التّكرار الاستعطافيّ في الخطاب القرآنيّ دراسة بلاغية تداوليّة لتكرار “يا أبتِ” في حوار إبراهيم مع أبيه في سورة مريم

0

عنوان البحث: التّكرار الاستعطافيّ في الخطاب القرآنيّ دراسة بلاغية تداوليّة لتكرار "يا أبتِ" في حوار إبراهيم مع أبيه في سورة مريم

اسم الكاتب: د. عليّ منتش

تاريخ النشر: 2026/09/10

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 45

تحميل البحث بصيغة PDF

DOI: https://doi.org/10.67928/6680

التّكرار الاستعطافيّ في الخطاب القرآنيّ

دراسة بلاغية تداوليّة لتكرار “يا أبتِ” في حوار إبراهيم مع أبيه في سورة مريم

Compassionate Repetition in Qur’anic Discourse: A Rhetorical and Pragmatic Study of the Repetition of “O my father” in Abraham’s Dialogue with His Father in Surah Maryam

                                                                 Dr.Ali Mantash     د. عليّ منتش)[1](

تاريخ الإرسال:19-8-2026                                             اريخ القبول:30-8-2026

الملخّص                                                                             turnitin:11%

يتناول هذا البحث ظاهرة التّكرار اللفظي في الخطاب القرآني من خلال دراسة تكرار النداء “يا أبتِ” أربع مرّات في حوار إبراهيم عليه السّلام مع أبيه في سورة مريم ، في الآيات (42-45). وينطلق من فرضيّة مفادها أنّ هذا التّكرار لا يمثل إعادة لفظيّة محضة، ولا يقتصر على وظيفة التّأكيد، وإنّما ينتظم في بنية خطابيّة متكاملة تتفاعل فيها الوظائف البلاغيّة والدّلاليّة والتّداوليّة والحجاجيّة.

ويهدف البحث إلى كشف الخصائص اللّغويّة والصّرفيّة لصيغة “يا أبتِ”، وبيان علاقتها بمقام البنوّة والمخاطبة، ثم تحليل التدّرج الدّلاليّ للحجج المصاحبة لكلّ نداء، ابتداءً من استثارة العقل في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ سورة مريم ، مرورًا بتقديم المعرفة والدّعوة إلى الاتباع ، ثم التّحذير من عبادة الشّيطان ، وانتهاءً باستحضار الخوف من العذاب والمآل.

كما يستفيد البحث من بعض مفاهيم التّداوليّة ولسانيّات النّصّ والحجاج، ولا سيما مفهوم المقام، ومراعاة المخاطَب ،والتّهذيب اللّغوي، والتّماسك النّصي، والحجاج الموجه إلى المتلقي، مع تأكيد أنّ هذه المفاهيم أدوات تحليليّة حديثة، وليست بدائل عن المفاهيم البلاغيّة التّراثيّة.

ويخلص البحث إلى أن تكرار “يا أبتِ” يؤدّي وظيفة بنائيّة في الحوار؛ إذ يحافظ على رابطة الأبوّة في كلّ مرحلة من مراحل الخطاب، في حين تتغيّر الحجّة المصاحبة للنداء من الحجّة العقليّة إلى المعرفيّة، ثم التّحذيريّة، ثم الوجدانيّة. وبذلك يتشكّل من النّداءات الأربعة نظام حجاجيّ متدَرّج يجمع بين منطق النّبّوة وعاطفة البنوّة.

 الكلمات المفتاحيّة: النّبوة– التّكرار- يا أبتِ-الحجاج- المعرفيّة- العقليّة.

Summary

This research deals with the phenomenon of verbal repetition in Quranic discourse by studying the repetition of the call “O my father” four times in Abraham’s dialogue, peace be upon him, with his father in Surat Maryam, in verses (42-45). It is based on the hypothesis that this repetition does not represent a purely verbal repetition, nor is it limited to the function of emphasis, but rather is organized into an integrated discursive structure in which the rhetorical, semantic, pragmatic, and argumentative functions interact.

The research aims to reveal the linguistic and morphological characteristics of the formula “O my father,” and explain its relationship to the position of sonship and address, then analyze the semantic progression of the arguments accompanying each call, starting with stimulating the mind in his saying: “Why do you worship that which neither hears nor sees?”, passing through providing knowledge and calling to Following, then warning against worshiping Satan, and ending with invoking the fear of torment and fate.

The research also benefits from some concepts of pragmatics, textual linguistics, and argumentation, especially the concept of position, taking into account the addressee, linguistic refinement, textual cohesion, and argumentation directed to the recipient, while emphasizing that these concepts are modern analytical tools, and are not alternatives to traditional rhetorical concepts.

The research concludes that repeating “Father” performs a structural function in the dialogue. It maintains the bond of fatherhood at every stage of the discourse, while the argument accompanying the appeal changes from rational to cognitive, then warning, then emotional. Thus, the four calls form a gradual pilgrimage system that combines the logic of prophecy and the emotion of sonship.

Keywords: prophecy – repetition – O my father – argumentation – cognitive – mental.

المقدمة

يمتاز الخطاب القرآنيّ بدقّة اختيار الألفاظ وانتظامها في سياقاتها، فلا يمكن النّظر إلى التّكرار الوارد فيه على أنّه إعادة شكليّة أو حشو لفظيّ؛ إذ قد يرتبط التّكرار بالسّياق والمقام والغرض الذي سيق الكلام من أجله.

ومن أبرز المواضع التي تستحق الدّراسة في هذا الباب تكرار النداء “يا أبتِ” في خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه في سورة مريم، إذ تكرر أربع مرات متوالية في الآيات (42-45):

﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ۝ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ۝ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 42-45].

ويكتسب هذا التّكرار أهمّيته من طبيعة المقام ؛ فالمخاطَب أب، والمتكلم ابن، والقضية المطروحة قضيّة عقدّية تمسّ أصل العبادة ، والغاية هي هداية المخاطَب لا مجرد الانتصار عليه في محاورة.

