي نفسه. فقد أُلّف أخلاق ناصري في مرحلته الإسماعيلية، ثم انتقل الطوسي بعد انهيار السلطة النزارية إلى محيط هولاكو وأصبح حاضرًا في المجال السياسي والعلمي للدولة المغولية الجديدة. وتشير مقدمة Wickens إلى موقعه إلى جانب هولاكو وإلى دوره في المرحلة التي انتهت بالاستيلاء على بغداد وسقوط الخلافة العباسية، كما تصفه في السنوات اللاحقة بوصفه حاضرًا في قلب التحولات الكبرى التي رافقت التوسع المغولي، قبل نشاطه العلمي في مراغة (Wickens, 1964).
لكن طبيعة دوره في سقوط بغداد، وخصوصًا الاتهامات التي جعلته محرضًا مباشرًا على قتل الخليفة، ليست مسألة تاريخية محسومة يمكن اتخاذها مقدمة للبحث. فقد أشار Madelung إلى الاتهامات التي وجهها إليه عدد من المصنفين المتأخرين، لكنه رفض التعامل مع الصورة العدائية للطوسي بوصفها وصفًا تاريخيًا محايدًا، ولفت إلى اختلاف صورته في المشرق المغولي وعلاقاته بعدد من العلماء المسلمين (Madelung, 1985). ولذلك لا يتبنى البحث رواية تبرئ الطوسي من دوره السياسي، ولا أخرى تجعله المسؤول الفكري عن السياسة المغولية، بل يثبت القدر الذي يهم إشكاليته: أن صاحب التمييز النظري بين الغلبة والاستحقاق أصبح فاعلًا داخل نظام سياسي فرض وجوده ابتداءً بالتفوق العسكري.
وهذه المفارقة تمنع عزل النص السياسي عن الممارسة، لكنها لا تسمح أيضًا بالقفز مباشرة إلى دعوى التناقض. فمفهوم «سياسة الغلبة» عند الطوسي يصف نمطًا أخلاقيًا في الحكم يقوم على جعل السيطرة والاستئثار غاية للتدبير، وليس لدينا في النصوص التي يعتمدها البحث تصريح يقول إن كل سلطة كان منشؤها الحرب أو القوة تظل بالضرورة، في جميع مراحلها، «سياسة غلبة». وفي المقابل، لا يوجد ما يسمح باستنتاج أن القيام ببعض وظائف الإدارة أو رعاية العلم يحول السلطة المغولية تلقائيًا إلى «ملك مستحق». ولذلك تكشف التجربة الإيلخانية عن سؤال يتركه النص مفتوحًا أكثر مما تقدم جوابًا نهائيًا عنه: هل يتعلق الاستحقاق بمنشأ السلطة، أم بطريقة ممارستها وغايتها، أم بالشرطين معًا؟
والتمييز بين هذه المستويات ضروري لتجنب تحويل قراءة الطوسي إلى خطاب تسويغي. فقد يكون من الممكن، من الناحية التحليلية، التمييز بين سلطة حازت الحكم بالقوة وبين ما تفعله بعد استقرارها؛ لكن ذلك لا يعني أن حسن التدبير اللاحق يمحو تلقائيًا مشكلة الغلبة في أصل السلطة. كما أن وجود الطوسي في جهاز الحكم المغولي لا يثبت أنه عدل نظريته لتبرير هذه السلطة. المصادر المستخدمة هنا لا تسند نسبة نظرية صريحة من هذا النوع إليه، ولهذا ينبغي إبقاء المسافة بين النص الفلسفي وإعادة البناء التاريخية التي يقترحها الباحث.
وتكتسب هذه المسافة أهمية أكبر إذا أخذنا في الاعتبار أن أخلاق ناصري نفسه يقوم على التمييز بين الأحكام العقلية الكلية وبين الأوضاع المتغيرة بحسب الأزمنة والدول. فقد لاحظ Madelung أن الطوسي يقر بإمكان تغير جملة من الأحكام والإجراءات العملية بتغير الأحوال والعهود، مع بقاء المبادئ الكلية للحكمة العملية (Madelung, 1985). وهذا يفتح مجالًا لمرونة التدبير السياسي، لكنه لا يجعل المصلحة الزمنية مصدرًا مستقلًا للمشروعية؛ فالقدرة على مراعاة تغير الأحوال تظل مرتبطة عنده بالمعرفة والعدل والغاية الفاضلة.
