اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
العلاقات الاجتماعيّة في تفسير المیزان
Social relations in the interpretation of the balance
م.د. جابر حسن عطية الشّمري([1]) Dr.JABER Hasan Atiya AL Shmmari
تاريخ الإرسال: 28-10-2025 تاريخ القبول:6-11-2025
الملخص turnitin:6%
تتناول هذه الدّراسة موضوع العلاقات الاجتماعيّة من خلال تفسير الميزان للعلامة السّيد محمد حسين إذ يعدّ هذا التفسير من التّفاسير والشّيعيّة المهمّة التي تتناول القرآن الكريم بأسلوب شامل وعميق. يركز البحث على تحليل مفهوم العلاقات الاجتماعيّة في النّصوص القرآنيّة كما وردت في تفسير الميزان، مع إبراز الدور المحوري لهذه العلاقات في بناء المجتمع الإسلامي وتثبيت قيم العدالة والرّحمة. كما يستعرض البحث المبادئ الأخلاقيّة والاجتماعيّة المستمدة من التّفسير، التي تبرز التّعاون، الإحسان، والعدل كأسس للعلاقات بين الأفراد والجماعات.
ويناقش البحث دور العلاقات الاجتماعيّة في الأسرة والمجتمع الأوسع، مع التركيز على الحقوق والواجبات التي تنظم هذه العلاقات، وأهمّية القيادة العادلة في تعزيز التّماسك الاجتماعي. تظهر نتائج الدّراسة أنّ تفسير الميزان يقدم رؤية متكاملة للعلاقات الاجتماعيّة ترتكز على القيم الإسلاميّة الأصيلة، ويعمل على معالجة التّحديات الاجتماعيّة المعاصرة من خلال النّص القرآني والتّفسير العميق.
تخلص الدّراسة إلى أنّ فهم العلاقات الاجتماعيّة وفق تفسير الميزان لا يقتصر على الجانب الفردي فقط، بل يمتد ليشمل البنية الاجتماعيّة بأكملها، ما يضمن استقرار المجتمع ورقيّه. وتؤكد الدّراسة أهمية اعتماد التفسير القرآني كأساس لتحليل العلاقات الاجتماعيّة، وتعزيز القيم الإسلاميّة في الحياة اليومية.
الكلمات المفتاحيّة: العلاقات الاجتماعيّة، تفسير الميزان، القرآن الكريم، العدالة، التعاون، الإحسان، الأسرة، المجتمع الإسلامي، القيم الإسلاميّة، الطباطبائي.
Abstract
This study addresses the topic of social relations through the interpretation of al-Mizan by the eminent scholar Sayyid Muhammad Husayn al-Tabataba’i. This interpretation is one of the most important Shi’a interpretations that addresses the Holy Quran in a comprehensive and in-depth manner. The study focuses on analyzing the concept of social relations in the Quranic texts as they appear in al-Mizan, highlighting the pivotal role of these relations in building Islamic society and establishing the values of justice and mercy. The study also reviews the ethical and social principles derived from the interpretation, which highlight cooperation, benevolence, and justice as the foundations of relationships between individuals and groups.
The study also discusses the role of social relations in the family and wider society, focusing on the rights and duties that regulate these relations and the importance of just leadership in strengthening social cohesion. The study’s findings demonstrate that al-Mizan offers a comprehensive vision of social relations based on authentic Islamic values and works to address contemporary social challenges through the Quranic text and in-depth interpretation.
The study concludes that understanding social relations according to al-Mizan is not limited to the individual aspect alone, but extends to encompass the entire social structure, ensuring the stability and advancement of society. The study also emphasizes the importance of adopting Quranic interpretation as a basis for analyzing social relations and promoting Islamic values in daily life.
Keywords: Social relations, Mizan interpretation, Quran, justice, cooperation, benevolence, family, Islamic society, Islamic values, Tabatabai.

المقدمة
تُعد العلاقات الاجتماعيّة من المفاهيم المهمّة التي تتناولها الأديان السّماوية بشكل عام، والإسلام بشكل خاص، لما لها من أثر عميق في بناء المجتمعات وتنظيمها وضمان استقرارها. فالعلاقات بين الأفراد ليست مجرد تفاعلات سطحيّة، بل هي أساس تكوين المجتمع الإسلامي الذي يقوم على مبادئ العدل، الرحمة، التّعاون، والإحسان، وهي قيم محوريّة نبّه إليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة. وفي هذا السّياق، يأتي تفسير الميزان للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي كأحد أعمق التفاسير والشّيعيّة التي تناولت النّص القرآني بتحليل دقيق وعميق، مع التركيز على الجوانب الاجتماعيّة إلى جانب الجوانب التّشريعيّة والرّوحيّة.
تفتح دراسة العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان آفاقًا واسعة لفهم كيف ينظر القرآن الكريم إلى العلاقات بين الناس، وكيف يمكن لهذه الرؤية أن تسهم في بناء مجتمع متماسك يقوم على قواعد عادلة وأخلاقيّة متينة. فالتّفسير لا يقتصر على شرح المعاني اللغويّة للنصوص القرآنيّة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى استخلاص الأحكام والقيم التي يجب أن توجه حياة الإنسان الفرد والمجتمع على حد سواء. ومن خلال استقراء تفسير الميزان، يمكننا أن نرى بوضوح كيف أن القرآن يعالج العلاقات الاجتماعيّة من زوايا متعددة، تشمل الأسرة، الجماعة، الأمة، والإنسانية ككل.
تتميز رؤية تفسير الميزان في هذا المجال بأنها متكاملة، إذ يقدم الطباطبائي تفسيرات تدعو إلى التّوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحريّة والمسؤوليّة، وبين الفرد والمجتمع. ويُظهر التّفسير كيف أن العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام ليست محصورة في إطار ضيق، بل هي شبكة مترابطة تشمل جميع جوانب الحياة، بدءًا من العلاقات الأُسرية الصغيرة وصولًا إلى العلاقات الدّوليّة الكبرى، مع تأكيد دائم على قيم العدالة الاجتماعيّة التي تمثل حجر الزّاوية في بناء مجتمع إسلامي صحّي ومتوازن.
