عنوان البحث: مصفوفات... جبران طرزي والجمال الذي هناك
اسم الكاتب: د. عاصم عبد الأمير، توثيق: أ. د. ديما حمدان
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
مصفوفات… جبران طرزي والجمال الذي هناك
Matrices… Gibran Tarazi And the beauty that is there
Dr. Assem Abdel Amir د. عاصم عبد الأمير([i] )
Dr.Dima HAMDAN توثيق: أ. د. ديما حمدان([ii])
تاريخ الإرسال:26-7-2026 تاريخ القبول:7-8-2026
الملخص turnitin:9%
يعالج هذا البحث مسيرة الفنان اللبناني الفرنكوفوني جبران طرزي منذ أن كان يشتغل في مجال الحرف وهي تجارة أجداده، إلى أن سبر أعماق ذاته مكتشفًا ميله نحو الفن التّجريدي في زمن الحداثة، وهو يهوى الفن الملكي الدّيني وفن الأرابيسك الإسلامي تحديدًا. وتطرح الإشكاليّة أسئلة عن مدى تأثر نتاجه الفني بالعمل الحرفي، وأسباب خروجه عن التّقليد مع عدم انغماسه في الحداثة في آن وهذا ليس بمنعطف سهل في مسيرته الفنية؛ بمعنى كيف اختار طريقًا انفردت بها مصفوفاته؟ كيف أثر فن الزّخرفة الإسلامي في دفعه لإرساء منظومة تجريديّة؟ وما هي أبعاد هذا الوقع في هندسة الأشكال؟
ونفترض أنّه ثار على النّمطيّة في العمل الحرفي، ولا بدَّ أن وعيه كما لاوعيه الفني يختزن ذاكرة الأجداد، ولا بدّ أنّ العمل الحرفي أهله إلى العمل في مجال الفن التّجريدي في الزخرفة والتجريد بعيدًا من الذّاتيّة؛ كما نفترض أن تأثره بزمن الحداثة في الفن والأدب تحت لواء الفرنكوفونيّة، كان ب صدى لثورته على التّقليد والتّكرار النّمطي في الفن.
وتهدف الدّراسة إلى مقاربة لغز الجمال في مصفوفاته، لغز ناتج عن انصهار الأضداد فيما بينها في جدليّة التّراث والحداثة وجدليّة الانتماء إلى المسيحيّة وتشرب الفن العربي الإسلامي، هو انصهار كفيل بالتّوجه نحو وحدة الوجود.
وبما أنّ البحث يعالج لغز الجمال، ارتأينا الاستناد على المنهج التفكيكي والمنهج السّيميائي، لعزل العناصر التي تتكون منها المصفوفات وإبراز التجديد في رمزية الشكل وحمولاته المعنويّة والثقافيّة وأبعاده الفلسفيّة الوحدويّة.
الكلمات المفتاحيّة: فن، تجريدي، لغز، جمال، متخيّل، أرابيسك، روحانيّ، ترديد، تجديد، وحدة، هُويّة.
Résumé
La présente recherche traite le parcours de l’artiste libanais francophone Gebran Tarazi depuis qu’il était artisan, travaillant dans l’atelier de ses ancêtres, jusqu’à la découverte d’une tendance à l’art abstrait à l’heure de l’émergence de la modernité. Il a subi une double influence: celle de l’éducation religieuse à l’art chrétien et l’influence profonde de l’art arabesque islamique. Ainsi, la problématique posée traite les dualités provocatrices de la double appartenance à l’artisanat et à l’art moderne, ainsi qu’aux arts provenant de différentes croyances religieuses. Comment a-t-il assumé les différences?
Pour parvenir à l’hypothèse, nous supposons qu’il a été mû par la révolte contre l’imitation artistique servile; or, il est probable qu’il ait subi l’influence de l’héritage familial et il est possible que cet héritage l’ait préparé à l’artiste abstrait qu’il est devenu, mettant en question la répétition contre le renouvellement.
Proposer une analyse du mystère du beau est dans l’objectif de montrer la fusion des contraires qui aboutit à l’unité de l’existence.
Ainsi, les approches déconstructionniste et sémiotique permettent de déchiffrer ce mystère en isolant les éléments constitutifs du beau, puis en les reconstituant pour mettre l’accent sur le renouvellement que porte le symbolisme des formes et pour mettre l’accent sur les valeurs identitaires, culturelles et philosophiques unitaires.
