اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي: تحولات المفهوم والممارسة
Educational Authority in the Digital Age: Transformations of Concept and Practice
Karima Ayoub كريمة أيوب([1])
تاريخ الإرسال:10-11-2025 تاريخ القبول:21-11-2025
الملخّص turnitin:10%
يهدف هذا البحث إلى تحليل تحوّلات مفهوم السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي، من خلال دراسة أبعادها النّظريّة والعمليّة في مرحلة التّعليم الأساسي (الابتدائي والمتوسط)، وينطلق البحث من فرضيّة مفادها أنّ التّحوّل الرّقمي لم يُلغِ السّلطة التّربويّة، بل أعاد تشكيلها ضمن أنماط جديدة من التّفاعل، والتّمكين، والمساءلة الذّاتيّة، واستخدم البحث المنهج الوصفي–التّحليلي والمقارنة النقديّة بين الأدبيات الكلاسيكيّة والمعاصرة لتفسير طبيعة هذه التحولات.
تُبرز النتائج أنّ السّلطة التّربويّة انتقلت من نموذجها الهرمي التّقليدي القائم على الانضباط الخارجي، إلى نموذج شبكي تشاركي يقوم على الوعي، والتّفاعل، والتّنظيم الذاتي، وغيّر الذكاء الاصطناعي والخوارزميّات من أشكال الممارسة التّربويّة، فظهر نوع جديد من “السّلطة التقنيّة” التي تتطلب مساءلة تربويّة وأخلاقيّة متجددة.
وتؤكد الدّراسة أهمّيّة بناء سلطة تربويّة رقميّة إنسانيّة تستند إلى القيم، وتوازن بين الحريّة والمسؤوليّة، وبين التّمكين والضّبط الذاتي، عبر تعزيز الكفايات الرّقميّة للمعلمين والمتعلمين، وترسيخ المواطنة الرّقميّة في المناهج التّعليميّة، ويخلص البحث إلى أنّ إعادة بناء السّلطة التّربويّة تمثل ضرورة استراتيجيّة لمواءمة التّعليم الأساسي مع متطلبات العصر الرّقمي، وضمان العدالة، والفاعليّة، والهُويّة الإنسانيّة للتربية.
الكلمات المفتاحيّة: السّلطة التّربويّة – التّحوّل الرّقمي – التّعليم الأساسي – التّمكين التّربوي – الذكاء الاصطناعي – المواطنة الرّقميّة – الانضباط الذاتي.
Abstract
This research aims to analyze the transformation of educational authority in the digital age, focusing on its conceptual and practical dimensions within basic education (primary and lower secondary levels). The study is based on the hypothesis that digital transformation has not eliminated educational authority but has restructured it into new forms of interaction, empowerment, and self-regulation. Using a descriptive–analytical and critical–comparative approach, the paper examines classical and contemporary literature to reveal how authority in education has evolved under digital conditions.
The findings indicate a paradigm shift from hierarchical and disciplinary authority toward networked, participatory, and dialogical forms of power. Artificial intelligence and algorithmic systems have introduced new modes of “technical authority,” demanding renewed pedagogical and ethical reflection. The study underscores the need to construct a human-centered digital educational authority grounded in values that balance freedom and responsibility, empowerment and discipline. It also emphasizes the importance of developing teachers’ and learners’ digital competencies and fostering digital citizenship in school curricula.
Ultimately, the paper concludes that rethinking educational authority is essential for aligning basic education with the challenges of the digital era while preserving its humanistic and ethical dimensions.
Keywords: Educational Authority – Digital Transformation – Basic Education – Empowerment – Artificial Intelligence – Digital Citizenship – Self-Regulation
المقدمة
يشهد العالم المعاصر تحوّلًا جذريًا في بنيته المعرفيّة والاجتماعيّة نتيجة التقدّم الرّقمي المتسارع، إذ باتت التكنولوجيا الرّقميّة تمثّل الإطار الحاكم لأشكال التّفاعل الإنساني، والتعلّم، وإنتاج المعرفة، فقد أعادت الرقمنة صياغة أنماط التّواصل، ومصادر المعلومة، وآليات التكوين الفكري للمتعلمين، إذ أصبح التّعليم في القرن الحادي والعشرين أكثر انفتاحًا وتشاركًا ومرونة من أي وقت مضى، وفي ظل هذا الواقع الجديد، تبرز السّلطة التّربويّة كمفهوم يعاد التفكير فيه على نحو جوهري، إذ لم تعد ترتبط بموقع المعلّم أو المؤسسة التّعليميّة فحسب، بل أصبحت تتوزّع عبر منظومة من الوسائط والمنصّات الرّقميّة التي تُعيد تشكيل العلاقة بين المعلّم والمتعلّم والمعرفة (Correa & Fabbro, 2019).
لقد كشفت تجربة التّعليم أثناء جائحة «كوفيد-19» عن عمق التحوّل الرّقمي في الحقل التربوي، إذ اضطرت المدارس إلى الانتقال السريع نحو التّعليم الإلكتروني، ما أظهر هشاشة البنية التّقليدية للسلطة التّعليميّة القائمة على الحضور المادي، في مقابل بروز فضاءات جديدة للسلطة والافتراضيّة تمارس من خلالها المنصّات الرّقميّة والذكاء الاصطناعي أدوارًا تنظيميّة ومعرفيّة وتقييميّة، وهذا التّحوّل فرض إعادة النظر في كيفيّة ممارسة التوجيه، وإدارة الصف، وتقييم الأداء، ما أدّى إلى بروز أنماط من السّلطة التّربويّة اللامركزيّة القائمة على المشاركة والتّمكين والتّفاعل (Henriques et al., 2021).
من هذا المنطلق، تمثل إشكاليّة البحث محاولة لفهم كيف تغيّر مفهوم السّلطة التّربويّة في ظل البيئة الرّقميّة المعاصرة، خصوصًا في التّعليم الابتدائي الذي يُعد المرحلة الأولى في بناء علاقة الطفل بالمعرفة وبالسّلطة التّعليميّة، وينطلق هذا التساؤل من فرضيّة أساسيّة مفادها أن التحوّل الرّقمي لا يغيّر أدوات التّعليم فحسب، بل يعيد صياغة بنيته المعرفيّة والاجتماعيّة، وينقل مركز السّلطة من المعلم إلى منظومة تفاعليّة متعددة الفاعلين، يتقاسم فيها الجميع مسؤوليّة إنتاج المعرفة وتوجيهها (Irhamni & Ashari, 2023).
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل تحوّلات مفهوم السّلطة التّربويّة وممارساتها في العصر الرّقمي، مع التركيز على المرحلة الابتدائيّة بوصفها البيئة الأكثر تأثرًا بالتحوّل التكنولوجي في التعليم، وتعتمد الدّراسة منهجًا وصفيًا تحليليًا يجمع بين القراءة النظرية والنقد المقارن، بهدف كشف التّحولات البنيويّة التي أصابت مفهوم السّلطة التّعليميّة من جهة، واستشراف الأطر الجديدة لممارستها في البيئات التّربويّة الرّقميّة من جهة أخرى.
مشكلة الدّراسة
تنبع مشكلة هذا البحث من التحوّل العميق الذي أصاب مفهوم السّلطة التّربويّة في ظل الثورة الرّقمية، إذ لم تعد السّلطة حكرًا على المعلّم أو المؤسسة التّعليميّة، بل باتت تتوزّع بين فاعلين متعدّدين يشملون مجتمعات التعلّم والافتراضيّة، والشبكات الاجتماعيّة، وهذا الواقع الجديد أعاد تشكيل أدوار الفاعلين التربويين وحدود تأثيرهم في العمليّة التّعليميّة، لا سيما في المرحلة الابتدائيّة التي تتسم بحساسية العلاقة التّربويّة وبأهمية التّفاعل المباشر في بناء شخصية المتعلّم وقيمه.
