المتخرّجون من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان واحتياجات سوق العمل كمًّا ونوعًا

0

المتخرّجون من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان واحتياجات سوق العمل كمًّا ونوعًا

راشد عبد العزيز الحاج علي([1])/ محمَّد رضا رمَّال)[2](

ملخص البحث

يهدف هذا البحث إلى التحقُّق من مدى تلبية قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان لاحتياجات سوق العمل من اليد العاملة المتخصِّصة والماهرة في ظلِّ التّطوُّر المعرفيّ والصّناعي والتّكنولوجيّ، ومن مدى رضا أرباب سوق العمل عن المواصفات الفنِّية والشّخصيَّة الّتي يمتلكها المتخرِّجون. وقد اخترنا متخرجي اختصاص ميكانيك السّيارات على مستوى شهادة الامتياز الفنيّ TS، والعاملين منهم في سوق العمل ليكونوا عينية البحث، بالإضافة إلى أرباب سوق العمل ضمن هذا الاختصاص أي المسؤولين الفنّيين في الشركة والمشرفين على مراكز التصليح والصيانة فيها. وقد اعتمد البحث المنهج الوصفي التَّحليلي، وتمَّ تطبيق استبيان موجَّه للمتخرجين، كما تمَّ إجراء مقابلات مع أرباب سوق العمل حول مدى تلبية قطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان لاحتياجاتهم العدديَّة والنوعيَّة من التِّقْنيين المتخصِّصين والمَهَرة في مجال صيانة السّيارات وإصلاحها. وتوصَّل البحث إلى أنَّ الوافدين من التّعليم المهْني والتِّقْني، من وجهة نظر أرباب سوق العمل، لا يلبُّون احتياجات السّوق في هذا الاختصاص، وأنَّ معظم المتخرِّجين، بحسب رأيهم، قد وجدوا صعوبة في الإندماج بالعمل بسبب الفارق الكبير بين ما تعلَّموه وبين ما وجدوه على أرض الواقع من تقْنيات وأجهزة خاصَّة بصيانة السّيارات وإصلاحها لم يكونوا قد تعلَّموا عليها في التّعليم المهْني والتِّقْني قبل تخرّجهم.

الكلمات المفتاحيّة: التّعليم المهْني والتِّقْني – شهادة الإمتياز الفنّي – أرباب سوق العمل – التِّقْنيات الحديثة – صناعة السّيارات – المؤسّسة الوطنيّة للإستخدام – المصلحة الفنيّة في مديرية التعليم المهني والتقني.

  • مقدّمة

يُعَدُّ قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني هو الأقرب إلى سوق العمل من باقي قطاعات التّعليم، فهو يرفد الكثير من المجالات الصِّناعيَّة والسياحيَّة والفنِّية باليد العاملة الماهرة والمتخصِّصة والمُجازة فنيًّا ومهنيًّا، وعليه يجب أن يتمتَّع متخرّجو هذا القطاع بالمعارف والمهارات والخبرات الّتي يحتاجها هذا السوق، كما يجب أن يراعى التّوازن في عدد المتخرّجين في كلِّ إختصاص حتى لا تحصل “تُخمة” في أعدادهم في إختصاصٍ ما ونُدرة في أعدادهم في الاختصاصات الأخرى.

لقد أوجدت الدول حلولًا لتجنُّب وقوع سوق العمل في مأزق عدم توافر اليد العاملة أو تضخُّم عديدها بأن اعتمدت التخطيط المركزي على مستوى الدولة والتنسيق بين القطاعات التي تشكل سوق العمل والقطاعات التّعليميّة وتحديدًا المهْنية. وفي لبنان أُوجدت مؤسَّسات وجهات رسميَّة كـ”المؤسَّسة الوطنيَّة للاستخدام” التّابعة لوزارة العمل، و”المصلحة الفنِّية” في مديريّة التّعليم المهْني والتِّقْني التَّابعة لوزارة التّربية والتّعليم العالي، والتي يقوم دورها على مراقبة احتياجات سوق العمل ودراسة واقعه وتطوُّره من أجل اتِّخاذ القرارات المناسبة بشأن فتْح اختصاصات وتجميد أخرى، بالإضافة إلى توجيه الوافدين إلى التّعليم المهْني والتِّقْني نحو الاختصاصات الّتي يحتاجها السوق، حتى لا يصبحوا عاطلين من العمل بعد تخرُّجهم، ولا يحصل خلل في سوق العمل بسبب فقدان اليد الماهرة والمتخصِّصة في بعض المهن، وكثرة العرض على غيرها من التخصُّصات. أثناء عملنا في التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان في مرحلة الإمتياز الفنّي (TS) ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات، لاحظنا تضاؤل أعداد الوافدين إلى هذا الإختصاص بشكل عام، وإلى مسار الإمتياز الفنّي TS بشكلٍ خاص، إذْ تُعدُّ هذه الشهادة من أبرز المستويات التِّقْنية الّتي يحتاجها سوق العمل، إن لجهة الفئة العمريّة للمتخرّجين أو لجهة مستوى المعارف والمهارات الّتي تتضمَّنها هذه الشهادة. كما لاحظنا بالمقابل ارتفاع نسبة الطَّلب على السّيارات من جهة، إذ يوجد في لبنان ما يقارب 3 مليون و700 ألف سيارة مسجَّلة في مصلحة تسجيل السّيارات في وزارة الدذاخلية اللبنانيَّة (وزارة الداخلية، 2019)، وسرعة تطوُّر صناعة السّيارات من جهة أخرى، وتعقيد الأنظمة العاملة فيها حيث تمَّ إدخال تقْنيَّات الإتصالات والمعلوماتيَّة والإلكترونيك إلى جميع أنظمة التحكُّم في السيارة، وأصبح تقنيُّ السّيارات يحتاج في عمله إلى أدوات وأجهزة كالـ”سكانر” (Scanner)، على سبيل المثال وليس الحصر، وقراءة “برامج الخدمة” (Service Data)، وغيرها من المعارف والمهارات التي يصعب تعلُّمها عبر تقْنية التقليد السائدة والمتَّبعة منذ زمن، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم، لإكساب العاملين في الورش مهارة صيانة السّيارات وإصلاحها.

