اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
التّربيّة الجماليّة: من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي
Aesthetic Education: From Natural Beauty to Artificial Beauty
Fatime Dib Nasrallah فاطمة ديب نصر الله([1])
Supervising Professor: Youssef Abdel Amir Tabaja أ.م. يوسف عبد الأمير طباجة([2])
تاريخ الإرسال:2-12-2025 تاريخ القبول:14-12-2025
turnit in: 6% الملخص
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل التّحوّل الجمالي الراهن من الجمال الطبيعي المرتبط بالطبيعة والفنّ الإنساني، إلى الجمال الاصطناعي الذي تنتجه الخوارزميّات والأنظمة الذّك’يّة، واستجلاء آثاره التّربويّة، وتنطلق المقالة من إشكاليّة مركزيّة مفادها: كيف يمكن بناء تربية جماليّة توازن بين هذين النّمطين فتستوعب التّقنيّة من دون التّفريط بالبعد الإنساني والروحي للجمال؟
تعتمد الدّراسة المنهج التّحليلي–الوصفي النقدي، وتستند إلى عدد من الأطر الفلسفيّة المعاصرة مثل قراءات ديوي في التّجربة الجماليّة، ونظريّة الإبداع التشاركي التي ترى الإبداع نتاج تفاعل الإنسان والآلة، وتناقش المقالة أبعاد الجمال الفلسفيّة، وتطوّر مفهوم التّربيّة الجماليّة، ومفهوم الجمال الاصطناعي وخصائصه وتحدياته القيميّة والثقافيّة والتّربويّة.
وتخلص النّتائج إلى أن الجمال الاصطناعي لا يشكل قطيعة مع الجمال الطبيعي، بل يمثل طورًا جديدًا في خبرة الجمال، شريطة أن يُؤطَّر بتربية جماليّة نقديّة رقميّة تعيد للإنسان مركزيّة المعنى، وتحوّل الذكاء الاصطناعي من بديل إلى شريك محفّز للخيال والإبداع، ويؤكد البحث ضرورة صياغة نموذج تربوي تكاملي يقوم على مركزيّة الإنسان، والتّكامل بين الحسّ والآلة، والوعي النقدي، وصون الخصوصيّة الثقافيّة.
وتقترح الدّراسة مفهوم «التّربيّة الجماليّة الرّقميّة النّقديّة» بوصفه إطارًا عربيًا معاصرًا لتوجيه العلاقة بين الجمال الطبيعي والجمال الاصطناعي، بما يسهم في تجديد التّعليم الجمالي وحماية الإنسان من الاغتراب في زمن هيمنة التّقنيّة.
الكلمات المفتاحيّة: الجمال الطبيعي، الجمال الاصطناعي، التّربيّة الجماليّة، الذكاء الاصطناعي، الإبداع التشاركي.
Abstract
This study aims to analyze the current aesthetic transformation from natural beauty, associated with nature and human art, to artificial beauty produced by algorithms and intelligent systems, and to explore its educational implications. It starts from a central problem: How can we build an aesthetic education that balances these two forms, integrating technology without sacrificing the human and spiritual dimensions of beauty?
The study adopts a critical analytical–descriptive method and draws on several contemporary philosophical frameworks, such as Dewey’s readings of aesthetic experience and Co-Creativity Theory, which understands creativity as the result of human–machine interaction. The article discusses the philosophical dimensions of beauty, the historical development of aesthetic education, the concept and characteristics of artificial beauty, and its ethical, cultural, and educational challenges.
The findings indicate that artificial beauty does not constitute a rupture with natural beauty, but rather a new stage in aesthetic experience, provided it is framed within a critical digital aesthetic education that restores the human being to the center of meaning and transforms artificial intelligence from a substitute into a stimulating partner for imagination and creativity. The article also stresses the need to formulate an integrative educational model based on human centrality, the complementarity between sensibility and technology, critical awareness, and the preservation of cultural particularity.