وعليه، تكشف المقارنة بين الغلبة والاستحقاق عن ثلاثة مستويات ينبغي عدم دمجها: القدرة الواقعية على حيازة الحكم، والكفاءة في تدبير الاجتماع، والاستحقاق المعياري للرئاسة. وقد تجتمع هذه المستويات في حاكم واحد، كما يمكن أن تنفصل. ومن هنا لا تتساوى السلطة القائمة بالرئاسة المستحقة، ولكن هذه النتيجة تثير بدورها مشكلة أعمق: حتى إذا حددت الحكمة العملية صفات الملك الجدير بالحكم، فإنها لا تثبت بمفردها أن العصمة شرط للرئاسة، ولا أن الإمام منصوب من الله، ولا أن وجوده واجب بقاعدة اللطف.
وهذا هو الحد الذي ينبغي أن يقف عنده المبحث الفلسفي؛ لأن الانتقال إلى الإمامة لا يمثل مجرد إضافة لقب ديني إلى الرئيس الفاضل، بل انتقالًا إلى نوع آخر من تأسيس الرئاسة. فالسؤال في الحكمة العملية هو: من هو الأجدر بالحكم وبأي غاية ينبغي أن يدبر؟، بينما يصبح في الكتابة الكلامية: لماذا يجب وجود الإمام أصلًا، وما مصدر نصبه، ولماذا تشترط فيه العصمة؟ ومن هنا يبدأ المبحث الرابع باختبار ما إذا كانت الإجابة الكلامية استمرارًا للمسار السابق، أم إعادة تأسيس له، أم أنها تكشف عن توتر بين نموذج الرئاسة الفلسفي ونموذج الإمامة.
بهذه الصياغة نكون قد أدخلنا هولاكو وبغداد والسياق المغولي داخل مبحث الغلبة نفسه، لا في فصل تاريخي منفصل، وهو أوفر للمساحة وأقوى منهجيًا. كما أننا لا نكرر فقرة السياق الطويلة التي كتبناها سابقًا؛ سنكتفي بالإشارات الموجزة الموجودة في المقدمة ثم بهذا التحليل هنا.
المبحث الرابع: الإمامة بين الاستحقاق الفلسفي والتأسيس الكلامي: الغيبة وحدود السلطة الفعلية
ينتهي التحليل الفلسفي السابق إلى إمكان تحديد جملة من شروط الرئاسة المستحقة، مثل المعرفة والحكمة والعدالة والقدرة على التدبير والاتجاه بالحكم نحو غاية فاضلة. غير أن هذه المعايير لا تثبت، بمفردها، أن الرئيس يجب أن يكون معصومًا أو منصوبًا من الله. ولهذا لا ينبغي الانتقال من «الملك المستحق» في أخلاق ناصري إلى الإمام في الكتابة الكلامية باعتبار الثاني مجرد صورة مكتملة من الأول؛ فمع رسالة في الإمامة تتغير بنية السؤال نفسه، من تحديد أهلية الحاكم إلى بيان سبب وجوب الإمام ومصدر سلطته وشروطها.
يعرف الطوسي الإمام في الرسالة بأنه الإنسان الذي تكون له «الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا، بالأصالة في دار التكليف» (الطوسي، 2024). ولا يقتصر هذا التعريف على الإدارة السياسية، بل يجمع الرئاسة الدينية والدنيوية في سلطة واحدة، وهو ما يميزها عن مجرد الكفاءة التدبيرية التي أمكن استخلاصها من الحكمة العملية.