لا يمكن فهم العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام بشكل صحيح من دون العودة إلى النّصوص القرآنيّة والتّفاسير التي تبين معانيها في ضوء الفهم الشّامل للدين. ومن هنا تأتي أهمّيّة تفسير الميزان الذي لم يقتصر فقط على التّفسير اللغوي، بل دمج بين التّفسير اللغوي والعقلي والاجتماعي، ليشكل بذلك مرجعًا هامًا لفهم دور العلاقات الاجتماعيّة في بناء المجتمع الإسلامي. ففي تفسير الميزان، نجد آيات كثيرة تؤكد ضرورة التّعاون بين الناس، وعلى التزام العدل في التّعامل، وعلى الإحسان كمنهج حياة يوميّة. هذا المنهج يعزز الروابط الاجتماعيّة ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر الحديث، مثل التوترات الاجتماعيّة، والتّمييز، والفقر، والظلم.
في ضوء هذا، فإن الدّراسة التي تتناول العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان ليست مجرد بحث في موضوع فقه النّصوص فقط، بل هي دراسة شاملة تعكس كيف يمكن للدّين أن يوجه المجتمع نحو الوحدة والاستقرار والازدهار. ولعل من أبرز ما يميز تفسير الميزان هو أنّه يقدم حلًا إسلاميًا متكاملًا للمشاكل الاجتماعيّة من خلال فهم عميق للنّص القرآني، مع احترام خصوصيّات العصر والمجتمع، الأمر الذي يجعله مصدرًا غنيًا للباحثين والمهتمين بفهم العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام.
وبما أنّ العلاقات الاجتماعيّة تتعلق بجوانب الحياة جميعها، فإنّ تفسير الميزان يولي أهمية خاصة للأسرة كمؤسسة أساسيّة في المجتمع. فالأسرة هي النواة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان القيم والتقاليد، ويبدأ فيها بناء العلاقات الإنسانيّة. وفي تفسير الميزان، نجد تأكيد حقوق أفراد الأسرة وواجباتها، وكيف أنّ الالتزام بهذه الحقوق يعزز التّماسك الأُسري الذي بدوره ينعكس إيجابًا على المجتمع ككل. كما يناقش التفسير أيضًا العلاقات الاجتماعيّة الأوسع بين أفراد المجتمع، إذ يؤكد أهمّيّة العدل كوسيلة لتحقيق الوحدة الوطنيّة، وضرورة القيادة الحكيمة التي تحكم بين النّاس بالحقّ والإنصاف.
من خلال هذا العرض، يتبين أن العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان ليست مجرد موضوع فرعي داخل التّفسير، بل هي جوهر متداخل مع مضامين القرآن جميعها، إذ يبرز فيها دور الإنسان ككائن اجتماعي مسؤول تجاه نفسه وتجاه الآخرين. وتبرز في التّفسير ضرورة الانسجام بين الحقوق والواجبات، وبين المصالح الفرديّة والمصلحة العامة، بما يحقق التّوازن والعدالة في المجتمع.
إنّ فهم العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان يساعدنا على تطوير رؤية متجددة للحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة، تواكب المتغيرات الحديثة، وتؤسس لعلاقات قائمة على القيم الإسلاميّة الأصيلة. وهذا ما يجعل من تفسير الميزان مرجعًا مهمًا لكل من يرغب في دراسة الفقه الاجتماعي الإسلامي، أو في تطوير سياسات اجتماعيّة تستند إلى أسس دينيّة متينة. ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدّراسة التي تسعى إلى تحليل العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان، لفهم كيف يمكن أن تسهم هذه الرؤية القرآنيّة العميقة في بناء مجتمع إسلامي متماسك، يقوم على العدل، الرحمة، والإحسان.
بیان المسألة
تُعدُّ العلاقات الاجتماعيّة من الركائز الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الإنسانيّة، إذ تؤثر بشكل مباشر على تماسك المجتمع واستقراره، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقيم الأخلاقيّة والدّينيّة التي توجه سلوك الأفراد والجماعات. ومع ذلك، فإنّ فهم هذه العلاقات وتحليلها من منظور ديني عميق يحتاج إلى الرجوع إلى النّصوص المقدسة وتفسيرها بتمعّن، خصوصًا في ظل التّحديات المعاصرة التي تواجه العلاقات الاجتماعيّة مثل التفاوت الاجتماعي، التفكك الأُسري، والتمييز.
وفي هذا السّياق، يبرز تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي كأحد أبرز التفاسير والشّيعيّة التي تميزت بعمقها وشمولها، وقد تناول النّصوص القرآنيّة بتحليل فقهِيّ وعقلي وأخلاقي، واهتم بشكل خاص بالجوانب الاجتماعيّة في القرآن الكريم. غير أنّ دراسة العلاقات الاجتماعيّة في هذا التّفسير لم تحظَ بالاهتمام الكافي في البحوث السابقة، ما يطرح تساؤلات حول كيفيّة تناول الميزان للعلاقات الاجتماعيّة، وما هي المبادئ والقيم التي يستند إليها في تنظيم هذه العلاقات، وكيف يمكن أن تسهم هذه الرؤية في معالجة المشكلات الاجتماعيّة الحديثة؟.
لذلك، تتمثل المشكلة البحثيّة في الحاجة إلى دراسة تحليليّة متعمقة للعلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان، لفهم كيفية تناول التفسير لهذه العلاقات من خلال النصوص القرآنيّة، واستخلاص المبادئ الاجتماعيّة والقيم الأخلاقيّة التي يقدمها، وكذلك تقييم إمكانية تطبيق هذه المبادئ في الواقع الاجتماعي المعاصر، بما يسهم في تعزيز التّماسك الاجتماعي والعدالة.
أهميّة البحث: تنبع أهمية هذا البحث من ضرورة فهم العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام، بوصفها العمود الفقري الذي يقوم عليه بناء المجتمع الإسلامي المتماسك والقائم على قيم العدل والرحمة والتعاون. وعلى الرّغم من أهمية هذا الموضوع، إلّا أنّ الدّراسات التي تناولت العلاقات الاجتماعيّة من منظور تفسير الميزان لا تزال قليلة، ما يفتح المجال لتسليط الضوء على رؤية العلامة الطباطبائي في هذا الجانب الحيوي.
كما أن تفسير الميزان يُعد مرجعًا متميزًا يجمع بين الفهم العميق للنص القرآني والمنهج العقلي والاجتماعي، ما يجعله أداة مهمة لفهم كيفيّة بناء علاقات اجتماعيّة سليمة ومتوازنة. ولهذا، يساهم البحث في إثراء المكتبة الإسلاميّة بقراءة جديدة تجمع بين الفكر التفسيري والبعد الاجتماعي، كما يقدم حلولًا إسلاميّة متكاملة لمعالجة القضايا الاجتماعيّة المعاصرة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يفيد البحث العلماء والمفكرين وصناع القرار في تطوير سياسات اجتماعية تستند إلى القيم القرآنيّة التي يؤكدها تفسير الميزان، ما يعزز وحدة المجتمع واستقراره.