Mots-clefs: Art, abstrait, mystère, beau, imaginaire, arabesque, spirituel, répétition, renouvellement, unité, identité.
المقدمة
لا بد لنا من التّوقف عند موهبة جبران طرزي([iii]) الفنان اللبناني الذي بدأ مهنته كحرفي أساسًا، حيث كان يعمل في مشغل عائلته لزخرفة الصّناديق التّراثيّة والمرايا، إلخ… لكنّه ما لبث أن لبى صوتًا داخليًّا يدعوه إلى تغيير مساره من الحرفي إلى الفنان التّجريدي والكاتب الثائر على التّقليد. هو المفكر المتأثر بعمق بالحضارة الفرنسيّة وبما نتج عنها من حركة الفرنكوفونيّة، هو الكاتب الفرنكوفوني المنفتح على مكامن الفنّ والثقافة في الحضارة الإسلاميّة وفي حضارة الشّرق الأقصى اللتين نهل من معين آدابهما وفنونهما؛ جبران طرزي ظاهرة مبدعة، ونتاجه الفنّي منشور في مجلد تنويعات هندسيّة ويرتكز على مبدأ قائم – نايم([iv]) الذي يستفز العين وما وراء المحسوس : تدفعنا نتاجاته التّجريديّة في سحرها الغامض المتلبس هُوية الأيقونات الملكيّة المشهورة بالزّخرفة الأنيقة في الفنّ الدّيني لمسيحيي الشّرق الأدنى، والمتلبس أيضًا لفن التّجريد الإسلامي أو الأرابيسك الذي تعمق فيه خاصة في المملكة المغربيّة الشّريفة وقد عاش وأسرته مدّة من الزمن، إلى طرح إشكاليّة عن هذا اللغز الجمالي القائم على هويته المنفتحة على التّجريد الإسلامي وهذا ما سنعالجه تحديدًا. فما هو سرّ الرّوعة الفنيّة الخلّاقة؟ ما هي معايير الجمال في لوحات فريدة في شكلها كما ألوانها؟ كيف انسحب من نمطيّة الأشغال الحرفيّة؟ وهل للفن الحرفي الذي عاش معه منذ نعومة أظافره أي أثر في وعيه ولا وعيه الفني؟ كيف يكون الشّكل الهندسي مدخلا للمعنى؟
وتستدعي الإشكاليّة أن نفترض الآتي: لو أنّ حرفة أجداده التي تتبع ضوابط وقواعد محددة لها وقع في فنه شاء أم أبى، فلا بدّ أن يكون ارتباطه الوثيق بمهارة أجداده بابًا للاشتغال في مجال الفن عمومًا، هو الشّغوف بالتّجديد والثّائر على التّكرار الممل. ولنفترض أنّ معايشته لزمن الحداثة خاصة في أوروبا، إذ افتتن بانقلاب قواعد الكتابة الأدبيّة بفعل تأثير التّجديد الفني إثر بروز تيارات فنيّة، تدعو إلى الخروج عن الضوابط الكلاسيكية، أثرت في خلق أسلوب فني خاص به لا يشبه أحدًا، إلّا أنّ خروجه عن حرف أجداده لا يعني نكران جذور هويته المشرقيّة والتي استلهم منها مصفوفاته الجميلة في غموضها والتي تثير الحيرة في نسقها.
إن هدف الدراسة هذه هو إبراز المصفوفات الهندسية التّجريديّة كمنظومة متنوعة الأشكال تتجاوز حدود الزّخرفة والمادة، لتسمو بالجمال إلى مستوى الروح: فاختلاف الأنساق الهندسيّة هي جزء من كل واحد موحد، لتصبح اللوحة الفنيّة التّجريديّة متكاملة في اختلاف ثناياها من دون الانسحاب الكلي من تراث الأجداد.
أمّا منهجيّة النقد الفني فتعتمد على البنائيّة والتّفكيكيّة معًا: لأجل إبراز سر الجمال التّجريدي، لا بد من تجزئة الأنساق الهندسيّة من منظور تفكيكي للعناصر المكونة لها والمترابطة فيما بينها بعلاقات مختلفة، ثم نعيد تركيبها لتشكل مشهدًا هندسيًّا كاملًا متماسكًا يلبي هدف التوحيد الذي ذكرنا. كما نغوص في سيميائيّة العمل التجريدي إذ إنّ الشّكل الهندسي أو الدال يعيدنا إلى المدلول أي المفهوم أو معنى الشكل.