  • إشكاليّة الدّراسة

تحت عنوان “العوامل الّتي تُبقي الشّباب اللبناني عاطلًا من العمل”، نشرت مجلَّة “Executive” تقريرًا إستعرضت فيه الأسباب الثلاثة الكامنة وراء بطالة الشّباب اللبناني، وذلك استنادًا إلى دراسة قامت بها منظمة “ميرسي كور” في العام 2018. وتوصَّلت الدّراسة إلى أنَّ “الشّباب العاطلين من العمل في لبنان (لبنانيُّون وجنسيات أخرى) يدرسون اختصاصات لا تتماشى مع احتياجات سوق العمل، كما بيَّنت الدِّراسة أنَّ سوق العمل بحاجة إلى كهربائيِّين ومكانيكيين، في حين يختار الشّباب دراسة المحاسبة أو التسويق مثلًا” ((lebanon24, 2019. توصَّلت دراسة لاحتياجات سوق العمل اللبناني، نشرتها جريدة الأخبار اللبنانية، إلى “أنَّ سوق العمل في لبنان يحتاج إلى عمَّال متخصِّصين في فنون الطهو، والنّجارة، والتدفئة والتبريد، وميكانيك وكهرباء السّيارات، وميكانيك صناعي وغيرها من المهن التِّقْنية والفنِّية، إلَّا أنَّ النظرة الدُّونية للتَّعليم المهْني والتِّقْني، التي يغذِّيها الاقتصاد الرّيعي والثقافة السائدة، لا تزال تشكِّل عائقًا أمام اندماج الشّباب في سوق العمل، ما يحوِّلهم إلى عاطلين من العمل أو مهاجرين. وتوصَّلت الدراسة أيضًا إلى أنَّ متطلبات سوق العمل في لبنان لا تتناسب مع مُخرجات النّظام التّعليمي، ما يؤدي إلى البطالة” (الشوفي، 2016، ص 8). وبحسب منظمة العمل الدولية فإن من الأسباب التي تقف وراء ذلك أنَّه ليس لـدى لبنـان نظام معلومـات عـن سـوق العمـل، ولا يتـم جمْـع بيانـات عـن هذا السـوق بشـكل منهجـي، وهذا لا يقتصر على دولة بعينها بل أنَّ هناك ثغـرات خطيرة في البيانـات المتعلقة بسوق العمل على الصعيديـن الوطنـي والإقليمـي لـكلٍّ مـن جانبَـي العـرض والطّلـب (منظّمة العمل الدوليّة، 2015، ص1).

إنَّ هذا الواقع يدفع إلى طرْح السؤال حول غياب التخطيط المركزي بالنسبة إلى حاجات سوق العمل، وحول  دور المؤسَّسات الرَّسمية التي تمَّ إنشاؤها لتشخيص هذه الحاجات ودراستها، عنينا بهذه المؤسَّسات: المؤسَّسة الوطنيَّة للاستخدام (المنشأة بموجب المرسوم 80/1977) الّتي ترتبط بوزارة العمل “وتتولَّى رسْم سياسة الاستخدام في لبنان وتنفيذها بصورة عامَّة، كما تتولَّى بصورة خاصَّة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مهمَّة المساهمة في تحسين تنظيم سوق العمل، والقيام بالدِّراسات والأبحاث الرامية إلى تحديد السياسة العامَّة للاستخدام” (الصفحة الرّسمية لوزير التنمية الإدارية، 2019)، “كما تقع عليها مهام التدريب المهني على المهن المطلوبة في سوق العمل” (حمية، 23 آذار 2019). وكذلك “المصلحة الفنِّية” في المديرية العامَّة للتّعليم المهْني والتِّقْني التّابعة لوزارة التربية والتّعليم العالي في لبنان “المنوط بها إقامة الدِّراسات التي تساهم في تحديد أهداف التّعليم المهْني والتِّقْني في مختلف المراحل، وتحرِّي حاجات البلاد إلى فنِّيين من الناحيتَين العدديَّة والنوعيَّة” (قبيسي، 2012، ص 229). حيث تنص المادَّة (4) من قانون تنظيم مديرية التعليم المهني والتّقنيّ على أنَّ دائرة التّصميم التّابعة لهذه المصلحة الفنیّة تتولى عددًا من المھام، ومنها: توفیر عناصر الدّرس لتحدید حاجات البلاد إلى فنیین من النّاحیتین العددیّة والنّوعیّة واقتراح المشاریع الآیلة الى سدّ ھذه الحاجات، وتأمین الارتباط بین المدیریة ومختلف المراجع التي لھا علاقة بالتّعلیم المھنيّ والتّقنيّ. ففي تقرير للبنك الدّولي أعلن أنَّ معدَّل البطالة في لبنان بلغ في العام 2018 نسبة 25٪، وتجاوزت النسبة 36٪ في صفوف الشباب، مشيرًا إلى أنَّ 23 ألف شخص يدخلون سوق العمل اللبناني سنويًا، فيما يحتاج الاقتصاد لاستيعابهم إلى إيجاد أكثر من 6 أضعاف عدد الوظائف الموجودة أساسًا (الأشقر، 3 آذار 2019). وتذهب تقديرات البنك الدولي إلى “أنَّ ما بين 250 و 300 ألف مواطن لبناني، معظمهم من الشّباب عديمي المهارات، قد أصبحوا في عداد العاطلين عن العمل” (البنك الدولي، 2017).

وتتوافق أرقام بعض المؤسَّسات المحلِّية مع تقديرات “البنك الدولي”، على غرار دراسة صادرة عن جمعية “مبادرات وقرارات”، التي أعلنت فيها أنَّ البطالة بلغت 36٪، وأنَّ هناك 660 ألف لبناني عاطل من العمل، إضافة إلى 800 ألف سيدة ربة منزل من حاملي الشهادات من دون عمل (الأشقر، 3 آذار 2019).

ودلَّت دراسة أجرتها “الدولية للمعلومات” على أنَّ نحو 35 ألف شاب لبناني غادروا لبنان للعمل والعيش في الخارج العام 2018، متوقعة أن يصل عدد المهاجرين الذين تقلُّ أعمارهم عن 40 سنة إلى 56 ألفًا بحلول نهاية العام 2019. أمَّا أرقام مؤسَّسة “لابورا” للتوظيفات فكانت مرتفعة جدًا، حيث قالت إنَّ البطالة في صفوف الشّباب الذين تتراوح أعمارهم بين 23 و26 عامًا وصلت إلى 60٪. وبالطبع فإنَّ هذه الأرقام قد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العامي 2019 و2020 بسبب الانهيار المالي والاقتصادي الذي يمرُّ به البلد ولا يزال. يُعيد الخبراء في مجال الاقتصاد أسباب ارتفاع معدَّلات البطالة إلى جُملة عوامل، أبرزها تراجُع الاستثمارات في المشاريع، غياب سياسات حكومية واضحة لسوق العمل، الفارق الشاسع بين متطلبات سوق العمل وبرامج إعداد الكادرات المهْنية والتِّقْنية في الجامعات، تتابُع الأزمات السياسية، أزمة النزوح السوري والمنافسة الشرسة من قبل اليد العاملة السورية، إضافة إلى الأزمة المالية العالمية التي أدَّت إلى صرْف لبنانيين عاملين في دول خليجية وأوروبية ودول شمال أفريقيا بغياب خُطَط حكومية لاستيعابهم. هذه الأزمة الاقتصادية دفعت بـ 2200 شركة ومؤسَّسة لبنانية لإقفال أبوابها وتسريح العاملين فيها بحسب الرقم الذي أعلنته الهيئات الاقتصادية العام 2018. وما يهمُّنا من هذه الأسباب ما يتعلق بغياب السياسات الحكومية الواضحة لسوق العمل والفارق الكبير بين متطلبات سوق العمل وبرامج إعداد المهْنيين في المعاهد والكليات المهْنية.