ويُلاحظ أنّ الممارسات التّربويّة الرّقميّة أفرزت أنماطًا جديدة من السيطرة والتنظيم والتمكين، إذ أصبح المتعلّم يمتلك مساحات أوسع من الاختيار والمبادرة، في حين يتراجع الدّور السّلطوي التّقليدي للمعلم لصالح أدوار الإشراف، والتوجيه، والمرافقة، وفي المقابل، تطرح هذه التحوّلات إشكالات أخلاقيّة وتربويّة حول حدود السّلطة، وأسس الانضباط، وشرعيّة التوجيه في بيئة رقميّة مفتوحة، وعليه، يطرح هذا التحوّل التساؤل الإشكالي الآتي:
إلى أيّ مدى أسهم التحوّل الرّقمي في إعادة تشكيل مفهوم وممارسات السّلطة التّربويّة في التّعليم الابتدائي، وهل مثّل هذا التحوّل انتقالًا من سلطة الضبط والسّيطرة إلى سلطة المشاركة والتّمكين، أم أنه أعاد إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة بأدوات رقمية مختلفة؟
أسئلة الدّراسة: تسعى هذه الدّراسة للإجابة عن الأسئلة الآتية:
- كيف تغيّر مفهوم السّلطة التّربويّة في ضوء التحول الرّقمي، وما أبرز ملامح هذا التغيير في التعليم الابتدائي؟
- ما العوامل التقنية والاجتماعيّة التي أعادت توزيع السّلطة بين المعلم والمتعلم والمنصّة التّعليميّة؟
- كيف أثّرت البيئة الرّقميّة في ممارسات السّلطة التّربويّة، سواء في التوجيه أو الانضباط أو التقييم؟
- ما حدود التّمكين والتّفاعل في ظل سلطة الخوارزميّات والذكاء الاصطناعي؟
- كيف يمكن إعادة بناء السّلطة التّربويّة بما يوازن بين الحرية والمسؤوليّة في التّعليم الرّقمي؟
أهداف الدّراسة: تهدف الدّراسة إلى تحقيق الأغراض الآتية:
- تحليل تطوّر مفهوم السّلطة التّربويّة في الفكر التربوي من منظور التحوّل الرّقمي.
- رصد تحولات الممارسة التّربويّة في ضوء اللامركزية التكنولوجية والفضاءات التّعليميّة الرّقميّة.
- تحديد أثر التقنيات الرّقمية على أدوار الفاعلين التّربويين في التّعليم الابتدائي (المعلم، المتعلم، الأسرة، الإدارة).
- اقتراح إطار نظري وتربوي جديد لإعادة تعريف السّلطة التّربويّة في بيئة تعليمية رقمية قائمة على المشاركة والتمكين.
جديد البحث:يتميّز هذا البحث بعدة عناصر تجديدية، أهمها:
- تحديد موقع السّلطة التّربويّة في التّعليم الابتدائي الرّقمي بوصفه مستوى تأسيسيًا تتبلور فيه علاقة المتعلّم بالمعرفة والضّبط الذاتي.
- الرّبط بين التّحليل النّظري والفحص الميداني المعاصر لواقع التعليم الرّقمي، بما يسمح بفهم السّلطة كمنظومة تفاعلية وليست هرمية.
- تقديم قراءة نقدية لسلطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في المدرسة الرّقمية، بوصفها فاعلًا جديدًا في العملية التّربويّة.
- اقتراح نموذج تأطيري لإعادة بناء السّلطة التّربويّة قائم على التمكين، والمواطنة الرّقمية، والتوازن بين الحرية والمسؤولية.
منهج البحث:
يعتمد هذا البحث منهجًا وصفيًا–تحليليًا يستند إلى تحليل المفاهيم والنّصوص النّظريّة ذات الصّلة بمفهوم السّلطة التّربويّة، ومقارنتها بالتحولات التي فرضها الواقع الرّقمي في الممارسة التّعليميّة المعاصرة، ويقوم المنهج الوصفي بتحليل الظواهر التّربويّة في سياقها التّاريخي والاجتماعي، بينما يسمح المنهج التّحليلي–الناقد بتفكيك البُنى الفكريّة والنّظريّة التي أسّست لمفهوم السّلطة في الفكر التّربوي والفلسفي.
فرضيّة البحث
ينطلق البحث من فرضيّة مركزيّة مؤدّاها أنّ التحوّل الرّقمي لم يُلغِ السّلطة التّربويّة، بل أعاد تشكيلها في صورة أكثر تشاركيّة وتفاعليّة، وقد انتقلت من سلطة أحاديّة عموديّة إلى سلطة شبكيّة متعددة المستويات، وبالتالي، فإنّ المعلم لم يفقد دوره بوصفه فاعلًا تربويًا موجِّهًا، بل تحوّل إلى منسّق وميسّر لعمليات التعلّم، بينما أصبح المتعلّم شريكًا منتجًا للمعرفة لا مجرد متلقٍ سلبي، وكما تفترض الدّراسة أنّ الخوارزميّات والمنصّات الذكيّة تمارس شكلًا جديدًا من السّلطة الرّقمية غير المرئيّة، ما يستدعي مقاربة نقدية لضبط حدودها التّربويّة والأخلاقيّة.
الفجوة البحثيّة
على الرغم من تزايد الدراسات التي تناولت التعليم الرّقمي والتحوّل التربوي عالميًا، فإنّ معظمها ركّز على الأبعاد التقنية أو الإدارية دون الغوص في البعد المفاهيمي للسلطة التّربويّة داخل التعليم الابتدائي، وكما أنّ الأدبيات العربيّة في هذا المجال ما تزال محدودة ومتفرقة، وغالبًا ما تُعالج السّلطة بوصفها ظاهرة تنظيميّة أو سلوكيّة، لا بوصفها علاقة معرفيّة وأخلاقيّة تتأثر بالبنية الرّقميّة.
ومن ثم، تسعى هذه الدّراسة إلى سدّ هذه الفجوة المعرفيّة عبر تحليل نقدي يجمع بين الإطار النّظري للسلطة في الفكر التّربوي الكلاسيكي والتحوّلات الحديثة التي فرضتها الرقمنة، مستندةً إلى دراسات عالميّة حديثة مثل (Correa & Fabbro, 2019؛ Henriques et al., 2021؛ Irhamni & Ashari, 2023).
وانطلاقًا من هذا الإطار المنهجي والنظري، يسعى البحث إلى تتبّع الجذور الفلسفيّة والاجتماعيّة التي شكّلت مفهوم السّلطة في الفكر الإنساني عمومًا، وفي الفكر التربوي خصوصًا، تمهيدًا لفهم تحوّلاتها في العصر الرّقمي، فقبل تحليل التغيّرات التي فرضتها التكنولوجيا على الممارسات التّربويّة، من الضروري العودة إلى الأسس النّظريّة التي بُني عليها المفهوم ذاته، وإلى الكيفيّة التي صاغ بها المفكرون والفلاسفة طبيعة العلاقة بين المعرفة والسّلطة، وبين المعلّم والمتعلّم، بوصفها علاقة تأسيسيّة لكل فعل تربوي.
المبحث الأول: السّلطة التّربويّة – المفهوم والجذور النّظريّة
تُعدّ السّلطة التّربويّة أحد المفاهيم المركزيّة في الفكر التربوي والاجتماعي، لارتباطها الوثيق بطبيعة العلاقة بين المعلّم والمتعلّم، وبالنسق الأخلاقي والمعرفي الذي تنتظم فيه العمليّة التّعليميّة، فهي ليست مجرد أداة ضبط أو إدارة، بل منظومة قيميّة ومعرفيّة تحدد أنماط التواصل، وتوزيع الأدوار، وحدود التّفاعل داخل المؤسسة التّعليميّة، ولأنها تتقاطع مع مفاهيم مثل المعرفة، والانضباط، والحريّة، والتنشئة، فقد ظلت السّلطة التّربويّة موضوعًا للنقاش الفلسفي والاجتماعي منذ نشأة الفكر التربوي الحديث.