يبين مخطط البحث تجاوز الفنّ التّجريدي للمادة لأجل مقاربة الروح ووحدة الوجود من خلال الإضاءة على المفاصل الآتية: أولًا، سيميائيّة المصفوفات بين الدّال والملول؛ ثانيًّا، دراسة التشابه الشّكلي كمدخل إلى التّجديد؛ ثم دراسة التّجديد من خلال تفكيك المصفوفات من النّاحية الرّياضيّة لإبراز بعدها الفلسفي؛ وينتهي المطاف بتسليط النور على الصّلة بين التجريد الفني والهُويّة الثّقافيّة.
المصفوفات بين الدّال والمدلول
النّظر على زخرفيات جبران طرزي([v]) (2010 – 1944) يجدد الرّغبة لإعادة الحفر النقدي في واحدة من التّجارب العربيّة المهمّة التي تمثلت لغز الجمال في الرّقش([vi]) العربي الإسلامي من دون نسخه بميكانيكيّة، ثمة بواعث داخليّة تهب الفنان قوّة التّرابط مع الميراث الحضاري مع تمنع ذاتي خشية التّحوّل إلى صدى باهت. مع روح فروسيّة تكشف سبائكه الغنائيّة التي تدفع بعضها كشف شخصيّة تعرف أهدافها على فرض أن التّلامس مع أنظمة الرّقش العربي الإسلامي، تستدعي سعة في المتخيل الذي يفتح الآفاق بعيدًا من النّمطيّة، في الخزان القيمي، والجمالي الزاخر بعجائب الجمال.
وإذا ما عرفنا أنّ الفنّ في الجوهر ليس إلّا عمليّة إخضاع الخامات لمصلحة الرؤية الجماليّة لتتكفل بالتّعبير عنا بالنيابة، فإنّ الفنّ التّجريدي، ومنه الفنون الإسلاميّة([vii])، بشتى تمظهراتها الصّوريّة، تفريعات خطيّة، كتابيّة … الخ، تتماهى مع بعضها في نسقيّة بنائيّة تلغي سلطة الفراغ، وتحيله إلى فضاء محرر من شيئيته، وتظهر انسجامًا مع روح الفكر التوحيدي.
يدفع جبران طرازي بمصفوفاته الزّخرفيّة في متوالية جماليّة مبرأة من وظائفها الحسيّة، باستثناء شرط الجمال الحر ومحمولاته الروحيّة إذ تبدو كما لو أنّها تسابيح وتكرارات وتشهُّد لا تشترط المضمون إلّا بما يخلفه من موسيقى داخليّة خالصة ، فالمضمون هنا ليس أصلًا من أصول بنيتها الرّياضيّة ، ولأنّ الشّكل لوحده سيتكفل بتأدية دور الحامل والمحمول مكتفيًا بذاته ولذاته، وتصبح الوحدات الصّوريّة معه في تقابلاتها، أو تماثلاتها، أو تعارضها، وتجانسها معًا ابتهالات ومجردات استعاريّة تعيد لنا صورة وحدة الوجود، وتبدو في ايقاعها التكراري المتوالد كمرايا في حضرة الحضور الرباني الواحد([viii]).
التّشابه الشّكلي: نزعة إلى التّجديد وتوليد الروح
ثمة نزعة سامية تتقاسمها الاشكال على جغرافية الفضاء، وتصبح كترديدات غنائيّة مجردة تسبح في كنف الماورائي وعوالمه الخفية لهذا يؤثر جبران طرازي التشابهات الشّكليّة، والتكرارات المتواليّة التي ينتج عنها إيقاعات بنيويّة مؤثرة تدفع بالسّطح التّصويري نحو متجاورات تدفع بعضها البعض تتراقص فيها الخطوط مع مساراتها، وزواياها مع أخرى متاخمة، كل ذلك في سياق اكتشاف وجودها الجمالي مع ما تخلفه من استدعاءات لحقل من القوة الذّاتيّة في سياق نسقيّة أسلوبيّة تدار بوعي، ومنطق هندسي صارم مما ينتج عنها الوحدة، التناسق الفريد.