من الاستحقاق إلى اللطف: تغير بنية الحجة:
يقيم الطوسي الدليل على وجوب الإمامة انطلاقًا من قاعدة اللطف؛ فوجود الإمام المتمكن من أداء وظيفته يقرب المكلفين من القيام بالواجبات ويبعدهم عن الإخلال بها وارتكاب القبائح، وما يؤدي هذه الوظيفة يدخل، في الاصطلاح الكلامي، في مفهوم اللطف (الطوسي، 2024). ومن ثم لم تعد ضرورة الرئيس ناشئة هنا فقط من حاجة المجتمع إلى التعاون ودفع التنازع، كما في الحجة السياسية، وإنما أصبحت متصلة ببنية التكليف والعدل الإلهي.
وقد لفت Fadaei Mehrabani وMovahedinia إلى هذا التحول حين جعلا التكليف واللطف والنبوة والإمامة من المفاهيم الأساسية لفهم البعد السياسي في مؤلفات الطوسي الكلامية، ورأيا أن الحاجة إلى الهداية الإلهية لا تنحصر في النجاة الأخروية بل تمتد إلى انتظام الاجتماع الإنساني والسياسة (Fadaei Mehrabani & Movahedinia, 2022). لكن هذا الالتقاء في الوظيفة لا يعني أن الحجة الكلامية مجرد ترجمة دينية للحجة الفلسفية؛ ففي الأولى يمكن للعقل العملي أن يبين الحاجة إلى التدبير وصفات الرئيس، بينما يضيف مفهوم اللطف أساسًا آخر لوجوب وجود الإمام.
وهذا الفرق يمنع البحث من تقرير «التكامل» مسبقًا. فما يمكن إثباته هو وجود تقاطع وظيفي: كلا المسارين ينظر إلى الرئاسة بوصفها وسيلة لمنع الفساد وتقريب الاجتماع من النظام والكمال. أما مصدر الإلزام وطريقة البرهنة فمختلفان: الحكمة العملية تتحرك من الاجتماع والفضيلة والاستحقاق، في حين تتحرك رسالة الإمامة من التكليف واللطف والعدل الإلهي.
ولا تبدو هذه البنية الكلامية محصورة في رسالة في الإمامة؛ إذ يحتل تجريد الاعتقاد موقعًا مركزيًا في الإنتاج العقدي المتأخر للطوسي، ضمن مشروع يعالج النبوة والإمامة من داخل نظام التكليف والهداية الإلهية. وقد بينت قراءة Fadaei Mehrabani وMovahedinia للمؤلفات الكلامية للطوسي أن مفاهيم التكليف واللطف والنبوة والإمامة تمثل حلقات مترابطة في هذا البناء، بحيث لا تنفصل الهداية الدينية عن انتظام المجتمع الإنساني (Fadaei Mehrabani & Movahedinia, 2022). وتدعم هذه المقارنة القول بأن الانتقال إلى الإمامة يمثل إعادة تأسيس كلامية للرئاسة، لا مجرد استكمال لمعايير الرئيس الفاضل.
العصمة بوصفها نتيجة داخل الحجة الكلامية:
ولا تأتي العصمة عند الطوسي بوصفها فضيلة مثالية تضاف إلى قائمة صفات الحاكم بعد إثبات الإمامة، بل ترتبط ببنية الحجة نفسها. فإذا كان الإمام منصوبًا لرد المكلفين عن القبيح وتقريبهم من الواجب، فإن جواز الخطأ والإخلال عليه يجعله محتاجًا بدوره إلى من يقوم تجاهه بالوظيفة نفسها. ولذلك يستدل الطوسي على ضرورة العصمة من وظيفة الإمام التي أُثبت من أجلها، ثم يقرر أن من ينصبه الله لهذه الوظيفة لا يكون غير معصوم (الطوسي، 2024).
وبذلك يظهر اختلاف مهم بين معيار الاستحقاق الفلسفي ومعيار الإمامة الكلامي. فقد تجعل الحكمة والعدالة والمعرفة شخصًا أفضل من غيره في ممارسة الحكم، لكنها لا تنتج من داخلها وحدها شرط العصمة. ومن هنا لا يصح دمج الرئيس الفاضل والإمام المعصوم في مفهوم واحد من دون بيان هذه الزيادة الكلامية النوعية.