وقد تنبّه المفسّرون إلى هذا الجانب؛ فالزّمخشري يصف ترتيب خطاب إبراهيم أنّه قائم على المجاملة واللّطف والرّفق واللّين والأدب ، ويرى أنّ كلّ نصيحة من النّصائح الأربع صدرت بقوله “يا أبت” توسّلًا واستعطافًا إلى القبول (1). كما أشار ابن عاشور إلى أنّ تكرار “يا أبت” أربع مرات اقتضاه مقام استنزال الأب إلى قبول الموعظة (2).

  1. اشكاليّة البحث انطلاقًا من السؤال الآتي:

كيف أسهم تكرار “يا أبتِ” في بناء الخطاب الاستعطافيّ والحجاجيّ في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم؟ ويتفرّع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة:

ما الخصائص اللغوية والصرفية لصيغة “يا أبتِ” ؟ لماذا تكرّر النّداء أربع مرّات؟

هل أدّت الندّاءات الأربع وظيفة واحدة ، أم أنّ وظيفة كلّ نداء تحدّدت بحسب الحجّة المصاحبة له؟

كيف انتظم التّكرار في سلسلة حجاجيّة متدَرّجة؟ ما أثر المقام الأبويّ في اختيار هذه الصيغة؟

كيف تكشف المقارنة مع مواضع أخرى من خطاب إبراهيم عن قيمة هذا التّكرار؟  ما حدود الإفادة من مفاهيم التّداوليّة الحديثة في تحليل هذا النّصّ القرآنيّ؟

أولًا: مشكلة البحث وأهميّته وأهدافه

وعندها يمكن القول إنّ إشكاليّة البحث تتمثّل في محاولة كشف الوظيفة المتعدّدة لتكرار “يا أبتِ” في حوار إبراهيم عليه السّلام مع أبيه، والنظر إليه بوصفه عنصرًا من عناصر بناء الخطاب، لا مجرد تكرار لفظيّ.

فالنداء ثابت في المواضع الأربعة ، بينما تتغيّر الجملة التي تليه وتتغيّر معها طبيعة الحجّة والغرض التداوليّ؛ مما يثير سؤالًا عن العلاقة بين ثبات الصّيغة وتغيّر الوظيفة.

  1. أهمية البحث: تنبع أهمية البحث من:

– تخصيص الدراسة بظاهرة لغوّية دقيقة داخل سياق قرآنيّ محدّد.

الجمع بين التحليل اللّغوي والبلاغيّ والتّداوليّ والحجاجيّ.

إبراز أثر المقام في اختيار الصيغة وتكرارها.

كشف العلاقة بين التّكرار والتّماسك النّصيّ.

بيان التدرّج في الحجاج القرآنيّ. الإفادة من البلاغة العربيّة القديمة مع الاستفادة المنضبطة من اللسانيات الحديثة.

  1. أهداف البحث: يسعى البحث إلى:

– بيان حقيقة صيغة “يا أبتِ” من النّاحية اللّغويّة، وكشف أسرار تكرارها.

-تحليل الوظيفة الخاصّة بكّل نداء، بيان التّدرج الحجاجيّ في الآيات الأربع.

– دراسة أثر المقام الأبويّ في بنية الخطاب، ومقارنة خطاب إبراهيم لأبيه بخطابه لقومه.

– دراسة المقابلة بين خطاب إبراهيم ورّد أبيه، وبيان وظيفة التّكرار في تحقيق التّماسك النّصيّ.