تعامل جبران طرزي مع شتى الخامات السّاندة والمتاحة، كارتون قماش، معادن، خشب.. الخ ووسائل تلوين مثل الطّلاء المعدني، أو الصّناعي، والإكرليك، والمينا وهي ليست إلاّ وسائل تدعم شغفه بروح الشّرق التي أوجز أندريه مارلرو رأيه فيها. “وما الشّرق إلاّ قبة”. لكن جبران طرازي يستعيد لحظة العروج نحو حضارته الشّخصيّة بالطريقة التي تقدمه مبدعًا حرًّا يرى في موروثه الجمالي خزانًا رمزيًّا يفتح النوافذ على مصاريعها للتسامي نحو جمال مفارق الذي عرفه السالكين من خلال الجذب والوجد والكشف، جمال يتخاطب معنا من خلال سلطة الرّوح وقوة التشكل المنتشرة في بنياتها الهندسية التي تخلف ورائها رنينًا خارج الزّمان والمكان، ولذة محررة من الحيازة الحسيّة، الصّادرة من جمال التّراكيب، وغناها الرّوحي، وتجاوراتها التي تخلق عالمّا سيّالًا وغنائيًّا.
المتواليّات الهندسيّة التي تولد بعضها البعض في جدل وتواتر، تحتشد في أنظمة هندسيّة تؤهل التجربة للحفاظ على الحمولات العقائديّة التي تمثل الاطار الروحي لها، وهي التي عرفناها في فنّ الرّقش العربي الإسلامي بخلفيّة الصّحراويّة التي قال فيها ابن طباطبا “… إنّ العرب صحونهم البوادي وسقوفهم السّماء” هذه النّسقيّة الزّخرفيّة المحررة من شيئتها تعكس لنا صورة الخالق وذوبان المخلوق، وتفانيه في الذات العليا وإن بدا في هيئته ليس أكثر من ذرة هائمة في هذا الوجود المتكثر، حسب التّعبير البليغ لابن الرّومي الذي يصب في الغاية النّهائيّة لما يرى في الفكر الإسلامي.
| وتحسب نفسك جرمٌ صغير | وفيك انطوى العالم الأكبر |
ثمة بذل ومجاهدة وصولًا إلى لحظة التّجلي كمرتبة تضع العابد في كنف الذات العليا، جبران طرزي يحي هذه الطقوسيّة عبر فيض نتاجه الإبداعي، في سلسلة تنويعاته الهندسيّة التي تصب في موضوعة (القائم – النّائم) التي كرس لها خمسة عشر عامًا من الجهد المضني والتي تكشف بلا مواربة، ومن زاوية ما فعله “موندريان” في تجريداته التي تتمحور حول التّعامد الذي يفضي إلى الزاوية المتكاملة بجمع زاويتين قائمتين، هناك حيث نكون إزاء الحقيقة الكاملة التي لا ندركها بمجساتنا الحسيّة النّاقصة، على فرض أنّ النّاقص لا يدرك الكامل، في حين أنّ الهندسة لا تخاطبنا بالجزئيات، إنما بالكليات وهو ما كان جبران طرزي يعيد تصديره لكن بطرائق أكثر غنائيّة، وأمضى روحية وأكثر غزارة.
تفكيك المصفوفات رياضيًّا وبعدها الفلسفي
هل يعيد جبران طرزي أطروحة الفلسفة العقليّة التي ترى أن عالم المثل يبتعد مقدار درجتين من العالم العياني؟. بالتأكيد، حين نعرف أن عالم الحسّ يخضع بالحتميّة للكون والفساد ولا يصلح كأمثولة للجمال، تلك المقولة التي تلقفها “موندريان” في تجريدته الهندسيّة، إذ قطع الطريق يوجه الرّهان العاطفي مفضلًا الخيار العقلي الذي يضمن التّخاطب بالمنطق الصّوري الذي يصور عالم الجواهر لا الأغراض، وهو ما كان يلهج به “شونباور” قطعًا.