ومع ذلك، توجد نقطة التقاء تستحق الانتباه. ففي أخلاق ناصري يربط الطوسي تدبير الأحكام بشخص متميز عن الآخرين بالمعرفة والتأييد، ويسميه في اصطلاح المحدثين «الإمام»، ويجعل وظيفته تحقيق كمال التدبير المدني (الطوسي، 2008؛ Madelung, 1985). لكن حضور لفظ الإمام في النص الفلسفي لا يكفي لإثبات التطابق بينه وبين البناء الكلامي اللاحق؛ إذ تختلف الحجة التي يثبت بها كل نص الرئاسة وشروطها.
عدم التمكين: الإشكال الذي تكشفه قاعدة اللطف
تبلغ المشكلة ذروتها عندما يناقش الطوسي الاعتراض على قاعدة اللطف من جهة عدم تمكين الإمام. فإذا كان الإمام منصوبًا لأنه لطف، فإن عدم قدرته على ممارسة وظيفته يبدو كأنه يمنع تحقق الغرض من النصب. واللافت أن رسالة في الإمامة لا تتجاوز هذا الاعتراض، بل تعرضه صراحة: إذا كان الإمام منصوبًا لطفًا، فإن عدم تمكينه يعني عدم حصول اللطف، فما معنى وجوب نصبه حينئذ؟ (الطوسي، 2024).
وتقوم إجابة الطوسي على الفصل بين جهتين: أصل النصب وتحقق التمكين. فعدم تمكن الإمام من التصرف لا يجعل أصل النصب عبثًا، لأن الإخلال بالتمكين يرجع إلى جهة المكلفين لا إلى جهة من أوجب وجود الإمام. وهذا الفصل بالغ الأهمية بالنسبة إلى مسألة المشروعية؛ لأنه يعني أن عدم ممارسة الإمام للسلطة فعلًا لا يزيل مرتبته المعيارية ولا يسقط أصل وجوب الإمامة.
وعند معالجة غيبة الإمام الثاني عشر تصبح الفكرة أكثر وضوحًا؛ إذ يرفض الطوسي إرجاع سبب الغيبة إلى الله أو إلى الإمام، ويجعله راجعًا إلى المكلفين، محددًا إياه بـ«الخوف الغالب وعدم التمكين»، ثم يربط الظهور بزوال السبب (الطوسي، 2024).
هنا يمكن التمييز بين وجود صاحب الحق في الرئاسة وبين قدرته الفعلية على ممارستها. وهذا التمييز لا يظهر في البحث بوصفه إسقاطًا سياسيًا حديثًا، بل ينشأ من الحجة الكلامية نفسها؛ إذ تحفظ الرسالة وجوب الإمام مع الإقرار بتعطل تصرفه الخارجي.
الغيبة ومشكلة السلطة السياسية الفعلية:
غير أن هذا الجواب يحل مشكلة كلامية ولا يحل بالضرورة المشكلة السياسية كلها. فهو يفسر لماذا لا تبطل إمامة الإمام بسبب الغيبة، لكنه لا يحدد بصورة مكتملة من يملك السلطة السياسية الفعلية أثناء غيابه، وما نوع المشروعية التي يمكن أن تنسب إليه.
وهنا ينبغي تجنب نتيجتين متعجلتين. الأولى أن كل سلطة قائمة في زمن الغيبة تصبح غير مشروعة بالكلية لمجرد أنها ليست سلطة الإمام المعصوم؛ والثانية أن قيام حاكم غير معصوم بحفظ النظام والعدل يجعله حاملًا لمشروعية الإمام نفسها. لا تقدم رسالة في الإمامة، في حدود النص الذي نعتمد عليه، تصريحًا يجيز أيًا من النتيجتين. فهي تؤسس حق الإمام وتفسر غيبته، لكنها لا تبني نظرية تفصيلية لنقل «الرئاسة العامة» إلى حاكم سياسي بديل.