The study proposes the concept of “Critical Digital Aesthetic Education” as a contemporary Arab framework for guiding the relationship between natural and artificial beauty, thereby contributing to renewing aesthetic education and protecting humans from alienation in an era dominated by technology.
Keywords: Natural Beauty, Artificial Beauty, Aesthetic Education, Artificial Intelligence, Co-Creativity.
1. المقدمة
شهدت الإنسانيّة منذ نشأتها علاقةً وثيقةً بين الجمال والتّربيّة، إذ كان الجمال أحد المداخل الرئيسة لصقل الذّوق الإنساني، وتنمية الحسّ القيمي والوجداني، وتحقيق التّوازن بين العقل والعاطفة في بناء الشّخصيّة المتكاملة، وإذا كان الجمال الطبيعي عبر العصور قد مثّل مرجعًا أساسيًا للخبرة الجماليّة الإنسانيّة من خلال مظاهر الطبيعة والفنّ، فإنّ العصر الراهن يشهد تحولًا نوعيًا نحو الجمال الاصطناعي الذي تصنعه التقنيات والذكاء الاصطناعي، ما يفرض إعادة النظر في مفهوم التّربيّة الجماليّة ومناهجها وأهدافها.
لقد أدّى تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى بروز أشكال جديدة من الإبداع الجمالي، كالفنون التّوليديّة والوسائط الرّقميّة والفنون ثلاثيّة الأبعاد، وهي أشكال تُثير تساؤلات فلسفيّة وتربويّة عميقة حول طبيعة الإبداع، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة، ودور التّربيّة في توجيه الذّوق والمعنى الجمالي في ظل هذا التحوّل، فهل الجمال الاصطناعي امتداد للجمال الطبيعي، أم هو انقطاع عنه؟ وهل يمكن للآلة أن تُبدع فنًّا حقيقيًا، أم أنها تكرّر أنماطًا مبرمجة مسبقًا بلا روح؟
بالإضافة إلى أن التّربيّة الجماليّة لم تعد مسألة ترفٍ ثقافي أو جانبًا ثانويًا في المنظومة التّعليميّة، بل غدت ضرورة تربويّة وفكريّة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والجمال في زمنٍ تزداد فيه سطوة التّقنيّة على الحسّ الإنساني، وإنّ دمج التكنولوجيا في التّربيّة الجماليّة لم يعد خيارًا بل تحدّيًا يتطلب إطارًا نظريًا نقديًا يوازن بين المحافظة على القيم الإنسانيّة وبين استيعاب أدوات العصر الحديثة.
وتسعى هذه المقالة إلى تحليل هذا التّحول، من خلال دراسة انتقال الوعي الجمالي من الجمال الطبيعي الذي يتجلى في الطبيعة والفنّ الإنساني، إلى الجمال الاصطناعي الذي تنتجه الخوارزميّات والأنظمة الذّكيّة، مع استجلاء دور التّربيّة الجماليّة في توجيه هذا التّحول بما يضمن الحفاظ على أصالة الحسّ الجمالي الإنساني.
2. إشكاليّة الدّراسة
تشهد التّربيّة الجماليّة اليوم تحوّلًا معرفيًا عميقًا في ظلّ الثورة الرّقميّة وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالجمال والإبداع، فقد انتقل الوعي الجمالي المعاصر من التّفاعل مع الجمال الطبيعي، المتجذر في الخبرة الإنسانيّة والتّجربّة الحسيّة والرّوحيّة، إلى التّعامل مع الجمال الاصطناعي الذي تنتجه الأنظمة الذّكيّة والخوارزميّات التّوليديّة، هذا التحوّل — كما يشير Lyu وHuang (2024) — لا يمثل مجرد تغير في الوسائط الفنية، بل هو تحوّل في ماهية الإبداع ذاته، إذ باتت الآلة تمتلك القدرة على إنتاج صور وأشكال فنيّة تتسم بالانسجام والتّناسق، وتثير الانفعال الجمالي كما تفعل الأعمال الإنسانيّة.