على الصعيد الحكوميّ، تعدُّ الحكومة نفسها أنَّها أنجزت ما عليها، من خلال خطَّة قدَّمتها إلى مؤتمر سيدر، تقضي بتمويل مشروعات توفِّر 900 ألف فرصة عمل من خلال برنامج الحكومة لتأهيل البنية التحية، وهو رقمٌ شكَّك به عدد من الاقتصاديين، إضافة إلى مخطَّطها القاضي بإزالة المؤسَّسات الاقتصادية التي أقامها السوريون وشكَّلت منافسة غير شرعية. أمَّا المؤسَّسة الوطنية للاستخدام التي أنشأتها الحكومة العام 1977 فتبدو غائبة عن المشهد برمَّته.

أمَّا على الصعيد التشريعي فاقتصر النشاط على تحرُّك لجنة العمل النيابية من خلال التعاون مع وزارة العمل والمؤسَّسة الوطنية للاستخدام، “بحيث سنقوم بتنظيم ورش عمل ولقاءات مع المؤسَّسات المعنية على مدى عام كامل، بهدف الوصول إلى نتائج تحفِّز الشركات على توظيف الشباب” (الأشقر، 3 آذار 2019)، على ما قاله رئيس لجنة العمل النيابية.

أمام هذا الواقع، يبقى السؤال: ما مدى تلبية قطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان لاحتياجات سوق العمل باليد العاملة المتخصِّصة والماهرة في ظلِّ التطوُّر المعرفي والصناعي والتكنولوجي؟ وهل أرباب سوق العمل راضون عن المواصفات الفنِّية والشخصيَّة الّتي يمتلكها المتخرِّجون؟ وهل تقوم المؤسَّسات الرسميَّة بالتواصل مع القيِّمين على هذا السوق لمعرفة احتياجاته الحقيقيَّة كمًّا ونوعًا بغية توجيه طلاب القطاع المهْني نحو التخصُّصات الّتي يحتاجها السوق؟ وهل يَعَدُّ المتخرِّجون من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني بأنَّهم اندمجوا بسهولة مع بيئة العمل بعد تخرُّجهم وكانت المهارات الّتي يمتلكونها تؤهِّلهم لذلك؟ لذا فإنَّ إشكاليَّة البحث تقوم على محاولة الإجابة على السؤال المركزي التالي: إلى أيِّ مدى يلبِّي المتخرِّجون من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان احتياجات سوق العمل اللبناني من الناحيتَين الكمِّية والنَّوعية؟

  • تساؤلات البحث

وبموازاة هذه الإشكاليَّة تُطرح بعض التساؤلات الّتي سيعمل البحث للإجابة عليها، وهي:

  • هل أرباب سوق العمل راضين عن المستوى الفنِّي للمتخرِّجين من قطاع التَّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان؟
  • هل يلبِّي قطاع التَّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنَّوعيّة؟
  • هل تقوم المؤسَّسات الرَّسميَّة بالتنسيق مع أرباب سوق العمل لمعرفة احتياجاتهم؟
  • هل واجهت المتخرِّجين عقبات فنِّية وتقْنيَّة أعاقت سرعة الاندماج ببيئة العمل؟
  • هل ينصح المتخرِّجون من قطاع التَّعليم المهْني والتِّقْني الشّباب الّذين يريدون دخول سوق العمل بالحصول على شهادة الإمتياز الفنِّي TS قبل ذلك؟
  • فرْضيَّات البحث
    • إنَّ المتخرِّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني لا يلبُّون احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنَّوعيَّة (من وجهة نظر أرباب سوق العمل).
    • هناك فروقات في المواصفات الفنِّية والشَّخصيَّة تميِّز المتخرِّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني عن العاملين في السوق من غير المتخرِّجين من هذا القطاع (من وجهة نظر أرباب سوق العمل).
    • تؤثِّر درجة التنسيق بين الجهات الرَّسميَّة المعنيَّة بقطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان وبين أرباب سوق العمل حول مدى تلبية حاجات السوق من المتخرجين (من وجهة نظر أرباب سوق العمل).
    • هناك علاقة بين درجة اندماج المتخرِّجين من التعليم المهْني والتِّقْني ببيئة العمل وتعلُّمهم بعض التِّقْنيات الحديثة والمهارات الّتي يحتاجها السوق (من وجهة المتخرِّجين وأرباب سوق العمل).

5-      منهجيّة البحث وأدواتها

اعتمدنا في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي الّذي “يقوم على جمْع الحقائق والبيانات حول ظاهرة معيَّنة مع محاولة لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا كافيًا” (عبد العزيز، 2010، ص 160)، وسنعمد في تطبيق هذا المنهج إلى اعتماد تقنيَّتين، وذلك على الشكل الآتي:

  • استمارة موجَّهة إلى المتخرِّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني من حَمَلة شهادة الامتياز الفنّي (TS) ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات، والعاملين في مجال صيانة السّيارات وإصلاحها في سوق العمل الّلبناني. تهدف هذه الاستمارة إلى معرفة رأي المتخرِّجين بمستوى معارفهم ومهاراتهم عند التخرُّج، مقارنةً مع احتياجات السوق عندما دخلوه، وما إذا كان هناك فروقات بين ما تعلّموه وبين ما وجدوه في بيئة العمل.
  • مقابلات مع ممثَّلين لسوق العمل الّذين يستقبلون متخرِّجي اختصاص ميكانيك السّيارات من شهادة الامتياز الفنِّي (TS)، لاستطلاع آرائهم حول المستوى العلمي والمهاراتي للمتخرِّجين، ومدى إلمام المتخرّجين بالتِّقْنيات الحديثة الّتي تُسْتعمل في صيانة السّيارات وإصلاحها، وعن مدى تلبية قطاع التعليم المهْني والتِّقْني لاحتياجات سوق العمل من اليد العاملة الماهرة والمتخصِّصة.
  • مجتمع البحث والعينيّة
    • يتكوَّن مجتمع البحث من:
      • المتخرِّجين من شهادة الامتياز الفنِّي (TS) اختصاص ميكانيك السّيارات العاملين ضمن الإختصاص نفسه في سوق العمل.
      • أرباب العمل في شركات السّيارات العاملين في مجال صيانة السّيارات وإصلاحها، وهم الجهة الّتي تستقبل المتخرِّجين من هذا الاختصاص.
    • عينيّة البحث
      • عينيَّة عشوائيَّة من المتخرِّجين من شهادة الامتياز اختصاص ميكانيك السّيارات الّذين يعملون في الشّركات المشمولة بالدراسة، وبلغ عددهم 40 فنيًّا.
      • عينيَّة قصْديَّة من عدد من ورش صيانة السّيارات وتصليحها، وهي تعود لشركات السّيارات المعروفة في السوق اللبناني والعالمي، وهي:

Mercedes, BMW, Ford, Jeep, Peugeot, Honda, Toyota, Land Rover, Volvo, Renault, Nissan, Lada, Infinity, GMC, Chevrolet, Audi, Rang Rover, Kia, Opel, and Hundyai.