1. مفهوم السّلطة في الفكر الفلسفي والاجتماعي
تعود جذور مفهوم السّلطة إلى النقاشات الفلسفية والاجتماعيّة التي تناولت العلاقة بين القوة والمعرفة، ويرى ميشيل فوكو أن السّلطة ليست هيمنة مفروضة من الأعلى، بل هي شبكة من العلاقات تتخلل النّسيج الاجتماعي والمعرفي، وتعمل من خلال الممارسات الخطابية والمؤسساتيّة في آنٍ واحد، فالمدرسة – وفقًا لهذا المنظور – ليست مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل آلية لإنتاج الطاعة والانضباط عبر تقنيات تربويّة دقيقة توجه الجسد والسّلوك والمعرفة معًا(Torres, 2024).
أمّا بيير بورديو فيربط السّلطة برأس المال الرّمزي والثقافي الذي يمنح المعلّم موقعًا شرعيًا داخل الحقل التّربوي، إذ تتكرّس الهيمنة من خلال اللغة، والمحتوى، والتقييم، أي عبر “العنف الرمزي” الذي يمارَس باسم المعرفة، في حين يؤكد يورغن هابرماس على البعد التّواصلي للسلطة، إذ يرى أن الفعل التربوي ينبغي أن يقوم على الحوار العقلاني لا على الإكراه، وأنّ شرعية السّلطة التّعليميّة تُستمد من التّفاعل القائم على التّفاهم والتّشارك، لا من التفوق المعرفي وحده (Goagoses et al., 2023).
وبناء عليه، يمكن القول إنّ الفكر الفلسفي والاجتماعي قد نقل مفهوم السّلطة من كونه ممارسة قسرية إلى كونه علاقة تفاعلية تُبنى على التبادل الرمزي والمعرفي، ما مهّد لظهور تصورات تربويّة حديثة تقوم على المشاركة والتفاوض داخل الفعل التعليمي.
2. السّلطة التّربويّة في الفكر التربوي الكلاسيكي
اهتمّ المفكرون التربويون الكلاسيكيون بمسألة السّلطة من منطلق دورها في التنشئة الاجتماعيّة وتوجيه السّلوك الأخلاقي، فقد رأى إميل دوركهايم أن المدرسة هي المؤسسة الاجتماعيّة الأولى التي تُمارَس فيها السّلطة بصورة منظّمة، إذ تُعدّ امتدادًا لسلطة المجتمع على الأفراد، وتكمن وظيفة السّلطة عنده في إكساب الطفل احترام النظام العام وتقبّل القواعد الأخلاقيّة بوصفها شرطًا للتكامل الاجتماعي.
أما جون ديوي فعدَّ السّلطة التّربويّة عمليّةً عقلانيّةً مرنةً لا تُمارَس عبر القسر، بل عبر التّفاعل الديمقراطي الذي يجعل من التعليم خبرة جماعيّة، فهو يرى أن المعلّم ليس ممثلًا للانضباط، بل وسيطًا بين الخبرة الفرديّة والجماعيّة، يوجّه المتعلم نحو النّمو الذاتي والمسؤوليّة المشتركة (Ravindiran & Ramani, 2025).
في المقابل، قدّم باولو فريري تصورًا نقديًا للسلطة التّربويّة في إطار ما سمّاه التربية النقديّة للتحرر، فالمعلم عنده ليس مالكًا للمعرفة، بل شريكًا في عملية الوعي والتحرر، ويجب أن يتحول التعليم من “بنك للمعلومات” إلى “حوار إنساني” يشارك فيه المتعلم في إنتاج المعنى والوعي، بهذا، تتغير السّلطة من علاقة عموديّة إلى علاقة أفقية تقوم على الوعي والنقد والمشاركة (Yudianto et al., 2025).
3. أشكال ممارسة السّلطة في المدرسة والجامعة
تتخذ السّلطة التّربويّة أشكالًا متعددة تبعًا لطبيعة المؤسسة التّعليميّة وسياقها الثقافي والاجتماعي، ففي المدارس، تظهر السّلطة في ثلاثة مستويات رئيسة: السّلطة التّنظيميّة التي تمارسها الإدارة من خلال الأنظمة والقوانين، والسّلطة المعرفيّة التي يمثلها المعلّم بوصفه مصدرًا للمعرفة والتّقويم، والسّلطة الرّمزيّة التي تنعكس في القيم والسّلوكيّات والأدوار الاجتماعيّة.
تشير دراسة Staarman (2009) إلى أنّ السّلطة داخل الصّف ليست جامدة أو أحاديّة، بل تُعاد صياغتها باستمرار من خلال التّفاوض التربوي بين المعلّم والمتعلّم في أثناء التّفاعل الصّفي. كما تبيّن أبحاث Pifarré & Staarman (2011) أنّ السّلطة قد تتحول إلى قوة دافعة للتعلّم عندما تُمارس ضمن فضاء حواري يُتيح للمتعلمين التعبير عن آرائهم والمشاركة في بناء المعرفة، ما يجعلها سلطة معرفيّة تشاركيّة لا قسريّة.
وفي السّياق المدرسي، تتخذ السّلطة طابعًا أكثر مؤسساتية، إذ تمتزج الأكاديميّة بالبيروقراطيّة، ويُعاد إنتاج أنماط السّلطة عبر معايير الاعتماد، والبحث العلمي، وتقنيات التقويم، ما يجعلها سلطة متعددة المستويات (Muñoz-Repiso et al., 2014).
4. علاقة السّلطة بالتنشئة والانضباط والتعليم الأخلاقي
لا يمكن فهم السّلطة التّربويّة بمعزل عن وظيفتها في التنشئة الاجتماعيّة، فهي أداة المجتمع في نقل قيمه ومعاييره إلى الأجيال النّاشئة، إلّا أنّ طبيعة هذه السّلطة تتغير باختلاف الفلسفة التّربويّة السائدة، ففي النظم التّقليديّة، كانت السّلطة وسيلة لضبط السّلوك وفرض الطاعة، بينما في المقاربات الحديثة أصبحت أداة لتشكيل الضمير الأخلاقي الذاتي الذي يقوم على الاختيار والمسؤوليّة.
تشير دراسة Correa & Fabbro (2019) إلى أنّ ممارسة السّلطة في المدرسة لا تقتصر على التّعليم النظامي، بل تمتد إلى بناء علاقة الطفل بالمعرفة وبذاته، إذ تتيح التكنولوجيا الحديثة أنماطًا جديدة من الاستقلاليّة والانضباط الذاتي، ما يعيد التفكير في وظيفة السّلطة الأخلاقيّة من الإكراه إلى التوجيه الذاتي.
وبذلك، تغدو السّلطة التّربويّة في جوهرها عملية توازن دقيقة بين الضبط والتحرر، بين النّظام والمشاركة، وهي توازنات ستتعرض لتحوّل عميق في العصر الرّقمي كما سيظهر في المباحث التالية.
وعليه يظهر أنّ مفهوم السّلطة التّربويّة لم يكن يومًا ثابتًا أو أحاديّ البعد، بل هو مفهوم تاريخي تطوّر من السيطرة والانضباط إلى المشاركة والتّفاعل، ولقد أسّس الفكر الكلاسيكي للسلطة بوصفها علاقة اجتماعيّة ضروريّة لضمان التنشئة والانسجام، بينما أعاد الفكر النقدي المعاصر تعريفها كعلاقة تفاوضيّة تتأسس على الاحترام المتبادل والمعرفة التّشاركيّة.
المبحث الثاني: التحول الرّقمي في البيئة التّعليميّة
يشكّل التحوّل الرّقمي أحد أبرز ملامح التحوّل الحضاري في القرن الحادي والعشرين، إذ لم يعد التّعليم مجرد نقلٍ للمعرفة داخل جدران المدرسة، بل أصبح ممارسة تفاعليّة مفتوحة على فضاءات رقميّة متعدّدة، وقد فرضت الثورة التكنولوجية الحديثة — بما فيها الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والمنصّات التّعليميّة الإلكترونية — إعادة النظر في طبيعة البيئة التّعليميّة ذاتها، وفي أدوار الفاعلين التربويين داخلها.