وعلى الرّغم من هذه الإمكانات الجديدة، تثير الظاهرة إشكالات فلسفيّة وتربويّة عميقة، تتعلق بحدود التّمييز بين الإبداع الإنساني والإبداع الاصطناعي، فهل يمكن عدُّ ما تنتجه الخوارزميّات تعبيرًا جماليًا حقيقيًا، أم أنّه مجرد محاكاة تقنيّة خاليّة من المعنى؟
يرى Fiore (2024)، انطلاقًا من قراءة ديوي (Dewey) للتجربة الجماليّة، أنّ إدماج الذّكاء الاصطناعي في التّربيّة الجماليّة يجب أن يُقاس بقدرته على تعزيز الخبرة الإنسانيّة لا استبدالها، إذ إنّ الجمال في جوهره خبرة وجودية تتجاوز حدود التّقنيّة. من جانب آخر، يشير He وZhang (2025) إلى أنّ استخدام الأنظمة التّوليديّة في التّعليم الفني قد أظهر قدرة كبيرة على تحفيز الخيال والإنتاج الفني لدى الطلبة، لكن من دون أن يُلغِي الحاجة إلى الوعي النّقدي والتّذوق الجمالي الإنساني، فالتّقنيّة قادرة على توسيع أدوات الإبداع، لكنها لا تستطيع خلق القيمة أو المعنى الجمالي إلّا عبر تدخل الإنسان.
انطلاقًا من هذه المداخل، تتحدد إشكاليّة هذه الدّراسة في التّساؤل عن كيفيّة بناء تربية جماليّة قادرة على الموازنة بين الجمال الطبيعي والجمال الاصطناعي، إذ لا تُقصي التّقنيّة، ولا تُفرّط في البعد الإنساني، فالتّربيّة الجماليّة المعاصرة مطالبة بأن تتجاوز الانقسام التّقليدي بين “الطبيعة” و”الآلة”، لتعيد صياغة الوعي الجمالي في ضوء مفاهيم جديدة مثل الوعي الرّقمي، والذّوق النّقدي، والإبداع التّعاوني بين الإنسان والآلة.
3. تساؤلات الدّراسة: تنبثق عن الإشكاليّة السابقة مجموعة من التساؤلات المركزيّة التي توجه مسار البحث، وهي:
- ما طبيعة التحوّل الذي أحدثه الذّكاء الاصطناعي في مفهوم الجمال والإبداع؟
- إلى أي مدى يمكن عدُّ الجمال الاصطناعي امتدادًا للجمال الطبيعي أو انقطاعًا عنه؟
- كيف يمكن للتربية الجماليّة أن تستوعب مظاهر الجمال الاصطناعي من دون أن تفقد بعدها الإنساني والروحي؟
- ما الأطر الفلسفيّة والنّظريّة القادرة على تفسير العلاقة بين الإبداع الإنساني والإبداع الاصطناعي في سياق التّربيّة الجماليّة؟
- كيف يمكن صياغة نموذج تربوي جديد يقوم على التّكامل الجمالي بين الإنسان والآلة؟
4. فرضيّة الدّراسة: تفترض هذه الدّراسة أن:
التحوّل من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي لا يُمثّل قطيعة مع الخبرة الجماليّة الإنسانيّة، بل يشكّل انتقالًا نحو نمطٍ جديد من الإبداع المشترك بين الإنسان والآلة، يمكن للتربية الجماليّة أن توجّهه ليُعزّز الوعي الجمالي والنقدي بدل أن يُضعفه.
5. أهمّيّة البحث
تتجلى أهمّية هذا البحث في كونه يتناول قضية مفصليّة في الفكر التّربوي الجمالي المعاصر، تتمثل في التحوّل من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي، وما يترتب على هذا التحول من تحديات معرفيّة وتربويّة وفلسفيّة تمس جوهر التّجربة الجماليّة الإنسانيّة. ففي عصرٍ أصبحت فيه الخوارزميّات قادرة على توليد الصور والأصوات والنّصوص الفنيّة، بات من الضروري إعادة النّظر في مفهوم الجمال والتّربيّة الجماليّة بوصفهما مجالين يتقاطع فيهما الإنساني والتقني، الطبيعي والمصطنع.