ثانيًا: الدّراسات السّابقة ونقدها وموضع الإضافة العلميّة

  1. 1. دراسة مزروعة : “نداء (يا أبتِ) في القرآن الكريم: دراسة تحليليّة“
    تناولت دراسة حاتم محمد منصور مزروعة، الموسومة بـ”نداء (يا أبتِ) في القرآن الكريم: دراسة تحليليّة” ، ظاهرة نداء “يا أبتِ” في القرآن الكريم من خلال استقراء مواضعها في سور يوسف ومريم والقصص والصّافات، واعتمدت المنهج التّحليليّ- الاستقرائيّ ، وتكوّنت من تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة. وقد هدفت الدّراسة إلى كشف الدّلالات والمضامين التي يمكن استنباطها من هذه الصّيغة في سياقاتها القرآنيّة المختلفة .
    وقد نُشرت الدّراسة في مجلة جامعة النجاح للأبحاث – ب: العلوم الإنسانيّة، المجلد 38، العدد 5، سنة 2024م، الصفحات 867–896.
    وتتميّز هذه الدّراسة بسعة مجالها الاستقرائيّ ، إذ لم تقصر النظر على سورة واحدة، وإنّما تتبعت مواضع “يا أبتِ” في سياقات قرآنية متعددة، الأمر الذي أسهم في إبراز تنوّع الدّلالات المرتبطة بهذه الصّيغة، ولا سيّما ما يتصل بعلاقة الأبوّة، وأدب الخطاب، والحوار بين أفراد الأسرة .
    ومع أهميّة هذه الدّراسة ، فإنّ مجالها يختلف عن مجال الدّراسة الحاليّة في مركز الاهتمام وطريقة المعالجة ؛ إذ تنظر الدّراسة السّابقة إلى “يا أبت” بوصفها صيغة نداء قرآنيّة تتعدّد مواضعها وسياقاتها ، بينما تتّجه الدّراسة الحاليّة إلى ظاهرة أكثر تخصيصًا ، تتمثّل في التّكرار المتتابع للصّيغة نفسها أربع مرات في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم .وعليه، لا تقف الدّراسة الحاليّة عند بيان دلالة النّداء في كل موضع ، وإنّما تبحث في العلاقة بين ثبات الصيغة وتغيّر الوظيفة ؛ فالصيغة تبقى ثابتة في النداءات الأربعة، في حين تتغيّر الحجّة المصاحبة لها ، فتنتقّل من استثارة العقل ، إلى تقديم المعرفة ، ثم التحذير من اتباع الشيطان، ثم استحضار المآل والخوف من العذاب .
    ومن ثم فإنّ موضع الإضافة هنا يتمثّل في الانتقال من دراسة “يا أبتِ” بوصفها صيغة نداء إلى دراستها بوصفها رابطًا خطابيًّا متكرّرًا يؤدّي وظيفة بنائيّة داخل حوار واحد .
    وتضيف الدّراسة الحاليّة إلى ذلك بعدًا آخر يتمثّل في الإفادة من الخلاف التفسيريّ والعقديّ حول حقيقة أبوة آزر لإبراهيم عليه السّلام؛ إذ يمكن النّظر في تكرار “يا أبتِ” بوصفه قرينة لغويّة وسياقيّة مؤيّدة لحمل الأبوّة على ظاهرها في بعض الاستدلالات، مع تأكيد أنّ التّكرار لا يُجعل وحده دليلًا عقديًّا مستقلًّا، وإنّما يُدرس ضمن مجموع القرائن اللّغويّة والسّياقيّة والتّفسيريّة .
    2. تناولت دراسة عقون وخنيش: “أسلوب التّكرار وأثره في دلالة الخطاب القرآني“، ظاهرة التّكرار في الخطاب القرآنيّ من منظور بلاغيّ وحجاجيّ وتداوليّ ، فبدأت بتحديد مفهوم التّكرار وأنواعه ووظائفه، ثمّ انتقلت إلى إبراز أبعاده الحجاجيّة والتّداوليّة من خلال نماذج تطبيقيّة من الخطاب القرآنيّ، واعتمدت منهجًا وصفيًّا يقوم على الوصف والتحليل .
    وقد خلصت إلى أهميّة التّكرار في أداء المعاني وإثباتها وتأكيدها، وإلى حضوره بوصفه مظهرًا من مظاهر بلاغة الخطاب القرآنيّ . ونُشرت الدّراسة في مجلة الإحياء، المجلد 24، العدد 2، سنة 2024م، الصفحات 277–290.
    وتكمن أهميّة هذه الدراسة بالنّسبة إلى البحث الحالي في أنّها تقدّم أساسًا نظريًّا مهمًّا لفهم التّكرار القرآنيّ ، ولا سيّما من حيث صلته بالبلاغة والحجاج والتّداوليّة .
    غير أنّ الدّراسة السّابقة تتناول التّكرار بوصفه ظاهرة عامّة في الخطاب القرآنيّ ، وتستعين بعدد من النّماذج التّطبيقيّة، في حين تنصرف الدّراسة الحاليّة إلى نموذج قرآنيّ محدّد هو تكرار “يا أبتِ” في سورة مريم .
    والفرق هنا ليس في الموضوع فحسب، وإنّما في زاوية النظر؛ فالدّراسة السّابقة تبحث وظائف التّكرار القرآنيّ على مستوى الظاهرة العامة، بينما تبحث الدراسة الحاليّة كيف يعمل التّكرار داخل بنية حواريّة واحدة ذات أطراف محدّدة ومقام محدّد وغاية حجاجيّة متدرّجة. حلقات في بناء واحد:
    يا أبتِ → استثارة العقل → تقديم المعرفة → التحذير → استحضار المآل.
    وبقاء “يا أبتِ” ثابتة عبر هذه المراحل يكشف أنّ التّكرار ليس إعادة لفظيّة محضة ، وإنّما هو جزء من هندسة الخطاب القرآنيّ وبناء معناه.

ثالثًا: منهج البحث

يعتمد البحث على مجموعة من المناهج المتكاملة، الاستقرائي، وذلك باستقراء مواضع “يا أبت” في القرآن الكريم ، ثم تخصيص موضع سورة مريم بالدراسة. إضافة الى المنهج الوصفي التّحليلي والذي اعتمد على وصف البنية اللغوية والبلاغية ، وتحليل وظائفها في السياق.

وظهر المنهج التّداوليّ: في دراسة العلاقة بين المتكلم والمخاطَب، وطبيعة المقام، والغاية من الخطاب، وأثر ذلك في اختيار الأسلوب، وكانت دراسة ترتيب الحجج وتدّرجها وعلاقتها بالنتيجة التي يسعى إبراهيم إلى الوصول إليها تعتمد البحث بالمنهج الحجاجيّ.

وبرز المنهج المقارن: بمقارنة خطاب إبراهيم لأبيه بخطابه لقومه، وبالمواضع الأخرى التي وردت فيها صيغة “يا أبت”.

التّمهيد: مفهوم التّكرار بين البلاغة العربّية والدّراسات الحديثة

المطلب الأول: التّكرار في التّراث البلاغيّ: لم يكن التّكرار ظاهرة مجهولة في البلاغة العربيّة، وإنمّا بحثه العلماء في أبواب متعدّدة ، منها الإطناب والتّوكيد والنّظم والتّناسب.

ويؤكد عبد القاهر الجرجاني أنّ قيمة التّعبير لا تستقل بالألفاظ المفردة، وإنما تظهر من خلال العلاقات التي تنشأ بينها في التّركيب والنّظم (5). كما بحث ابن الأثير التّكرار ضمن الأساليب التي قد تأتي لمعانٍ بلاغيّة مختلفة، مما يؤكّد أنّ إعادة اللّفظ لا تعني بالضرورة إعادة المعنى نفسه (6).

أمّا السّكاكيّ فربط البلاغة بمراعاة مقتضى الحال ، وهو أصل بالغ الأهميّة في هذه الدراسة ؛ إذ إنّ السّؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا تكرّر الّلفظ فقط؟ وإنّما: لماذا تكرّر في هذا الموضع ، ومع هذا المخاطَب، ولهذا الغرض؟ (7).