لقد غيّرت الرقمنة البنية العميقة للمؤسسة التّربويّة، فانتقلت من نموذج مركزي يعتمد على السّلطة الهرمية للمعلّم والإدارة، إلى نموذج شبكي تفاعلي يقوم على المشاركة، والمرونة، والتخصيص، والبيانات الذكية.
- سمات البيئة الرّقمية الجديدة: تتسم البيئة التّعليميّة الرّقمية بمجموعة من الخصائص البنيويّة التي تعيد تشكيل العملية التّربويّة، أهمها:
- اللامركزية: إذ لم تعد المعرفة حكرًا على المعلم أو المدرسة، بل توزعت عبر المنصّات التّعليميّة المفتوحة، ومحركات البحث، والمصادر التّفاعليّة، وهذا يعني أنّ السّلطة لم تعد ترتكز على الموقع، بل على القدرة على إدارة الوصول إلى المعرفة.
- التّفاعليّة: فالعمليات التّعليميّة أصبحت متعددة الاتجاهات، تسمح بالتبادل الفوري بين المعلّم والمتعلّم والمحتوى، بما يعزّز مشاركة الطالب وفاعليته في بناء المعرفة.
- التّخصيص والذكاء الاصطناعي: توفّر الأنظمة الذّكيّة القدرة على تتبّع تقدّم المتعلّمين وتكييف الأنشطة التّعليميّة وفق احتياجاتهم الفردية، ما يمنحهم استقلاليّة متزايدة في إدارة تعلمهم (Irhamni & Ashari, 2023).
- الواقع الافتراضي والمعزز: أتاح للمتعلمين بيئات محاكاة واقعيّة، تمكّنهم من اختبار المواقف التّعليميّة والتّجريب العملي بطرائق جديدة، الأمر الذي يعمّق التّعلم التّجريبي ويعيد تشكيل علاقة المتعلم بالمعرفة.
وتُشير Henriques et al. (2021) إلى أنّ تجربة التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19 كانت نقطة انعطاف كبرى في هذا السّياق؛ إذ كشفت الإمكانات الكامنة للتكنولوجيا في ضمان استمراريّة التعليم، لكنّها أظهرت في الوقت نفسه هشاشة البنى التّقليديّة للسّلطة المدرسيّة، وغياب أدوات الضبط القديمة أمام فضاءات رقميّة مفتوحة.
- أثر الرقمنة على أدوار الفاعلين التّربويين: أحدث التحوّل الرّقمي إعادة توزيع جذريّة في الأدوار التّقليديّة للمشاركين في العمليّة التّربويّة:
- المعلم لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، بل تحوّل إلى مرشدٍ ومنسّقٍ لعمليّات التعلّم، يوجّه المتعلّمين في التّعامل مع وفرة المعلومات وتقييم موثوقيتها.
- المتعلم أصبح فاعلًا نشطًا في بناء المعرفة، يمتلك أدوات إنتاج المحتوى، ويشارك في تقييم ذاته وزملائه عبر المنصّات الرّقمية.
- الإدارة التّربويّة باتت مطالبة بإدارة بيئة رقميّة معقّدة تتطلب تخطيطًا مرنًا، وأمنًا معلوماتيًا، وسياسات للحوكمة الرّقميّة.
- الأسرة اكتسبت دورًا أكثر حضورًا في متابعة التّعلم الرّقمي، خاصة لدى تلاميذ المرحلة الابتدائيّة الذين يحتاجون إلى دعم مستمر في استخدام التّقنيات وتوجيه السّلوك التّعليمي.
وتُظهر نتائج دراسة Rosero-Cárdenas et al. (2024) أنّ هذا التحول أدّى إلى إعادة توزيع القوة التّربويّة داخل المدرسة، إذ أصبحت السّلطة تتشاركها أطراف متعددة، وتنتقل أحيانًا من المعلّم إلى المنصّة أو إلى نظام الذكاء الاصطناعي الذي يوجّه التّفاعل ويُقيّم الأداء.
- المنصات التّعليميّة والشبكات الاجتماعيّة كفضاءات سلطة جديدة
وأصبحت المنصات التّعليميّة والتّطبيقات الرّقميّة — مثل Google Classroom وMicrosoft Teams وEdmodo — فضاءات جديدة تُمارس فيها السّلطة التّربويّة بأشكال مختلفة، فهي تُحدّد ما يمكن الوصول إليه من موارد، وتراقب تفاعل المستخدمين، وتضبط زمن المشاركة وأنماط التواصل.
وفي المقابل، منحت الشبكات الاجتماعيّة — كـYouTube وTikTok وFacebook التّعليميّة — المتعلمين إمكانات غير مسبوقة لتبادل الخبرات ونشر المعرفة الذاتية، ما أوجد توازنًا جديدًا بين السّلطة الرّسميّة (المؤسسة) والسّلطة الاجتماعيّة (المجتمع الرّقمي).
يشير Goagoses et al. (2023) إلى أنّ المناخ الاجتماعي في الفصول والافتراضيّة بات عنصرًا حاسمًا في تشكيل السّلطة التّعليميّة، إذ تتحول التّفاعلات الرّقميّة إلى آلية لبناء الثقة والتأثير، أو العكس، إلى وسيلة للإقصاء والرقابة غير المرئية، وهنا تظهر السّلطة كعلاقة اجتماعية معقّدة تُمارس من خلال الرموز والتقنيات والخوارزميات، لا من خلال الأوامر المباشرة.
- إعادة توزيع القوة والمعرفة في الفضاء التعليمي الرّقمي: إنّ أحد أبرز آثار التحوّل الرّقمي هو تفكيك الهرميّة التّقليدية للسلطة التّربويّة وإعادة توزيعها بين الفاعلين، فالمعرفة لم تعد محتكرة داخل المناهج أو الكتب، بل أصبحت متاحة على نطاق واسع، ما قلّل من مركزية المعلم وأوجد نمطًا جديدًا من السّلطة المعرفيّة المشتركة.
في هذا السّياق، تحوّلت المدرسة من فضاء مغلق إلى منظومة تفاعليّة تتقاطع فيها مؤسسات ومعارف ومجتمعات رقميّة، فبدلًا من أن يكون المتعلم متلقّيًا للمعرفة، أصبح قادرًا على إنتاجها وتداولها ضمن مجتمع تعلم مفتوح.
وترى Rosero-Cárdenas et al. (2024) أن هذا الانفتاح أنتج ما يمكن تسميته بـ “السّلطة الشبكيّة”، وهي سلطة تتوزع بين الأفراد والأنظمة والمنصات، إذ يُصبح التنظيم الذّاتي والتّعاون الجماعي هما آليتا الضبط الجديدتين في التعليم الرّقمي.
وعليه فإنّ التحوّل الرّقمي لم يقتصر على تطوير أدوات التعليم، بل مسّ جوهر البنية التّربويّة وأعاد تعريف العلاقات داخلها. فقد انتقلت المدرسة من فضاء تقليدي قائم على السّلطة الرأسيّة إلى فضاء تفاعلي متعدد المراكز تتداخل فيه السّلطة التقنية بالسّلطة المعرفيّة والاجتماعيّة.
المبحث الثالث: تحولات مفهوم السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي: أدى التحول الرّقمي إلى إحداث نقلة نوعيّة في فهم السّلطة التّربويّة وممارستها، إذ أعاد توزيع أدوار القوة والتأثير داخل البيئة التّعليميّة، لم تعد السّلطة مقتصرة على المعلم أو النظام المدرسي، بل أصبحت تُمارَس من خلال شبكة من الوسائط والأدوات والمنصات الرّقمية التي تشارك في توجيه التعلم وتنظيمه.