أهداف البحث
- تحليل مفهوم العلاقات الاجتماعيّة كما ورد في تفسير الميزان، وفهم الأسس التي يقوم عليها هذا المفهوم في ضوء النص القرآني.
- استكشاف المبادئ والقيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة التي يركز عليها تفسير الميزان في تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات.
- دراسة تطبيقات العلاقات الاجتماعيّة في الأسرة والمجتمع الأوسع من خلال رؤية تفسير الميزان، مع التركيز على الحقوق والواجبات والمسؤوليات الاجتماعيّة.
- تقييم مدى إمكانية الاستفادة من رؤية تفسير الميزان في مواجهة التّحديات الاجتماعيّة المعاصرة، مثل التّفكك الأُسري، التمييز، وعدم العدالة الاجتماعيّة.
- المساهمة في إثراء الدراسات التفسيرية والاجتماعيّة عبر تقديم قراءة متكاملة تربط بين الفقه الاجتماعي والتفسير القرآني.
منهج البحث
يعتمد هذا البحث على المنهج التّحليلي الوصفي في دراسة العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان، إذ يقوم على تحليل النصوص القرآنيّة المفسرة في تفسير الميزان المتعلقة بالعلاقات الاجتماعيّة، وفهم المفاهيم والمبادئ المستنبطة منها. ويهدف المنهج إلى وصف وتحليل هذه العلاقات الاجتماعيّة وفقًا لتفسير العلامة الطباطبائي، ثم تقييم دورها وأهميتها في بناء المجتمع الإسلامي.
كما يستخدم البحث المنهج الاستقرائي من خلال جمع وتحليل الآيات القرآنيّة ذات الصّلة بالعلاقات الاجتماعيّة مع تفسيرها في الميزان، لاستنباط المبادئ والقيم الاجتماعيّة التي يؤكدها التّفسير. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد البحث على مراجعة الدّراسات السّابقة التي تناولت تفسير الميزان أو موضوع العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام لتوفير إطار معرفي متكامل.
ويُعتمَد على المصادر الأساسية المتمثلة في تفسير الميزان نفسه، بالإضافة إلى الكتب والمقالات العلميّة المتعلقة بالتفسير والعلوم الاجتماعيّة الإسلاميّة. كما يُراعى في البحث الجمع بين الجانب النظري والجانب التطبيقي، فتُدرس تطبيقات العلاقات الاجتماعيّة في الأسرة والمجتمع الأوسع، وفقًا لما ورد في التفسير.
كما يسعى البحث إلى تحقيق التكامل بين الفهم الديني للنص القرآني والرؤية الاجتماعيّة، وذلك للوصول إلى نتائج عملية يمكن الاستفادة منها في معالجة القضايا الاجتماعيّة المعاصرة.
المبحث الاول: مفهوم العلاقات الاجتماعيّة وأهميتها في تفسير الميزان
المطلب الاول: تعريف العلاقات الاجتماعيّة
الفرع الأول: مفهوم العلاقات الاجتماعيّة من منظور لغوي واصطلاحي
تُشتق كلمة “العلاقة” من جذور لغوية متعددة في العربية، فمنها “علاقة” بالفتح التي تدلّ على خصومة أو محبة، ومنها بالكسر التي تعبّر عن علاقة القوس أو السّوط، كما ورد في المعاجم العربيّة الكبرى مثل لسان العرب والجرجاني([2]). ويذكر الجرجاني “أنّ العلاقة بالمفتوح تعبّر عن المعاني العقلية أو النفسية، بينما بالكسر تشير إلى المعاني المحسوسة”([3]).
على الصعيد الاصطلاحي، تُعرّف العلاقات الاجتماعيّة أنّها “الروابط والآثار المتبادلة بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع؛ وهي تنشأ من التّفاعل اليومي والتواصل بهدف إشباع الحاجيّات المعنويّة، النّفسيّة، الاجتماعيّة والمصالح المشتركة”([4]). ووفقًا لماكس فيبر، فإنّ “العلاقة الاجتماعيّة” تمثّل موقفًا يتفاعل فيه شخصان أو أكثر، مع احترام سلوك الطرف الآخر وتشمل الصراع، الصداقة، والتّعاون([5]).
من جانب آخر، يرى بعض الباحثين أن العلاقة الاجتماعيّة هي نسق ثابت يضم طرفين مرتبطين بمصلحة مشتركة أو هدف معين، وتستند إلى واجبات ومسؤوليات متبادلة([6])، بينما يضيف آخرون أن العلاقة الاجتماعيّة تمثل تجاوبًا بين طرفين بغية تلبية حاجة محددة كما يرى موريس جينزبرغ([7]).
بناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ العلاقة الاجتماعيّة اصطلاحًا هي شبكة من الروابط بين أفراد أو جماعات قائمة على التفاعل العاطفي والمعرفي والتعاوني بهدف بناء تماسك اجتماعي، وتحقيق مصالح مشتركة، وقد تتضمن تبادل الدعم على المستويات الشخصية والمؤسسيّة([8]).
الفرع الثاني: تفاوت العلاقات الاجتماعيّة مع المفاهيم المترابطة (مثل الصّلة والتّواصل)
على الرّغم من التشابه الظاهري بين مصطلحات مثل “العلاقات الاجتماعيّة”، و”الصلات”، و”التّواصل”، إلّا أنّ لكل منها دلالة متميزة سواء لغويًا أو اصطلاحيًا. فمصطلح “الصلة” في اللغة يشير غالبًا إلى الوشائج الموروثة أو القرابة، وهو يشترك مع العلاقات الاجتماعيّة في كونه رابطًا بين الأفراد، لكن الفرق أنّ “الصلة” غالبًا تشير إلى ارتباط دم أو نسب أو نسب معنوي كالصلة الدّينيّة أو الأخويّة، بينما العلاقات الاجتماعيّة أوسع نطاقًا وأكثر ديناميكية في نشأتها واستمراريتها([9]).
أما “التواصل”، فيُفهم اصطلاحًا على أنه عمليّة نقل المعلومات أو التّعبير عن المشاعر بين الأشخاص سواء عبر الكلام أو الكتابة أو وسائل الاتصال، وهو أداة داخل العلاقات الاجتماعيّة، ولكنه لا يشكل العلاقة بذاتها، بل هو الوسيلة لتحقيق التفاعل الاجتماعي([10]). فالتواصل هو أحد أبعاد العلاقة الاجتماعيّة، ولكنّه لا يشمل الالتزامات أو الحقوق أو العلاقات العاطفيّة والمعنويّة التي تتضمنها العلاقة([11]).