  • وصْف مجتمع البحث وعينيَّته

بالنسبة إلى أرباب سوق العمل، فإنَّنا لم نقع على أيِّ إحصاءات حول المؤسَّسات أو الورش العاملة في مجال ميكانيك السّيارات، ولا توجد نقابة لأصحاب هذه المؤسَّسات والورش يمكن العودة إليها بحيث كان من المفترض أن تفيدنا بمعلومات حول الموضوع، لذلك سوف نتناول هذه الورش انطلاقًا من خبرتنا في هذا المجال.

وبحسب المعطيات المتوافرة من أرض الواقع، فإنَّ هناك ثلاثة أنواع من ورش ميكانيك السّيارات في لبنان، الورش الصغيرة التي يعمل فيها صاحب الورشة بالإضافة إلى عامل مساعد معه أو اثنين على الأكثر، وهي في معظمها تعود لمَن يكتسبون المهنة عن طريق التّقليد، أو يتوارثونها عن آبائهم. ومعظم أصحاب هذه الورش لم يتعلَّموا المهنة عن طريق المدارس أو المعاهد المهْنية، وهم لا يستعملون في وُرشهم أيًّا من الأجهزة الحديثة الّتي تتطلَّب مهارات خاصَّة، ولا يُتقنون اللغة الإنكليزيَّة، والقِلَّة منهم من متخرِّجي المعاهد المهْنية، أو ممَّن خضَع لدورات تأهيليَّة خاصَّة في مجال عمله، وقد نجد عندهم بعض أجهزة فحْص السّيارات الصغيرة غير المُكلفة والتي لا تحتاج إلى مساحة كبيرة في مكان الورشة، كـ”جهاز فحْص غازات العادم” على سبيل المثال. الورش المتوسّطة الّتي يعمل فيها صاحب الورشة ومجموعة من المساعدين يتراوح عددهم من الثلاثة إلى العشرة، بحسب حجم الورشة وطبيعة الخدمات الّتي تقدِّمها، ويكون أصحاب هذه الورش غالبًا من متخرِّجي المعاهد الفنِّية أو ممَّن خضعوا لدورات خاصَّة حول التِّقْنيات الحديثة وطُرق استعمال الأجهزة المتطوِّرة، وذلك أثناء عملهم في الورش الكبيرة (النوع الثالث) قبل أن يستقلُّوا عنها ويُنشئوا وُرشهم الخاصَّة.

الورش الكبيرة التابعة لشركات بيْع السّيارات، وهذه الورش يكون لها هيكليَّتها الإداريَّة ضمن الشركة، فالمشرف على ورشة العمل يجب أن يكون مهندسًا في اختصاص ميكانيك السّيارات، أو من حَمَلة الإجازة الفنِّية أو الإمتياز الفنِّي مع خبرة طويلة ومشاركة في دورات خارج لبنان تنظِّمها الشركة. أمَّا العاملون الأساسيُّون الّذين يباشرون العمل في تصليح السّيارات فيجب أن يكونوا من متخرِّجي المعاهد الفنِّية، أو الذين خضعوا لدورات خاصَّة بعملهم أجرتها الشركة.

إنَّ متخرِّجي شهادة الامتياز الفنِّي عادةً لا يقصدون النوعَين الأوَّل والثّاني من الورش بعد تخرُّجهم، فمنهم مَن يُنشئ ورشته الخاصَّة، إذا توافرت لديه المقدرة المادِّية والخبرة العمليَّة. وهم في أغلب الأحيان يقصدون النوع الثالث من الورش لأنَّها تؤمِّن لهم “الأمان الوظيفي” من جهة، وتتيح لهم من جهة أخرى العمل على الأجهزة المتطوِّرة واتِّباع التِّقْنيات الحديثة، وتطوير قدراتهم عن طريق التدريب المستمر عبْر الدورات الّتي تجريها الشركة داخل لبنان وخارجه.

كان من البديهي لنا أن نحصر مقابلاتنا الميدانيَّة بالنوع الثالث من أرباب سوق العمل، فقمنا بإجراء تسع مقابلات مع المسؤولين الفنِّيين في إدارات الشركات التي مثَّلت عشرين ماركة من ماركات السّيارات الّتي ذكرناها سابقًا، مع الإشارة إلى أنَّ هناك بعض الشركات لديها وكالات لأكثر من ماركة سيَّارات، لذلك بلغ عدد المقابلات تسعة وهي تغطي أرباب عمل يمثلون عشرين ماركة. تجدر الإشارة إلى أنَّ نسبة العاملين في سوق العمل ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات من حملة شهادة الامتياز الفنّي هي 12.86٪ من مجموع العاملين الفنِّيين في الورش التِّسع التّي قصدناها (40 عاملًا فنِّيًا من أصل 311 يمثلون مجموع العاملين الفنِّيين في هذه الشركات)، مع الأخذ بالحسبان أنَّنا لم نستهدف بدراستنا سوى النوع الثالث من ورش صيانة السّيارات وإصلاحها، ونعتقد بأنَّنا لو أدخلنا النوعَين الآخرين من الورش، وهما الأكثر إنتشارًا في لبنان، لتدنَّت النسبة بشكل كبير، وعليه نعدُّ أنَّ هذه النسبة قليلة جدًّا ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات في لبنان، حيث يوجد ما يقارب 3 مليون و700 ألف سيّارة مسجَّلة في مصلحة تسجيل السّيارات في وزارة الداخليّة اللبنانيّة (سجلات مصلحة تسجيل السّيارات، 2019)، كما ذكرنا سابقًا.