أ. من النّاحية النّظريّة
يسعى البحث إلى توسيع الإطار المفاهيمي للتربية الجماليّة، من خلال تحليل العلاقة بين الإبداع الإنساني والإبداع الاصطناعي في ضوء النّظريات الجماليّة الكلاسيكيّة والمعاصرة، كفلسفة ديوي (Dewey) حول الخبرة الجماليّة (Fiore, 2024)، ونظرية الإبداع التشاركي (Rafner, 2025) التي ترى أن الإبداع في العصر الرقمي يتولد من تفاعل الإنسان والآلة لا من تناقضهما.
ومن ثمّ، يقدم البحث إسهامًا نظريًا في بناء تصور جديد للتربية الجماليّة يتجاوز الثنائيات التّقليديّة بين الطبيعة والتّقنيّة، وبين الأصالة والمحاكاة.
ب. من النّاحية التّربويّة
يُسهم البحث في بلورة رؤية عمليّة تساعد المربين على توظيف الذكاء الاصطناعي تربويًا من دون المساس بالبعد الإنساني للتجربة الجماليّة، عبر مقاربة نقديّة تعزز الذوق الفني والوعي بالقيمة والمعنى.
ج. من النّاحية العلميّة المستقبليّة
يفتح هذا البحث آفاقًا جديدة للبحث العلمي في ميدان التّربيّة الجماليّة الرّقميّة، ويساهم في تأسيس خطاب أكاديمي عربي معاصر حول العلاقة بين الذّكاء الاصطناعي والجمال، وهو مجال لا يزال ناشئًا في البيئة العربيّة على الرّغم من توسعه عالميًا.
6. أهداف البحث
ينطلق هذا البحث من فرضيّة مركزيّة مفادها أن التّكامل بين الجمال الطبيعي والجمال الاصطناعي يمكن أن يشكّل أساسًا لتجديد التّربيّة الجماليّة، ومن ثم فهو يسعى إلى تحقيق الأهداف الآتية:
- تحليل التحوّل المفاهيمي لمفهوم الجمال من الطبيعي إلى الاصطناعي، واستجلاء أبعاده الفلسفيّة والتّربويّة في ضوء النّظريات الجماليّة الكلاسيكيّة والمعاصرة.
- تحديد دور التّربيّة الجماليّة في توجيه العلاقة بين الإنسان والتّقنيّة، بما يضمن الحفاظ على البعد الإنساني في ظل تطور الذّكاء الاصطناعي.
- اقتراح إطارٍ تربوي نقدي للتّكامل بين الذكاء الإنساني والذّكاء الاصطناعي في التّعليم الجمالي، استنادًا إلى نظرية “الإبداع التّعاوني”.
7. الفجوة البحثية
على الرّغم من التزايد الكبير في الدّراسات العالميّة التي تناولت العلاقة بين الذّكاء الاصطناعي والفن والإبداع، كما في أعمال Lyu & Huang (2024) وHe & Zhang (2025) وTorres Carceller (2024)، فإنّ أغلب هذه الدّراسات ركّزت على الجانب التّقني أو الفني البحت لا على البعد التّربوي الجمالي الكامن وراء هذه التحولات. فالمحور الجوهري المتعلق بكيفيّة إعادة بناء التّربيّة الجماليّة في ظل الجمال الاصطناعي ظلّ ناقص التناول، أو مشتتًا بين حقول مختلفة (الفن، الفلسفة، تكنولوجيا التعليم) من دون بناء إطار تكاملي واضح. يمكن تحديد ملامح هذه الفجوة في ثلاثة مستويات رئيسة:
أ. الفجوة المفاهيميّة
أغلب الأدبيّات تناولت الذكاء الاصطناعي بوصفه “أداة تقنية” في التّعليم الفني، من دون أن تناقش تحوّل مفهوم الجمال نفسه، فلا تزال العلاقة بين الجمال الطبيعي والجمال الاصطناعي تُطرح بسطحيّة، وكأنّها علاقة تناقض لا تكامل، فالبحث الحالي يسعى إلى سدّ هذه الفجوة المفاهيميّة عبر بناء فهم فلسفي–تربوي للجمال بوصفه ظاهرة متطورة تشمل الإنسان والآلة معًا.