ويُلاحظ أنّ التّحول الرّقمي لم يُضعف السّلطة التّربويّة، بل أعاد تشكيلها في صور جديدة أكثر انفتاحًا وتنوعًا، بحيث تحوّلت من سلطة عمودية تقليدية إلى سلطة شبكية تفاعلية قائمة على التعاون، والتخصيص، والمساءلة الذاتية.
1. من سلطة المعرفة إلى سلطة الوصول إلى المعلومة
في السّياقات التّربويّة التّقليدية، كانت السّلطة المعرفيّة تتمركز في يد المعلّم بصفته مصدرًا حصريًا للمعرفة، بينما يقف المتعلم في موقع المتلقّي، أمّا في البيئة الرّقمية، فقد تبدّل هذا التصوّر جذريًا؛ إذ أصبح المتعلم قادرًا على الوصول إلى كمّ هائل من المعلومات بنقرة واحدة، ما جعل امتلاك المعرفة ليس امتيازًا، بل مهارة في البحث والتحليل والتقييم.
يرى Torres (2024) أنّ التّحوّل المعرفي الذي فرضته الرقمنة غيّر جوهر العلاقة بين المعرفة والسّلطة، وقد أصبحت المعرفة شبكة مفتوحة لا مركزية، وأصبحت السّلطة تُقاس بقدرة الفرد على الوصول للمعلومة الصحيحة وتحليلها نقديًا أكثر من امتلاكها.
هذا التّحول أنتج نمطًا جديدًا من السّلطة يسمى سلطة الوصول، تقوم على الكفاءة الرّقميّة، والقدرة على التحقق من المعلومة، والتعامل الواعي مع المصادر، وهي مهارات تشكل أساس المواطنة الرّقمية لدى المتعلمين.
2. من المعلّم الموجِّه إلى المتعلّم المنتج للمحتوى
لم تعد الأدوار التّعليميّة تقف عند حدود الإرشاد والتلقين، بل تجاوزتها إلى مرحلة الإنتاج المعرفي المشترك، أصبح المتعلم فاعلًا مشاركًا في صياغة المحتوى، سواء من خلال مشروعات التّعلم الرّقمي أو إنشاء العروض التّفاعليّة أو المدوّنات التّعليميّة أو المقاطع المرئية.
تشير دراسة Blas et al. (2010) إلى أنّ تمكين المتعلمين من إنتاج المعرفة الرّقميّة يخلق بيئة تعليميّة أكثر ديمقراطيّة، ويعيد توزيع السّلطة داخل الصّف؛ إذ يتبادل المتعلم والمعلم الأدوار في عمليّة التّعليم والتعلّم، لتتحول السّلطة إلى عمليّة تواصليّة تشاركيّة بدلًا من كونها علاقة تبعيّة.
وهكذا، أصبح مفهوم “المعلّم الموجّه” أقل حضورًا أمام بروز المتعلّم المبدع الذي يمتلك الأدوات الرّقميّة لإنتاج المعرفة ومشاركتها، ما يرسخ مفهوم التّمكين التّربوي بدلًا من السيطرة التّربويّة.
3. من الانضباط الخارجي إلى التنظيم الذاتي
في النماذج التّربويّة الكلاسيكية، كانت السّلطة تعتمد على الانضباط الخارجي الذي يفرض النّظام من خلال القواعد والرّقابة، أمّا في البيئات الرّقميّة، فقد أفسحت التقنية المجال أمام الانضباط الذاتي بوصفه شكلًا جديدًا من ممارسة السّلطة.
يؤكد Muñoz-Repiso et al. (2016) أن التعلم الرّقمي يعتمد على قدرة المتعلم على إدارة وقته، ومتابعة مهامه، وتنظيم مساره التعلمي ذاتيًا بمساعدة التغذية الراجعة الرّقميّة والتّحليلات الذّكيّة، هذا النوع من السّلطة لا يُمارس بالإكراه، بل عبر المسؤوليّة الفرديّة والتّفاعل المستمر، ما يجعل السّلطة أكثر مرونة وارتباطًا بالتّحفيز الداخلي.
لقد تحوّل الانضباط من كونه مطلبًا خارجيًّا يُفرض على المتعلم إلى قيمة تنبع من ذاته، تعززها المنصات التّعليميّة التي تتيح له تتبع تقدمه وتحديد أهدافه، وهو ما يعكس انتقال السّلطة من الخارج إلى الداخل، أي من المعلم إلى المتعلم.
4. سلطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التعليم
أدخل الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا في ممارسة السّلطة التّربويّة، إذ باتت الخوارزميّات تتحكم في تنظيم التعلم، وتخصيص المحتوى، وتقييم الأداء، فالنُّظم الذّكيّة مثل أنظمة التوصية أو تحليلات التعلم تحدد أحيانًا ما يجب أن يدرسه المتعلم، وكيف، ومتى.
توضح دراسة Kotsis & Tsiouri (2024) أنّ هذه الخوارزميات تمتلك سلطة غير مرئية لكنها مؤثرة، إذ تحدد معايير التّفاعل وتوجّه سلوك المتعلمين بناءً على بياناتهم السّابقة، وعلى الرّغم من الفوائد التّعليميّة التي تقدمها من حيث تخصيص التّجربة وتحسين الفاعليّة، إلّا أنّها تثير مخاوف أخلاقيّة تتعلق بالشفافيّة، والخصوصيّ، والانحياز، ما يستدعي حضورًا نقديًا للمعلّم والمؤسسة لضمان توازن السّلطة الرّقميّة.
يمكن القول إنّ الذكاء الاصطناعي أوجد نوعًا من السّلطة التقنية الجديدة التي تتقاطع فيها القوة التّربويّة مع المنطق الحسابي، ما يتطلب تطوير كفايات رقميّة نقدية لدى المعلّمين والمتعلّمين لمساءلة هذه الأنظمة وفهم آليات عملها.
5. إشكالية التوجيه والرقابة في الفضاء التعليمي الرّقمي
أفرزت البيئات الرّقمية تحديات مركّبة تتعلق بالتوجيه والرقابة في غياب الإشراف المباشر، فبينما تتيح التكنولوجيا حرية واسعة للمتعلمين، فإنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول الحدود الأخلاقيّة للسّلوك الرّقمي، وآليات الضبط في فضاءات مفتوحة.
في التعليم الابتدائي على وجه الخصوص، تصبح هذه الإشكاليّة أكثر حساسية، لأنّ المتعلمين في هذه المرحلة لم يكتسبوا بعد القدرة الكاملة على التّمييز أو التنظيم الذاتي، لذلك، تتخذ السّلطة التّربويّة هنا شكلًا جديدًا يجمع بين الرّعاية والتّمكين: سلطة تُمارس عبر التوجيه الرّقمي الآمن، وتربية الوعي النقدي، وغرس قيم الاستخدام المسؤول للتقنية (Torres, 2024).
وهكذا، لم يعد الهدف من السّلطة فرض الانضباط، بل تربية الضّمير الرّقمي الذي يمكن المتعلم من الموازنة بين الحرية والمسؤوليّة في بيئة متصلة باستمرار.
وعليه تبيّن من خلال هذا المبحث أنّ التحوّل الرّقمي أعاد تعريف السّلطة التّربويّة على المستويين المفهومي والعملي، إذ انتقلت من السيطرة إلى المشاركة، ومن الطاعة إلى الوعي، ومن الامتثال إلى التّنظيم الذاتي، كما أدخل الذكاء الاصطناعي والخوارزميّات بعدًا جديدًا للسلطة لا يمكن تجاهله في تحليل الظاهرة التّربويّة المعاصرة، وإنّ هذا التحوّل يطرح تحديًا أمام المدرسة الابتدائيّة الحديثة: كيف يمكن الحفاظ على التّوازن بين التمكين الرّقمي للمتعلمين وبين الحاجة إلى توجيه تربوي مسؤول يضمن سلامة العمليّة التّعليميّة وجودتها؟
وللإجابة عن هذا التحدي، ينتقل البحث في المبحث الرابع إلى تحليل الممارسة التّربويّة الرّقمية بين السّلطة والتمكين، بوصفها المجال التّطبيقي الذي تتجسّد فيه التحولات المفهوميّة السّابقة.