  • عرْض نتائج البحث وتحليلها
    • النتائج المتعلّقة بإستمارة المتخرِّجين

بعد تطبيق الأدوات واستخلاص النتائج تبيَّن ما يلي:

  • 100٪ من المتخرِّجين ينصحون الراغبين في تعلُّم مهنة ميكانيك السّيارات بالحصول على شهادة الامتياز الفنِّي في هذا الاختصاص قبل دخولهم سوق العمل.
  • 100٪ من المتخرِّجين عدُّوا أنَّ شهادة الامتياز الفنِّي ساعدتهم في الحصول على العمل ضمن اختصاصهم في الشركة.
  • 72٪ من المتخرِّجين وجدوا صعوبات في الاندماج مع بيئة العمل بسبب ضعْف قدراتهم على استعمال الأجهزة والتِّقْنيات الحديثة الّتي وجدوها عند دخولهم لسوق العمل.
    • النتائج المتعلّقة بالمقابلات مع أرباب سوق العمل
  • 100٪ من أرباب سوق العمل لديهم نقْص في العاملين من ذوي الكفاءات من حَمَلة الشهادات الفنِّية والتِّقْنية مثل شهادة الامتياز الفنّي.
  • 100٪ من أرباب سوق العمل لم يتمّ دعوتهم أو استشارتهم من قِبل الجهات المعنيَّة بالتَّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان لسؤالهم حول احتياجات السوق من الفنِّيين المتخرِّجين من هذا القطاع.
  • 100٪ من أرباب سوق العمل لم يتمّ استشارتهم من قِبل الجهات المعنيَّة بالتعليم المهْني والتِّقْني في لبنان حول المواصفات الفنِّية والعلميَّة والمعرفيَّة الّتي يحتاجون إلى توافرها في الوافدين إليهم من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني.
  • 100٪ من أرباب سوق العمل عدّوا بأنَّ هناك فروقات في مستوى كفاءة وخبرة ومهارة الوافدين من التّعليم المهْني والتِّقْني.
  • 100٪ من أرباب سوق العمل عدّوا أنَّ الّذين لديهم خبرة وكفاءة ومهارة من الوافدين من التعليم المهْني والتِّقْني قد حصَّلوها بجُهدهم الشَّخصي وليس بسبب انتسابهم لقطاع التَّعليم المهْني والتِّقْني الّذي تخرَّجوا منه.
  • 9٪ من أرباب سوق العمل لم يكونوا راضين على مستوى إلمام المتخرِّجين من شهادة الامتياز الفنِّي بالأجهزة الحديثة والتِّقْنيات الجديدة في عالم السّيارات، وحسبوا أنَّ ذلك قد صعَّب على المتخرِّجين سرعة الاندماج في بيئة العمل، وانقسمت هذه النسبة بين 44.45٪ عدُّوا أنَّ مستوى الإلمام ضعيف جدًا، مقابل 44.45٪ عدّوا أنَّ مستوى الإلمام ضعيف.
  • 78٪ من أرباب سوق العمل لديهم فكرة حول التَّعليم المهْني والتِّقْني وشهاداته.
  • 78٪ من أرباب سوق قالوا إنَّ حملة شهادة الامتياز الفنِّي يتميَّزون عن غيرهم في مجال العلاقات الاجتماعيَّة مع الزملاء والزبائن وربِّ العمل.
  • 45٪ من أرباب سوق العمل عدّوا أنَّ ما يميِّز المتخرِّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني عن غيرهم من العاملين أنَّ لديهم قدرات فكريَّة أكبر، ومقدرة أهمّ على التحليل العلمي.
  • 43٪ من أرباب سوق العمل حسبوا أنَّ ما يميِّز المتخرِّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني عن غيرهم من العاملين هو خلفيَّتهم العلميَّة.
  • 21٪ من أرباب سوق العمل عدّوا أنَّ ما يميِّز المتخرِّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني عن غيرهم من العاملين هو سرعتهم في التعلُّم والتطوُّر.
    • الإجابة على تساؤلات الدراسة

لقد طرحْنا في مقدِّمة البحث بعض التساؤلات الّتي عملنا للإجابة عليها:

  • التساؤل الأوّل: هل أرباب سوق العمل راضين عن المستوى الفنّي للمتخرّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان؟

إنَّ ما عبَّر عنه أرباب سوق العمل خلال المقابلة معهم يدلُّ على أنَّ 88.9٪ منهم لم يكونوا راضين على مستوى إلمام المتخرِّجين من شهادة الامتياز الفنّي بالأجهزة الحديثة والتِّقْنيات الجديدة في عالم السّيارات، وهذا يجيب على التساؤل الأوَّل بأنَّ أرباب سوق العمل غير راضين عن المستوى الفنّي للمتخرّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان.

  • التساؤل الثاني: هل يلبّي قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنوعيَّة؟

إنَّ الإجابات التي أدلى بها أرباب سوق العمل على هذا السؤال خلال المقابلة معهم تدلُّ على أنَّ 100٪ منهم لديهم نقْص في العاملين من ذوي الكفاءات من حَمَلة الشهادات الفنِّية والتِّقْنية مثل شهادة الامتياز الفنّي، وبما أنَّ النسبة الّتي وجدناها للمتخرّجين من حَمَلة TS والعاملين في سوق العمل قد بلغت 12.86٪ فقط، فهذا يجيب على التساؤل الثاني بأنَّ قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان لا يلبِّي احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنَّوعيَّة.

  • التساؤل الثالث: هل تقوم المؤسَّسات الرسميَّة بالتنسيق مع أرباب سوق العمل لمعرفة احتياجاتهم؟

إذا عدنا لما عبَّر عنه أرباب سوق العمل أثناء المقابلة لوجدنا أنَّ 100٪ منهم قالوا بأنَّه لم يسبق لهم أن تمَّت دعوتهم أو سؤالهم من أي جهةٍ لها علاقة بالتعليم المهْني والتِّقْني في لبنان حول احتياجاتهم النَّوعيَّة أو العدديَّة، وهذا يجيب على التساؤل الثالث بأنَّ المؤسَّسات الرَّسميَّة لا تقوم بالتنسيق مع أرباب سوق العمل لمعرفة احتياجاتهم.

  • التساؤل الرابع: هل وَجَدَ المتخرِّجون عقبات فنِّية وتقْنيَّة صعَّبت عليهم سرعة الاندماج مع بيئة العمل؟

لقد دلَّت نتائج الاستمارة الموجَّهة للمتخرجين أنَّ هؤلاء عبَّروا بأنَّ 72٪ منهم قد وجدوا صعوبات في الاندماج مع بيئة العمل بسبب ضعْف قدراتهم على استعمال الأجهزة والتِّقْنيات الحديثة الّتي وجدوها عند دخولهم لسوق العمل، بالإضافة إلى ما عبَّر عنه أرباب سوق العمل من خلال المقابلات التي أُجريت معهم من أنَّ 88.9٪ منهم لم يكونوا راضين على مستوى إلمام المتخرِّجين من شهادة الامتياز الفنّي بالأجهزة الحديثة والتِّقْنيات الجديدة في عالم السّيارات، وعدّوا أنَّ ذلك قد صعَّب على المتخرِّجين سرعة الاندماج في بيئة العمل. وهذا يجيب على التساؤل الرابع بأنَّ المتخرِّجين قد وجدوا عقبات فنِّية وتقْنيَّة أعاقت عملية اندماجهم السريع مع بيئة العمل.

  • التساؤل الخامس: هل ينصح المتخرّجون من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني الشّباب الّذين يريدون دخول سوق العمل بالحصول على شهادة الامتياز الفنّي TS قبل ذلك؟

إنَّ ما عبَّر عنه المتخرّجون من خلال نتائج الاستمارة الموجَّهة لهم، يدل على أنَّ 100٪ منهم قد نصحوا الراغبين بتعلُّم مهنة ميكانيك السّيارات بالحصول على شهادة الامتياز الفنّي في هذا الاختصاص قبل دخولهم سوق العمل، وهذا يجيب على التساؤل الرابع بالإيجاب.

  • التحقّق من صحَّة الفرْضيَّات
    • التحقّق من صحَّة الفرْضيَّة الأولى

نصَّت الفرْضيَّة الأولى على أنَّ المتخرِّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني لا يلبّون احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنَّوعيَّة (من وجهة نظر أرباب سوق العمل).

وللتحقُّق من صحَّة هذه الفرْضيَّة عدنا إلى آراء أرباب سوق العمل، وتبيَّن التالي:

  • 100٪ من أرباب سوق العمل لديهم نقْص في العاملين من ذوي الكفاءات من حَمَلة الشهادات الفنِّية والتِّقْنية مثل شهادة الامتياز الفنّي.
  • 86٪ هي نسبة العاملين في سوق العمل من حَمَلة شهادة الامتياز الفني، وهي نسبة قليلة جدًا برأينا، مع العلم أنَّها نسبة مُبالَغ فيها بالنَّظر إلى الملاحظة السابقة.

بناءً على ما تقدَّم نستطيع أن نستخلص التّالي:

بما أنَّ جميع أرباب سوق العمل الّذين أُجريَت معهم مقابلات قالوا بأنَّ لديهم نقْصًا في الفنّيين المتخصّصين من حَمَلة الشهادات المهْنيَّة، وبما أنَّ نسبة العاملين في السوق ضئيلة، وإذا أضفنا إلى ذلك آراء جميع المتخرّجين العاملين في السوق الذين تمَّ استطلاعهم، وقالوا بأنَّ شهادة الامتياز الفنّي كانت سببًا لقبولهم في العمل، فيمكن تأكيد صحَّة الفرْضيَّة الأولى، أي أنَّ المتخرّجين من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني لا يلبُّون احتياجات سوق العمل من الناحيتَين العدديَّة والنَّوعيَّة، وهذا ما يتوافق مع نتائج دراسة قانصو (1999)، ودراسة الطبّال (2006)، ودراسة عزّو (2008)، ودراسة حمّود (2012).

  • التحقُّق من صحَّة الفرْضيَّة الثانية

نصّت الفرْضيَّة الثانية على أنَّ “هناك فروقات في المواصفات الفنِّية والشخصيَّة تميِّز المتخرّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني عن العاملين في السوق من غير المتخرّجين من هذا القطاع (من وجهة نظر أرباب سوق العمل)”.

وللتحقُّق من صحَّة هذه الفرْضيَّة عدنا أيضًا إلى آراء أرباب سوق العمل، وتبيَّن لنا الآتي:

  • 100٪ من أرباب سوق العمل عدّوا بأنَّه يوجد فروقات تميِّز الوافدين من التعليم المهْني والتِّقْني عن غيرهم، وكانت آراؤهم كالآتي:
  • 45٪ عدّوا أنَّ ما يميِّز المتخرّجين عن غيرهم هو أنَّ لديهم قدرات فكريَّة أكبر، ومقدرة أهمّ على التحليل العلمي.
  • 43٪ عدّوا أنَّ ما يميِّز المتخرّجين عن غيرهم هو خلفيَّتهم العلميَّة.
  • 21٪ حسبوا أنَّ ما يميِّز المتخرّجين عن غيرهم هو سرعتهم في التعلُّم والتطوُّر.
  • 78٪ من أرباب سوق قالوا إنَّ حَمَلة شهادة الامتياز الفنّي يتميَّزون عن غيرهم في مجال العلاقات الاجتماعية مع الزملاء والزبائن ورب العمل.

بناءً على ما تقدَّم نستطيع أن نستخلص الآتّي:

بما أنَّ جميع أرباب سوق العمل الّذين قابلناهم قالوا بأنَّه يوجد فروقات تميِّز الوافدين من التعليم المهْني والتِّقْني عن غيرهم. وقد انقسم هؤلاء بين مَن ردَّ هذه الفروقات للقدرات الفكريَّة والتحليليَّة، وبين مَن ردَّها إلى سرعة تطوُّر الوافدين وتعلُّمهم، وبين مَن ردَّها إلى خلفيَّتهم العلميّة، بالإضافة إلى تميُّزهم في العلاقات الاجتماعيّة مع الزملاء وربِّ العمل والزبائن، لذلك يمكن تأكيد صحَّة الفرْضية الثانية، أي أنَّ “هناك فروقات في المواصفات الفنِّية والشخصيَّة تميِّز المتخرّجين من قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني عن العاملين في السوق من غير المتخرّجين من هذا القطاع (من وجهة نظر أرباب سوق العمل)”.

  • التحقُّق من صحَّة الفرْضيّة الثالثة

نصَّت الفرْضيّة الثالثة على أنَّه “لا يوجد تنسيق بين الجهات الرسميّة المعنيّة بقطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان وبين أرباب سوق العمل (من وجهة نظر أرباب سوق العمل)”. وللتحقُّق من صحَّة هذه الفرْضيّة عُدنا إلى آراء أرباب سوق العمل حيث عبَّروا جميعهم (100٪) بأنَّه لم يتمّ استشارتهم من قِبل الجهات المعنيَّة بالتعليم المهْني والتِّقْني في لبنان حول المواصفات الفنِّية والعلميَّة والمعرفيَّة الّتي يحتاجون لتوافرها في الوافدين إليهم من قطاع التعليم المهْني والتِّقْني. وعليه يمكن تأكيد صحَّة الفرْضية الثالثة، أي أنَّه “لا يوجد تنسيق بين الجهات الرسميّة المعنيّة بقطاع التعليم المهْني والتِّقْني في لبنان وبين أرباب سوق العمل (من وجهة نظر أرباب سوق العمل)”.

  • التحقُّق من صحَّة الفرْضيّة الرابعة

نصَّت الفرضيّة الرابعة على أنَّ المتخرّجين من التعليم المهْني والتِّقْني يجدون صعوبة في الاندماج مع بيئة العمل بسبب عدم تعلُّمهم لبعض التِّقْنيات الحديثة والمهارات الّتي يحتاجها السوق (من وجهة المتخرّجين وأرباب سوق العمل).