ب. الفجوة التّربويّة
الدّراسات التّربويّة المتخصصة في “التّربيّة الجماليّة الرّقميّة” نادرة، وغالبًا ما تفتقر إلى رؤية نقديّة تحدد كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز — لا أن يُضعف — الحسّ الجمالي الإنساني، وكما أشار Yahaya & Zalay (2025)، فإنّ إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في التّعليم ما يزال يُنفّذ في إطارٍ تجريبي محدود، من دون تأصيل تربوي يضمن توازن العلاقة بين التّقنيّة والقيمة.
ج. الفجوة القيميّة والثقافيّة
لا تزال القضايا الأخلاقيّة المرتبطة بالجمال الاصطناعي — مثل الأصالة، والملكيّة الفكريّة، والهُويّة الثّقافيّة — غائبة عن أغلب الأطر التّربويّة، على الرّغم من أهميتها في حماية الذّوق الإنساني من التّسطيح والانبهار بالآلة، وهنا يسعى البحث الحالي إلى تقديم معالجة تربويّة–قيميّة لهذه الإشكالات، بوصفها جزءًا من التّربيّة الجماليّة نفسها.
إجمالًا، تتمثل الفجوة البحثيّة في غياب مقاربة شاملة تدمج بين الفلسفة الجماليّة، والنّظريّة التّربويّة، والتكنولوجيا المعاصرة، وتقدّم تصورًا متكاملًا للتربية الجماليّة في عصر الذكاء الاصطناعي.
8. جديد البحث
ينطلق هذا البحث من رؤية نقديّة جديدة ترى أنّ العلاقة بين الجمال الطبيعي، والجمال الاصطناعي ليست علاقة صراع أو بديل، بل حركة تطور في التجربة الجماليّة الإنسانيّة يمكن توجيهها تربويًا نحو إثراء الوعي الإنساني.
ويكمن جديد البحث في النّقاط الآتية:
- طرح منظور تكاملي جديد يجمع بين الفلسفة الجماليّة الكلاسيكيّة (ديوي، لانغر) والرؤى المعاصرة (Rafner, 2025؛ Fiore, 2024) لتفسير التّحول الجمالي في ضوء التّربيّة، لا التّقنيّة فقط.
- تأسيس مفهوم “التّربيّة الجماليّة الرّقميّة النقديّة” بوصفها مقاربة تربويّة تعيد توجيه الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة إنتاج إلى وسيلة للوعي والنّقد والتّذوق الجمالي.
- إدماج نظرية الإبداع التّشاركي (Co-Creativity Theory) في الحقل التّربوي العربي للمرة الأولى بهذا النّسق، لتفسير التفاعل الإبداعي بين الإنسان والآلة ضمن إطارٍ تربوي.
- تقديم معالجة قيميّة وأخلاقيّة للتّحوّل الجمالي الرقمي، تربط بين الجمال والهُويّة والثقافة، استنادًا إلى دراسات مثل Torres Carceller (2024) وHeaton et al. (2024) التي دعت إلى إعادة تعريف دور المعلّم في بيئة الذّكاء الاصطناعي.
- إسهام نظري عربي أصيل في النّقاش العالمي حول “التّربيّة الجماليّة في عصر الذكاء الاصطناعي”، من خلال بناء تصور فلسفي–تربوي متكامل يدمج التّراث الإنساني للجمال مع الأفق التّقني الحديث.
9. منهج البحث
اعتمدت هذه الدّراسة على المنهج التّحليلي–الوصفي النقدي، بوصفه الأنسب لمعالجة القضايا الفكريّة والفلسفيّة المرتبطة بالتّربيّة الجماليّة في عصر الذّكاء الاصطناعي.