ومن هذا المنطلق، يتضح أن “العلاقات الاجتماعيّة” أوسع وأشمل مصطلحًا من كونه مجرد “صلة” أو “تواصل”، فهو يرصد النّظام التّفاعلي بين الأفراد من الجوانب جميعها ، وتشمل مستويات متعددة من التفاعل، بينما “الصلة” أكثر انحصارًا، و”التواصل” مجرد وسيلة ضمن بنية العلاقة الاجتماعيّة.
المطلب الثاني: أهمية العلاقات الاجتماعيّة في حياة الإنسان والمجتمع
الفرع الأول: دور العلاقات الاجتماعيّة في بناء المجتمع واستقراره
تُشكّل العلاقات الاجتماعيّة البنية الأساسية التي يقوم عليها استقرار المجتمع وتماسكه. إذ إنّ التّفاعل المستمر والمتبادل بين الأفراد يجعل المجتمع وحدة حيّة تتجاوز مصالح الأفراد إلى غايات مشتركة، إذ توفر تلك العلاقات شبكات دعم اجتماعي تعزز من قدرة الأفراد على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعيّة([12]). وقد أظهرت الدّراسات في ميدان “رأس المال الاجتماعي” أنّ الثّقة والتّواصل والتّرابط داخل المجتمع ترفع من قدرته على التكيف وتحقيق التنمية المحليّة([13]). كذلك، يشرح Mawdudi أن النّظام الاجتماعي الإسلامي يرتكز على مبادئ التعاون، والمواساة التي تعمل على ترسيخ الوحدة وتوفير شبكة حماية اجتماعيّة تشمل الجميع([14])
وفي السياق الإسلامي، يرى Syed Abu’l-‘Ala Mawdudi أنّ العلاقات الاجتماعيّة المتينة تحافظ على هيكليّة المجتمع الإسلامي، وتتطلب التضامن والتواصل بين المسلمين والعمل الجماعي من أجل الصالح العام. كما يشترك هذا الرأي مع التوجيهات القرآنيّة التي تدعو إلى ﴿تعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: 2)، ما يبرز استخدام العلاقات الاجتماعيّة كأداة أخلاقية لبناء مجتمع داعم ومستقر([15]).
الفرع الثاني: أثر العلاقات الاجتماعيّة في تحقيق العدالة والقيم الإسلاميّة
لا يمكن الفصل بين العلاقات الاجتماعيّة وتحقيق العدالة، إذ إن المجتمع العادل ينتج من شبكة علاقات قائمة على قيم القرآن والسنة كالعدل والإحسان والمساواة. ليست العدالة فقط حكمًا قضائيًا بل هي نمط حياة اجتماعي تبنى عليه الروابط بين الأفراد فتكون الحقوق محفوظة والواجبات مؤدى عنها([16]). لقد حرصت الشّريعة الإسلاميّة على ضمان أن تكون التوزيعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة قائمة على التوازن والاعتدال، بما في ذلك فريضة الزكاة والتكافل المجتمعي([17]).
وتشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ القيم الإسلاميّة كالعدل، الرحمة، التكافل، والمواساة ليست مجرّد سلوك فردي، بل هي إطار يحكم العلاقات الاجتماعيّة ويوجهها نحو تحقيق إنصاف شامل للمجتمع([18]). كما يؤكد Malik(2022) أنّ الشريعة الإسلاميّة تعدُّ العدالة مبدأ مركزيًا في جميع الأحكام، ويُعد التّعاون الاجتماعي القائم على هذه القيم الطريق الأوضح نحو مجتمع مستقر ومنصف([19]).
المبحث الثاني: تفسير العلاقات الاجتماعيّة في الميزان
المطلب الاول: تحليل النصوص القرآنيّة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان
الفرع الأول: آيات العدل والرحمة في العلاقات بين الناس
في تفسير الميزان، يُوضح الطباطبائي أن العدل الاجتماعي هو جوهر العلاقات بين الأفراد، ويشير إلى أنّ العدالة تشمل أن يُعامل كل فرد بحسب استحقاقه، سواء من ناحية الحقوق أو الواجبات، وأن هذا الالتزام يقع على كل فرد ومؤسسة في المجتمع على حد سواء([20]). فالآيات التي تدعو إلى إقامة العدل بين الناس تجعل العدالة معيارًا أساسيًّا للعلاقات. كما يُفصل في معنى “الإحسان” المرتبطة بالعدل، مبينًا أنها ليست مجرد تصحيح للفعل بل تجاوز له بالمزيد من الخير والحنان تجاه الآخرين([21]). ويظهر ذلك بشكل جلي في تفسيره لعبارة «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إذ يفصّل أنّ الإحسان يتضمن تجاوز الفرد لحدود العدل نحو فعل خير إضافي لا ينتظر مقابلاً[22].
ويشرح الطباطبائي كيف أن هذه المفاهيم القرآنيّة تنعكس على العلاقات الاجتماعيّة اليوميّة، إذ إن العدل يرسّخ استقرار المجتمع ويدعم التّكافل، أمّا الرّحمة والإحسان فتقوي الروابط بين الناس، ويشير إلى أنّ نشر الإحسان يخلق حركة اقتصاديّة واجتماعيّة صحيّة، ويسهم في الأمن والسلامة العامة([23]). ويؤكّد أنّ هذه القيم تضمن التوازن بين الفرد والجماعة، وتحقق مقاصد التشريع الإسلامي في حفظ النفس والعقل والمال والمجتمع([24]).
الفرع الثاني: آيات التعاون والإحسان في العلاقات الاجتماعيّة
أمّا تعاليم التعاون والإحسان فقد أعطاها تفسير الميزان عنصرًا مركزيًا في بناء العلاقات الاجتماعيّة. فعندما يُذكر الإحسان في القرآن، فإن الطباطبائي يبيّن أنه ليس مجرد جودة في الأداء، بل إيصال خير نابع من الخير ذاته إلى الغير بلا انتظار مقابل، بل تفوق العدل بمقاصد أخلاقيّة رفيعة([25]).
ويُفسّر الطباطبائي في تفسيره لعبارة «وإيتاء ذي القربى» أنّ هذا النوع من الإحسان يعكس أهمية بناء العلاقات داخل الأسرة كأساس لتماسك المجتمع المدني الأكبر، لأنّ “إصلاح العلاقة مع ذوي القربى هو نواة لتكوين مجتمع متماسك ومترابط”([26]). كما يرتبط مفهوم الإحسان بالمسرة الاجتماعيّة التي تزيد من توالد الخير، ونشر الرّحمة والمحبة، “ما يعود بالنفع على المحسن نفسه عبر دوران المال وتحقيق الأمن الاجتماعي”([27]).