ومن هذه الزاوية تصبح العودة إلى أخلاق ناصري ضرورية، لكن لا بقصد سد الفراغ الكلامي قسرًا. فالكتاب يقدم مستويات من الرئاسة والتدبير يمكن أن تستمر وظيفتها في الواقع السياسي حتى عند تعذر الصورة الأكمل من الرئاسة. ويلفت حاجي إلى نص يميز فيه الطوسي، عند فقد صاحب الناموس والإمام، مرتبة ثالثة يسميها «رئاسة السنة»، ويصف صاحبها بأنه عارف بسنن الرؤساء السابقين، قادر على وضعها في مواضعها واستنباط ما لم يصرح به منها، مع جودة الخطاب والقدرة على الجهاد (حاجي، 2011).
لكن ينبغي هنا الفصل بدقة بين نص الطوسي وقراءة حاجي له. فالنص المنقول يسمي هذه المرتبة «رئاسة السنة»، أما القول إن صاحبها هو بالضرورة «الفقيه الجامع للشرائط» أو أن الطوسي قدم بذلك نظرية مكتملة في «ولاية الفقيه»، فهو استنتاج يتبناه حاجي؛ بل إن دراسته تنتهي صراحة إلى قراءة فكر الطوسي بوصفه دفاعًا عن هذا النموذج (حاجي، 2011). ولذلك لا يعتمد البحث هذا الاستنتاج بوصفه قولًا مباشرًا للطوسي، وإنما يستفيد من نص «رئاسة السنة» نفسه باعتباره شاهدًا على إدراك إمكان وجود تدبير سياسي أدنى من مرتبة الإمام عند غياب الرئاسات الأعلى.
وهذه النقطة تسمح باقتراح تمييز تحليلي بين مستويين: المشروعية الإمامية الكاملة التي تتأسس في الخطاب الكلامي على النصب والعصمة واللطف، والأهلية التدبيرية التي يمكن تقويم الحاكم في ضوئها بمعايير المعرفة والعدالة والاستنباط والقدرة على حفظ النظام. ولا يعني هذا التمييز أن الطوسي صاغ نظرية اصطلاحية بهذين المستويين؛ وإنما هو إعادة بناء تسمح بتفسير عدم التطابق بين نموذج الإمام المعصوم وواقع الحكم في زمن الغيبة.
وعليه، قد تكون السلطة غير المعصومة قادرة على أداء بعض وظائف التدبير والعدالة من دون أن تتحول إلى بديل مطابق للإمامة. وهذا يفسر كيف يمكن التمييز بين درجة السلطة السياسية وبين كمال مشروعيتها: فالقدرة على إقامة النظام والعدل تمنحنا أساسًا لتقويم أداء الحاكم وأهليته، لكنها لا تنتج وحدها العصمة أو النصب الإلهي.
من التكامل إلى علاقة مركبة:
تكشف مشكلة الغيبة، لذلك، حدًا واضحًا للقول بالتكامل المباشر بين الفلسفة العملية وعلم الكلام. فمن جهة تستمر معايير مثل المعرفة والعدل والكفاءة في كلا الخطابين؛ ومن جهة أخرى يضيف علم الكلام شروطًا لا يمكن اختزالها في تلك المعايير، وفي مقدمتها العصمة والنصب واللطف. كما أن غياب الإمام يترك مساحة واقعية تمارس فيها سلطات غير مستوفية لشروط الإمامة الكاملة وظائف السياسة والتدبير.
وبذلك لا تقود المقارنة إلى تطابق بين «الرئيس الفاضل» و«الإمام»، ولا إلى قطيعة كاملة بينهما. والأدق أن العلاقة تقوم على استمرار بعض الوظائف والصفات مع إعادة تأسيس مصدر الرئاسة وحدودها. فالحكمة العملية تتيح تقويم السلطة بما تحققه من عدل وكمال وحسن تدبير، بينما يحفظ الخطاب الكلامي للإمام مرتبة معيارية أعلى تتصل بالنصب والعصمة، حتى في حال الغيبة وعدم التمكين.
وهذه النتيجة هي التي تسمح للبحث بتجاوز الشرح التقليدي لقاعدة اللطف: فالسؤال لم يعد فقط لماذا يجب الإمام، بل ماذا يحدث لمفهوم المشروعية عندما يكون الإمام الواجب غائبًا بينما يستمر الاجتماع السياسي وتستمر الحاجة إلى الحكم؟ وفي هذه المسافة بين الرئاسة الكاملة والسلطة الفعلية تظهر واحدة من أهم التوترات في البناء السياسي للطوسي.
