العوامل المؤثّرة في اكتساب المهاجر لغة البلد المضيف

0

عنوان البحث: العوامل المؤثّرة في اكتساب المهاجر لغة البلد المضيف

اسم الكاتب: د. ريما الأحدب

تاريخ النشر: 2026/09/10

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 45

تحميل البحث بصيغة PDF

DOI: https://doi.org/10.67928/6685

العوامل المؤثّرة في اكتساب المهاجر لغة البلد المضيف

 Les facteurs qui influencent l’acquisition de la langue du pays d’accueil par les immigrants

 د. ريما الأحدب[1]   Dr. Rima EL.Ahdab    

تاريخ الإرسال:22-8-2026                                     تاريخ القبول:2-9-2026

 الملخص                                                                             Turnitin:4%

تناول هذا البحث العوامل النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة التي تؤثّر في عمليّة اكتساب المهاجر (هجرة البقاء) لغة البلد المضيف. فقد تقف اللغة عائقًا أمام عمليّة الاندماج، ومن ثَمّ أمام عمليّة تحسين سبل العيش.  اعتمدت الدراسة المنهج الوصفيّ التحليليّ لتحليل الظواهر وتفسير أبعادها المختلفة. وقد ركّز البحث على تحليل دور” تقدير الذات” ودور” الدافعيّة” في تعزيز ثقة المهاجر، وتطوير قدرته على الّتواصل دون خوف، هذا بالإضافة إلى رصد أثر “الصدمة الثقافيّة” في عمليّة اكتساب المهاجر اللغة الهدف.  كما تناولت الدراسة مفهوم “المسافة اللغويّة” ومدى تأثيرها في خلق التداخل اللغويّ. وتطرّق البحث إلى دور “البيئة الرقميّة” في تعويض التفاعل الواقعيّ، وتسريع عمليّة التعلّم، وخلق فضاءات تفاعليّة بديلة.

وقد توصّل البحث إلى أنّ الصدمة الثقافيّة تشكّل العائق الأكبر، خاصّة إذا لم تترافق مع الثقة بالنفس والدافعيّة. من جهة أخرى  أكّدت الدراسة أنّ عمليّة الاكتساب اللغويّ لا تقتصر على القواعد النحويّة، إذ لا بدّ من الكفاءة الاتصاليّة، فهي التي تعزّز قدرة المهاجر على التفاعل الاجتماعيّ. وعندما تتكامل الكفاءة الاتصاليّة مع الدافعيّة النفسيّة يتمكن المهاجر من تجاوز الصدمة الثقافيّة والمسافة اللغويّة، مستفيدًا مما تقدمه الوسائط الرقميّة في عمليّة التعلّم.

الكلمات المفتاحيّة: اكتساب اللّغة، المهاجر، هجرة البقاء، العوامل النفسيّة والاجتماعيّة  واللغويّة، الصّدمة الثقافيّة، الدافعيّة،البيئة الرقميّة، الكفاءة الاتصالية.

Résumé

Cette étude examine les facteurs psychologiques, sociaux et linguistiques qui influencent le processus d’acquisition de la langue du pays d’accueil par l’immigrant (dans un contexte de migration de survie). En effet, la langue peut constituer un obstacle au processus d’intégration et, par conséquent, entraver l’amélioration des moyens de subsistance (conditions de vie). L’étude s’appuie sur une approche descriptive et analytique afin d’analyser les phénomènes étudiés et d’en interpréter les différentes dimensions. La recherche s’est particulièrement concentrée sur l’analyse du rôle de ” l’estime de soi” et de la “ motivation” dans le renforcement de la confiance de l’immigrant et de sa capacité à communiquer sans crainte. De plus, elle a examiné l’impact du “choc culturel” sur le processus d’acquisition de la langue cible par l’immigrant. Elle a également abordé le concept de “distance linguistique” et son incidence sur la création des interférences linguistiques

En outre, la recherche a exploré le rôle de “l’environnement numérique” pour compenser   l’interaction réelle, accélérer le processus d’apprentissage et créer   des espaces interactifs alternatifs.

La recherche a conclu que le choc culturel représente le plus grand obstacle, en particulier s’il ne s’accompagne pas de confiance en soi, et de motivation. D’autre part, l’étude a souligné que le processus d’acquisition d’une langue ne se limite pas aux règles grammaticales, mais implique nécessairement le développement d’une “compétence communicative” qui renforce la capacité de l’immigrant à interagir socialement.

Lorsque la compétence communicative s’intègre à la motivation psychologique, l’immigrant devient capable de surmonter le choc culturel et la distance linguistique, en tirant profit des opportunités   offertes par les outils numériques dans le processus d’apprentissage.

Mots-clés : Acquisition de la langue, Immigrant, Migration de survie, Facteurs psychologiques, sociaux et linguistiques, Choc culturel, Motivation, Environnement numérique, compétence communicative.

 

 

المقدّمة

الهجرة  هي الانتقال إلى مجتمع  يختلف في الثقافة والعادات، وقد تختلف لغته أيضا، الأمر الذي يفرض على المهاجر تعلّم لغة البلد الذي هاجر إليه، كون اللغة وسيلة هامّة من وسائل الاندماج. ففي علم اللغة الاجتماعيّ تمّثل اللغة احد جوانب ثقافة المجتمع، فالعلاقة بين اللغة والثّقافة هي علاقة الجزء بالكلّ.

تختلف الأسباب التي تدفع الأفراد إلى ترك أوطانهم والبحث عن أماكن أخرى لبدء حياة جديدة في مجتمعات غريبة. وهذا البحث يرتبط بالمهاجر ” هجرة البقاء”. وقبل شرح مفهوم “هجرة البقاء” لا بد من توضيح الفرق بين الهجرة الطوعيّة والهجرة القسريّة.

الهجرة الطوعيّة هي انتقال الأفراد بمحض إرادتهم من موطنهم الأصليّ إلى مكان آخر. وتتميّز بحريّة الاختيار، أيْ إنّ الأفراد يغادرون بمحض إرادتهم ، مع سابق تصوّر للأمور التي سيواجهونها، وتتمّ عادة وفقًا للإجراءات القانونيّة الرسميّة الخاصّة بالدّول. أمّا الهجرة القسريّة فتحدث نتيجة خطر يهدّد الحياة ، مثل الحروب، النزاعات المسلّحة ، الكوارث الطبيعيّة. وعنصر اختيار الوجهة منعدمٌ تمامًا ،لأنّ الهدف البقاء على قيد الحياة، ويندرج المهاجر في هذه الحالة تحت فئات الحماية الدولية، ويصنّف لاجئًا .

ولكن يرى بعض علماء الاجتماع أنّ الخط الفاصل بين الهجرة الطوعيّة والهجرة القسريّة قد يكون ضبابيًّا،   وذلك في ظلّ الظروف الاقتصاديّة الخانقة. فقد يشعر الفرد أنّ البقاء في بلده يمثّل تهديدًا له ولأسرته ، فتبدو الهجرة هنا خيارًا إجباريًّا. يقول عالم الاجتماع ستيفن كاسلز“Steven Castles”   إنّ العولمة أدّت إلى تداخل شديد بين الأسباب، حيث يمكن للفقر الشّديد وتدمير سبل العيش في جنوب أفريقيا أنْ يكونا قسريّين تمامًا مثل الحروب. فالفقر الشديد وتدمير سبل العيش عوامل قسريّة تدفع الناس إلى الفرار. وأوضح أنّ العولمة الاقتصاديّة تعيد تشكيل مجتمعات العالم الثالث بطريقة تجعل الفقر وفقدان سبل العيش دوافع للهجرة القسريّة. (Castles, 2018, p.155)

من جهته، يرى ألكسندر بيتس“Alexandre Betts”   (Betts, 2010,pp. 361-382)   أنّ في انهيار سبل العيش والفقر المدقع أو هشاشة الدولة تهديدات وجوديّة تمنع البقاء في الوطن. فالهروب من تهديد وجوديّ لا يكون فقط بسبب الحروب . وهذا النوع من الهجرة أطلق عليه مصطلح   “هجرة البقاء”.