وبالعودة إلى آراء المستهدفين في هذا البحث، وهم المتخرّجون وأرباب سوق العمل، بهدف التحقّق من صحَّة هذه الفرضيّة، فقد تبيَّن ما يلي:

  • من وجهة نظر المتخرّجين
  • 72٪ من المتخرّجين وجدوا صعوبات في الاندماج مع بيئة العمل بسبب ضعْف قدراتهم على استعمال الأجهزة والتِّقْنيات الحديثة الّتي وجدوها عند دخولهم لسوق العمل.
    • من وجهة نظر أرباب سوق العمل:
  • 9٪ من أرباب سوق العمل لم يكونوا راضين على مستوى إلمام المتخرّجين من شهادة الامتياز الفنّي بالأجهزة الحديثة والتِّقْنيات الجديدة في عالم السّيارات، وعدّوا أنَّ ذلك قد صعَّب على المتخرّجين سرعة الاندماج في بيئة العمل، وانقسمت هذه النسبة بين 44.45٪ عدّوا أنَّ مستوى الإلمام ضعيف جدًا، مقابل 44.45٪ عدّوا أنَّ مستوى الإلمام ضعيف. بناءً على ما تقدَّم نستطيع أن نستخلص الآتّي:

بما أنَّ 72٪ من المتخرّجين وجدوا صعوبات في الاندماج مع بيئة العمل، وبما أنَّ 88.9٪ من أرباب سوق العمل الّذين قابلناهم قالوا بأنَّه قد واجهت المتخرّجين معوِّقات منعتهم من الاندماج سريعًا في بيئة العمل، لذلك يمكن تأكيد صحَّة الفرْضيّة الرابعة، أي أنَّ المتخرّجين من التعليم المهْني والتِّقْني يجدون صعوبة في الاندماج مع بيئة العمل بسبب عدم تعلُّمهم لبعض التِّقْنيات الحديثة والمهارات الّتي يحتاجها السوق (من وجهة المتخرّجين وأرباب سوق العمل).

  • الخلاصة والنتائج والتوصيات

يتبيَّن في نهاية هذا البحث أنَّ الفرْضيّات الّتي تمَّ عرْضها قد ثبُتَت صحَّتها، ونرى إلى أنَّ ذلك نتيجة طبيعيَّة للسياق العام لهذا البحث الّذي كان يَظْهَر فيه توافقٌ بين ما كنَّا نعتقده وفق خبرتنا في التّعليم المهني والتِّقْني الممتدَّة منذ العام 1994، وبين الآراء الّتي عبَّرت عنها عينيَّات البحث حول طبيعة المتخرّجين من التعليم المهْني والتِّقْني، إن لجهة مواصفاتهم الشخصيّة، أو لجهة معارفهم وقدراتهم العمليّة ومدى إلمامهم بالتِّقْنيات الحديثة الّتي يحتاجها سوق العمل، أو لجهة أعدادهم.

إنَّ مسألة المواءمة بين التعليم وقطاع الأعمال أمرٌ مهم، ويقع على المؤسَّسات التعليمية العبء الأكبر على أساس أنَّ المتخرج من التعليم المهْني يقضي في هذه المؤسَّسات وقتًا طويلًا من حياته، وهي عمليًا تشكِّل توجُّه سلوكه وميوله، ولكن يبقى أنَّ قطاع الأعمال تقع عليه أيضًا مسؤوليَّة بوصفه المستفيد من القوى العاملة. لذلك يكون من المفيد على المستوى الفردي والجماعي والوطني قيام التنسيق بين قطاعَي الأعمال والتعليم لتلبية احتياجات سوق العمل.

إنَّ الحديث عن المواءمة لا ينشأ من فراغ بل يجب أن يكون جزءًا من سياسة الدولة واستراتيجيَّتها الاقتصاديَّة والانتاجيَّة، ما يُعيد طرْح مسألة وجود وزارة للتخطيط أو التصميم تقوم على ربْط المؤسَّسات والقطاعات ببعضها، وتضع البرامج والخطط التي تحول دون وجود فائض من العاملين في قطاع ما، أو نقْصٍ في الكفاءات التي يحتاجها قطاع آخر.

لم نلمس خلال إجراء البحث أي دور أو تأثير للمؤسَّسة الوطنية للاستخدام، على الرّغم من أهمية دور هذه المؤسَّسة واتِّصاله بموضوع البحث، والسبب يعود إلى عدم فعاليَّة هذه المؤسَّسة في القيام بدورها في تنظيم سوق العمل، توصيفًا وتوظيفًا، وفق ما نصَّت قوانين إنشائها، ما يتطلَّب إعادة إحياء هذه المؤسَّسة وتفعيلها. مع الإشارة إلى أنَّ آخر دراسة قامت بها هذه المؤسَّسة لتقييم سوق العمل اللبناني كانت منذ 23 عامًا. كما لم نلمس أي دور أو تدخُّل من المصلحة الفنِّية في مديريَّة التعليم المهْني والتِّقْني، ولم يأتِ المتخرِّجون ولا أرباب العمل على ذكْرها. لذلك نقترح تفعيل دورها المنصوص عليه في القانون، ومن ضمنه “توفیر عناصر الدرس لتحدید حاجات البلاد إلى فنِّیین من الناحیتَین العددیَّة والنَّوعیة واقتراح المشاریع الآیلة إلى سدِّ ھذه الحاجات”، وفاقًا لما نصَّ عليه المرسوم رقم 8349 الصادر في 2 أيار 1996.

لقد أظهر لنا هذا البحث مدى قصور قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان عن تلبية احتياجات سوق العمل من الناحيتَين النَّوعيَّة والعدديَّة، وبالمقابل مدى حاجة هذا السوق لليد العاملة المتخصِّصة والماهرة في ظلِّ التطوُّر الّذي يشهده عالم صناعة السّيارات وما تتّصف به هذه الصناعة من تقْنيَّات متقدِّمة ومعقَّدة تتَّصل بعِلْم البرمجة والاتصالات والشبكات الإلكترونيّة، ممَّا يستدعي استعمال أجهزة فحْص وتشخيص أعطال متطوِّرة يصعب العمل عليها إلَّا من قِبَل الفنِّيين المتخصِّصين وليس المُكتسبين للمهنة عبْر التقليد من غير الحائزين على درجة أكاديميَّة ومهْنيَّة متقدِّمة.

كما لاحظنا أثناء عملنا على هذا البحث الفوضى التنظيميّة الّتي يعيشها قطاع صيانة وتصليح السّيارات في لبنان، حيث تمتلئ المناطق الّلبنانيَّة بورش صيانة السّيارات الصغيرة والمتوسِّطة، ولكنَّنا لم نجد أيَّ نقابة أو مؤسَّسة يمكن أن تزوِّدنا بمعلومات عن تلك الورش، أو تقوم بجمْع العاملين في هذه المهنة فتُنظِّم شؤونهم وتساعدهم على تحسين أوضاعهم وأوضاع هذا القطاع الحيوي، وليكون لهم إطار ممثِّل يستطيع التحرُّك تجاه المؤسَّسات الرَّسميَّة والوزارات ذات الصِّلة بالتَّعليم المهْني والتِّقْني لأجل تفعيل هذا القطاع بشكل يلبّي احتياجات السوق من الناحيتين العدديَّة والنَّوعيَّة.