كما يستند التفسير إلى الحديث عن مضاعفة الأجر للمؤمن الذي يُحسن عمله، إذ يُذكر أن لكل تعاون وتضامن خير أو إحسان أجرًا مضاعفًا من الله لمن يشاء، ما يعزز من الدّافع الاجتماعي للعمل الجماعي والتّضامن([28]). وهكذا يصبح التّعاون والإحسان في العلاقات الاجتماعيّة ليس فقط قيمة أخلاقيّة، بل فريضة إيمانية تؤسس لمجتمع فعّال ومستقر في ظل التوجيه القرآني.
المطلب الثاني: استنباط المبادئ الاجتماعيّة من تفسير الميزان
الفرع الأول: المبادئ الأخلاقيّة والاجتماعيّة المستخلصة من تفسير الميزان
يُبرز تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي أن الأخلاق المجتمعية قائمة على مبدأين أساسيين: 1- العدل الاجتماعي، 2- الإحسان والتراحم. إذ يرى أن الاجتماع الإنساني بطبيعته يتضمن الحسن والقبح، وأنّ من فضائل الطبيعة الإنسانية الأخلاقيّة مثل العدالة والعفة والشّجاعة والحكمة التي لا تسقط بمرور الزّمن([29]). ومن هذا المنطلق يُعدُّ العدل مبدأ شاملًا يوازن بين الحقوق والواجبات، كما يُعرّف الإحسان على أنّه تجاوز العدل نحو الفعل الصالح الإضافي، وهو ما يعزز التوازن بين الفرد والمجتمع([30]).
في تفسير الطباطبائي لعبارة “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى”، يؤكد أن هذه المبادئ الثلاثة تشكل صلب صلاح المجتمع الإنساني، وأنّ الله جعلها مبادئ أساسية لضمان السّعادة الفردية والجماعية، إذ إنّ صلاح الظرف الاجتماعي مقدم على منفعة الفرد المعزولة([31]). ويعدُّ أن إقامة العدل الاجتماعي ليست مجرد أحكام فقهية، بل أمر إلهي للأفراد والمؤسسات على حد سواء([32]).
الفرع الثاني: دور التفسير في تعزيز العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة
تُظهر قراءة تفسير الميزان أن التفسير نفسه ليس مجرّد شرح لغوي للآيات، بل هو أداة تربوية واجتماعية تُعزّز القيم الأخلاقيّة والعلاقات السليمة. فالطباطبائي يربط بين التوحيد والعدل، ويؤكد أن القيم الأخلاقيّة لا تكتمل إلا بحياة اجتماعية مبنية على هذا التكامل([33]). وعندما يفسّر التوجيهات القرآنيّة بالتّفاعل الاجتماعي مثل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فهو يسعى إلى تشكيل مجتمع فعّال ذو علاقة أخلاقية وثيقة بين أفراده وبين المؤسسة الحاكمة([34]).
بهذه الصورة، يُمثل تفسير الميزان وسيلة ترجمة للنص القرآني إلى منهج عملي يُعزز الإحسان، التعاون، والعدل بين الناس، ويحوّل المبادئ إلى سلوك مجتمعي إيجابي بنّاء يسهم في التماسك والاستقرار الاجتماعي([35]).
المبحث الثالث: تطبيقات العلاقات الاجتماعيّة في الفكر الإسلامي بناءً على تفسير الميزان
المطلب الاول: العلاقات الاجتماعيّة في الأسرة
الفرع الأول: مفهوم الأسرة والعلاقات الأُسريّة في تفسير الميزان
يُعَدّ مفهوم الأسرة في تفسير الميزان حجر الزاوية لبناء العلاقات الاجتماعيّة الصحيحة، إذ يوضح الطباطبائي أنّ الأسرة تشكّل النواة الأساسية للمجتمع الإسلامي، وتقوم على رابطة شرعيّة وعاطفيّة طبيعيّة تربط الزوجين والأبناء بأسس من التكامل والتّعاون([36]). يشير إلى أنّ نظام الأسرة يعتمد على “الخصوصيّة الطبيعية” بين الزوجين كأساس لتماسك المجتمع الإنساني، مستشهداً بغريزة الزواج والتكاثر كجزء من خلق الله الذي يقود إلى تأسيس النسل والبقاء([37]). ويربط الطباطبائي بين العلاقة الزوجيّة ووظيفة التكامل بين الجنسين، باعتبارها قاعدة الاجتماع الاجتماعي التي لا تُحل بدون إرادة إلهية([38]).
كما يتعرض التفسير لعلاقات الأبناء بالوالدين، إذ يعكس احترام الوالدين والإحسان إليهما القيم الاجتماعيّة الأصيلة والإطار الطبيعي الذي يدعم استمرار الأسرة كوحدة مستقرة([39]). ويعد تفسيره لآية: ﴿أمًّا ووالدًا لا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ تجسيدًا لهذه الرابطة الطبيعيّة التي ليست فقط واجبًا شرعيًّا، بل أساس إنساني سيُنهار المجتمع من دونه([40]).
الفرع الثاني: حقوق وواجبات أفراد الأسرة من منظور الميزان
يرى الطباطبائي أنّ العلاقات الأُسرية تُبنى على توزيع متزن للحقوق والواجبات بين أفراد الأسرة، بما يحقق العدل والإحسان. ويشير إلى أن الزوج مسؤول عن الإنفاق والرّعاية، والزوجة لها حق المهر وحق المعاشرة بالمعروف واحترام شخصها وكرامتها([41]). كما يفسّر آيات الطلاق بأن الزوج مسؤول عن حقوق الزوجة حتى بعد الفصل، من خلال قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ما يؤكد أن حقوق المطلقة لا تسقط بمجرد إنهاء العقد([42]).
من جهة أخرى، يُبيّن التفسير أن فضائل الإحسان والرّحمة مع الوالدين والأبناء تؤسّس لنمط اجتماعي متماسك، إذ حفظ الحقوق تحقّق المواساة والتعاون بين أفراد الأسرة، وتصبح المؤسّسة الأُسرية مكانًا لتنشئة القيم الإسلاميّة الصحيحة.
المطلب الثاني: العلاقات الاجتماعيّة في المجتمع الأوسع
الفرع الأول: العلاقات بين أفراد المجتمع وأثرها على الوحدة والتماسك
يفسر الطباطبائي في تفسير الميزان أنّ الإسلام جعل المجتمع وحدة اجتماعيّة قائمة على رابطة توحيدية وروحية تربط أفراده ارتباطًا عضويًا، فلا يُنظر إلى المجتمع كمجموعة من الأفراد المنفصلين، بل كأمّة متكاملة، تُساوي كل عضو فيها بوجوده وطاقته وتحمله لمسؤولياته([43]). ويتجسد هذا المعنى في مقولة العلامة: “وضع الإسلام هدف الاجتماع على أساس التوحيد ثم قانون أخلاقي يحقق التوازن بين أجزائه”([44])، ما يُرسّخ أساس الدين والمجتمع في آنٍ واحد.
من واجب القيادة والمجتمع تربية الأفراد لتنمية الانتماء الاجتماعي القوي عبر التّفاعل الإيماني والأخلاقي، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوسائل ترابط اجتماعي([45]). وإنّ العمل على ترسيخ رأس المال الاجتماعي من خلال التّعاون والتراحم والإحسان يولّد تماسكًا يَحول دون تفكك الوحدة الجماعيّة ويُسهم في تطور المجتمع نحو الأفضل.
ومع أن الاتفاق الجماعي يُسهم في بناء التّماسك، إلّا أنّ بحسب بعض الدّراسات الاجتماعيّة، فإن اتفاقًا جامدًا من دون تنوع في الأفكار يُؤدي للبِوار المجتمعي، لكن تفسير الميزان يؤكد أنّ التّعدد الفكري لا يُهدد أحدًا ما دام مبنيًا على أسس توحيدية وأخلاق إسلامية سليمة، ما يوازن بين التماسك الديناميكي والتعدد البنّاء في المجتمع الإسلامي.
الفرع الثاني: دور القيادة والعدل الاجتماعي في تنظيم العلاقات بين الناس
يُعبّر تفسير الميزان أن القيادة في الإسلام مسؤولة عن ضمان قيام العدل داخل المجتمع، إذ ترى أن العدالة ليست مقصدًا فحسب، بل هي آلية تنظيمية توجه العلاقات بين الحاكم والمحكوم. كما بيّن الطباطبائي أن “العدالة هي مساواة كل ذي حق بحقه في مكانه المناسب”، وهي مبدأ تنظيمي يسهم في الحد من التوتر والانحراف الاجتماعي.
وتحقيق العدالة الاجتماعيّة لا يقتصر على القوانين الرسمية، بل يشمل التنشئة الأخلاقيّة: بالتربية والتوجيه والوعظ والعمل الاجتماعي القائم على القيم الإسلاميّة، بما يضمن التزام كل فرد بدوره الاجتماعي داخل الأسرة، ومؤسسات المجتمع، والأمة([46]). وهذا ما يجعل القيادة تتعامل مع الناس على أساس حقوق وواجبات متوازنة مبنيّة على القيم التّوحيديّة.
ويوضح البحث أن عدم وجود قيادة عادلة تُفضي إلى خلل في التوزيع والإنصاف يُؤدي إلى ضعف الدين وسيطرة الفوضى على المجتمع. ويُعد تطبيق العدل الاجتماعي واجبًا إلهيًا ومجتمعيًا لضمان استقراره واستمرار دوره الأخلاقي والديني([47]).
النتائج
تُعد العلاقات الاجتماعيّة من المفاهيم المهمّة التي تناولها تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، إذ تشكل نسيج الحياة الإنسانيّة من منظور إسلامي عميق يرتكز على التّكامل بين الفرد والمجتمع، والتّوازن بين الحقوق والواجبات. ومن خلال الدّراسة التفصيليّة للنصوص القرآنيّة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعيّة، والآيات التي تؤكد على قيم العدل، الرحمة، التّعاون، والإحسان، يتضح أن تفسير الميزان لا يقدم مجرد شرح لغوي للنصوص، بل يضع أسسًا فلسفيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة تنبع من روح الإسلام ومنهجه القويم في بناء المجتمع.
تُظهر نتائج البحث أنّ العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان ليست ظاهرة اجتماعية فقط، بل هي علاقة تكامليّة مبنية على العدل الإلهي الذي يضبط التّفاعل بين الناس، ويرعى مصالح الأفراد والجماعة على حد سواء. إذ إن العدل، كما يُبين التفسير، هو الضمان الأساس لاستمرار المجتمع واستقراره، وهو العمود الفقري الذي تُبنى عليه العلاقات الإ نسانيّة كافة. وعلى هذا الأساس، فإن الإحسان الذي يأتي بعد العدل هو الذي يزيد من منسوب التراحم والتعاون بين الأفراد، ويعزز الروابط الأُسرية والاجتماعيّة، مما يحول المجتمع إلى كيان متماسك ومتعاون.
ويتضح من الدّراسة أن تفسير الميزان يربط بين التوحيد والعدل، ويؤكد أنّ القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة لا تُستقل عن المبادئ الدينية. فالعدل في ميزان الله لا يتحقق إلا إذا ارتبط الإيمان القلبي والتّوحيد بالعمل الاجتماعي السليم. وهذا التكامل بين العقيدة والأخلاق يجعل من تفسير الميزان أداة فعالة لتربية الأفراد وتنظيم العلاقات داخل الأسرة، وبين أفراد المجتمع الأوسع.
في سياق الأسرة، يوضح الميزان أن العلاقات الأُسرية تقوم على أسس من التّكامل بين الزوجين، والاحترام المتبادل، والحقوق والواجبات المتوازنة. كما يبرز التفسير دور الوالدين في تكوين شخصية الأبناء والحفاظ على استقرار الأسرة، وضرورة البر والإحسان إليهما. ومن خلال هذا الإطار، يبرز دور الأسرة كوحدة اجتماعيّة أساسية في بناء المجتمع الإسلامي، والتي يُعاد إنتاج القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة من خلالها.
أمّا في المجتمع الأوسع، فيؤكد التفسير أن العلاقات بين الأفراد يجب أن تُبنى على أسس من التعاون، والتراحم، والعدل، والتوجيه الأخلاقي الذي يوفره القائد العادل. فالقيادة في الميزان ليست سلطة مجردة، بل مسؤولية كبيرة لضمان العدل، وتحقيق مصلحة المجتمع ككل، ومراقبة توازن الحقوق والواجبات بين أفراده. ويُبرز تفسير الميزان كيف أن غياب العدل يُفضي إلى ضعف الروابط الاجتماعيّة، وزيادة النزاعات، وتفكك المجتمع.