ووفق “بيتس“، فإنّ الهدف من “هجرة البقاء” هو البحث عن مقوّمات البقاء الأساسيّة (العمل-الغذاء- الرعاية الصحيّة..). وإذا كان عنصر اختيار الوجهة في الهجرة القسريّة منعدمًا، فهو في “هجرة البقاء” ليس أفضل حالًا بكثير، لأنّ فرصة الاختيار ضئيلة جدًّا، إلّا أنّ المهاجر “هجرة البقاء” يندرج تحت فئة المهاجر لأسباب اقتصاديّة، وهذا يعني أنّه لن يندرج في برنامج اللجوء.

 

يتناول هذا البحث العوامل النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة التي تؤثـّر في عمليّة اكتساب المهاجر (هجرة البقاء) لغة البلد المضيف. ففي البلد المضيف تقف اللغة عائقًا أمام عمليّة الاندماج، علمًا أنّ اللغة هي الجسر الذي يربط بين المهاجر والمجتمع الجديد. لكنّ اللغة لا تقتصر على الكفاءة اللغويّة، فهي نشاط بشريّ يساعد على التواصل الاجتماعيّ، لذلك على المهاجرتخطي العقبات التي تؤثّر في اكتسابه اللغة الجديدة.  والبحث يتناول فئة عمريّة محدّدة، وهي المهاجر البالغ الذي لم يصل بعد إلى سن الشيخوخة، ففي علم اللغة النفسيّ عمليّة اكتساب لغة جديدة عند الأطفال أو المسنّين  تخضع لمعايير مختلفة.

وهنا لا بدّ أنْ نشير إلى نّ علماء النفس والمختصّين بالتعليم لم يميّزوا دائمًا بين الاكتساب والتعلّم . ولكن عندما يتمّ التمييز بينهما فالاكتساب يرتبط بالبيئة الطبيعيّة للّغة، بينما يرتبط التعلّم باليئة المدرسيّة التوجيهيّة.”((cuq,2003, p.12. أمّا ستيفن كراشن Stephen krashen صاحب (نظريّة المراقب)، فقد فصل في نظريّته عمليّة اكتساب اللغة عن عمليّة التعلّم. فهو يرى أنّ الأولى عمليّة لا واعية تحدث تلقائيّا عبر التواصل الطبيعي، في حين أنّ الثانية عمليّة واعية تعتمد على دراسة القواعد النحويّة وحفظها    (Krashen & Terrel, 1983, pp.18-19).  والمهاجر(هجرة البقاء) الذي ترك بلده وانتقل إلى بلد جديد، غالبًا ،لا يعرف لغته، هو في مرحلة اكتساب اللغة الجديدة اكتسابًا يبدأ من الخطوات الأولى، واكتساب اللغة الجديدة يجب أنْ يتمّ “بشكل تدريجيّ،  يعتمد على تلقّي الرسائل وفهمها، ….ومحاولة الإنتاج اللفظي للغة ببطء في بيئة داعمة للغاية وخالية من التوتّر Herrell & Jordan, 2008, p.2) (.

 

أهميّة البحث:                                                                                                       

تكمن أهميّة البحث في كونه يناقش قضيّة اكتساب اللغة الثانية في بيئتها الطبيعيّة، و في حالة خاصة جدّا، ألا و هي المهاجر (هجرة البقاء).                                                                                                                                                                                                 و تتلخّص أهميّته في النقطتين الآتيّتين:

  • يلقي البحث الضوء على المؤثّرات النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة التي تؤثر في قدرة المهاجر على اكتساب لغة البلد المضيف.
  • يُظهر البحث  التفاعل المشترك بين العوامل الثلاثة. فالعامل النفسيّ والعامل الاجتماعيّ يؤثّران في اكتساب اللغة الهدف ، كما أنّ القدرة على اكتسابها تساعد في تخطّي الخوف والقلق اللذين يلازمان المهاجر في بداية هجرته.

أهداف البحث:

 يهدف هذا البحث إلى فهم التحدّيات المعقّدة التي تواجه المهاجرين خلال رحلة اكتساب لغة البلد المضيف، وتحليل كيفية تفاعل المهاجر مع ما يعترضه من عوامل نفسيّة واجتماعيّة ولغويّة.   وتتلخص الأهداف في النقاط الآتية:

  1. دراسة أثر العوامل النفسيّة في استيعاب المهاجر اللغة الجديدة.
  2. رصد المؤثّرات الاجتماعيّة، وأهميّة التفاعل اليوميّ في التخفيف من الصدمة الثقافيّة.
  3. إظهار تأثير المسافة اللغويّة في عمليّة الاكتساب، وتوضيح دور البيئة الرقميّة في تيسير تعلّم اللغة.
  4. تأكيد أهميّة اكتساب المهاجر الكفاءة الاتصاليّة، إلى جانب اكتسابه الكفاءة اللغويّة.

إشكاليّة البحث:                                                                                         

في ضوء ما سبق، تبرز إشكاليّة البحث في سؤال رئيس : ما العقبات النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة التي تواجه المهاجر (هجرة البقاء) في رحلة اكتسابه لغة البلد المضيف؟

ويتفرع منها الأسئلة الآتية:

  1. كيف يسهم “تقدير الذات” و”الدافعيّة” في تعزيز قدرة المهاجر على اكتساب اللغة واستخدامها في مواقفه الاجتماعيّة؟
  2. ما تأثير” الصدمة الثقافيّة” في عمليّة اكتساب اللغة الهدف؟
  3. كيف تؤثر” المسافة اللغويّة” في عمليّة التداخل اللغويّ؟
  4. ما الدور الذي تقوم به” البيئة الرقمية” في مجال تعلّم اللغة الجديدة، وهل تستطيع تعويض النقص في التواصل الاجتماعيّ الواقعيّ؟

فرضيّة البحث:                                                                                          

ينطلق البحث من فرضيّة مفادها أنّ المهاجر(هجرة البقاء) عندما يصل المجتمع المضيف، وعليه تعلّم أو اكتساب لغة البلد المضيف كي يستطيع الحصول على عمل والاندماج في المجتمع، تعترضه في رحلة اكتسابه اللغة الجديدة، عوامل عدّة مرتبطة بالنواحي النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة، وقد تكون هذه العوامل عائقًا يمنع أو يؤخّر الوصول إلى الهدف.

الدراسات السابقة:                                                                                      

  • د. ربا الحايك (2025) : “العوائق الثقافيّة والاجتماعيّة أمام اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة.” تركّز إشكاليّة البحث على التحدّي الذي يعترض المهاجر في عمليّة اندماجه في المجتمع المضيف. فالهدف من البحث هو دراسة العوائق الاجتماعيّة التي تعترض عمليّة الاندماج، ولم تتطرّق الدراسة إلى أثر هذه العوائق في اكتساب اللغة الجديدة.
  • Elizabeth Semowo (2024): Bridging Worlds: Language Acquisition as a Means of Security and Cultural Preservation”“

“جسر العوالم: اكتساب اللغة كوسيلة للأمن والحفاظ على الثقافة”.

تتناول الدراسة موضوع اكتساب اللغة كونها أداة لتحقيق الأمن والحفاظ على الثقافة. وتركّز على أهميّة اللغة لتحقيق الاستقرار والأمن للمهاجرين، ولم يناقش الصعوبات التي تواجههم أثناء عملية التعلّم.

  • رحمة برهان (2017): ما هي العوامل النفسية التي تؤثر في الاستعداد للتواصل باللغة الأجنبية؟         تناقش الدراسة موضوع الاستعداد للتواصل باللغة الأجنبيّة والمتغيّرات المؤثّرة فيه. وتبحث في رغبة المتعلّم، (بشكل عام)،في المبادرة بالحديث والتفاعل مع الآخر باللغة الجديدة.  ولم تحدّد الدراسة فئة معيّنة من المتعلّمين، والبيئة التي تحتضن عمليّة التعلّم.
  • Taghrid Baidoun (2015): L’influence de la langue arabe sur le français des arabophone migrants

“تأثير اللغة العربية على الفرنسيّة عند المهاجرين الناطقين بالعربيّة”
تبحث الدراسة في كيفية تأثير اللغة الأمّ (اللغة العربيّة) على اكتساب اللغة الثانية (اللغة الفرنسية) ، وكيفية استخدامها. وتركّز بشكل خاص على المهاجرين العرب  لتحديد الصعوبات اللغويّة التي تعترضهم في فرنسا.