ومن هنا يلتقي مفهوم المقام في البلاغة العربيّة مع بعض المبادئ التي تقوم عليها الدّراسات التّداوليّة الحديثة، من دون أن يعني ذلك أنّ المفهومين متطابقان.

المطلب الثاني: التّكرار في لسانّيات النّصّ والتّداوليّة

اهتمت لسانيّات النّصّ بالتّكرار بوصفه أحد مظاهر التماسك المعجميّ، إذ يمكن لإعادة اللّفظ أو الجذر أن تُسهم في إبقاء موضوع الخطاب حاضرًا وربط أجزاء النّصّ بعضها ببعض (8).

أمّا التّداوليةّ فتنظر إلى اللغّة في الاستعمال، وتبحث في العلاقة بين القول والسياق والمتكلّم والمخاطَب والغرض التخاطبيّ (9). وتفيد هذه المقاربة في تحليل حوار إبراهيم، لأنّ النداء لا يمكن فهمه بعيدًا من طبيعة العلاقة بين المتكلّم والمخاطَب.

المبحث الأول: البنية اللّغوية والصّرفية لصيغة “يا أبتِ”

المطلب الأول: حقيقة التّاء في “يا أبت”

من المسائل اللّغويّة التي تستوقف النّظر في قوله تعالى: “يا أبت” حقيقة التاء في هذه الصيغة.

وقد ذكر اللّغويون والنّحاة فيها أقوالًا ، ومن أشهرها أنهّا عوض من ياء الإضافة المحذوفة؛ فأصل التّعبير “يا أبت” ، وحذفت الياء وعوض منها التّاء (10). وهذا التّوجيه يجعل صيغة “يا أبت”  ذات بنية خاصّة تختلف عن “يا أبت”. وقد نصّ الزّمخشريّ على أن التّاء عوض من ياء الإضافة، وبيّن أنّ الجمع بين العوض والمعوّض منه غير مستعمل في هذه الصيغة (11).

والأدقّ في الدّراسة ألا يُحمّل الحرف وحده دلالة عاطفيّة مستقلّة، وإنّما ينظر إلى الصّيغة كلّها في سياقها ، فدلالة الاستعطاف هنا نتاج تضافر النّداء ، وصيغة الأبوّة ، والسّياق الحواريّ ، وطبيعة العلاقة بين المتكلّم والمخاطَب.

المطلب الثاني: خصوصيّة النّداء بالأبّوة:

لم يقل إبراهيم لأبيه: “يا رجل”، ولا: “يا آزر”، وإنما قال: “يا أبتِ”. وفي ذلك استحضار مباشر للعلاقة التي تجمع الطّرفين.

وقد أشار ابن عاشور إلى أن إبراهيم علم أن الآباء قد يستثقلون نصيحة أبنائهم، فخاطبه بوصف الأبوة إيماء إلى إخلاص النّصيحة له (12). ومن ثمّ يمكن القول إنّ النّداء يؤدي وظيفة تداوليّة مزدوجة: استحضار العلاقة الأسرية + التمهيد لتلقي الحجّة.

المبحث الثاني: تكرار النداء بـ“يا أبتِ” وأثره في الخلاف العقديّ حول حقيقة أبوة آزر لإبراهيم عليه السلام
لا يقف تكرار النّداء بـ”يا أبتِ” في خطاب إبراهيم عليه السّلام لآزر عند حدود التّكرار اللّفظيّ الذي يؤدي وظيفة بلاغيّة في بناء الخطاب الاستعطافيّ، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة ذات صلة بالتّفسير والعقيدة؛ إذ استند بعض القائلين بحقيقة أبوة آزر لإبراهيم عليه السّلام إلى تكرار هذا النّداء في سياق المحاورة ، وعدّوه من القرائن التي تؤيد حمل لفظ “الأب: على حقيقته.
وفي المقابل، ذهب عدد من علماء الإماميّة إلى أنّ آزر لم يكن الأب الحقيقيّ لإبراهيم عليه السّلام ، وأنّ إطلاق “الأب” عليه محمول على معنى آخر، كإطلاقه على العمّ، أو على من كانت له صلة أبويّة أو تربويّة . ومن هنا تبرز أهميّة النّظر في التّكرار الوارد في الآيات، لا بوصفه ظاهرة بلاغيّة فحسب ، بل بوصفه عنصرًا لغويًّا يمكن أن يدخل في بناء الاستدلال في هذه المسألة .
المطلب الأول: تكرار النداء بـ“يا أبتِ” ووظيفته البلاغيّة
ورد نداء إبراهيم عليه السّلام لآزر بصيغة “يا أبتِ” في مواضع متعدّدة من سياق المحاورة ، ومن أبرزها قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾، ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ مريم: 42-45.
ويكشف هذا التّكرار وظيفة خطابيّة واضحة ؛ فإبراهيم عليه السّلام لا يخاطب آزر خطابًا جافًّا أو مباشرًا ، وإنّما يكرّر صيغة النّداء الحاملة لمعنى التودّد والاستعطاف. وقد اجتمع في “يا أبتِ” النّداء مع الإضافة إلى ضمير المتكلّم ، مع التاء التي عُوّض بها عن ياء المتكلّم في لغة العرب ، فكان التّركيب مناسبًا لمقام الملاطفة والاسترحام .
ومن ثمّ فإنّ التّكرار هنا ليس تكرارًا لفظيًّا مجرّدًا، وإنّما هو تكرار وظيفيّ تداوليّ ؛ إذ يعيد المتكلّم في كل مرحلة من مراحل الحوار استحضار رابطة القرب والمودة ، أملاً في حمل المخاطَب على قبول النّصح .
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا لاحظنا أنّ النّداء تكرّر قبل كل مطلب من مطالب إبراهيم عليه السّلام : النّهي عن عبادة الأصنام، والدّعوة إلى اتباع العلم والهدى، والتحذير من عبادة الشيطان، ثم التحذير من العذاب . فالتّكرار يؤدّي دورًا في المحافظة على البعد العاطفيّ للخطاب مع انتقاله من الاستفهام إلى النّصح ثمّ التحذير .
المطلب الثاني: دلالة تكرار “يا أبتِ” في الاستدلال على حقيقة الأبوّة
ذهب القائلون بحقيقة أبوّة آزر لإبراهيم عليه السّلام إلى أنّ الأصل في الألفاظ أن تحمل على معانيها الحقيقيّة ما لم تقم قرينة تصرفها عنها. ولفظ “الأب” من الألفاظ المستعملة في العربيّة للدّلالة على الوالد الحقيقي، كما أنّ تكرار إبراهيم عليه السّلام للنداء بـ”يا أبتِ” في سياق محاورة طويلة يمكن أن يُعدّ قرينة مؤيدة لهذا الحمل . ويمكن تلخيص وجه الاستدلال في النقاط الآتية:

1  . الأصل حمل اللّفظ على الحقيقة ما لم توجد قرينة صارفة إلى المجاز .
2 . تكرار النداء بـ”يا أبتِ” في محاورة إبراهيم عليه السلام لآزر يدلّ على رسوخ هذه العلاقة في بنية الخطاب ، وليس على استعمال عابر للفظ .
3 . إنّ تكرار الصّيغة في المواضع الأربعة من سورة مريم ينسجم مع طبيعة الحوار بين الابن وأبيه؛ إذ يتوسّل إبراهيم عليه السّلام بعاطفة الأبوة لاستمالة المخاطَب وإقناعه .
4 .إنّ الاستعمال العربيّ لا يمنع من إطلاق “الأب” على غير الوالد الحقيقيّ ، إلّا أنّ هذا الاستعمال المجازيّ يحتاج إلى قرينة، بينما يرى هذا الاتجاه أنّ سياق المحاورة وتكرار النّداء لا يقدّمان قرينة كافية لصرف اللّفظ عن حقيقته .
وعلى هذا الأساس، يصبح تكرار “يا أبتِ” قرينة لغويّة وبلاغيّة يمكن أن يستأنس بها القائلون بحقيقة الأبوّة ، وإن كان من المنهج العلميّ ألا يُجعل التّكرار وحده دليلًا قاطعًا في مسألة عقديّة.

المطلب الثالث: أدلّة القائلين بعدم الأبوّة الحقيقية لآزر ومناقشتها

في مقابل الاتجاه السّابق، ذهب عدد من علماء الإماميّة إلى أنّ آزر ليس الأب الحقيقيّ لإبراهيم عليه السّلام ، واستندوا إلى جملة من الأدلّة، يمكن ترتيبها في ثلاثة مسالك رئيسة:

1. الدّليل العقديّ
يقوم هذا الاتجاه على ما تقرره العقيدة الإمامية من تنزيه آباء الأنبياء وأصولهم عن الشرك والوثنية، وأنّ سلسلة آبائهم لا يصحّ أن تتضمن مشركين على النّحو الذي يراه أصحاب هذا القول في آزر.
وبناءً على ذلك، لما كان آزر – بحسب ظاهر بعض الآيات – من عبدة الأصنام، نشأ التّعارض في نظرهم بين كونه أبًا حقيقيًّا لإبراهيم عليه السلام وبين القول بتنزيه أصول الأنبياء عن الشرك .

ومن هنا لجأوا إلى حمل لفظ “الأب” في الآية على غير الأب الحقيقيّ، ومن أشهر ما قيل في ذلك: إطلاق الأب على العمّ ؛ لأنّ العرب توسّعوا في استعمال ألفاظ القرابة، كما ورد في القرآن الكريم إطلاق الأبوة في سياقات لا يراد بها الوالد المباشر .

2. صحّة إطلاق “الأب” على العمّ في العربية

يستند القائلون بهذا الاتجاه إلى الاستعمال العربيّ والقرآنيّ الذي يجيز إطلاق الأب على العمّ ، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يعقوب عليه السّلام: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ البقرة: 133.

فإسماعيل عليه السلام عُدَّ في الآية من آباء بني إسرائيل، مع أنّه عمّ يعقوب عليه السّلام، ما يدلّ على اتساع الاستعمال العربي للفظ “الأب”. وعليه، فإن ورود لفظ “أب” في خطاب إبراهيم عليه السّلام لا يلزم منه، من جهة اللّغة وحدها، أن يكون آزر والده البيولوجيّ .

3. الاستعمال المجازيّ في الخطاب العربي

لا ينحصر استعمال الألفاظ في المعنى الحقيقي، بل تنتقل الألفاظ في الخطابات والمحاورات إلى معانٍ مجازيّة متى قامت القرائن الدالة على ذلك . ومن هنا يرى أصحاب هذا الاتجاه أن تكرار “يا أبتِ” لا يحسم المسألة؛ لأنّ التّكرار يثبت استمرار العلاقة الخطابيّة، لكنّه لا يثبت بالضرورة حقيقة النّسب، إذ قد يخاطب الإنسان عمّه أو من له منزلة الأب خطاب “الأب” للمحبّة أو التّربية أو القرب .

ويضاف إلى ذلك ما ورد في موضع آخر من القرآن الكريم من التّصريح باسم آزر في قوله تعالى :
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ الأنعام: 74.
وهذه الآية تمثل موضعًا مهمًا في البحث؛ لأن لفظ «أبيه» ورد صريحًا، مع تسمية المخاطَب بـ”آزر” ، الأمر الذي يجعل دراسة العلاقة بين الدّلالة اللغويّة للفظ “الأب” والقرائن السياقيّة والعقديّة أمرًا ضروريًا قبل الوصول إلى نتيجة نهائيّة .

المبحث الثالث: التّطوّر الدّلاليّ والبلاغيّ للنّداءات الأربعة: وهذا هو المحور الرئيس في البحث.

المطلب الأول: النداء الأول – محاكمة العقل

قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مريم: 42. يفتتح إبراهيم  خطابه بسؤال: “لِمَ تَعْبُدُ؟” ولم يبدأ بالحكم على أبيه أو وصفه بالضلال ، وإنّما صاغ القضيّة في صورة استفهام يتيح للمخاطَب أن يواجه أساس معتقده.

ثم تتابع النّفيّ: لا يسمع – لا يبصر – لا يغني.

فتتدرج الحجة من الإدراك إلى القدرة على النّفع.

وهذا يتفق مع تحليل الزمخشري وابن عاشور لطريقة إبراهيم في تقديم الحجة ؛ إذ يبدأ بإثارة النّظر في صفات المعبود ، ثم ينتقل إلى ما يقتضيه ذلك من فساد عبادته (13).

إذن: “يا أبتِ” = استعطاف

و: “يا أبت” = استثارة عقلية.

والجمع بينهما هو أّول مظاهر التّلاحم بين البعد الوجدانيّ والبعد الحجاجيّ.

المطلب الثاني: النّداء الثاني – تقديم المعرفة من دون استعلاء

قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ مريم: 43.

ينتقل الخطاب من نقد المعبود إلى تقديم البديل.

ويلاحظ أنّ إبراهيم لم يقل: “أنا أعلم منك”، وإنمّا قال: “جاءني من العلم ما لم يأتك”.

فالخطاب هنا لا يتضمن تعظيمًا للذّات، وإنمّا عرضًا لما وصل إليه من علم.

وقد لاحظ الزمخشري أنّ إبراهيم لم ينسب إلى أبيه الجهل المفرط، ولم يصف نفسه بالعلم الفائق، وإنمّا عرض الأمر في صورة رفيقة تجعل العلم سببًا للاتباع (14). ومن هنا يمكن وصف هذا النداء بأنه: استعطاف معرفيّ.

فالابن يدعو الأب إلى الاتباع، ولكنّه يظلّ محتفظًا بأدب المخاطبة: ﴿يَا أَبَتِ﴾.

المطلب الثالث: النداء الثالث – التّحذير من اتباع الشيطان

قال تعالى:﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ مريم: 44.

ينتقل الخطاب هنا إلى مرحلة أكثر صراحة.

فالخطاب لم يعد سؤالًا: “لم تعبد؟”

ولا عرضًا للعلم: “جاءني من العلم”.

بل أصبح نهيًا:”لا تعبد الشيطان”.

وهذا يمثّل انتقالًا من تفكيك الخطأ إلى التّحذير من مصدره.

ثم تأتي المقابلة الدّلاليّة: الشّيطان / الرّحمن، و: عصيًّا / الرحمن.

فتظهر صورة التّضاد بين العصيان والرحمة.

ومع ذلك لم يسقط النّداء: “يا أبتِ”، ما يدلّ على أنّ ارتفاع درجة التحذير لم يؤدّ إلى سقوط أدب الخطاب.

المطلب الرابع: النّداء الرابع – ذروة الإشفاق واستحضار المآل

قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ مريم: 45.

يبلغ الخطاب هنا ذروته الوجدانيّة.

لكنّ إبراهيم لا يقول: “إنّك تعذب”، وإنمّا يقول: “إنّي أخاف أن يمسّك عذاب”. وهذه الصيغة أشدّ تلطّفًا وأبعد عن التّصريح بإدانة المخاطَب. وقد أشار الزّمخشريّ إلى هذا المعنى، فبيّن أن إبراهيم لم يصرّح بلحوق العقاب بأبيه ، بل عبّر بالخوف والمسّ، مما يدخل في حسن الأدب معه (15).

كما يلاحظ أنّ ابن عاشور يربط هذه المرحلة بما سبقها من الحجج ، ويرى أنّ إبراهيم انتقل إلى تخويف أبيه من العاقبة بعد إقامة الحجج السّابقة (16).

ومن ثمّ يصبح البناء: العقل ← المعرفة ← التحذير ← المآل.

المبحث الرابع : التّكرار وبناء السّلسلة الحجاجيّة

يمكن تمثيل البناء الحجاجيّ للآيات الأربع على النّحو الآتي: النّداء: الحجّة المصاحبة

الوظيفة: يا أبتِ الأولى ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾

استثارة العقل: يا أبتِ الثانية ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾

تقديم المعرفة: يا أبتِ الثالثة ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾

التّحذير العقدي: يا أبتِ الرابعة ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾

استحضار المآل: ومن هنا لا يبدو التّكرار تكرارًا ساكنًا، وإنّما هو:

تكرار ثابت الصيغة، متغيّر الوظيفة.

وهذه من النتائج المهمّة التي يقترح البحث إثباتها.

المبحث الرابع: التّكرار ومراعاة المقام

يقوم التصوّر البلاغيّ العربيّ على مبدأ أساسيّ هو مراعاة مقتضى الحال (7). والحال هنا مركّب من عناصر عدّة: المخاطَب أب.

المتكلّم ابن: القضية قضية توحيد.

المعتقد متجذّر في المخاطَب.

الابن يدعو أباه إلى تغيير اعتقاد دينيّ.

الغاية: الهداية لا الغلبة.

ولهذا كان من مقتضى المقام أن يجمع إبراهيم بين:

قوة الحجة + لين الأسلوب. والتّكرار هنا يخدم هذا الجمع ؛ إذ يعيد تثبيت العلاقة الأسرّية قبل كل حجّة جديدة.