المبحث الرابع: الممارسة التّربويّة بين السّلطة والتّمكين
تمثّل الممارسة التّربويّة الميدان العملي الذي تتجسّد فيه المفاهيم التّربويّة، والقيم الاجتماعيّة داخل الفعل التّعليمي اليومي، ومع التحوّل الرّقمي، تغيّرت بنية هذه الممارسة وأسلوبها، إذ لم تعد مجرّد تطبيق للمناهج أو تنفيذٍ للتّعليمات، بل أصبحت فضاءً للتفاعل، والمشاركة، وبناء المعنى المشترك بين المعلّم والمتعلّم.
وقد أفرزت البيئات الرّقميّة المعاصرة أنماطًا جديدة من الممارسة التّربويّة تجاوزت التصور الكلاسيكي للسلطة كأداة ضبط، لتصبح وسيلة للتمكين التربوي وإطلاق الوكالة التّعليميّة للمتعلمين.
1. نماذج جديدة للممارسة التّربويّة في البيئات الرّقمية
أفرزت البيئة الرّقمية مجموعة من النماذج التّربويّة التي تقوم على فلسفة المشاركة والتّعاون بدلًا من الإملاء والضبط، من أبرزها:
- التعلّم التعاوني عبر المنصّات الرّقميّة: إذ يعمل المتعلمون في مجموعات لإنجاز مهام أو مشروعات مشتركة، ويتفاوضون حول الأدوار والمعارف، وقد أوضحت دراسة Pifarré & Staarman (2011) أن هذا النّمط من التعلم يخلق علاقة جديدة بين السّلطة والمعرفة، إذ تتحول السّلطة من المعلم إلى المجموعة بوصفها كيانًا منتجًا للمعرفة.
- التعلّم بالمشروعات الرّقميّة (Project-based Learning): يتيح هذا النّموذج حرية واسعة للمتعلمين في اختيار الموضوعات وتوجيه مسار التّعلم بأنفسهم، ما يعزز لديهم مهارات القيادة والمسؤوليّة، ويجعل السّلطة التّعليميّة عمليّة تفاوضيّة قائمة على التّفاعل والتّقويم الذاتي (Muñoz-Repiso et al., 2016).
- الفصل المعكوس (Flipped Classroom): يتيح للطلاب الاطلاع على المحتوى مسبقًا عبر الفيديوهات والمنصات، لتتحول الحصة الصّفيّة إلى مساحة للحوار والتّطبيق والمناقشة، الأمر الذي يقلل من سلطة الإلقاء ويزيد من التّفاعل والمساءلة الفردية.
- المرافقة الرّقميّة (Digital Mentorship): وهي نموذج حديث يقوم على دور المعلّم كمرشد ومرافق رقمي يوجّه المتعلمين في مسارهم داخل المنصات، وتشير دراسة Franqueira & Viana (2024) التي تؤكد أنّ المرافقة الرّقميّة تعيد تشكيل علاقة الثقة والاحترام بين المعلم والمتعلم على أساس الدّعم لا السّيطرة.
2. العلاقة بين السّلطة والتّفاعل (المعلم–المتعلم–المحتوى–المنصة)
تتحدد طبيعة السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي بمدى التّفاعل بين أركان العمليّة التّعليميّة الأربعة: المعلم، المتعلم، المحتوى، والمنصة.
فالمعلم لم يعد مركز العمليّة التّعليميّة، بل أحد عناصرها التّفاعليّة، يمارس سلطته من خلال تصميم المواقف التّعليميّة، وتيسيّر الحوار، وتحديد المعايير الأخلاقيّة للتفاعل، في المقابل، يمارس المتعلم سلطته عبر الاختيار والمشاركة والإنتاج، بينما تمارس المنصة سلطتها التّقنيّة من خلال ضبط القواعد والحدود المضمنة في تصميمها البرمجي (Muñoz-Repiso et al., 2016).
وتشير Salas et al. (2024) إلى أن التّفاعل التّربوي في البيئات الرّقمية يعيد صياغة السّلطة، بوصفها قدرة على التّواصل والتّفاوض أكثر من كونها سلطة أمر ونهي، فكلما زادت جودة التّفاعل، تقلصت المسافة بين المعلّم والمتعلم، وارتفعت فعاليّة التعلم.
- 3. التّحول من “التحكم” إلى “المرافقة” و”التمكين الرّقمي”: يمثل هذا التحول جوهر الممارسة التّربويّة الرّقمية الحديثة، فقد تراجع دور “المعلم المتحكم” الذي يضبط السّلوك عبر القواعد والجزاءات، ليحلّ محله المعلم المرافق الذي يوجّه التعلم من الداخل عبر الدّعم والتّحفيز والتّغذيّة الراجعة المستمرة.
يؤكد Franqueira & Viana (2024) أنّ السّلطة التّربويّة في البيئات الرّقميّة لا تُقاس بقدرة المعلّم على فرض النّظام، بل بقدرته على تمكين المتعلمين من إدارة تعلمهم وبناء الثقة في قدراتهم.
أمّا Salas et al. (2024) فيرون أنّ التمكين الرّقمي لا يعني غياب السّلطة، بل إعادة توزيعها إذ تصبح السّلطة مسؤولية جماعيّة تُمارس عبر المشاركة والتّقويم الذاتي والتّعاون.
إنّ هذا التحول من التّحكم إلى المرافقة يمثل نقلة فلسفيّة من التربية القائمة على الطّاعة إلى التربية القائمة على الوعي والمساءلة الذاتية، وهو ما ينسجم مع مفهوم المواطنة الرّقميّة والتّعلم مدى الحياة.
- التّحديات الأخلاقيّة والقيميّة المرتبطة بالسّلطة الرّقميّة: إنّ ممارسة السّلطة في البيئات الرّقمية لا تنفصل عن البعد الأخلاقي الذي يضبط السلوك ويضمن التّوازن بين الحريّة والمسؤوليّة.
تتمثل أبرز هذه التحديات في:
- الخصوصيّة الرّقمية: حماية بيانات المتعلمين من الاستغلال.
- العدالة في الوصول إلى التكنولوجيا: إذ ما زالت الفجوة الرّقمية تحدّ من إمكانات التمكين في بعض البيئات التّعليميّة.
- التحيّز الخوارزمي: وهو خطر قائم حين تتحكم الخوارزميّات في توجيه التعلم من دون وعي المستخدمين.
- المسؤولية الرّقمية: ترسيخ القيم الأخلاقية في استخدام الوسائط والمنصات.
تشير دراسات Pifarré & Staarman (2011) وSalas et al. (2024) إلى أنّ ترسيخ الأخلاقيّات الرّقميّة يجب أن يكون جزءًا من ممارسة السّلطة نفسها، إذ يُعاد تعريف السّلطة التّربويّة كعمليّة تربويّة قائمة على الثقة والاحترام والتوجيه الذاتي.
وعليه فإنّ الممارسة التّربويّة في البيئات الرّقمية تمثّل نقطة التقاء بين السّلطة والتمكين، وأنّ نجاحها يتوقف على قدرة المعلّم على تحويل السّلطة من أداة ضبط إلى وسيلة دعم، ومن التّحكم في المتعلّم إلى تمكينه من التعلم الذاتي والمسؤول.
لقد أصبح التّفاعل الرّقمي وسيلة لبناء السّلطة الأخلاقيّة والمعرفيّة القائمة على التّعاون، والاحترام، والمساءلة، ما يجعل المدرسة الرّقمية فضاءً لتنشئة مواطنين قادرين على اتخاذ القرار والمشاركة الواعية في المجتمع الرّقمي.