جبران طرزي يتخذ من التعامد منطوقًا رياضيًّا ويمضي بأشكاله بكراديسها الخطيّة، والشّكليّة تماهيًا مع الحقيقة الكلية بعيدًا من الصّورة الشّوهاء للواقع، ربما لهذا السّبب تتراجع المنحنيات في رسوماته وقد لا يكون لها أثر في منجزه الزّخرفي ذلك أنّ المنحني يعيدنا لما هو أرضي بأبعاده الثلاثة طول + عرض + عمق، وهو ما يرتد مرة أخرى إلى عالم المادة التي هي من أحط مراتب الأشياء، ومن هنا لم يتعاطف (مالفيش) مع منحنياته (موندريان) في بواكير أعماله ومنها “الشجرة الرمادية” العام (1911) مثلًا.
التّجريد الفني والهُويّة الثقافيّة
تبدو تجريدات جبران طرزي كتنصيص على منظومة الرقش العربي الإسلامي، لكنّه هنا يساير ذاته الحرة وهي تشق طريقها قُدمًا لاجتراح زوايا نظر، تبقيه في الوعي التراثي ولو بنزعة مثاليّة تدفع بالجمال إلى ما هو أعلى مما يجلبه فنّ التّشخيص، وهو المعروف بوفائه للخصوصيّة التي طبعت الدّيوان الدّمشقي من جدران، وسقوف خشبيّة، وسبائك زخرفيّة عربيّة وإسلاميّة مع ما توفره هذه الألوان الإبداعيّة من خزان قيمي وجمالي ثقافي تشربه الفنون العربيّة الإسلاميّة من عمارة، محاريب، أربطة، قباب، مساجد، عقود، أضرحة، وفنون كتاب التي تزخر بالطّرق التّصويريّة المعبرة عن الشّخصيّة الحضاريّة والهُويّة ليس بصيغة الانكماش الجغرافي، إنّما بالروح المنتشرة عبر التّنويعات الزّخرفيّة التي يؤدي المربع والمستطيل والمثلث أدوارًا متبادلة؛ مسايرة للمنظور الرّوحي لا الحسي تماشيًا مع أمثلة الجمال المترفع، والمرتبطة بروح الشرق ارتباط اللحمة بالسداة. إنّ التّفريعات الهندسيّة عنده بشتى تجلياتها الشّكليّة تستحيل إلى مشهد العُبّاد وهم في مورد التّسبيح، هذا ما يدركه بلا مشقة كل عارف، وسالك، وذاكر. يتعذر النّظر لتجريدات جبران طرزي من دون عدّها ركنًا أساسيًّا للهُويّة بوصفها الحاوي للمتراكم الثقافي، والقيمي، والمفاهيمي، وسط عالم يمور بالهزّات الضخمة وارتداداتها التي تخلخل النّظم الثّقافيّة، والتّواريخ، والذّوق، إزاء ذلك، يبدو الحفاظ على رواسم الهُويّة يمثل نوعًا من الحماية الذاتيّة بوجه عواصف ما بعد الحداثة، وترسانة التراسل الصّاخب في العالم الافتراضي الذي يفقس بلا هوادة في فضاء الاشهار بديلًا عن المتاحف والتّأريخ، لتجد عزلتها في اليوم التالي وهلم جرا في عالم يزداد صغرًا كلما بدا شاسعًا.
إنّ تشكيلات جبران طرزي بعدئذ تحمل معها مسوغًا وجوديًّا يقف بصلابة بوجه أوهام الحداثة، كما أنّها تظهر مصادر قوة ذاتيّة تجعلها قابلة للتّمدد وللحضور الجمالي وسط عالم متلاطم بالنّقائض، والاندفاع الطائش نحو محق الهُويّات، وليست سلسلة تجريدات الغزيرة كمًّا وكيفًا إلّا رهان للحفاظ على الهُويّة الحضاريّة المنظور لها بعين وخيال مبدع تفانى طويلًا، لعله يعيد التذكير بما كان “بول كلي” يراه من أنّ الفنّ حين يفقد القدرة على التّعبير يصبح مظهرًا للزينة؛ هكذا تبدو شبكة زخارف ليست عروضًا في عالم التّزيين الذي يرى فيه مرتبة متدينة من مراتب الفن، إنّما نسغ روحي تشربه الأشكال، وتستعيد معها صورتها الفخورة بهويتها ووعيها ومعادلًا لا شعوريًّا لإحساس العربي الذي يرى الجمال ليس فيما هو مكشوف إنما في الحقيقة الجماليّة المتوارية خلف نظرنا المحدود. صورة مشرقة كهذه بحث عنها الرّاحل جبران طرزي وأودع بعضًا من أسرارها في ثنايا تراكيبه الزّخرفيّة الزّاخرة بالأصالة وهي تبتكر لغز تشكلها على مهل.