- نتائج البحث
تكشف الدراسة، بعد توسيع مادتها النصية وإدخال السياق التاريخي في التحليل، أن مشروعية السلطة في فكر نصير الدين الطوسي لا يمكن ردها إلى مسار خطي واحد يبدأ بالعقل وينتهي بالإمامة، بل تتشكل عبر مستويات متمايزة تتقاطع أحيانًا وتختلف في أسسها البرهانية أحيانًا أخرى. وقد أفضى التحليل إلى النتائج الآتية:
- تؤسس الحكمة العملية ضرورة السياسة من داخل حاجات الاجتماع الإنساني، لا من مجرد وجود سلطة سابقة عليه. فحاجة الإنسان إلى التعاون، واقتران الاجتماع بإمكان التنازع واختلاف الأغراض، يفسران الحاجة إلى التدبير السياسي، لكنهما لا يمنحان كل سلطة قائمة استحقاقًا معياريًا بمجرد قدرتها على فرض النظام (الطوسي، 2008؛ Haji, 2011). وهذا يقتضي التمييز بين ضرورة وجود التدبير وبين مشروعية من يتولاه.
- تمثل العدالة معيارًا للحكم وشرطًا في أهلية الحاكم معًا. فهي لا تؤدي وظيفة أخلاقية فردية فقط، وإنما تحدد صورة الاجتماع المنتظم وتقيد ممارسة الرئيس بمعيار يتجاوز إرادته. ومن ثم يصبح الاستحقاق السياسي مرتبطًا بالمعرفة والحكمة والعدالة والقدرة على التدبير، لا بمجرد امتلاك القوة (الطوسي، 2008؛ Nansi et al., 2017). وهو ما يفسر تمييز الطوسي بين سياسة الفضيلة وسياسة الغلبة وبين حيازة الملك والاستحقاق الحقيقي له.
- لا يكفي التمييز النظري بين الغلبة والاستحقاق إذا عُزل عن المسار السياسي للطوسي. فقد نشأ أخلاق ناصري في البيئة الإسماعيلية، ثم انتقل صاحبه بعد انهيار السلطة النزارية إلى المجال الإيلخاني وارتبط بهولاكو في مرحلة التحول السياسي الذي شمل سقوط بغداد. غير أن هذا السياق لا يثبت بذاته تناقضًا بين النظرية والممارسة، كما لا يبرر السلطة المغولية؛ بل يكشف ضرورة التمييز بين منشأ السلطة، وكيفية ممارستها، ومعيار استحقاقها (Madelung, 1985; Wickens, 1964). وقد تعاملت الدراسات نفسها بصورة مختلفة مع مقدار دور الطوسي في تلك الأحداث، مما يمنع بناء نتيجة فلسفية حاسمة على رواية تاريخية واحدة.
- تختلف حجة الإمامة الكلامية نوعيًا عن حجة الرئاسة في الحكمة العملية. ففي رسالة في الإمامة تُعرّف الإمامة بالرئاسة العامة في الدين والدنيا، ويؤسس وجوبها على التكليف واللطف، ثم تترتب عليها العصمة والنصب (الطوسي، 2024). لذلك لا يمكن التعامل مع الإمام بوصفه مجرد «رئيس فاضل» أضيفت إليه تسمية دينية؛ إذ يضيف الخطاب الكلامي شروطًا ومصدرًا للإلزام لا تنتجهما الحكمة العملية وحدها.
- تكشف الغيبة عن الحد الأوضح لفكرة التكامل الكامل بين المستويين الفلسفي والكلامي. فالطوسي يحافظ على وجوب الإمام مع تعذر تصرفه، ويفسر عدم التمكين والغيبة من جهة المكلفين، بما يعني أن غياب الممارسة الفعلية لا يسقط أصل الإمامة (الطوسي، 2024). غير أن هذا الحل الكلامي لا يقدم في الوقت نفسه نظرية مكتملة لمشروعية كل سلطة سياسية قائمة في زمن الغيبة.