وانطلاقًا من هذه النتائج، سيتم الانتقال إلى المبحث الخامس إلى طرح رؤية نظرية وتطبيقية لإعادة بناء السّلطة التّربويّة في ضوء التحول الرّقمي، بما يضمن التوازن بين الحرية والانضباط والتمكين والمسؤوليّة.
المبحث الخامس: نحو إعادة بناء السّلطة التّربويّة
يُظهر التحوّل الرّقمي في التعليم أنّ السّلطة التّربويّة لم تختفِ، بل تمرّ بمرحلة إعادة تشكّل تتطلّب إعادة صياغة أُسسها ومقاصدها وأدواتها بما يتلاءم مع البيئة الرّقميّة الجديدة، فبينما ألغت التكنولوجيا كثيرًا من الممارسات السّلطويّة التّقليديّة القائمة على الضبط الخارجي، فإنّها في المقابل أفرزت أشكالًا جديدة من السّلطة الرّقميّة التي تمارسها الخوارزميّات والمنصّات عبر أنظمة التوصية والتّحليل والتتبّع.
ومن ثمّ، بات من الضروري إعادة بناء مفهوم السّلطة التّربويّة على نحو يحقق التّوازن بين الحريّة والمسؤوليّة، وبين التمكين والمساءلة، مستندًا إلى رؤية تربوية قيميّة تحصّن المتعلّمين وتوجّههم نحو الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا.
1. مقترحات نظرية لإعادة تعريف السّلطة التّربويّة
تقتضي إعادة بناء السّلطة التّربويّة تجاوز الثنائية التّقليدية بين “التحكم” و“الحرية” نحو صيغة تكاملية قوامها السّلطة الحوارية التشاركية، فالمعلم في السياق الرّقمي لم يعد مهيمنًا على المعرفة، بل أصبح جزءًا من شبكة تعلم تفاعلية يتبادل فيها الأدوار مع المتعلمين والمنصّات.
تقترح الأدبيات الحديثة، ويشير Goagoses et al. (2023)، تحويل مفهوم السّلطة من أداة ضبط إلى قدرة على تنظيم التّفاعل وضبط المناخ الاجتماعي للتعلم، بحيث تُمارس السّلطة في شكل “حوكمة تربوية” تشاركية تقوم على بناء القيم، وترسيخ الانضباط الذاتي، وإدارة الحرية بمسؤوليّة.
ويُعيد هذا التصور صياغة السّلطة التّربويّة بوصفها قوة تكاملية تُسهم في توجيه السلوك والتعلّم دون قمع أو إكراه، معتمدة على الثقة المتبادلة والوضوح والتغذية الراجعة.
2. أدوار المعلّم والمؤسسة التّربويّة في بيئة رقمية مفتوحة
يُعدّ المعلّم محورًا رئيسًا في إعادة بناء السّلطة التّربويّة، إذ يتحوّل دوره من ناقل للمعلومة إلى قائد تربوي رقمي يوجّه التّفاعل وينمّي التفكير النقدي لدى المتعلمين.
تُبرز دراسات Pinto & Aires (2013) أهمية التطوير المهني المستمر للمعلّمين لمواكبة متطلبات التحول الرّقمي، بحيث يكتسبون مهارات القيادة التشاركية، وإدارة المنصّات، وتوظيف البيانات في تحسين التعلّم.
أما Kotsis & Tsiouri (2024) فيؤكدان أنّ المؤسسة التّربويّة مطالَبة بتبنّي نموذج حوكمة جديد يقوم على القيادة الجماعية، والتمكين، والمساءلة المشتركة، بما يجعل السّلطة المؤسسية قائمة على الإقناع والمشاركة بدلاً من البيروقراطية والتوجيه العمودي.
وفي هذا السياق، تُصبح المدرسة الرّقمية فضاءً ديمقراطيًا يتقاسم فيه جميع الفاعلين (المعلمون، المتعلمون، الإدارة، الأسرة) المسؤولية عن صنع القرار وتنظيم الحياة الصفية ووالافتراضيّة على حدّ سواء.
3. مبادئ لتصميم سياسات تعليمية رقمية متوازنة بين الحرية والمسؤولية
تتطلب إعادة بناء السّلطة التّربويّة اعتماد سياسات تعليمية واضحة تضمن التوازن بين تمكين المتعلم وحمايته، ويمكن تلخيص أبرز المبادئ في النقاط الآتية:
- الإنصاف في الوصول إلى الموارد الرّقمية: توفير البنية التحتية والاتصال لجميع المتعلمين دون تمييز.
- الخصوصية والأمن الرّقمي: وضع تشريعات مؤسسية لحماية البيانات الشخصية للمتعلمين والمعلمين على حدّ سواء (Kotsis & Tsiouri, 2024).
- تطوير الكفايات الرّقمية للمعلمين: دعم برامج التطوير المهني المتواصل التي تدمج الجوانب التقنية بالأخلاقية والتّربويّة.
- القيادة التّربويّة التّشاركيّة: إشراك جميع الفاعلين في رسم السياسات واتخاذ القرارات التّربويّة بما يعزز الثقة والشّفافيّة.
- ترسيخ ثقافة الحوار والمواطنة الرّقميّة: تعليم المتعلمين مهارات النّقاش، والمسؤوليّة، واحترام الآخر في البيئات الرّقميّة.
إنّ هذه المبادئ تمثّل الأساس لبناء سلطة تربويّة رقميّة قائمة على القيم لا على التحكم، وعلى الوعي لا على الامتثال، وعلى التعاون لا على الهيمنة.
4. دور التربية في ترشيد استخدام السّلطة الرّقميّة
تُعدّ التربية العامل الحاسم في ترشيد ممارسة السّلطة الرّقمية، فالتنشئة الرّقميّة الواعية تسهم في تحصين المتعلمين من الاستخدام السلبي للتكنولوجيا، وتغرس فيهم مهارات التفكير النقدي الذي يمكّنهم من التمييز بين الموثوق والمضلّل، وبين الاستخدام الإيجابي والضار للأدوات الرّقمية.
كما تساهم المواطنة الرّقمية في ترسيخ قيم المشاركة المسؤولة، والاحترام المتبادل، والالتزام بالقواعد الأخلاقية في الفضاء الافتراضي.
وقد أظهرت نتائج دراسة Goagoses et al. (2023) أنّ غياب الوعي بالقيم الرّقمية يؤدي إلى اضطراب المناخ التربوي في الصفوف والافتراضيّة، مما يؤكد ضرورة توظيف السّلطة التّربويّة في بناء ثقافة رقميّة مسؤولة تُوجّه السلوك لا تقمعه.
وعليه فإن إعادة بناء السّلطة التّربويّة في هذا الاتجاه تجعل من المعلّم نموذجًا للقائد الأخلاقي الذي يجمع بين الصرامة القيميّة والمرونة الرّقميّة، ويضمن استدامة الممارسات التّربويّة المتوازنة، كما إن مستقبل السّلطة التّربويّة يتوقف على قدرتها على التكيّف مع التحوّل الرّقمي دون التفريط في جوهرها القيمي والتربوي.
فالسّلطة التّربويّة الجديدة ليست نقيضًا للحرية، بل شريكة لها في تحقيق تعلم إنساني مسؤول، وهي سلطة تقوم على التمكين لا القمع، وعلى الشراكة لا السيطرة، وتستند إلى أخلاقيات رقمية تضمن احترام الفرد والمجتمع والمؤسسة، وبذلك، تتشكل ملامح مدرسة رقمية إنسانية يكون فيها المعلّم قائدًا ملهِمًا، والمتعلّم شريكًا فاعلًا، والمؤسسة فضاءً للتفاعل والتعاون، في توازنٍ بين الانضباط الذاتي والحرية المسؤولة.