من خلال هذه النتائج، يتضح أن تفسير الميزان يعزز القيم الاجتماعيّة والأخلاقيّة في الإسلام بطريقة متكاملة، لا تفصل بين الدين والحياة الاجتماعيّة، بل تجعل منهج القرآن هو المنهج الذي يحكم التفاعل بين البشر. وبذلك، فإن تفسير الميزان يقدم رؤية شاملة للعلاقات الاجتماعيّة تعالج الجوانب الفردية والجماعية في آنٍ واحد.
أمّا بالنسبة إلى دور التفسير في معالجة المشاكل المعاصرة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعيّة، فيمكن اقتراح عدة محاور. أولًا، هو استثمار القيم القرآنيّة التي يعرضها تفسير الميزان في برامج التّوعية الدّينيّة والاجتماعيّة، لتعليم الأفراد أهمية العدل والإحسان والتعاون في حياتهم اليومية. وهذا من شأنه أن يخفف من حدة النزاعات الاجتماعيّة، ويعزز التضامن بين أفراد المجتمع.
ثانيًا، يمكن أن يستخدم التفسير كمرجع في تطوير التشريعات والقوانين التي تنظم العلاقات الاجتماعيّة، خاصة في المجالات الأُسرية والقضائية، لضمان حماية الحقوق، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة. فالتفسير يقدم مبادئ وأسسًا قوية يمكن أن تُستلهم لتطوير نظم متكاملة تحكم العلاقات بين الأفراد، بما يتلاءم مع القيم الإسلاميّة الأصيلة.
ثالثًا، يمكن أن يسهم تفسير الميزان في دعم العمل الاجتماعي التطوعي والتعاوني، من خلال تحفيز القيم الإسلاميّة في التّعاون والتكافل الاجتماعي، ما يُعزز من بناء مجتمعات أكثر تماسكا واستقرارًا، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعيّة المعاصرة.
رابعًا، وفي ظل التطورات التقنية والاجتماعيّة الحديثة التي أثرت على طبيعة العلاقات الاجتماعيّة، يمكن لتفسير الميزان أن يقدم رؤية متجددة تتعامل مع هذه المستجدات من منظور قرآني أصيل، مستفيدًا من المبادئ الأخلاقيّة والتربوية الواضحة في التفسير. ومن ذلك، التوجيه نحو الاستخدام الرشيد لوسائل الاتصال الحديثة بما يحفظ القيم ويعزز العلاقات الاجتماعيّة.
ختامًا، فإن أهمية العلاقات الاجتماعيّة في تفسير الميزان تتجسد في كونه مصدرًا ثريًا للأفكار التي تُعيد تشكيل السلوك الاجتماعي بناءً على القيم القرآنيّة. كما يُعدّ التفسير مرجعًا ضروريًا لفهم كيفية بناء مجتمع إسلامي متكامل، ينمو أفراده على العدالة والإحسان، ويعيشون في ظل تكافل ومودة حقيقية. وعليه، فإن تبني هذا المنهج التفسيري في الدّراسات الاجتماعيّة الحديثة والبرامج التّربويّة يمكن أن يسهم بشكل فاعل في معالجة كثير من المشكلات التي تواجه العلاقات الاجتماعيّة في العصر الحديث.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1994، مجلد 9، ص 238–240.
- أحمد، سمير. “مدخل إلى علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية.” القاهرة: دار المعارف، 2012، ص 73–77.
- الجرجاني، علي بن محمد. التعريفات. تحقيق إبراهيم الأبياري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1985، ص
- حجازي، مصطفى. الإنسان والمجتمع: رؤية نفسية اجتماعية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003، ص 112–116.
- الزغار، نظير. “العدالة الاجتماعيّة في الإسلام: دراسة تحليلية.” مجلة الأفكار للدراسات الإسلاميّة، العدد 4، المجلد 6 (2022): الصفحات 45–60.
- العلامة الطباطبائي، الميزان،
- علي حسين شرف الدين، الأسس الاجتماعيّة في الإسلام: دراسة تطبيقية مستمدة من تفسير الميزان، مجلة الدراسات الإسلاميّة، العدد 15، 2023، ص 112-115.
- العلي، وآخرون. “دور القيم الإسلاميّة في تعزيز العدالة الاجتماعيّة والرفاه المجتمعي.” المجلة الدولية للبحوث في الإدارة والعلوم الاجتماعيّة، لاهور، العدد 2، 2022، الصفحات 112–118.
- فونيليش، ناديا. “العلاقات الاجتماعيّة، رأس المال الاجتماعي، والشبكات.” في: رأس المال الاجتماعي: المفهوم والبنية النظرية، ترجمة وتحرير [اسم المحرر]. شوم: دار سبرينغر، 2022، الصفحات 17–19.
- مالك، محمد شمس. “نموذج علم الاجتماع الإسلامي.” المجلة الدولية لعلم الاجتماع، المجلد 6، العدد 3 (2022): الصفحات 154–156.
- ماودودي، سيد أبو الأعلى. “النظام الاجتماعي في الإسلام.” موقع الإسلام (al-Islam.org)، تاريخ الاطلاع: أغسطس 2025.
- مجلة الفكر الإسلامي المعاصر. “الأخلاق الاجتماعيّة في الإسلام: مدخل لتعزيز الانسجام المجتمعي.” العدد 3، 2023، الصفحات 80–88.
- مجلة الفكر الديني الأسود (Journal of Black Religious Thought). “بناء مجتمع عادل من منظور قرآني.” العدد 1، المجلد 1، 2022، الصفحات 21–24.
- Amati, Valentina. “Social Relations and Life Satisfaction: The Role of Friends.” Genus 74, no. 11 (2018): 1–15. https://doi.org/10.1186/s41118-018-0032-z, pp. 3–5.
- Eversberg, D. “Social Relationships with Nature: Elements of a Framework for Sustainable Societies.” Environmental Politics 32, no. 4 (2022): 567–586, pp. 568–570.
- Malik, Muhammad Shams. “Paradigm of Islamic Sociology.” Sociology International Journal 6, no. 3 (2022): 154–156, pp. 154–155.
- Mucha, Janusz. “The Concept of ‘Social Relations’ in Classic Analytical Interpretation: Sociology of Weber and Znaniecki.” Essays in Logic and Ontology (Poznań Studies in the Philosophy of the Sciences and the Humanities, vol. 91), edited by J. Malinowski and A. Pietruszczak, 119–142. Amsterdam/New York: Rodopi, 2006, pp. 120–122.
- Vonneilich, Nadja. “Social Relations, Social Capital, and Social Networks.” In Social Capital: Intuition, Precept, Concept and Theory, edited by [Editor Name], 15–35. Cham: Springer, 2022, pp. 17–19.