منهج البحث

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفيّ التحليليّ وذلك لملاءمته طبيعة الظاهرة المدروسة ، إذ يسعى البحث إلى دراسة التحدّيات النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة التي يواجهها المهاجر، وبيان مدى تأثيرها في اكتسابه لغة البلد المضيف. هذا وقد التزم البحث التحليل وفْـقًا للنظريّات العلميّة التي تناولت  قضيّة اكتساب اللغة الثانية وتفكيك أبعادها بما يتناسب مع واقع المهاجر، وصولّا إلى صياغة النتائج.

أقسام البحث:

اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى محورين. المحور الأوّل يتناول العوامل المرتبطة بالجانبين النفسيّ والاجتماعيّ للمهاجر، وينقسم إلى ثلاثة مطالب: 1-تقدير الذات والإحساس بالقلق 2- الدافعيّة 3- الصدمة الثقافيّة . أمّا المحور الثاني فيتناول العوامل اللغويّة، وينقسم بدوره إلى ثلاثة مطالب: 1-المسافة اللغويّة   2-التداخل اللغويّ، 3-  البيئة الرقميّة والكفاءة الاتصاليّة.

ونشير هنا إلى أنّ الجانبين مرتبطان ببعضهما بعلاقة متبادلة وتفاعليّة، ونقصد بـ”العلاقة التفاعليّة” وجود تأثير مشترك، حيث تؤثر العوامل النفسيّة والاجتماعيّة في اكتساب اللغة، وتتأثر هذه العوامل في الوقت عينه  بحجم الدخل اللغويّ الذي حصل عليه المهاجر. ففي حين يؤثّر القلق في اكتساب اللغة يؤدي ضعف الدخل اللغويّ إلى العزلة والإحساس بالغربة.

المبحث الأوّل: العوامل النفسيّة والاجتماعيّة

يتأثر مسار اكتساب اللغة الهدف لدى المهاجرين بتحدّيات كثيرة تتجاوز حدود القدرات المعرفيّة البحتة. فعمليّة الاكتساب ترتبط بشكل مباشر بالبناء النفسيّ للمهاجر وبالبيئة المحيطة به.

أوّلًا: تقدير الذّات والإحساس بالقلق

لا يوجد نشاط معرفيّ ناجح ولا نشاط وجدانيّ دون أن يكون وراءه درجة ما من تقدير الذات.

المهاجر أمام عمليّة اكتساب اللغة هو في حوار دائم مع ذاته، هل سينجح؟ أو هل نجح؟ وماذا حقق؟ وتقدير الذات، كما عرفها كوبرسميث “Coopersmith” (الترجمة من براون ص130) هو”التقييم الذي يجريه الإنسان على نفسه ويحافظ عليه…. ويدلّ على الدرجة التي يعتقد بها الفرد أنّه قادر، وله قيمة وناجح، أي إنّ الذات هي حكم شخصيّ على الجدارة. وتقدير الذات ينقسم إلى ثلاثة مستويات: 1-تقدير الذات العام 2-تقدير الذات الموقفيّ، وهو تزكية الإنسان نفسه في مواقف معيّنة كالتفاعل الاجتماعيّ 3-تقدير الذات الخاصّ بالعمل.”

يَظهر تقدير الذات عند المهاجر في مواقف معيّنة عندما يقوم بعمل مرتبط باكتساب اللغة. فالمهاجر عندما يتعلّم اللغة لن يتعلّم إلّا عن طريق الأخطاء، وهو يعلم أنّه إذا قرّر عدم استخدام اللغة إلّا بعد التأكّد من صحّة ما سيقوله سيتأخّر كثيرًا في اكتسابها، ومع ذلك هو  يشعر أنّ الأخطاء قد تكون تهديدًا (للأنا) ، فهو من جهة سينتقد نفسه ومن جهة أخرى يخاف من انتقاد الآخرين له، الأمر الذي يعيق عمليّة الاكتساب اللغويّ. (بروان،1994، ص 132- 133) فيلتزم الصمت عندما يكون داخل مجتمع اللغة الهدف “ والصمت عيب من عيوب الكلام…لأنه لمّا طال صمته ثقل عليه الكلام،…“ ( الجاحظ، البيان، 1/38)

وهنا الخوف من أنْ يختار المهاجر حالة الخوف والعزلة على فقدان الذات. فالمهاجر أمامه خياران، إمّا أن يختار الانكفاء إلى الداخل، وهنا سيبقى أسير المجتمع الضيّق  الذي يحيط به،  أيْ المهاجرين الذين يعيشون حالته، أو يستدير إلى الخارج فيحاول جمع المادّة، والتجريب والحفظ، لأنّه يدرك أنّ العلاقة مع المجتمع المضيف، والحصول على عمل، والاستفادة من الخدمات التي يقدّمها المجتمع  لن يتحقق إلّا من خلال اللغة، فهي الجهاز الأساسيّ الذي يخلق له روابط مع هذا المجتمع. لكنّه يعيش حالة من القلق، و”القلق يرتبط بشكل مباشر بتقدير الذات” (بروان، ص134)، فالمهاجر يشعر بالقلق بسبب وجوده في مجتمع لا يعرف عنه شيئًا، كما أنّ مستقبله فيه ضبابيّ، إذ لا يمكنه تكهّن ما سيحصل معه. والمعروف أنّ كلّ عمل معقّد يرافقه القلق من الفشل، والمهاجر يعلم أنّ اكتساب لغة جديدة عمليّة صعبة ومعقّدة ، ولكن لا بدّ من حصولها. إلّا أنّ القلق من فقدان الذات يؤثّر بشكل مباشر في اكتساب اللغة، ويمثّل عائقًا نفسيًّا أمام تطوّر الدخل اللغويّ. ووفقّا لفرضيّة المصفى الانفعاليّ لستيفن كراشن “Steven Krashen”، التي تشكّل جزءًا من نظريّة “المراقب ( Krashen & Terrel,1983, pp65-67)  يشكل القلق حاجزًا يمنع الدماغ من معالجة المدخلات اللغويّة وتخزينها، و تتحكّم الحالة النفسيّة للفرد أثناء تلقّيه الدخل اللغويّ في سعة الجهاز الانفعاليّ أو انقباضه ، فإذا كان يعاني من التوتّر والقلق وفقدان الثقة فإنّ هذا الجهاز يضيق ثمّ ينغلق فلا يقبل دخلا لغويًّا، وإنْ قبل شيئا منه لا يفهمه.“ ورغم أنّ النظريّة تؤكد ضرورة تلقّي اللغة في بيئتها الطبيعية منعًا للتوتر، فإنّ المهاجر، وهو يتلقى اللغة في بيئتها ، تتحكّم به العوامل النقسيّة السلبيّة ويحكمه التوتّر بسبب إحساسه بالغربة والقلق من رفض المجتع له. هذا القلق يجعل المهاجر يلتزم أحيانًا كثيرة الصمت خوفًا من النقد، فإذا لم يستطع تخطّي هذا القلق، ولم يصلْ إلى حالة الهدوء النفسيّ سيشعر برهبة التواصل مع الآخر، فيتجنّب الممارسة الاجتماعيّة التي تعدّ الركيزة الأساسيّة لاكتساب اللغة. وكلّما زاد القلق ضعف التواصل مع الآخرين، وقلّت الحصيلة اللغويّة. وهنا ندخل في الحلقة المفرغة لأنّ القدرة على التواصل بلغة البلد المضيف هي من العوامل الرئيسة لنجاح الاندماج، ذلك أن ّ ضعف إتقان اللغة يخلق عقبات كثيرة تتعلق بالعمل والتواصل الاجتماعي والتقدّم في السلم الوظيفي وغيرها من الأمور الضروريّة التي تجعل المهاجر يعيش العيشة الكريمة التي يطمح إلى تحقيقها.