المبحث الخامس: التّكرار والتّهذيب اللّغويّ                             

يمكن الإفادة من نظرية التّهذيب اللّغويّ عند براون وليفنسون Brown & Levinson (17) في وصف بعض جوانب الخطاب، ولا سيّما أن تقديم النّصح من الابن للأب قد يمثّل تهديدًا للمكانة الاجتماعيّة للمخاطَب لو صيغ بأسلوب مباشر صادم.

ومن هنا تأتي صيغة: “يا أبت” بوصفها وسيلة خطابيّة تخّفف من حدّة الانتقال إلى القضيّة العقديّة.

ولكن ينبغي التأكيد أنّ هذه النّظريّة ليست أساسًا لتفسير النّصّ، وإنمّا هي أداة وصفيّة حديثة يمكن أن تساعد في كشف بعض وجوهه.

فلا يصح القول إنّ إبراهيم “يطبق نظريّة التهذيب” بمعناها الاصطلاحي الحديث، وإنما يصحّ القول:

إنّ مفهوم التهذيب اللّغويّ يساعد على وصف ظاهرة المحافظة على مكانة المخاطَب وعلاقته بالمتكّلم أثناء توجيه خطاب تصحيحيّ إليه.

المبحث السّادس: التّكرار والتماسك النّصيّ

يمكن النظر إلى “يا أبتِ” بوصفها رابطًا تكراريًّا يصل بين الآيات الأربع. فكّل آية تقّدم خطوة جديدة، ولكن النّداء يعيد الخطاب إلى مركزه:  إبراهيم – الأب – الدعوة – الهداية.

وهذا يتّفق مع مفهوم التّماسك المعجمّي في لسانيات النّصّ، حيث يؤدي التّكرار دورًا في استمرار الموضوع وربط أجزاء الخطاب (18). ومن ثم فإّن التّكرار هنا ذو وظيفتين: وظيفة محلّية؛ ربط النداء بالجملة التي تليه.

وظيفة كليّة: ربط الآيات الأربع في وحدة خطابية واحدة.

المبحث السّابع: المقارنة بين خطاب إبراهيم لأبيه وخطابه لقومه

تزداد قيمة تكرار “يا أبت”  بالمقارنة مع خطابه لقومه.

قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الأنبياء: 52.

فهنا يجمع الخطاب الأب والقوم، ويتغيّر المقام من الحوار الأسريّ إلى الخطاب الجماعيّ.

وفي سورة الأنبياء أيضًا: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الأنبياء: 67.

فتظهر نبرة أشدّ حدّة من خطاب سورة مريم.

والسبب في ذلك أنّ اختلاف المقام يقتضي اختلاف الأسلوب.

ومن هنا تتأكّد القاعدة البّلاغيّة: لكلّ مقام مقال.

فليس اللّطف في سورة مريم ضعفًا في الحجّة ، كما أنّ الحدّة في سورة الأنبياء ليست خروجًا عن البلاغة، وإنّما كلّ أسلوب جاء مناسبًا لمقامه.

المبحث الثّامن: المقارنة بين مواضع “يا أبتِ” في القرآن الكريم

وردت صيغة “يا أبت” في عدد من المواضع القرآنيّة، ومنها خطاب إبراهيم لأبيه، وخطاب يوسف لأبيه، وخطاب إسماعيل لأبيه، وخطاب إحدى ابنتي الرجل الصّالح لأبيها.

وتكشف هذه المواضع أنّ الصّيغة مرتبطة بسياقات أسريّة ذات شحنة وجدانيّة. غير أنّ سورة مريم تتمّيز بخصوصيّة واضحة ؛ إذ تكرّر النّداء أربع مرات متتالية في سياق حجاجّي واحد.

وهذا يجعلها نموذجًا صالحًا لدراسة العلاقة بين:  التّكرار + المقام + الحجاج + العاطفة.

المبحث التّاسع: المقابلة بين خطاب إبراهيم وردّ أبيه

بعد النّداءات الأربعة يأتي جواب الأب: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ مريم: 46.

وهنا تبرز مقابلة أسلوبيّة واضحة: خطاب إبراهيم، خطاب الأب، يا أبتِ، يا إبراهيم

إني أخاف، لأرجمنك، فاتبعني، اهجرني

أهدك، تهديد، استعطاف، مواجهة، فإبراهيم يستحضر رابطة الأبوة، بينما الأب ينادي ابنه باسمه.

وإبراهيم يستخدم لغة الإشفاق: “إني أخاف” بينما يستخدم الأب لغة التّهديد: “لأرجمنك”.

وهذه المقابلة لا تعني أن تكرار إبراهيم هو الذي أحدث ردّ فعل الأب، فهذه دعوى سببيّة لا يثبتها النّصّ، وإنّما تكشف المقابلة مقدار التباين بين الاستراتيجّيتين الخطابيّتين.

المبحث العاشر: التّكرار بوصفه بنية حجاجيّة متكاملة

يمكن إعادة بناء الحوار في صورة شبكة حجاجيّة:

المرحلة الأولى: يا أبتِ → السؤال → نقد المعبود.

المرحلة الثانية: يا أبتِ → العلم → الدعوة إلى الاتباع.

المرحلة الثالثة: يا أبتِ → النهي → كشف أثر الشيطان.

المرحلة الرابعة: يا أبتِ → الخوف → استحضار المآل.

وبذلك يتحوّل التّكرار إلى ما يمكن تسميته: “رابطًا حجاجيًا متكررًا”، يحافظ على وحدة المخاطَب، بينما تتغيّر الحجّة، وهذه هي الإضافة الرئيسة التي تقترحها الدراسة.

الخاتمة

يكشف تحليل تكرار “يا أبتِ” في حوار إبراهيم عليه السّلام مع أبيه في سورة مريم عن نظام دقيق يجمع بين ثبات الصيغة وتنوّع الوظيفة.