- يفيد مفهوم «رئاسة السنة» في تمييز مستوى التدبير السياسي عن مرتبة الإمامة الكاملة، لكن من دون تحويله تلقائيًا إلى نظرية صريحة في ولاية الفقيه. فالنص الذي ينقله حاجي يثبت وجود مرتبة رئاسية عند فقد الرئاسات الأعلى، ويشترط فيها المعرفة بالسنن والاستنباط والقدرة على الخطاب والجهاد؛ أما مساواتها بـ«الفقيه الجامع للشرائط» فهي تفسير حاجي للنص وليست عبارة صريحة للطوسي (Haji, 2011). ومن ثم يقترح البحث التمييز تحليليًا بين المشروعية الإمامية الكاملة وبين الأهلية التدبيرية للسلطة الفعلية، من دون نسبته إلى الطوسي بوصفه اصطلاحًا صريحًا.
وتقود هذه النتائج إلى تعديل الفرضية التي انطلقت منها النسخة الأولى من البحث: فالعلاقة بين الفلسفة العملية وعلم الكلام عند الطوسي ليست تكاملًا خطيًا ولا قطيعة تامة، وإنما علاقة مركبة من الاستمرار وإعادة التأسيس والتوتر. تستمر بعض معايير الأهلية، مثل العلم والعدل والكفاءة، بينما يتغير أساس الرئاسة حين تنتقل الحجة إلى اللطف والعصمة والنصب، وتكشف الغيبة عن عدم التطابق بين نموذج الإمامة الكاملة وواقع السلطة السياسية.
- الخاتمة
سعى هذا البحث إلى إعادة بناء مشكلة مشروعية السلطة عند نصير الدين الطوسي من خلال تجاوز القراءة التي تعزل أخلاق ناصري عن سياقه، أو تفترض منذ البداية أن الفلسفة العملية وعلم الكلام يلتقيان في نظرية واحدة متكاملة. وقد أظهر توسيع دائرة التحليل أن خطاب الطوسي في الرئاسة تشكل داخل مسار فكري وسياسي متحول: من البيئة الإسماعيلية التي ارتبطت فيها الإمامة أيضًا بمشكلة التعليم وحدود العقل، إلى الكتابة الفلسفية في الحكمة العملية، ثم إلى التأسيس الكلامي الإمامي، فضلًا عن انتقاله إلى المجال الإيلخاني بعد انهيار ألموت. ويؤكد تاريخ أخلاق ناصري نفسه أهمية هذا الاحتياط السياقي؛ فقد أُلّف في خدمة الحاكم الإسماعيلي في قهستان ثم أعاد الطوسي صياغة مقدمته بعد انهيار السلطة النزارية (Madelung, 1985).
وقد بيّن التحليل أن العقل والحكمة والعدالة تسمح بتقويم السلطة من حيث أهليتها وغايتها وكيفية ممارستها، لكنها لا تنتج وحدها جميع شروط الإمامة الكلامية. وبالمقابل، فإن نظرية اللطف والعصمة تحفظ للإمام منزلة معيارية لا تنحل في مجرد نجاح السلطة الواقعية في حفظ النظام. وتظهر أهمية هذا الفرق بصورة خاصة في زمن الغيبة: فاستمرار الإمامة لا يساوي وجود حاكم معصوم يمارس السلطة، بينما لا يؤدي غياب الإمام إلى إلغاء الحاجة الواقعية إلى التدبير السياسي.
وعليه، فإن السؤال الذي يتركه الطوسي مفتوحًا ليس سؤال الحاجة إلى السلطة، بل درجة المشروعية التي يمكن أن تنسب إلى سلطة فعلية لا تستوفي شروط الإمامة الكاملة. وتسمح نصوص الحكمة العملية بتقويم مثل هذه السلطة بمعايير العدل والمعرفة والكفاءة والغاية، إلا أن نجاحها في هذه الوظائف لا يجعلها، من دون دليل آخر، مساوية للإمامة المعصومة. ومن هنا تقترح الدراسة قراءة مشروعية السلطة عند الطوسي بوصفها بنية متدرجة وغير متطابقة المستويات: يمكن فيها التمييز بين وقوع السلطة، وأهليتها للتدبير، واستحقاقها الأخلاقي والسياسي، ثم مرتبة الإمامة بما تضيفه من تأسيس كلامي.