الإطار النّظري
المبحث الأول: مفهوم الجمال وأبعاده الفلسفيّة
1. مفهوم الجمال: بين الخبرة الحسيّة والتّجربة الفكريّة
يُعدّ مفهوم الجمال من أكثر المفاهيم الإنسانيّة تعقيدًا وتنوّعًا عبر العصور. فمنذ بدايات الفكر الإنساني، نظر الفلاسفة إلى الجمال بوصفه تجربة حسيّة ووجدانيّة ومعرفيّة في آنٍ واحد، تجمع بين الإدراك العقلي والانفعال العاطفي.
وقد انقسمت الرؤى الفلسفيّة حوله بين من عدِّه قيمة موضوعيّة كامنة في الأشياء (كما عند أفلاطون وأرسطو)، وبين من رأى فيه تجربة ذاتيّة تنبع من تفاعل الإنسان مع العالم (كما في الفلسفة الحديثة والمعاصرة).
في الفكر الإغريقي القديم، ارتبط الجمال بمفهوم الانسجام والنّظام؛ فـأفلاطون رأى الجمال انعكاسًا للعالم المثالي، وأرسطو عدّه مبدأ التّناسب والتّوازن الذي يثير الّلذة في النّفس.
أمّا شيلر (Schiller) في القرن الثّامن عشر فقد نقل الجمال من المجال الميتافيزيقي إلى المجال التّربوي، عادًّا في كتابه رسائل في التّربيّة الجماليّة للإنسان أنّ الجمال هو الوسيلة التي يتصالح بها الإنسان مع طبيعته المزدوجة بين الغريزة والعقل، وأن التّربيّة الجماليّة هي الطريق نحو الحرية الإنسانيّة المتكاملة.
وفي الفكر الحديث، أعاد جون ديوي (John Dewey) صياغة المفهوم من منظورٍ “تجريبي” في كتابه الفنّ خبرةً (Art as Experience)، إذ رأى أنّ الجمال لا يُختزل في العمل الفني بل في الخبرة الجماليّة التي يعيشها الإنسان أثناء تفاعله مع بيئته.
ومن هذا المنطلق، كما يشير Fiore (2024)، فإنّ الجمال يحمل بُعدًا تربويًا أصيلًا، لأنّه يعيد الإنسان إلى خبرة العيش المتكاملة التي توحّد الفكر والشعور والفعل.
أمّا الفيلسوفة سوزان لانغر (Susanne Langer) فقد قدّمت في فلسفة الفن رؤية رمزيّة ترى أنّ الجمال ناتج عن تحويل التّجربة الإنسانيّة إلى شكل رمزي معبّر، وأن الفن هو اللغة التي تُعبّر بها العاطفة عن ذاتها من خلال الرّموز الشّكليّة (Kim, 2023).
هذه الرؤية الرمزية تُقدّم أساسًا لفهم العلاقة بين الإنسان والآلة في العصر الرقمي؛ إذ إنّ الأنظمة الذّكيّة قادرة على محاكاة الشكل، ولكنها تفتقر إلى التّجربة الوجدانيّة التي تمنح الرّموز معناها الإنساني.
2. الأبعاد الفلسفيّة للجمال: يمكن تمييز أربعة أبعاد رئيسة للجمال وفق التطور الفلسفي والمعرفي:
- البعد الميتافيزيقي
يرى الجمال كقيمة مطلقة تتجاوز الزّمان والمكان، تعبّر عن الكمال الإلهي أو النّظام الكوني، هذا البعد يبرز في الفكرين الأفلاطوني والإسلامي؛ فـابن سينا والغزالي عدّا الجمال تجليًا للكمال الإلهي في العالم المحسوس.