ثانيًا: الدافعيّة

الدافعيّة بمفهومها العام هي الدافع أو الرغبة الداخليّة التي تدفع شخصًا للقيام بعمل ما. “والدافع عبارة عن عامل داخليّ يستثير سلوك الإنسان ويوجهه ويحقق فيه التكامل” . ويشير مصطلح “الدافع” إلى العمليّة الداخليّة التي تضطر الشخص إلى الفعل،….وصولًا إلى تحقيق الهدف.(موراي، 1988، ص28). يرى بعض علماء النفس أنّ الدافعية ” تتضمن رغبة شعوريّة في شيء من الأشياء ، وهذا هو ما يسمّى مطلبًا…:  (المرجع نفسه ص29)، و”ترتبط فكرة الدافعيّة تحديدا بالعناصر المعرفيّة والوجدانيّة ، فهي حصيلة التفاعل بين العوامل الخارجيّة والذات….. والدافعيّة نوعان: دافعيّة خارجية تقوم بدور المثير أو الشرارة، ودافعية داخليّة صلبة مرتبطة بالرغبة والشغف. شغف التعلم والابتكار، وتشكّل الداعم الأساسيّ لعمليّة الانتباه وتخزين المعلومات   .(Cuq,2003,p170-171)

يرى موراي أنّ الأغراض التي يسخّر المرء من أجلها قدراته البشريّة تتوقف على الدافعيّة عنده، وعلى  رغباته،  ومطالبه وأمانيه وحاجاته( موراي،1988،ص 17)، والدافعيّة كما تحدّث عنها براون نوعان: الدافعيّة التكامليّة، والدافعيّة النفعيّة (براون،1994،ص143)،                                                                                                 تشير الدافعيّة النفعيّة إلى اكتساب لغة ما باعتبارها وسيلة نفعيّة لتحقيق أهداف معينة، كمواصلة الدراسات العليا…. أمّا الدافعيّة التكامليّة فتكون حين يرغب المتعلّم في أنْ يتكامل مع ثقافة أصحاب اللغة الثانية، ويصبح جزءًا منه.

المهاجر (هجرة البقاء) تحكمه أوّلًا الدافعيّة النفعيّة التي تتمثّل برغبتة في تعلّم اللغة من أجل إيجاد عمل وتحقيق ما كان يسعى إليه. فالتكامل مع المجتمع ليس الهدف الأول الذي يسعى إليه، فهو يسعى إلى تحقيق حياة كريمة وإيجاد عمل، والعمل يتطلب معرفة اللغة المتداولة، وهنا يصبح اكتساب اللغة وسيلة لتحقيق هدف نفعيّ . فهو يعرف جيّدا أنّ تعلّم اللغة أمر ضروريّ لا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يحتاج إليها حاجته إلى اللغة الأمّ في وطنه الأمّ. يقول الجاحظ: “من أعون الأسباب على تعلّم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك، وعلى قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، والتقصير عنها “( الجاحظ، 1996،ص290).

إلى جانب الدافعيّة النفعيّة يسعى هذا المهاجر إلى الانخراط في المجتمع الجديد كي يخفّف من غربته. فهو يريد أن يصبح جزءًا من المجتمع الذي انتقل إليه، وأنْ يتكامل مع أبنائه  وذلك بالتعرف إلى ثقافته  وتاريخه وحضارته. فقرار الهجرة عنده انطلق أولا من الرغبة في البقاء، وهذه الرغبة ارتبطت بالرغبة في أنْ يصبح فردًا من المجتمع الجديد و يندمج معه. و هنا لا بد من طرح السؤال الآتي: هل التكامل هو الاندماج؟ هل الدافعيّة التكامليّة هي نفسها الدافعيّة الاندماجيّة؟

يميز غراهام “Graham” (براون، ص146) بين الدافعيّة التكامليّة والدافعيّة الاندماجيّة. فالدافعيّة التكامليّة تدلّ على الرغبة في تعلّم اللغة الثانية للاتصال بثقافة أصحاب هذه اللغة، ولا تعني بالضرورة الاتصال المباشر بالجماعة  اللغويّة نفسها. أمّا الدافعيّة الاندماجيّة فهي الدافع لأنْ يصبح الإنسان جزءًا غير متمايز من الجماعة الكلاميّة، وهذا يقتضي اتصالا طويلا بالثقافة. هذا الأمر يرتبط  بالمهاجرين الذين يخططون للبقاء بشكل دائم أو طويل الأجل، فهم يعلمون أن عليهم الاندماج في المجتمع. ووفق جمعيّة “إس بي إس بي SPSP (2020/1/9) المعنيّة بمواضيع الشخصيّة وعلم النفس الاجتماعيّ، فإنّ المهاجرين الذين لديهم دافع كبير للعمل يكتسبون اللغة على نحو أسرع. فالرغبة القويّة في الحصول على عمل دفع المهاجرين لبذل جهد أكبر لتعلم اللغة المحليّة.  كما أنّ الرغبة في الحصول على وظائف ذات أجور أعلى ، وشغل مناصب أعلى تدفع المهاجرين نحو  تحسين مهاراتهم اللغويّة. من هنا يمكن القول إنّ  الدافعيّة لاكتساب اللغة الثانية عند المهاجر تتمثّل بالدافعية  النفعية / التكاملية. ويرى شومان   “Schuman” أنّ الدافعيّة  هي إحدى العوامل النفسيّة المهمّة التي يؤثّر ضعفها تأثيرًا سلبيًّا في اكتساب اللغة الثانية” (Schuman,1986, p383). أمّا جيلز “Giles” صاحب نظريّة “الملاءمة” فرأى أنّ الدافعيّة هي من أهم العوامل الفرديّة، وهي الموجِّه لعمليّة اكتساب اللغة الثانية (Giles & Byrne,1982,Vol.3,pp21-22 ).  ونشير هنا إلى أنّ نظريّة “الملاءمة” وضعها جيلز وزملاؤه بعد دراسات أجراها على جماعات عرقيّة تعيش  في دول متعدّدة.

فالمهاجر، إذًا، يمكنه تخطّي العوامل النفسيّة والاجتماعيّة السلبيّة التي تؤثر في اكتسابه اللغة إذا كانت درجة  الدافعيّة مرتفعة عنده، وتتحكّم بدرجات الدافع عند المهاجر نظرته إلى نفسه ، وإلى ما يمكن أن يحقّقه داخل المجتمع الهدف. ويبقى الدافع الأوّل عنده والأهمّ هو رغبته في الاستقرار في البلد الذي استقبله. وكلّما قويت دوافع المهاجر نحو تعلّم اللغة ازدادت رغبته في الاندماج في المجتمع والتكيّف معه، والتواصل مع أفراده، و من ثَمّ ازداد الدخل اللغويّ شيئا فشيئًا.

ثالثًا: الصدمة الثقافيّة

يواجه المهاجر مشكلات نفسيّة عاطفيّة سببها اختلاف ثقافته عن ثقافة المجتمع الذي هاجر إليه، فيعيش حالة من الارتباك والقلق. وهذه الثقافة متعدّدة الأوجه،  وتشمل السلوكيّات الاجتماعيّة ، والقيم، والأعراف، والممارسات اليوميّة.. . و الصدمة الثقافيّة هي مشاعر قوية  من عدم الارتياح، أو الخوف ، أو عدم الأمان قد يشعر بها الشخص عند دخوله في ثقافة جديدة(Richards,2020,p151).

وهي تجربة عامة “يعانيها كل من يتعلّم اللغة في بيئتها الثقافيّة” (براون،1994، ص157)، ولكنّها أكثر قساوة مع المهاجر (هجرة بقاء) كونه يعلم أنّ فرص اختيار وجهة اللجوء تكاد تكون منعدمة. و تكمن أهميّة دراسة الصدمة الثقافيّة في كون اللغة مرتبطة بالقدرة على الاندماج في المجتمع الجديد. فعندما يصل المهاجر إلى المجتمع الجديد يواجه غياب المرجعيّات المألوفة، ممّا يؤدي إلى الشعور باختلال الذات وفقدان الهويّة الثقافيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى تشتّت مساره في بيئة الاستقبال. هذه العوامل النفسيّة سببها الشعور بالفروق الاجتماعيّة والثقافيّة بين ثقافة المهاجر وثقافة مجتمع اللغة الهدف. فإذا كان المهاجر لا يعرف شيئًا عن ثقافة المجتمع الذي هاجر إليه أو لا يعرف الكثير، يمكننا إدراك صعوبة التطبّع الثقافي. “ذلك أنّ التهيّؤ لاستقبال ثقافة جديدة يحتّم إعادة تكوين منطلقات التكوين والشعور. (براون، ص156)

والمهاجر الذي انتقل إلى بيئة مختلفة تمامًا عن بيئته، ويعلم جيّدًا أنّ عليه تقبّل هذه الثقافة الجديدة،  سيصاب باضطراب ما، وقد لا يكون  فقط مجرّد الشعور بالغربة والحنين إلى الوطن، بل قد يشعر أيضًا بالغضب والتردّد والبؤس، وهي مشاعر سلبيّة تؤثر تأثيرًا على رغبته في التعلّم.

هذه الصدمة ستشكّل حاجزًا نفسيّا يؤثر بشكل مباشر على الدافعيّة والقدرة على اكتساب اللغة الجديدة. كما قد تؤدّي الصدمة الثقافيّة إلى الانسحاب أو الشعور بالتعب من الوضع الجديد، ممّا يضعف الرغبة في التفاعل اللفظيّ مع السكّان الأصليين.

ويرى مارك كلارك (Clarke.M.1976,377-390) أنّ تعلّم لغة ثانية وثقافة ثانية يشبه ازدواج الشخصيّة حيث تصبح المواجهة الاجتماعيّة تهديدًا فطريًّا ، فيلجأ الفرد إلى أساليب دفاعيّة لتخفيف آلامه.“وهنا سيجد المهاجر نفسه محاصرًا مقيًّدًا ، ومع ذلك عليه أنْ يعوم لأنّ البديل هو الغرق. وقد يشعر أنّه لا يستطيع فهم ما يسمع ظنًّا منه أنّ وراء الكلام معنًى خفيًّا لا يستطيع إدراكه ، فيُجهد نفسه كي يفهم ما يقال، ولكن إذا سيطر عليه الشك في قدراته أو شعر بسخرية من الآخر، ابن المجتمع الأصليّ، سينسحب ويحيط نفسه بجدران صلبة وهنا يكون قد دخل في حالة من الانزواء.

من جهة ثانية، عندما تكون  ثقافة المهاجر غير متجانسة مع ثقافة المجتمع المضيف، سيعيش  حالة من الصراع الثقافيّ بين قيم ومعايير يحملها ويؤمن بها، وأخرى مُغايرة هي السائدة في المجتمع المُضيف، وحين يصل المهاجر إلى رغبة في فهم ثقافة المجتمع الجديد يكون قد خطا خطوة واسعة في طريق اكتساب اللغة الهدف. وهنا تبرز مسألة قبول التثاقف التي تحدّث عنها “شومان”. إذ  إنّ عمليّة التطبّع الثقافيّ تصبح  أكثر عمقًا حين نتحدّث عن اللغة، ذلك أنّ اللغة أهمّ مظاهر التعبير عن الثقافة. وتعرف نظريّة التطبع الثقافيّ “بأنها العمليات أو المراحل التي يمرّ بها متعلّم اللغة الثانية للتطبّع بثقافة الناطقين بها والتكيّف معها.” (العصيلي،ص 281). ورغم أنّ اكتساب اللغة الجديدة هو جانب واحد من جوانب التطبع الثقافي إلّا أنّ عمليّة الاكتساب ترتبط بنسبة تكيّف المهاجر مع ثقافة اللغة الجديدة.                                                                                                              وهنا تبرز أهمية الاختلاط الاجتماعيّ. يقول ابن جني في معرض حديثه عن انتقال لغة العربيّ الفصيح:” فإنّهم بتجاورهم وتلاقيهم وتزاورهم يجرون مجرى الجماعة في دار واحدة ، فبعضهم يلاحظ صاحبه ويراعي أمر لغته….” (ابن جني،1999، 2/18) فبهذه الملاحظة  يكتسب المهاجر من أبناء المجتمع الأصليّ السليقة اللغويّة . فالاختلاط الاجتماعيّ  يساعده على اكتساب مفردات اللغة الجديدة ، وسيلاحظ قواعد التركيب ويتعلّمها. ولكن هذا الاختلاط الاجتماعيّ لن يحصل إلّا إذا تقبّل ثقافة المجتمع المضيف.                                                                                             فالمهاجر الذي يستطيع تقبّل ثقافة البلد الجديد يستطيع أن يندمج معه ، فيشعر أنّه جزء منه، وحينها سيبذل جهدًا وافرًا لاكتساب اللغة الجديدة. أمّا إذا رفض ثقافة البلد المضيف، ولم يستطع التأقلم مع عاداتها وتقاليدها، فسيميل إلى العزلة ، ويقلّ نشاطه الاجتماعيّ، ويقلّ معه استخدام العناصر اللغويّة، لأنّه  وبشكل لا إراديّ سيرفض تعلّم لغتها، وعندها تصبح عمليّة الاكتساب أكثر صعوبة.

وهنا لا  بد أنْ نشير إلى أنّ الرغبة في الاندماج الاجتماعيّ والثقافيّ في بيئة لغة المجتمع الجديد يجب أنْ تكون متبادلة بين الفريقين، أيْ بين المهاجر والمجتمع الذي هاجر إليه. وهذه الرغبة المتبادلة وضعها “شومان” شرطًا من الشروط الإيجابيّة السبعة التي تقود إلى التكيّف مع المجتمع، وتُيسّر عمليّة اكتساب اللغة الهدف. (Shumann,1978,pp34-35). أمّا إذا شعر المهاجر أنّ بيئة اللغة تُنكِر عليه الحقّ في الاستفادة من جميع المرافق، أو إذا لاحظ أنّ نظرة  المجتمع  إلى المجموعة المهاجرة التي ينتمي إليها نظرة دونيّة، أو إذا شعر أنّ المجتمع الجديد يقيم فواصل أو حدودًا بينه وبين المهاجر،عندها سيسيطر عليه الخوف من هذا المجتمع الجديد، وسيشعر بالتوتّر والقلق، فينعزل وتقلّ عنده الرغبة في اكتساب اللغة.  فعمليّة اكتساب اللغة  يجب أن تحدث- كما يقول هيريل وجوردن-  “في بيئة داعمة للغاية، وخالية من التوتّر” (Herrel,Jordan,2008,p2)

                                                                                                

في ختام المبحث نجد أنّ الهجرة عمليّة معقّدة تتجاوز الانتقال المكانيّ لتلامس صميم البناء النفسيّ والاجتماعيّ للفرد. و نجاح  عمليّة اكتساب المهاجر لغة المجتمع الجديد تعتمد بشكل أساسيّ على تفاعلاته الوجدانيّة والاجتماعيّة. فالرغبة في الاستقرار تحفّزه على بذل الجهد لاكتساب اللغة، وبالمقابل كلّما أحرز تقدّما في اكتساب اللغة الجديدة انخفضت حدّة القلق لديه، وتلاشت الصدمة الثقافيّة. لكنّ المجتمع المضيف له دور محوريّ في توفير بيئة سليمة خالية من التوتّر، وفي تسهيل الاندماج الثقافيّ. فالدّعم النفسيّ الذي يقدّمه المجتمع الجديد يساعد المهاجر على اكتساب اللغة الهدف، وذلك من خلال الممارسة اليوميّة التفاعليّة.

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: العوامل اللغويّة

تمثّل اللغة الركيزة الأساسيّة في عمليّة التفاعل الاجتماعيّ والثقافيّ للمهاجرين داخل المجتمع الجديد. ولا يقف البعد اللغويّ عند حدود امتلاك مهارات لغويّة، إنّما يمتدّ ليشمل أبعادًا بنيويّة وسياقيّة تؤثّر بشكل مباشر في    اكتساب اللغة الهدف.

أوّلًا: المسافة اللغويّة

تبرز المسافة اللغويّة عاملًا مؤثّرًا في قدرة المهاجر على اكتساب لغة البلد المضيف.

و المسافة اللغويّة “مفهوم يسعى لقياس درجة الفرق بين لغتين نظرًا لأنّ المسافات اللغويّة بين اللغات مختلفة ومتغيّرة…. ويمكن قياس مسافة اللّغة بقياس الفهم  المتبادل للغة بين المتحدّثين..، وقد يكون الطرفان يتحدّثان اللغة نفسها مع اختلافات بسيطة أو كبيرة. على سبيل المثال، اللغة الإنكليزيّة الأمريكيّة واللغة الإنكليزيّة البريطانيّة” & Trask,2000,PP449- 460)   (RENFREW.  ونشير هنا إلى أنّ دراسة المسافة اللغويّة يدخل ضمن إطار علم اللّغة التقابليّ وليس علم اللغة المقارن، ذلك أنّ هذا الأخير يختص بمقارنة لغتين أو أكثر من عائلة واحدة ابتغاء الوصول إلى الخصائص الوراثيّة المشتركة بين هذه اللغات.” (الراجحي، 1995، ص45) أمّا  التحليل التقابليّ … ، كما يفضّل تسميته علم اللغة التطبيقيّ، ” فهو لا يقارن لغة بلغة، وإنّما يقارن مستوى بمستوى، أو نظامًا بنظام، أو فصيلة بفصيلة,….” (م.ن،  ص48). وهنا يمكن القول إنّ المشكلات النّاجمة عن اكتساب المهاجر اللغة الجديدة تتوافق مع حجم الاختلاف بين اللّغة الأمّ واللّغة الثانية. و كلّما زادت المسافة بين اللّغتين زادت صعوبة التّكيّف مع اللغة الجديدة، وكبر حجم المشكلات.

فإذا كان المهاجر مثلًا عربيًّأ والدولة المضيفة دولة أوروبيّة فالمسافة اللغويّة بين اللغة الأمّ واللغة التي عليه اكتسابها كبيرة. فاللغة العربيّة تنتمي ( كما هو معروف) إلى عائلة اللغات السّاميّة  (موسوعة اللغة العربيّة)    ولها جذور وأنظمة صوتيّة وصرفيّة وتركيبيّة مختلفة، لذلك سيجد المهاجر صعوبة في إتقان لغة من اللغات   الهندو أوروبية.  وحين نبحث عن طبيعة هذا الاختلاف نستطبع حينها أن نكتشف المشكلات.

فالمسافة اللغويّة بين اللغتين العربيّة والفرنسيّة مثلًا  واسعة جدا لأنّهما تنتميان إلى عائلتين جذريّتين مختلفتين تماما، مما يؤثّر في عملية النطق و تركيب الجمل وحتى في طريقة التفكير. فالتقابل بينهما يشير إلى وجود اختلافات كثيرة على المستويات اللغويّة جميعها؛ و كذلك الأمر بالنسبة إلى اللّغتين العربيّة والألمانيّة أو العربيّة والإنكليزيّة. هذه المسافة الواسعة تؤثّر في سرعة اكتساب اللغة الجديدة وكفاءة استخدامها. فاللغات المتباعدة تحمل خصائص مختلفة ممّا يشكّل تحدّيًا مستمرًّا للمهاجر، فيزداد الجهد المعرفيّ المطلوب للتعلّم، و هذا الأمر يتطلّب وقتًا أطول لبناء الكفاءة اللغويّة، خاصة أنّنا نتحدث عن المهاجرين البالغين، الذين هاجروا (هجرة البقاء)، ولم يكن عندهم حريّة اختيار وجهة الهجرة.

 

ثانيًا: التداخل اللغويّ  

تؤدّي المسافة اللغويّة الواسعة بين لغة المهاجر ولغة المجتمع المضيف إلى التداخل اللغويّ. يحدث التداخل اللغويّ “عندما يستخدم شخص يتحدّث لغتين سمة صوتيّة أو صرفيّة أو معجميّة أو تركيبية من اللغة (أ) أثناء تحدّثه باللغة (ب). (Dubois,2002,p252) فهو” تأثير اللّغة الأمّ على اللّغة التي يتعلّمها المرء” (Skiba,1997,p1)  ويكون “من خلال استخدام عنصر من عناصر اللغة الأمّ بدل عنصر من عناصر اللغة الثانية” (Mackey, William Francis 1965). وفي علم اللغة النفسيّ ، يُشار بهذا المصطلح  (التداخل) إلى الأخطاء التي تحدث بنقل عادات كلام لغتنا، أو لهجتنا إلى لغة أو لهجة جديدة. والمقصود بالعادات الكلاميّة النطق والنحو والمعجم،….. .  والنّقل والتّداخل قد يحدثان في مستوى واحد أو أكثر من المستويات اللغويّة جميعًا وهي: الفونولوجي والمورفولوجي والنظمي والمعجي ….” ( شمس الدين،2003،ج2/222) ، إذ يميل الدّماغ البالغ إلى تطبيق قواعد وطريقة نطق اللّغة الأمّ على اللّغة الجديدة ممّا يسبب صعوبة في إتقان مخارج الحروف بشكل سليم،  وهنا على المهاجر القيام بمجهود فعّال ، وعليه ألّا يترك لسانه على سجيّته، “لأنّه متى ترك شمائله على حالها ولسانه على سجيّته كان مقصورًا بعادة المنشأ على الشّكل الّذي لم يزل فيه” ( الجاحظ، البيان،1/70) و قد أظهرت دراسات اكتساب اللغة بين المهاجرين العرب أنّ هياكل الجمل وأنماط النطق تؤثّر في طريقة تحدّث المهاجر العربيّ، حيث إنّه يسقط قواعد لغته على اللّغة الجديدة أثناء التحدّث. ففي دراسة فرنسيّة لتغريد بيضون                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  تشرح الباحثة التّداخل اللغويّ الّذي يحدث على مستوى النطق ( أي الأصوات) ، وعلى مستوى تركيب الجمل. فعلى الصّعيد الصوتيّ يجد المهاجر العربيّ صعوبة في نطق عدد من الصوامت والصوائت الفرنسيّة، فيستخدم  عاداته النطقيّة عند التكلم بالفرنسيّة، و الأمر عينه يحدث على المستوى التركيبيّ. للتوسع: (BAIDOUN,2015)

فاللّغات المتباعدة صوتيًّا تجعل من الصّعب على المهاجر البالغ إدراك أصوات جديدة وإنتاجها، فيصبح التحدّث أقل مرونة ووضوحًا. هذا بالإضافة إلى أنّ المهاجر بسبب الحالة النفسيّة الّتي يعيشها ومشاعر الحنين إلى الوطن يميل لا شعوريًّا إلى نقل أسلوب لغته الأمّ وتراكيبها  ليواكب المحادثات السريعة، فيقع في أخطاء تصريف الأفعال أو التذكير والتأنيث، أو هيكليّة الجملة. وهنا تُطرح مسألة التّغذية الراجعة. والتّغذية الرّاجعة “هي ردود الفعل اللفظيّة أو الإيمائيّة (تصحيحات- إعادة صياغة- تكرار كامل أو جزئي…) التي يقدّمها الخبراء تجاه الإنتاج اللفظيّ للمتعلّم. وهذه التّفاعلات اللفظيّة تسهّل اكتساب اللّغة”. (Cuq,p216)                                                                                              و في حالة المهاجر، تأتي التّغذية الرّاجعة من المجتمع المضيف. فالمجتمع الذي يحتضن المهاجر يؤدّي دورًا أساسيًّا في تحقيق أهداف التّغذية الراجعة. هذا المجتمع  قَبِل منذ البداية المهاجر، وأقام معه علاقات  طبيعيّة جعلته يشعر أنّه مرغوب فيه، لذلك لن يرى المهاجر بأسًا في تقبّل الملاحظات الّتي تقدّم له حين يخطئ في الممارسة اللغويّة للّغة الهدف. إذ لا بدّ لمن  يريد اكتساب اللّغة  “أنْ يكون في موقف يشعر فيه بالطمأنينة والأمان، وليس في موقف يأخذ فيه وضع الدّفاع ضدَّ خطر قائم أو محتمل.”(شمس الدين،2، 216/2003).