- Whimster, S. “Pure Relationality as a Sociological Theory of Social Relationships.” Frontiers in Sociology 3 (2018): article 1, pp. 2–3.
[1] – مدرّس دكتور في الجامعة الإسلاميّة العراق – فرع الدّيوانيّة- كلية العلوم الإسلاميّة- قسم الدراسات القرآنيّة واللغويّة
Professor and PhD at the Islamic University of Iraq – Diwaniyah Branch – College of Islamic Sciences – Department of Qur’anic and Linguistic Studies.Email: j7354200@gmail.com
[2] – ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1994، مجلد 9، ص 238–240.
[3] -الجرجاني، علي بن محمد. التعريفات. تحقيق إبراهيم الأبياري. بيروت: دار الكتاب العربي، 1985، ص 187.
[4] - Mucha, Janusz. “The Concept of ‘Social Relations’ in Classic Analytical Interpretation: Sociology of Weber and Znaniecki.” Essays in Logic and Ontology (Poznań Studies in the Philosophy of the Sciences and the Humanities, vol. 91), edited by J. Malinowski and A. Pietruszczak, 119–142. Amsterdam/New York: Rodopi, 2006, pp. 120–122.
[5] - Vonneilich, Nadja. “Social Relations, Social Capital, and Social Networks.” In Social Capital: Intuition, Precept, Concept and Theory, edited by [Editor Name], 15–35. Cham: Springer, 2022, pp. 17–19.
[6] - Amati, Valentina. “Social Relations and Life Satisfaction: The Role of Friends.” Genus 74, no. 11 (2018): 1–15. https://doi.org/10.1186/s41118-018-0032-z, pp. 3–5.
[7]– Eversberg, D. “Social Relationships with Nature: Elements of a Framework for Sustainable Societies.” Environmental Politics 32, no. 4 (2022): 567–586, pp. 568–570.
[8] - Whimster, S. “Pure Relationality as a Sociological Theory of Social Relationships.” Frontiers in Sociology 3 (2018): article 1, pp. 2–3.
[9] - Malik, Muhammad Shams. “Paradigm of Islamic Sociology.” Sociology International Journal 6, no. 3 (2022): 154–156, pp. 154–155.
[10] -أحمد، سمير. “مدخل إلى علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية.” القاهرة: دار المعارف، 2012، ص 73–77.
[11] -حجازي، مصطفى. الإنسان والمجتمع: رؤية نفسية اجتماعية. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003، ص 112–116.
[12] -الزغار، نظير. “العدالة الاجتماعية في الإسلام: دراسة تحليلية.” مجلة الأفكار للدراسات الإسلامية، العدد 4، المجلد 6 (2022): الصفحات 45–60.
[13] -العلي، زafar وآخرون. “دور القيم الإسلامية في تعزيز العدالة الاجتماعية والرفاه المجتمعي.” المجلة الدولية للبحوث في الإدارة والعلوم الاجتماعية، لاهور، العدد 2، 2022، الصفحات 112–118.
[14] – القرآن الكريم.
[15] – فونيليش، ناديا. “العلاقات الاجتماعية، رأس المال الاجتماعي، والشبكات.” في: رأس المال الاجتماعي: المفهوم والبنية النظرية، ترجمة وتحرير [اسم المحرر]. شوم: دار سبرينغر، 2022، الصفحات 17–19.
[16] – ماودودي، سيد أبو الأعلى. “النظام الاجتماعي في الإسلام.” موقع الإسلام (al-Islam.org)، تاريخ الاطلاع: أغسطس 2025.
[17] – مالك، محمد شمس. “نموذج علم الاجتماع الإسلامي.” المجلة الدولية لعلم الاجتماع، المجلد 6، العدد 3 (2022): الصفحات 154–156.
[18] – مجلة الفكر الإسلامي المعاصر. “الأخلاق الاجتماعية في الإسلام: مدخل لتعزيز الانسجام المجتمعي.” العدد 3، 2023، الصفحات 80–88.
[19] – مجلة الفكر الديني الأسود (Journal of Black Religious Thought). “بناء مجتمع عادل من منظور قرآني.” العدد 1، المجلد 1، 2022، الصفحات 21–24.
[20] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[21] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[22] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[23] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[24] -تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[25]– تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 6، صفحة 10
[26] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[27]– تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 12، صفحة 332
[28] – تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، جلد 4، صفحة 353 و جلد 6، صفحة 10
[29]– الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 1، ص 380–381
[30] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 5، ص 10
[31] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 12، ص 330–331
[32] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 12، ص 331
[33] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 4، ص 109
[34] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 2، ص 235
[35] -الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، جلد 6، ص 257
[36]– العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، جلد 16، ص 335، عن مفهوم الأسرة والرابطة الطبيعية بين الزوجين
[37] -المرجع نفسه، جلد 16، ص 335، عن ضرورة الزواج كقاعدة طبيعية للمجتمع
[38]– العلامة الطباطبائي، الميزان، جلد 13، ص 80، تفسير آية بر الوالدين وأثره في العائلة والمجتمع.
[39] – المرجع نفسه، جلد 13، ص 80، تأكيد الكرامة والاحترام في التفاعل بين الأبناء والوالدين
[40]– العلامة الطباطبائي، الميزان، جلد 4، ص 184، عن توزيع الحقوق والواجبات داخل الأسرة، بما في ذلك العدل في المعاشرة
[41]– المرجع نفسه، جلد 4، ص 184، تفسير آيات الطلاق وواجبات الزوج بعد نهاية العلاقة
[42]– العلامة الطباطبائي، الميزان، جلد 16، ص 335، عن دور الإحسان والرحمة داخل العلاقات الأسرية في تحقيق التماسك المجتمعي
[43] -الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 4، ص 92–96، في باب “الإسلام والمجتمع” ومفهوم الأمة كوحدة واحدة
[44] -المرجع نفسه، ج 4، ص 92، حول دمج التوحيد مع النظام الأخلاقي
[45] -تفسير الميزان، ج 4، ص 109، في سياق الحديث عن التفاعل الاجتماعي وقِيَم التوجيه الاجتماعي
[46] -علي حسين شرف الدين، الأسس الاجتماعية في الإسلام: دراسة تطبيقية مستمدة من تفسير الميزان، مجلة الدراسات الإسلامية، العدد 15، 2023، ص 112-115.
[47] -الطباطبائي، الميزان، ج 1، ص 380، تصوّر الاجتماع كمجتمع أخلاقي قائم على العدل والإحسان