كما توصَّلنا بنتيجة هذا البحث إلى أنَّ هناك غيابٌ تام لدعم الدَّولة ومؤسَّساتها للبحث العلمي الهادف إلى تسليط الضوء على بعض مكامن الضعف الّتي قد يلاحظها البعض في بنية نظامنا التعليمي بشكل عام، وفي بنية نظام التّعليم المهْني والتِّقْني بشكل خاص، بسبب الارتباط الوثيق لهذا النظام بالقطاع الصناعي والإنتاجي المكوِّن برأينا لعصب المجتمع.

إنَّ الاهتمام بالتّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان، وتفعيل التنسيق بين هذا القطاع والهيئات الاقتصاديّة، والقطاعات الصناعيّة العاملة، وتفعيل التوجيه المهْني في المؤسَّسات التعليميَّة كافَّة، سوف يساعد برأينا على توافر اليد العاملة الماهرة والمتخصِّصة، ويخلق فرص عمل جديدة تتيح للمتخرّجين التنافس ضمن السوق المحليَّة والعالميَّة.

وعليه نقترح على القيِّمين على التَّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان التالي:

  • تفعيل دور المصلحة الفنِّية في قطاع التعليم المهْني والتِّقْني.
  • إجراء دراسات ميدانيّة حول سوق العمل اللبناني، والإفادة من دراسات سوق العمل الإقليميّة والدوليّة بهدف تحديد الاحتياجات النَّوعيَّة والعدديَّة لليد العاملة الّتي تحتاجها الأسواق، إن لجهة المعارف أو المهارات أو مستوى التّحصيل العلمي المطلوب.
  • إشراك ممثّلين حقيقيين من أرباب سوق العمل لوضع أهداف ومحتوى مناهج التعليم المهْني والتِّقْني بشكل عام، واختصاص ميكانيك السّيارات بشكل خاص.
  • العمل على التأهيل المستمرّ للمعلّمين في القطاع المهْني من أجل إبقائهم على إطّلاع دائم حول المستجدّات الحاصلة على مستوى التطوّر التكنولوجي وعلى مستوى حاجات سوق العمل.
  • دعْم البحث العلمي، وتقديم التّسهيلات للباحثين وللطلاب الراغبين بإجراء بحوث حول أي قضيّة من قضايا التّعليم المهْني والتِّقْني.
  • التعاون مع الجهات المختصّصة لتشكيل نقابات في شتَّى المهن تُعنى بمتابعة المتخرِّجين ما يسهِّل على الدَّولة اتخاذ القرارات المناسبة، ويسهِّل على الباحثين عملهم، ويسهّل على أرباب سوق العمل الحصول على المعلومات والكفاءات الّتي يحتاجونها.

في النهاية، نعتقد بأنّ أهمّية هذا البحث والفائدة العلميّة المرجوّة منه تكمن في مقاربته النظريّة والعمليّة من جهة، وفي المعطيات التي توصّل إليها، حيث لم نعثر على مقاربة مشابهة في أيّ دراسة تتناول المتخرّجين من التعليم المهْني والتِّقْني ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات، على الرغم من أنّ هناك مَن سبقنا في دراسة واقع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان، والمتخرّجين من هذا القطاع بشكل عام وذلك خلال مراحل متعدّدة، إلا أنّ جميع هذه الدراسات لم تتناول موضوع المتخرّجين من اختصاص ميكانيك السّيارات تحديدًا، كما تناوله هذا البحث، الّتي قد تعتريه بعض الثغرات والهفوات، لأنّنا بالتأكيد لا نستطيع الإحاطة بكامل التفاصيل المرتبطة بهذا الموضوع، ولكن بالمقابل نرى أنّ لهذا البحث أهمّيته كونه الأول، برأينا الّذي يدرس حاجة سوق العمل الّلبناني من متخرّجي قطاع التّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان ضمن اختصاص ميكانيك السّيارات بشكل خاص، وهذا ما يفتح الباب أمام الباحثين لدراسة الموضوع نفسه، أو لدراسة أي ظاهرة قد يعدّونها تخدم البحث العلمي في مجال سوق العمل وعلاقته بالتّعليم المهْني والتِّقْني في لبنان.

قائمة المراجع

  • الأشقر، نوال. (2019). “أرقام البطالة في لبنان تنذر بكارثة اجتماعية”، استرجع من موقع Lebanon 24، بتاريخ 3 آذار 2019.
  • البنك الدولي. (2017، 1 نيسان)، “عرْض عام للوضع في لبنان”، تقرير استرجع بتاريخ 5 أيلول 2020 من موقع https://www.albankaldawli.org/ar/country/lebanon/overview
  • الجمهورية اللبنانية، مرسوم رقم 8349 “تنظيم المديرية العامَّة للتعليم المهني والتقني“، الصادر بتاريخ 2 أيار 1996.
  • حمية، راجانا. (2019، 23 آذار). “المؤسَّسة الوطنية للاستخدام: لا مؤسَّسة ولا استخدام ولا مستخدمين”، صحيفة الأخبار، العدد رقم 3719.
  • الشوفي، إيفا. (2016، 2 أيلول). “مؤسَّسات البقاع والضاحية وطرابلس: نحتاج إلى فنّيين”. جريدة الأخبار. بيروت، العدد 2975.
  • عبد العزيز، مفتاح محمّد. (2010). مناهج البحث العلمي في العلوم التربويّة والنفسيّة. القاهرة: دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر والتوزيع، 418 ص.
  • قبيسي، حسّان. (2012). النظام التعليمي في لبنان (ط1). لا ناشر، 352 ص.
  • مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإداريّة في الحكومة اللبنانيّة: https://www.omsar.gov.lb/.
  • منظّمة العمل الدوليّة. (2015). التطابق بين المهارات وفرص العمل في لبنان: الملامح الرئيسيّة لسوق العمل، التحدّيات والفرص والتوصيات.
  • “هذا سبب بطالة اللبنانيين الرئيسي: وسوق العمل بحاجة إلى هذه الاختصاصات”، استرجع من موقع https://www.lebanon24.com/ بتاريخ 15/3/2019.

1- راشد الحاج علي، ماجستير في العلوم التّربوية من جامعة القديس يوسف، وطالب دكتوراه في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية، وأستاذ في التعليم المهني والتقني.

-[2]  محمد رمال، دكتوراه في العلوم التربوية من جامعة القديس يوسف، واستاذ في كلية العلوم التربوية ومعهد الآداب الشرقية في الجامعة اليسوعية، وكلية التربية في الجامعة اللبنانية. مشرف على عدد من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه في الجامعتين .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.