وبذلك لا تنتهي الدراسة إلى تسويغ التناقضات المحتملة في فكر الطوسي أو إلى فرض انسجام عليها، بل إلى اعتبار هذه التوترات نفسها جزءًا من دلالة مشروعه السياسي. فالمسافة بين الغلبة والاستحقاق، وبين الحاكم الفاضل والإمام المعصوم، وبين المشروعية المعيارية والسلطة الفعلية في زمن الغيبة، هي التي تكشف تعقيد سؤال السلطة عنده أكثر مما يكشفه نموذج «التكامل» الخطي.
المراجع العربية والفارسيّة
- الطوسي، نصير الدين. (2008). أخلاق ناصري (محمد صادق فضل الله، ترجمة ودراسة). دار الهادي.
- الطوسي، نصير الدين. (2024). رسالة في الإمامة (محمد حسن الواعظ النجفي، تحقيق). مجلة الإمامة، 1(1)، 197–221. https://doi.org/10.22034/iaj.2024.205010
- حاجي، حميد حيدر. (2011). خواجه نصيرالدين طوسي و نظرية عدالت [نصير الدين الطوسي ونظرية العدالة]. حكومت إسلامي، 16(3)، 35–59.
- نانسي، نصرالدين، آذين، أحمد، وگلشني، عليرضا. (2017). نظريه «عدالت سياسي» در آراي خواجه نصيرالدين طوسي [نظرية العدالة السياسية في آراء خواجه نصير الدين الطوسي]. سياست متعاليه، 5(18)، 69–88.
- معزي، مريم. (2014). بازنگري در انتساب كتاب روضة التسليم به خواجه نصيرالدين طوسي [إعادة النظر في نسبة كتاب روضة التسليم إلى خواجه نصير الدين الطوسي]. مطالعات تاريخ اسلام [دراسات تاريخ الإسلام]، السنة السادسة، العدد 21، 167–186.
المراجع الأجنبيّة
- Fadaei Mehrabani, M., & Movahedinia, M. (2022). The political thought of Khajeh Nasir Al-Din Tusi: An introduction to his theological works. Politics Quarterly, 52(1), 153–173. https://doi.org/10.22059/JPQ.2022.272537.1007360
- Halilović, M. (2017). Hadže Nasirudin Tusi i socijalna etika [Khwajah Nasir al-Din al-Tusi and social ethics]. Kom, 6(1), 71–97. https://doi.org/10.5937/kom1701071H
- Madelung, W. (1985). Nasir al-Din Tusi’s ethics: Between philosophy, Shi‘ism and Sufism. In R. G. Hovannisian (Ed.), Ethics in Islam. Undena Publications.
- Tusi, N. al-D. (2011). The Nasirean ethics (G. M. Wickens, Trans.). Routledge. (Translation originally published 1964).
- Türkmen, E. (2024). Proof of abstract intellect in Naṣīr al-Dīn al-Ṭūsī: An analytical reading. Rize Theology Journal, 27, 109–122. https://doi.org/10.32950/rid.1490276
- Wickens, G. M. (2011). Translator’s introduction. In N. al-D. Tusi, The Nasirean ethics (G. M. Wickens, Trans., pp. 9–22). Routledge.
[1] – أستاذ في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة في لبنان – وجامعة آزاد
Professor at the Higher Institute for Doctoral Studies at the Lebanese University, the Islamic University of Lebanon, and Azad UniversityEmail: yatabaja@hotmail.com
[2] – طالب دكتوراه، جامعة آزاد الإسلامية، فرع علوم وتحقيقات–قسم الفلسفة- طهران،إيران
PhD candidate, Islamic Azad University, Science and Research Branch – Department of Philosophy – Tehran, Iran.Email:
shamas20@hotmail.com ghazi-