إنّ معجم هذا الريادي الأصيل، يكشف بلا مواربة نزعة فردية تُحدث مع كل لوحة إحساسًا متناميًا بالجدل الجمالي، وتجرف معها مزيدًا من ملامح الوعي بالهُويّة التي تتحصن بالبيئة الاجتماعيّة والعقائديّة التي تمثل مصدر إلهام لا ينقطع؛ ومسوغًا لتطمين حاجة عاطفيّة ووجوديّة لا مناص منها.
خاتمة
إنَّ لوحات “جبران طرزي” ليست ناتجًا عرضيًّا لغواية عابرة، إنّها ببساطة تنتمي لقريحه جمعيّة، ولدت معها بواكير الوعي المجرد لعالم متسارع في زواله… من هنا تبدو كشوفاته نوعاً من استعادة روح المحيط الثقافي الذي يفرض أنماطه بلا وصايا، وتجاربه فيما أسماه (قائم – نائم) تبدو كما يراها الفنان نفسه، “… كحاجة للتّجريد في الرسم بدت لي كنتيجة طبيعية لحاجتي إلى التجريد في الأدب([ix])، أمّا التجريد في الأدب فيشير إلى كتابة تكون فيها الكلمات مادة لغير المادي”. إنّ تجريداته واشتقاقاتها المضطردة تهيم على وجهها في وهاد السّطح التّصويري، وتشغل أمكنتها بطريقة تشطب معها عنصر المركزيّة كمهيمن بصري، إنّها تنتشر في نسق بنائي واحدي ترتفع فيه الأشكال إلى صورة مترفعة لا تهبط بنا إلى العالم المادي، كل شيء يتخاطب معنا بخفة روح أثيريّة متشوقة لرؤية عالم لا يرى بعين البصر، إنّما بعين البصيرة، إزاء ذلك، تطوف الأشكال عند “جبران طرزي” في فضاءاتها اللانهائيّة وتصبح مجازيًّا كذات هائمة في رحاب الأزليّة، لهذا تهبنا مصفوفاته الزّخرفيّة ترانيمها الرّوحيّة وجمالها بلا انقطاع.
المراجع
أولًا: نتاج جبران طرزي
- تنويعات هندسية في 12 سلسلة، بيت الفنون الجميلة، بيروت – لبنان، 2007
- جبران طرزي. إثنا عشر فصلًا، فرنسا، 2017.
- معصرة الزيتون 1978، رواية صادرة باللغة الفرنسية عن دار نشر لارماتان، باريس، 1996
ثانيًّا: توثيق إلكتروني عن آل طرزي
-4http://maisontarazi.com/files/pdf/9685499522016_10_Qantara-LesTaraziEbenistesdart.pdf
[i] – الدكتور عاصم عبد الأمير، ولد في العراق العام 1954. هو فنان ورسام تشكيلي وناقد فني، حائز على شهادة الدكتوراه في الفن الحديث من جامعة بغداد. أستاذ الفن المعاصر في كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل. شارك في الكثير من المعارض عن الفن التشكيلي محليا ودوليا. في مخزونه الكثير من الدراسات والمؤلفات. تتوجت أعماله بجوائز للإبداع الفني.
artiste, peintre abstrait, critique d’art ; titulaire d’un doctorat en art moderne de l’Université de Bagdad. Professeur d’art contemporain à la Faculté des Beaux-Arts de l’Université de Babylone. Il a participé à un grand nombre d’expositions d’art abstrait en Iraq et à l’étranger. Il est auteur d’ouvrages sur l’art abstrait et d’ouvrages critiques. Il a remporté plusieurs Prix de la créativité irakienne.