الخاتمة
أظهرت هذه الدّراسة أنّ التحول الرّقمي لم يؤدِّ إلى تراجع السّلطة التّربويّة كما قد يُظنّ للوهلة الأولى، بل أعاد تشكيلها وفق منطق جديد يتناسب مع طبيعة العصر الرّقمي الذي تتقاطع فيه المعرفة والتكنولوجيا والفاعليّة الإنسانية، فقد تحوّلت السّلطة من كونها علاقة عمودية بين المعلم والمتعلم إلى علاقة شبكيّة تشاركيّة تتوزع فيها أدوار التأثير والمسؤولية بين الفاعلين التربويين والمنصّات التقنية والبيئة المؤسسيّة.
أبرزت النتائج أن السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي أصبحت سلطة معرفيّة تشاركيّة، تقوم على الوصول إلى المعلومة، وتنظيم التعلم الذاتي، والتّفاعل المستمر بين أطراف العملية التّعليميّة، وكما تبيّن أنّ المعلم ما زال يحتفظ بدور محوري، إلا أنّ ممارسته للسلطة لم تعد قائمة على الضبط أو التوجيه المباشر، بل على التمكين والمرافقة، وبناء الثقة، وتنمية التفكير النقدي والقدرات الرّقمية لدى المتعلمين.
وفي المقابل، بيّنت الدّراسة أنّ السّلطة الرّقمية تحمل في طيّاتها تحديات أخلاقية وتربوية تستوجب إعادة نظر شاملة في أدوار المؤسسات التّعليميّة، لاسيما في مجالات الخصوصية، وعدالة الوصول إلى الموارد الرّقميّة، والوعي بالخوارزميات، إذ لم تعد السّلطة مقتصرة على الفاعلين البشريين، بل دخلت إلى المشهد التربوي قوى جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يشارك في التوجيه والتقييم وإدارة المحتوى التعليمي، ما يفرض ضرورة تطوير أطر حاكمة تضمن الشفافية والمساءلة.
توصي هذه الدّراسة بضرورة:
- تبنّي سياسات تعليميّة رقميّة متوازنة تجمع بين الحرية والمسؤوليّة، وتضمن المساواة في الوصول إلى الموارد.
- تعزيز التكوين المهني الرّقمي للمعلمين لتمكينهم من ممارسة سلطة تربويّة مرنة قائمة على التّفاعل والمرافقة.
- ترسيخ ثقافة المواطنة الرّقميّة في المناهج الدراسية لتنمية الوعي الأخلاقي والتّفكير النقدي لدى المتعلمين.
- تشجيع البحوث التطبيقية حول سلطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التعليم، بوصفها محورًا مستقبليًا في فهم السّلطة التّربويّة الجديدة.
- إنّ السّلطة التّربويّة في العصر الرّقمي لم تعد شأنًا إداريًا أو معرفيًا فحسب، بل أصبحت قضية وجودية تمسّ جوهر التربية ذاتها بوصفها مشروعًا إنسانيًا يوازن بين التقنية والقيمة، وبين الحرية والانضباط، وبين الفرد والمجتمع.
وبهذا المعنى، فإنّ إعادة بناء السّلطة التّربويّة تمثّل خطوة أساسية نحو صياغة تربية رقمية إنسانيّة تُحافظ على جوهر التعليم كفعلٍ تحرّريّ يُنَمّي الوعي ويصون الكرامة ويعزّز المسؤوليّة في زمنٍ تتكاثر فيه مصادر السّلطة وأشكالها.
المراجع
- Blas, N. D., Paolini, P., & Sabiescu, A. (2010). Collective digital storytelling at school as a whole-class interaction. https://doi.org/10.1145/1810543.1810546
- Correa, E., & Fabbro, F. (2019). Children’s learning, agency and power relations within a culture of entitlement with digital technology in schools. International Journal for Infonomics, 12(4), 1938–1944. https://doi.org/10.20533/IJI.1742.4712.2019.0200
- Franqueira, A. D. S., & Viana, S. C. (2024). Instrução entre pares como facilitar o diálogo e a troca de conhecimento. Observatorio de la economía latinoamericana. https://doi.org/10.55905/oelv22n4-189
- Goagoses, N., Suovuo, T., Winschiers-Theophilus, H., Montero, C. S., Pope, N. W., Rötkönen, E., & Sutinen, E. (2023). A systematic review of social classroom climate in online and technology-enhanced learning environments in primary and secondary school. Education and Information Technologies, 1–34. https://doi.org/10.1007/s10639-023-11705-9
- Henriques, S., Correia, J. D., & Dias-Trindade, S. (2021). Portuguese primary and secondary education in times of covid-19 pandemic: An exploratory study on teacher training and challenges. Education Sciences, 11(9). https://doi.org/10.3390/EDUCSCI11090542
- Irhamni, H., & Ashari, M. K. (2023). Digital platform-based learning innovation in elementary schools in the industry 4.0 era: Systematic literature review. Qalamuna: Jurnal Pendidikan, Sosial dan Agama. https://doi.org/10.37680/qalamuna.v15i2.3327
- Kotsis, K. T., & Tsiouri, E. (2024). Utilizing ChatGPT for primary school earthquake education. European Journal of Contemporary Education and E-Learning, 2(4), 145–157. https://doi.org/10.59324/ejceel.2024.2(4).12
- Muñoz-Repiso, A. G., Gómez-Pablos, V. B., & García, C. L. (2014). Las TIC en el aprendizaje colaborativo en el aula de primaria y secundaria. Comunicar, 21(42), 65–74. https://doi.org/10.3916/C42-2014-06
- Muñoz-Repiso, A. G., Gómez-Pablos, V. B., & Nieto, I. M. (2016). Fomentando la ciudadanía digital mediante un proyecto de aprendizaje colaborativo entre escuelas rurales y urbanas para aprender inglés.
- Pifarré, M., & Staarman, J. K. (2011). Wiki-supported collaborative learning in primary education: How a dialogic space is created for thinking together. https://doi.org/10.1007/S11412-011-9116-X
- Pinto, R. D. J., & Aires, M. L. L. (2013). Colaboração online, formação contínua de professores e TIC na sala de aula: Estudo de caso. Education in the Knowledge Society, 14(3), 277–301.
- Ravindiran, E., & Ramani, P. (2025). Revolutionizing primary education with AI: Advancing teaching and learning through smart technologies. International Journal For Multidisciplinary Research, 7 (2), . https://doi.org/10.36948/ijfmr.2025.v07i02.42369
- Rosero-Cárdenas, W. I., Ruiz-Gaona, P. G., Sislema-López, R. N., Tocagon-Cabascango, J. F., & Tituaña-Sánchez, L. G. (2024). El futuro del aprendizaje: Preparando a los estudiantes de primaria para el mundo digital. Journal of Economic and Social Science Research (JESSR), 4(4), 73–88. https://doi.org/10.55813/gaea/jessr/v4/n4/133
- Salas, S., Vieira, A. A., Malta, D. P. D. L. N., Valadão, S. L., & Gomes, W. T. (2024). Colaboração e aprendizado: Potencializando o ensino com instrução entre pares. Revista Ibero-Americana de Humanidades, Ciências e Educação, 10(4), 1502–1508. https://doi.org/10.51891/rease.v10i4.13711
- Staarman, J. K. (2009). The joint negotiation of ground rules: Establishing a shared collaborative practice with new educational technology. Language and Education, 23(1), 79–95. https://doi.org/10.1080/09500780802152796
- Torres, M. D. J. T. (2024). El uso de la tecnología educativa en el aula: Efectos en el aprendizaje colaborativo y autónomo. Latam, 5(5). https://doi.org/10.56712/latam.v5i5.2762
- Yudianto, N., Kurniawan, B., Wijayanti, R. R., & Kholis, N. (2025). Fostering innovation through creative and collaborative teaching approaches. Indonesian Journal of Innovation Studies, 26 (3), . https://doi.org/10.21070/ijins.v26i3.1484
[1] – طالبة دكتوراه، اختصاص: إدارة تربوية، جامعة آزاد الإسلامية، فرع علوم وتحقيقات – طهران
PhD student, specialization: Educational Administration, Islamic Azad University, Science and Research Branch – Tehran
Karima-ayoub@outlook.com Email: