عنوان البحث: من الثورات الصناعيّة إلى عصر المعرفة
اسم الكاتب: د. نانسي الموسوي
تاريخ النشر: 2026/09/10
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 45
من الثورات الصناعيّة إلى عصر المعرفة
From the Industrial Revolutions to the Knowledge Age
Dr.Nancy Moussawi د. نانسي الموسوي)[1](
شهدت البشرية على مرّ العصور تحوّلات كبيرة ساهمت في تغيير الحياة على الأرض، فمع اكتشافات الإنسان الأولى أخذت الثورات الصناعيّة في صياغة هذه التحوّلات، وكانت البداية مع الثورة الصناعيّة الأولى في أواخر القرن الثامن عشر ومنتصف التاسع عشر، من خلال اختراع المحرّك البخاري الآلي، وغيره من الانجازات التقنيّة التي سمحت بأنّ يحلّ الإنتاج الآلي مكان اليدوي الذي كان سائدًا في الحقبة الزراعيّة والإقطاعيّة، فتطوّرت الصناعات على مختلف أنواعها. ولم تلبث في أواخر القرن نفسه وبدايات القرن العشرين أن انتقلت البشريّة إلى الثورة الصناعيّة الثانية التي تميّزت باكتشاف الكهرباء والاتصالات ونموّ في الصناعات الكيميائيّة، وتلت هذه المرحلة، أخرى أكثر تقدّمًا مع الثورة الرّقميّة التي طبعت الجيل الثالث من الثورة الصناعيّة، ففي منتصف القرن العشرين كانت الحواسيب والبرمجيات والروبوتات وغيرها من الوسائل التكنولوجيّة، أضف إلى بداية الإنترنت الذي سمح بعولمة الكرة الأرضيّة. ولم تتوقّف العجلة، وتوالت الثورات التكنولوجيّة والعلميّة فكان الجيل الرابع من الثورة الصناعيّة في التكنولوجيا والإنترنت والذّكاء الاصطناعي وغيرها من المظاهر (البيانات الضخمة، الطباعة الثلاثيّة الأبعاد، حلول الروبوت محل الإنسان، الخ).
هذا التقدّم والتطوّر والذي تجلّى في الطفرة التكنولوجية وما رافقها من انتشار للأجهزة الحاسوبيّة واللوائح، والتطبيقات الذّكيّة ساهم في بروز مفهوم “اقتصاد المعرفة” أو “مجتمع المعرفة”. فإلاقتصاد القائم على المعرفة يولي أهمّيّة كبيرة للعلاقة بين المعلومات والمعرفة وكيفيّة استخدامهما كمحدّدات لنجاح الاقتصاد الوطني لأيّ بلد، وهو يشير إلى الاقتصاد الذي تقوم فيه التنمية والإنتاج على المعرفة والمعلومات والابتكار، بدلًا من التركيز فقط على الموارد التقليدية (العمل والأرض ورأس المال والتنظيم)، لذا فإنّ الموارد البشريّة المؤهّلة والتي تمتلك مهارات متقدّمة هي أكثر الأصول قيمة في اقتصاد المعرفة.
ووفق تقرير البنك الدولي([2])، يقوم اقتصاد المعرفة على أربعة أعمدة رئيسة:
- نظام اقتصادي قادر على الاستخدام الفاعل للمعلومات/ المعارف واستثمارها في الاقتصاد.
- التعليم والمهارات، لدورهما في بناء المعرفة وتبادلها.
- بنية مؤسّساتية تحفّز الابتكار.
- بنية تحتية معلوماتية وتواصلية.
ما يهمنا التركيز عليه هو النقطة ما قبل الأخيرة الخاصّة بتحفيز الابتكار، إذ تندرج مراكز الأبحاث والجامعات كإحدى عناصر هذا النظام المهمّة، من هنا تتجلّى أهمّيّة البحث العلمي في اقتصاد المجتمعات وتنميتها. ففي قلب اقتصاد المعرفة يحضر البحث العلمي بوصفه الأداة التي تنتج المعرفة، وتعمل على تطويرها وتحويلها إلى تطبيقات، واستثمارات تكنولوجيّة وصحّية وتربويّة واقتصاديّة. وتجدر الإشارة إلى أنّنا قد دخلنا فعليًا في خضم الثورة الصناعية الخامسة 5.0 التي تنحو نحو تكريس التعاون بين الإنسان والآلة، وجعل القيم الأخلاقيّة هي الحاكمة للذكاء الاصطناعي، وتركّز على الاستدامة في الموارد البشريّة والماديّة. وتنحو الثورة الصناعيّة الخامسة نحو إعادة بلورة العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان، فتتوقّف الآلة عن كونها بديلًا للإنسان، بل تصبح وسيلة وأداة في تحسين جودة الحياة، وسبيل لتعزيز الابتكار والإبداع والاقتصاد الإنساني المستدام.
فالعلاقة وثيقة بين البحث العلمي كسمة أساسيّة لمجتمع المعرفة والثورة الصناعيّة الحالية، فما يميّز الإثنان هو قيامهما على رافعة البحث العلمي والمعرفة والابتكار، وهو بذلك يمثّل تجسيدًا متقدّمًا لاقتصاد المعرفة، إذ ينقل المجتمع من مجرد إنتاج المعرفة إلى استخدامها في بناء عالم أكثر توازنًا بين الأبعاد التقنية -الرّقميّة والقيم الإنسانيّة. فالاستثمار في الانتاج المعرفي إذًا لم يعد خيارًا بل أصبح ضرورة لبقاء المجتمعات أضف إلى تطوّرها.
لقد نجحت العديد من البلدان الغربيّة في الانتقال من اقتصاد صناعي تقليدي إلى اقتصاد معرفي، بفضل الاستثمار الكبير في البحث العلمي كركيزة للنموّ. في المقابل هناك جهود تبذل من بعض الدول العربية كالإمارات العربيّة المتحدة والمملكة العربيّة السّعودية نحو التحوّل المعرفي عبر تطبيق “رؤية 2030” وتمويل المشاريع الابتكاريّة، إلّا أنّ أغلب هذه الدّول ما تزال بعيدة عن ذلك. وفي سياق العمل على رصد مدى تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتشجيع الابتكار، قدّمت الإحصاءات([3]) معلومات حول الإنفاق على البحث والتّطوير نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول، فكان للكيان الصهيوني النسبة الأعلى 5.44 %، تلته كوريا الجنوبيّة بنسبة 4.8%، فالولايات المتحدة بـ 3.45 % واليابان 3.26 % وغيرها من الدّول التي تراوحت نسبها بين 2.44 و2.15%، لتصل إلى ما دون 0.5 % في الدّول العربيّة، باستثناء الإمارات (1.5%)، وفي المملكة العربية السعودية والمغرب وتونس ومصر تراوحت النسب بين 0.6 وواحد بالمئة، ولا يوجد بيانات رسمية دقيقة خاصّة ببعض الدول ومنها لبنان للأسف الشديد. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المعطيات تنعكس بالطبع على أعداد الباحثين نسبة للسكان من جهة، ونموّ الإنتاج البحثي من جهة ثانية. وعلى قاعدة الارتباط الوثيق بين المعرفة والنموّ والتطوّر، فمن البديهي القول بأنّ الدول التي تستثمر في البحث العلمي تعمل على توفير بيئة مساعدة ومحفّزة على الابتكار، ما ينعكس على جودة المنتجات والخدمات، ويدعم القدرة التنافسية الاقتصادية والعلمية في مختلف الميادين، فالدول الأكثر استثمارًا في البحث العلمي هي نفسها الأكثر تقدّمًا اقتصاديًا وفي مختلف المجالات.
فالحاجة إذًا ملحة لتعزيز الأبحاث العلميّة كونها الرافعة لكل مظاهر التطوّر، إذ من خلالها تُوفَّر الأطر النّظريّة والمنّهجيّة لمسارات التطوير والتقدّم في كل مجالات العلوم من دون استثناء. وهذا يتطلّب وضع سياسات تتيح الاستفادة من نتائج البحوث في معالجة قضايا المجتمع بعيدًا من كونها مجرّد ترف فكري أو للحصول على ترقية أكاديميّة أو غيرها، ويستلزم أيضًا توفير التّمويل اللازم لتأمين المستلزمات والبنى التحتية وإمكانيّة الوصول إلى قواعد البيانات وغيرها من الموارد المادية التي تساعد الباحثين على عملية إنتاج المعرفة، وسبل استثمارها وتبادلها مع الآخرين محليًا ودوليًا تجنّبًا للتكرار وتشتيت الجهود، وللمحافظة على السمعة الأكاديمية والمكانة المرموقة. نشير ختامًا أنّه بالرغم من الكثير من المشاكل في لبنان والتي تحول من دون تبوّئه “درجة ما” في سلّم التصنيفات عربيًا وعالميًا على المستوى البحثي والعبور إلى مجتمع المعرفة، إلّا أنّ عقول أبنائه ومهاراتهم وكفاءاتهم تعتبر أحد أهمّ العوامل الفاعلة في هذا المجال، فهم بالرغم من كل الأزمات ما زالوا حريصين على الإنتاج والتميّز. لذا، كان العدد الحالي من مجلة أوراق ثقافية مع مجموعة من الأبحاث العلمية القيّمة علّها تكون عونًا لكل الباحثين عن المعرفة والتائقين للتزوّد وإكمال الطريق.
– أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة بيروت – لبنان – كلّية التربية – وأستاذ محكم في المجلة. [1]
Lecturer at the Lebanese University, Beirut, Lebanon, Faculty of Education, and a reviewer for the journal.Email: nancy.moussawi@ul.edu.lb
[2] -World Bank. (2013). Transforming Arab countries economies
[3]www.reddit.com/r/Dhaka/comments/1jgyr1x/budgetexpenditure_of_different_countries_on/?utm_source UNESCO (UIS), 2018, 2022 www.theglobaleconomy.com/rankings/reseach_and_developement