فقد تكرّر النداء أربع مرات، ولكن التّكرار لم يكن مجرد إعادة لفظّية، بل ارتبط في كلّ مرّة بحجّة جديدة.

ففي النّداء الأول يستثير إبراهيم عقل أبيه، وفي الثاني يقدّم له المعرفة، وفي الثالث يحذّره من اتباع الشيطان، وفي الرابع يستحضر أمامه مآل الطريق الذي يسلكه.

وهكذا تتدرّج الحجّة من: العقل → المعرفة → التحذير → المآل.

وفي الوقت نفسه تبقى صيغة: “يا أبتِ” ثابتة، وكأنّ ثباتها يحفظ الرّابطة الإنسانيّة والأسريّة في الوقت الذي تتصاعد فيه حدّة القضيّة العقديّة.

وقد كشف التّحليل أنّ قيمة التّكرار لا تنشأ من اللّفظ وحده، وإنمّا من اجتماع اللّفظ والسّياق والمقام والعلاقة بين المتكلّم والمخاطَب.

كما كشفت المقارنة بين خطاب إبراهيم وجواب أبيه عن مقابلة أسلوبيّة بين لغة الاستعطاف ولغة التّهديد، وبين استحضار الأبّوة واستحضار الاسم المجرّد.

وبناءً على ذلك يمكن القول إنّ تكرار “يا أبتِ” يمثّل نموذجًا قرآنيًا بارزًا للتفاعل بين البلاغة والحجاج والتّداوليّة والتّماسك النّصيّ، وأنه يبرهن على أن التّكرار في الخطاب القرآنيّ قد يكون جزءًا من هندسة المعنى، لا مجرد إعادة للفظ.

 النّتائج المهمّة

تكرار “يا أبت” في سورة مريم تكرار مقصود ذو وظيفة خطابيّة متعددة.

لا تؤدي النداءات الأربع وظيفة واحدة، وإنما تتغير الوظيفة بحسب الحجة المصاحبة.

يمثل النّداء عنصرًا ثابتًا في بنية الخطاب، بينما تمثل الحجج عناصر متغيرة، يبدأ الحجاج باستثارة العقل، ثم ينتقل إلى المعرفة، ثم التّحذير، ثم استحضار المآل.

يسهم تكرار “يا أبت” في الحفاظ على الرّابطة الأسريّة أثناء ممارسة الخطاب الدّعويّ، صيغة “يا أبت”  ذات بنية لغويّة خاصّة ، وقد ذكر النّحاة أنهّا عوض عن ياء الإضافة (19).

لا ينبغي إسناد الرقّة إلى التاء وحدها ، بل إلى الصّيغة والسّياق والمقام مجتمعين. يؤدي التّكرار دورًا في التماسك النّصيّ بين الآيات الأربع (20) ، تكشف المقارنة مع خطاب إبراهيم لقومه عن أثر اختلاف المقام في اختلاف الأسلوب.

تكشف مقابلة “يا أبت” بـ “يا أبت” عن تباين الاستراتيجيتين الخطابيتين بين إبراهيم وأبيه.يمكن الإفادة من التّداوليّة الحديثة في وصف الظّاهرة، بشرط عدم إسقاط مفاهيمها على النّصّ إسقاطًا آليًّا.

تتمثّل الإضافة العلميّة للبحث في دراسة النّداءات الأربعة بوصفها شبكة حجاجيّة متّصلة.

المصادر والمراجع

أولًا: القرآن الكريم

1- القرآن الكريم، برواية حفص عن عاصم، سورة مريم، الآيات 42-46، وسائر الآيات المشار إليها في البحث.

ثانيًا: كتب التفسير واللغة

2- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت.

3- ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس.

4- الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

5- الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

6- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

7- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر.

8- أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت.

9- الزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، عالم الكتب، بيروت.

10- العكبري، أبو البقاء، التبيان في إعراب القرآن، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة.

11- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت.

12- الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق.

ثالثًا: كتب البلاغة وعلوم القرآن

13- الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة.

14- الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة.

15- السكاكي، يوسف بن أبي بكر، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت.

16- القزويني، جلال الدين محمد، الإيضاح في علوم البلاغة، دار الكتب العلمية، بيروت.

17- ابن الأثير، ضياء الدين، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، المكتبة العصرية، بيروت.

18- الزركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية.

19- السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

رابعًا: المراجع اللسانيّة والتّداوليّة والحجاجيّة

-20Halliday, M. A. K. & Hasan, Ruqaiya, Cohesion in English, Longman, London, 1976.

-21Levinson, Stephen C., Pragmatics, Cambridge University Press, Cambridge, 1983.

-22Yule, George, Pragmatics, Oxford University Press, Oxford.

-23 Brown, Penelope & Levinson, Stephen C., Politeness: Some Universals in Language Usage, Cambridge University Press, Cambridge, 1987.

-24Perelman, Chaïm & Olbrechts-Tyteca, Lucie, The New Rhetoric: A Treatise on Argumentation, University of Notre Dame Press, Notre Dame, 1969.

-25van Dijk, Teun A., Text and Context: Explorations in the Semantics and Pragmatics of Discourse, Longman, London, 1977.

خامسًا: الدّراسات والبحوث الحديثة

26- عقون، زينب، وخنيش، سعيد، «أسلوب التّكرار وأثره في دلالة الخطاب القرآني”، مجلة الإحياء، مجلد 24، العدد 2، 2024م.

27- “نداء يا أبت في القرآن الكريم: دراسة تحليلية”، دراسة تناولت مواضع صيغة “يا أبت” في القرآن الكريم.

28- دراسات الحجاج والتداولية في الخطاب القرآني.

[1] -أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة-  قسم اللغة العربيّة.

E-mail:-Lecturer at the Lebanese University, Faculty of Arts and Humanities, Department of Arabic Language

mantash_ali@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.