[ii] – ديما حمدان نالت شهادة الدكتوراه في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة باريس الرابعة السوربون والجامعة اللبنانية. أستاذة اللغة الفرنسية وآدابها في الجامعة اللبنانية. باحثة في الدراسات الابراخيليّة والدّراسات العابرة للمناهج.
titulaire d’un doctorat en Langue et Lettres françaises de Paris IV et de l’Université Libanaise. Professeure à l’Université Libanaise et chercheure en études brachylogiques et transdisciplinaires Email: dimahamdan@ul.edu.lb
[iii] – ينتمي جبران طرزي (1944-2010) إلى أسرة معروفة اشتهرت بالأشغال الحرفية وعبرت أجيالها البلدان العربية والأوروبية والإفريقية؛ فكانت خير سفير ثقافي لبناني مشرقي في العالم. وانتقل الجد الأكبر ديمتري طرزي إلى بيروت عام 1860. نالت عائلة طرزي شهرة لمزاولة فنون كصناعة الحرير وطباعة بطاقات بريديّة تعرف عن الشّرق الأوسط. وبعدها استقر ديمتري طرزي في بيروت حيث عمل في مهنة تجارة الآثار والتحف.
وتوسعت أعمال أسرة طرزي حتى مكثت في العام 1946 في المغرب إلى فترة الاستقلال عام 1956، فكان وقع الحدث التاريخي كبيرا، مما أدى إلى تشكيل شخصيّة جبران طرزي الفنية.
ثم استقرت العائلة في لبنان. ودرس جبران طرزي المرحلة الثانوية في إنترناشيونال كولدج IC في بيروت، وحاز على شهادة البكالوريا في الفلسفة العام 1962. وتابع دراساته العليا في جامعة القديس يوسف، وفي سنة 1966 نال إجازة في القانون الاقتصادي.
واظب على السفر لاستكشاف الثقافات والآداب والفنون. وتقديرًا لموهبته الفنية، نال منحة من المركز الثقافي الإيطالي في بيروت العام 1973 هي عبارة عن زيارة قرية أوربينو التّوسكانيّة.
كان مسؤولًا عن قسم التّلوين في محترف أسرته للأثاث الشّرقي ولصناعة الخشب المزخرف للجدران والسّقوف للدّيوان الدّمشقي.
عمل على تنويع التراكيب الفنية في معارضه الفنيّة، مثال: إطلاق أسلوبه الخاص في صنع الصناديق والمرايا العام 1987؛ وإقامة المعرض الأول “36 رؤية للمربع” المكون من 45 عملًا تجريديًّا العام 1993 في غاليري لاماتور في شارع الحمرا في بيروت؛ وإقامة المعرض الثاني “البحر المربع” المكون من 29 عملًا تجريديًّا العام 1997 في غاليري 50/70 في رأس بيروت؛ كما تقدم في العام ذاته بالتّعاون مع مكتب الدّراسات المعماريّة “مماب” إلى مسابقة جدرانيّات سيراميك لزخرفة نفق مار متر في بيروت.
شكل العام 1986 منعطفا في حياته المهنية. أعده إقفال مشغل عائلته لمسيرة مهنية مختلفة، كان يقضي وقته في محترفه المخصص للرسم وللبحث الفنيّ. استطاع ابتداع منظومة في الفن التّجريدي تعرف ب قايم – نايم، وه تعنى بتكوين الترابط بين الخطوط العموديّة والخطوط الأفقيّة.
هو أيضًا مفكر وناقد فني، ونذكر مؤلفاته: يوميات 1970-1980، رواية معصرة الزيتون 1978، صادرة عن دار نشر لارماتان، باريس، 1996؛ ومقالة غير منشورة بعنوان جمهورية لبنان المشرق (1982) وكتاب تنويعات هندسية في 12 سلسلة المذكور الذي يحتوي على البيان الفلسفي الحاجة إلى الشرق. جبران طرزي رائد من رواد الحداثة الفنية والأدبية.
هو فنان ذائع الصّيت، عرف من خلال المعارض التي احتوت لوحاته التجريدية. ونشير إلى اهتمام وسائل الإعلام بإسهاماته في تجديد الفن التجريدي في العالم العربي والعالم الفرنكوفوني بخاصة.
وبموازاة عشقه للفن التجريدي، تجلى شغفه بالأدب الفرنسي وبالأبحاث في ميدان الآثار. هو روائي يتميز بنزعة شعرية وجودية. وتشكل نتاجاته مادة للدراسة في الجامعة اللبنانية منذ سنوات إلى الآن.