و هنا  يعمل المهاجر على ربط التّغذية الراجعة بأهدافه الشخصيّة أو المهنيّة، فيحدّد الفجوات ويعدّل الأداء اللغويّ كي يطوّر مهاراته اللغويّة .

 ثالثًا: البيئة الرقميّة والكفاءة الاتصاليّة  

توفّر تقنيّات التعلّم الحديئة وتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ اكتساب اللّغة بشكل مختلف وسريع. فبفضل الذّكاء الاصطناعيّ يتلقّى المهاجر التغذيّة الرّاجعة بشكل فوريّ، وتصحَّح أخطاؤه النحويّة والتركيبيّة والصوتيّة. و الجدير ذكره أنّ المهاجر هنا لن يشعر بالتوتّر عندما يخطئ لأنّه لا يواجه في لحظة تصحيح الخطأ سوى الآلة، وهنا سيتحدّث بأريحيّة لأنّه لا يخاف الوقوع في الخطأ، ومن ثَم لا تهتزّ ثقته بنفسه. فهي تقدّم  البيئة النفسيّة الآمنة  للمهاجر الأمر الذي يشجّعه على التعلّم، كما تتيح هذه البيئة الرقميّة الممارسة اللغويّة اليوميّة وبشكل مستمرّ في سياقات طبيعيّة. فمجموعات الدردشة تشكّل بيثة آمنة للتّفاعل مع المتحدّثين الأصليين دون أنْ يكون هناك خوف طالما أنّ المواجهة عبر الجهاز. فالقلق من الوقوع في الخطأ- الذي أشرنا إليه سابقا -غير موجود في مثل هذا النّوع من المحادثات. هذا بالإضافة إلى مجالات التّعلّم الذاتيّ الفرديّ التي تناسب احتياجات كلّ متعلّم على حدة. فهي تتيح اختيار الأوقات المناسبة ومسارات التعلّم بما يتوافق مع الجدول اليوميّ للمهاجر.

ولكن هذه البيئة الرقميّة بكلّ إيجابيّاتها يمكن أن تكون سلبيّة للمهاجر الذي يعتمد عليها اعتمادًا كليًّا ،لأنّ اكتساب اللّغة يجب أن يصاحبَه الاندماج الاجتماعيّ. إذ لا يمكن ضمان الثقة اللغويّة من خلال التعرّض فقط للوسائط الرقميّة، ذلك أنّ تعزيز ثقة المهاجرين اللغويّة يجب أن تتمّ في المجتمع الطبيعيّ. فالثقة اللغويّة ليست فقط في إتقان اللّغة إنّما هي أيضًا في استخدامها في المواقف الاجتماعيّة والمهنيّة.

إنّ الكفاية اللغويّة الّتي يمكن أنّ توفرّها الوسائط الرقميّة لا تقدّم للمهاجر الكفاءة الاجتماعيّة اللغويّة، وتسمّى أيضًا الكفاءة الاجتماعيّة  الثقافيّة. هذا النّوع من الكفاءة نعني به “ معرفة العلاقة بين اللّغة والسيّاق، أي معرفة كيفيّة استخدام الأنواع اللغويّة المختلفة والاستجابة لها بشكل مناسب، من أفعال الكلام والاعتذارات والشكر والدعوات… ويشمل أيضا كيفية التحدّث في مواقف معينة…” (Richards,2010, P.99)

هذا بالإضافة إلى كفاءة الخطاب التي “تعدّ جزءًا من علم اللغة الاجتماعيّ، أي معرفة كيفيّة بدء المحادثات وإنهائها، إضافة إلى معرفة العلاقات التي تربط معاني الأقوال في الخطاب والتي تستند إلى المعرفة المشتركة بين المتحدّثين. ( م.ن ص93). فالتّفاعل البشريّ التلقائيّ يقدّم للمهاجر فرصة التعرّف على الأعراف الاجتماعيّة الخاصّة بالمجتمع الجديد، وفهم التعابير الاصطلاحيّة ،إضافة إلى التعامل مع الفروق الثقافيّة التي لا تتاح له عبر التعلم الرقميّ. فالوسائط الرقميّة تفتقر إلى السّياق الاجتماعيّ الثقافيّ،  واعتماد المهاجر عليها كليًّا في اكتساب اللغة  الهدف  يشكّل خطورة على إمكانيّة التواصل الواقعيّ ، ويطرح تحدّيّات جوهريّة تؤخر عمليّة الاندماج.  فالكفاءة  الاتصاليّة هي “ذلك العنصر الذي نستطيع به أن ننقل الرسائل، ونفسّرها ، ونتفاوض مع الآخرين في سياقات محدّدة.”(براون، 244).”وهي عند هايمز ليست مجرّد معرفة بالقواعد النحويّة ( كما اقترح تشومسكي)، بل هي معرفة ملاءمة الكلام للسّيّاق الاجتماعيّ،  أي القدرة على التمييز بين ماهو ممكن لغويًّا، وما هو ملائم ثقافيًّا واجتماعيًّا. وهذه الملاءمة جزء لا يتجزّأ من كفاءة المتحدّث، لأنّ الفعل اللغويّ يجب أنْ يخضع لمعايير اجتماعيّة و ثقافيّة وليس فقط نحويّة. فلغة الإنسان تتغيّر و تتوزّع  حسب السياق المناسب لها، وعدم توازن هذا التوزيع يؤدي إلى سوء فهم.  (Hymes,1972, p287-289)

فالمهاجر لا يكفيه تعلّم قواعد اللغة التركيبيّة والصرفيّة والصوتيّة، بل عليه أنْ يكون على دراية تامة بقابليّة تنفيذها بما يتناسب مع السّياق.  من هنا فإنّ اكتساب اللّغة يفرض على المهاجر فهم القواعد الاجتماعيّة السائدة في المجتمع الجديد. فهو لا يحتاج فقط إلى كفاءة لغويّة بل عليه أن يعرف متى يقول عبارة معيّنة تلائم الموقف، و كيف يقولها. فإذا استطاع تحصيل الكفاءة اللغويّة وحدها دون معرفة أساسيّات الكفاءة الاتصاليّة الاجتماعيّة  قد يؤدّي ما يقوله إلى سوء فهم أو إحراج. كما أنّ عدم فهم الإشارات او العلامات المرتبطة بالثّقافة الاجتماعيّة تسبّب للمهاجر شعورا عميقًا بالغربة.                                                                                                فالكفاية الاتصاليّة تمثّل للمهاجر شريان حياة لأنّها دليل على اندماجه في المجتمع الجديد،  وذلك لأنّ  معرفة المهاجر الإشارات الثقافيّة تسهّل عليه الاندماج سواء في سوق العمل أو في العلاقات المجتمعيّة، فهي تجنبّه سوء الفهم وما ينتج عنه من تبعات، كما أنّ إتقان التواصل يساعده على تخطّي أي حالة نفسيّة ناتجة عن الشعور بالغربة. فإذا أتقن المهاجر القدرة اللغويّة الاجتماعيّة، و فهم السياق الاجتماعيّ الذي تستخدم فيه اللغة وأدوار الخطاب وأطرافه استطاع حينها أن يوظّف استراتيجيّات لغويّة وغير لغويّة لتعويض نقص ما في القواعد النحويّة أو المعجميّة.

أخيرًا، يمكن القول، إنّ هذا المبحث سلّط الضوء على أهميّة المسافة اللغويّة، فهي عنصر بارز من عناصر التحدّي اللغويّة التي يواجهها المهاجر، كما أوضح مسألة التداخل اللغويّ الذي يؤدّي إلى أخطاء لغويّة ناتجة عن إسقاط قواعد اللغة الأمّ عند استخدام اللغة الهدف، الأمر الذي يؤدّي إلى تأخّر عمليّة اكتساب اللغة، إلّا إذا رافق الأخطاء التغذية الراجعة في محيط آمن. وعلى صعيد بيئة التعلم، تساعد البيئة الرقميّة المهاجر في تسريع عمليّة الاكتساب ولكن تبقى للكفاية الاتصاليّة للمهاجر أهميّة كبرى للانخراط في المجتمع وفهم السّياق الاجتماعيّ للغة.

 

الخاتمة

اللغة عند المهاجر ليست مجرّد وسيلة للتواصل، إنّما هي أداة للاندماج، لذلك يُعدّ اكتسابها أمرًا حيويًّا.

وإتقان اللغة الهدف شرط أساسيّ للحصول على فرصة عمل، والوصول إلى وظائف ذات رواتب أعلى. من جهة أخرى، يساعد فهم اللغة المحليّة على التنقّل في أنظمة الرعاية الصحيّة والتعليم والقانون، كما أنّها وسيلة ناجعة لفهم ثقافة المجتمع وبناء العلاقات الاجتماعيّة.

وعمليّة اكتساب اللغة الهدف رحلة معقّدة تتجاوز مجرد حفظ القواعد والمفردات، فهي تتطلّب تكيّفًا شاملًا يدمج بين الأبعاد النفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة. وقد توصّل البحث إلى استنتاجات عدّة:

  • تؤدّي المرشحات العاطفيّة إلى إبطاء عمليّة التعلّم. فالخوف من الخطأ والتعرّض للحرج الاجتماعيّ قد يعيق عمليّة التعلّم، إضافة إلى تعرّض المهاجر للصدمة الثقافيّة التي تشكّل محطة صعبة في حياته.
  • تقوم الدافعيّة بدور رئيس في تحفيز المهاجر على اكتساب اللغة ، خاصّة أنّ البحث عن فرص عمل لا يمكن أنْ يتمّ دون معرفة لغة البلد، كما أنّ الرغبة في الحصول على وظائف ذات أجور أعلى  تدفع المهاجرين نحو تحسين مهاراتهم اللغويّة. لكنّ الدافعيّة عند المهاجر لا تقتصر على الدافعيّة النفعيّة، فهي تتلازم مع الدافعيّة التكامليّة، فهو يعلم أنّ عليه الاندماج في المجتمع كي يؤمّن الاستمراريّة.
  • تسفر المسافة اللغويّة عن نوع من التّداخل اللغويّ. فالمهاجر يلجأ إلى اللّغة الأمّ عند التّعبير عن الغضب مثلا أو الفرح. كما أنّ ضعف القدرة اللغويّة تجعله يستعير مفردات وتراكيب من اللغة الأمّ ، إضافة إلى صعوبة نطق بعض الأصوات التي لا تستخدم في لغته الأولى.
  • أثبتت الدراسة أنّ البيئة الرقميّة عامل مساعد لتسريع عمليّة التعلّم إلا أنّها غير كافية، فالهدف ليس حفظ القواعد إنّما بناء قدرة اتصاليّة تمكّنه من التفاعل الاجتماعيّ، وإثبات ذاته في المواقف الحياتيّة والمهنيّة، لذا عليه تطوير الكفاءة الاتصاليّة و معرفة السّياقات اللغويّة المرتبطة بلغة المجتمع الجديد.

إنّ عمليّة اكتساب اللغة عند المهاجر لا تتوقّف عند حدود الكفاءة اللغويّة، فهي ليست مسارًا لغويًّا مجرّدًا، بل هي عمليّة ديناميكيّة تتداخل فيها الأبعاد النفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، ونجاح المهاجر في اكتساب اللغة مرتبط بمدى محافظته على توازنه النفسيّ ودافعيّته، و بطبيعة التّفاعلات الاجتماعيّة والقدرة على الاندماج في البيئة الحاضنة، فضلًا عن دور المجتمع المضيف في توفير بيئة سليمة للمهاجر تدعم استقراره النفسيّ والاجتماعيّ  .

 

 

 قائمة المراجع:                                                                                           

أ: المراجع باللغة العربيّة

  • براون،ه، دوغلاس.(1994).“أسس تعلّم اللغة وتعليمها.” ترجمة عبده الراجحي وعلي علي أحمد شعبان. دار النهضة العربية ، بيروت.
  • الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر.(1996). كتاب الحيوان. تحقيق عبد السلام هارون .دار الجيل، بيروت.
  • ابن جني، أبو الفتح عثمان.(1999). الخصائص. ط4. تحقيق محمد علي النجّار. الهيئة المصريّة العامة للكتاب.
  • الراجحي، عبده.(1995). علم اللغة التطبيقيّ. دار المعرفة الجامعية، الإسكندريّة.
  • سكينر ،لاري.(2009). “اكتساب اللغة الثانية – مقدّمة عامة“. ترجمة ماجد الحمد . جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية.
  • شمس الدين، جلال الدين.(2003).”علم اللغة النفسيّ مناهجه ونظريّاته وقضاياه“.مؤسّسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.
  • معتوق، أحمد محمد.(1996).الحصيلة اللغويّة (أهميّتها- مصادرها- وسائل تنميتها).سلسلة عالم المعرفة ، الكويت. العدد212.أغسطس.
  • موراي، إدوارد جوزيف.(1988) الدافعّية والانفعال. ط1،.ترجمة أحمد عبد العزيز سلامة. دار الشروق،                  القاهرة.

ب: المراجع باللغة الأجنبية

  • Baidoun, (2015). L’influence de la langue arabe sur le français des arabophones migrants .( Mémoire de Master 2(. Université de Rennes II, Département d’Études Arabes
  • Betts, A. (2010).”Survival Migration:  A New Protection Framework. Global Governance: A Review of Multilateralism and International Organizations.
  • Brown, (2007). Principles of language learning and teaching. First Edition, Pearson Education
  • Castles, (2018). An introduction to international migration studies. Amsterdam University Press.
  • Clarke, M. (1976). Second Language Acquisition as a Clash consciousness  Language    Learning    26(2). 269-293
  • CUQ, -P. (2003). Dictionnaire de didactique du francais, langue etrangere et seconde – CLE International-
  • DUBOIS, (2002). DICTIONNAIRE DE linguistique. Larousse-Bordas/VUEF
  • Giles,H,& Byrne, J.L (1982).An intergroup approach to second acquisition. Journal of multilingual and multicultural development,3.pp.17-40
  • Herrell, A. L., & Jordan, M. (2008.) 50 Strategies for Teaching English Language Learners. (3rd ed). Pearson.
  • Hymes, D.H. (1972). “On Communicative Competence“ In: J.B. Pride & J. Holmes (Eds). Selected Readings. ( pp. 269-293). Penguin Books
  • Krashen, S., & Terrell , T. (1983). The natural approach language acquisition in the classroom, Hayward, Calif.: Alemany Press
  • Renfrew, , & Trask, R.L (2000). Time depth in historical linguistics McDonald Institute for Archaeological research.
  • Richards, J.C., & Schmidt, R. (2010). Longman   Dictionary of Language Teaching and appllied Linguistics. (4th ). LONGMAN
  • Schumann, J.

(1986)    Research On The Acculturation Model For Second Language Acquisition. Article in Journal of Multilingual and Multicultural Development · January

(1978) The Optimal distance model of second language acquisition.   TESOL Quarterly

(1978) The Pidginization Process: A Model for Second Language acquisition   Rowley   Mass: Newbury House,

  • Skiba, R. (1997) Code switching as a countenance of Language interference. the Internet TESL Journal, 3(10).: http://www.aitech.ac.jp
  • Semowo, E. (2024) Bridging Worlds: Language Acquisition as a Means of Security and Cultural Preservation

 

 

 

 

المواقع الإلكترونيّة:

www.Dorar,net موسوعة اللغة العربيّة، المبحث الثاني.

spsp.org/news-center/character-context-blog *(9/1/2020 )

www.worldhistory.org

 

 

[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، قسم اللّغة العربية.

* Professeur Assistant à l’Université Libanaise, département de langue arabe.Email: rima_ahdab@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.