وللتعرف على آل طرزي وتاريخهم في صناعة الحرف المشرقية على مدى أجيال خلت، يمكن للقارئ الاطلاع على الموقع التالي:
http://maisontarazi.com/files/pdf/9685499522016_10_Qantara-LesTaraziEbenistesdart.pdf
[iv] – التنويعات الهندسيّة كتاب للفنان جبران طرزي باللغتين فرنسي/عربي (دار الفنون الجميلة، لبنان،2007). يتضمن بحثًا وتحليلًا بخصوص احتمالات تركيب قائم- نائم. ويعرض الكتاب لوحاته الفنية مرفقة بمفردات تشكيليّة. ويضم متن الكتاب البيان الفلسفي بعنوان الحاجة إلى الشرق، ويضم مجموعات تأملات في ماهية الفن وهويته والهيمنة الثقافية وتحديد الترابط بين الحداثة والتراث مع التشديد على ” لزوم التجريد”، الصفحة الثانية، راجع المجلد الفني تنويعات هندسيّة.
[vi] – الرقش هو الزخرفة، والرقش العربي يعني فن الأرابيسك أو الزخرفة القائم على تداخل الأشكال الهندسية بأنماط نباتية.
[vii] – يعطي الدكتور عاصم عبد الأمير بعدا تاريخيا وجغرافيا لعبقرية جبران طرزي التي تخطت بطبيعة الحال حدود بيئته، إذ لولا سعيه للتعرف على الآخر لما لاقى شهرة واسعة. هذا الانفتاح هو موقف عابر للثقافات التي تأثر بها والتي أثرت به، فنتج عن التفاعل الثقافي فنان يتلاقى مع مفهوم الغيرية الفلسفي: إن وعي جبران طرزي يتجاوز أي بيئة ضيقة، لأنه لا ينظر إلى الآخر من منطلق الخوف منه، بل من منطلق الاشتراك معه بمفاهيم وقيم وثقافة تؤدي إلى التبادل والتكامل، مما دفع الآخر إلى احتضان عبقريته المجددة في مجالي الفن والأدب الفرنسي معا، كما الحال بالنسبة لأعماله الفنية التي عرضت في متاحف دولية ومتاحف عربية كمتحف الفن الحديث في الدوحة في قطر وفي الكويت وفي دبي وفي أبو ظبي أيضا.
لا بد من تسليط الضوء على تأثر جبران طرزي بالفن العربي الإسلامي، هو الذي أعلن ذلك خلال مقابلة مع الناقد أحمد بزون المنشورة في الصفحة 312 في كتاب صادر عن دار زمان للكتب بعنوان جبران طرزي. اثنا عشر فصلا، فرنسا، 2017. وننقل إلى العربية ما عبر عنه: ” درست الفنون الشرقية في المغرب وتحديدا مجال الزخرفة، حيث اكتشفت الجرأة في تنسيق الألوان والدقة في رسم الأشكال الهندسية، وهذا هو جوهر الفن الإسلامي العربي “. وفي الكتاب عينه؛ دراسة للناقد الفني جوزف طراب الذي يبرز تأثير هذا الفن في نمط قايم – نايم، وننقل رأيه من الفرنسية إلى العربية: “كل شيء بدأ بالاستناد إلى النمط العربي الإسلامي الشديد البساطة والشديد التعقيد في آن وهو ما يسميه المعلمون قايم – نايم “، ص. 314.
ويعبر عن انفتاحه على الفن العربي الإسلامي الذي أثر تماما في مصفوفاته، قائلا إنه إسهام من جهة الروم الأرثوذكس في الحضارة العربية، راجع المقابلة مع أحمد بزون، ص. 313، المصدر ذاته.
[viii] – خلال المقابلة مع أحمد بزون، يحلل جبران طرزي البعد الروحي الصوفي لمنظومة قايم – نايم؛ ونهتم بنقلها من الفرنسية إلى العربية: ” يمثل التجاور بين الخط العامودي والخط الأفقي في نظام قايم – نايم حركة الشمس الظاهرية، ويقال إن الصوفيين هم الذين اخترعوا هذا الشكل لعلاقته بالحركة الدائرية التي تؤدي إلى الاتحاد مع الخالق”، ص. 313، المصدر ذاته.
[ix] – إن التجريد في الفن يترجم لدى جبران طرزي في الكتابة الأدبية أيضا: هو وسيلة للتجديد في النوع الأدبي، إذ تتخذ الرواية الحديثة منحى شاعريا؛ كذلك الأمر بالنسبة لروايته بالفرنسية معصرة الزيتون، دار نشر لارماتان، باريس، 1996.