- البعد الإنساني – الخبراتي
يركّز على أنّ الجمال لا يوجد في الشيء نفسه، بل في تجربة الإنسان مع الشيء، وهنا تصبح التّربيّة الجماليّة أداة لتوسيع الوعي بالحياة وتنمية الحسّ بالتّناسق والمعنى (Dewey في Fiore, 2024).
- البعد الاجتماعي – الثّقافي
الجمال نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته وثقافته، ويتغير بتغيّر السّياقات الحضاريّة، وفق هذا البعد، كما يؤكد Lyu و Huang (2024)، لم يعد الجمال مجرد ذوق فردي بل أصبح خطابًا ثقافيًا وتقنيًا يعكس قيم المجتمع وأولوياته.
- البعد القيمي – التربوي
يرى الجمال أساسًا في بناء الشّخصيّة الأخلاقيّة المتوازنة، إذ يسهم التّذوق الجمالي في تهذيب الحسّ والخيال والذّوق، وهو ما أشار إليه شيلر والغزالي على السواء، مؤكدين أنّ الجمال يربّي الإنسان على المحبة والنظام الداخلي.
3. من الفلسفة إلى التّربيّة الجماليّة
انطلاقًا من هذه الأبعاد، يمكن القول إنّ التّربيّة الجماليّة ليست مجرد تعليم للفنون أو تدريب على المهارات الإبداعيّة، بل هي تربية على الوعي بالحياة في أبعادها القيميّة والرّمزيّة، فالمتعلم من خلال الفنّ والجمال لا يكتسب مهارة فنيّة فحسب، بل يتدرّب على الرؤية العميقة والتّأمل والنقد، وهي مهارات أساسيّة في التّربيّة المعاصرة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تكتسب هذه الرؤية بعدًا جديدًا، لأنّ الجمال لم يعد مرتبطًا بالطبيعة وحدها، بل بات يتجلى أيضًا في الفضاء الرقمي والمصطنع، وهنا تبرز الحاجة إلى إطار تربوي نقدي يعيد للإنسان مكانته كمصدر للمعنى، في مواجهة الجمال التقني المولّد آليًا، فكما تقول لانغر، “الآلة قادرة على الصياغة، لكنّها لا تختبر المعنى”، ومن هنا تتجدد وظيفة التّربيّة الجماليّة في صون البعد الإنساني للجمال في زمن الاصطناع.
المبحث الثاني: التّربيّة الجماليّة – المفهوم والنّشأة والتطور
1. مفهوم التّربيّة الجماليّة
تُعدّ التّربيّة الجماليّة أحد الميادين التّربويّة التي تهدف إلى تنمية الوعي الجمالي لدى الإنسان، وتعزيز قدرته على إدراك الجمال في الطبيعة والفن والحياة اليوميّة، بما يؤدي إلى تحقيق التّوازن بين الحسّ والعقل، وبين الذّوق والمعرفة، ولا تقتصر التّربيّة الجماليّة على تدريس الفنون أو تنمية المهارات الإبداعيّة، بل هي تربية على التّذوق والنقد والمعنى، إذ تسعى إلى غرس القدرة على رؤية الجمال بوصفه قيمة إنسانيّة وحضاريّة.
يُشير جون ديوي إلى أنّ التّربيّة الجماليّة هي المجال الذي يُعيد الإنسان من التّجريد العقلي إلى خبرة العيش المتكاملة؛ فالجمال عنده ليس ترفًا، بل ضرورة تربويّة تسهم في بناء الشّخصيّة المتوازنة (Fiore, 2024).
وبالمنظور نفسه، يرى سوزان لانغر أن التّربيّة الجماليّة تُكسب الإنسان مهارة “التّعبير الرّمزي” الذي يجعل من الفن وسيلة للتفكير، لا مجرد إنتاج فني (Kim, 2023).
أمّا في الفكر العربي والإسلامي، فقد ربط الغزالي وابن سينا وابن الهيثم بين الجمال والإدراك العقلي والروحي، مؤكدين أنّ التّربيّة الجماليّة تُنمّي حسّ النّظام، والاتّساق، والاعتدال، وهي مقاصد أخلاقيّة قبل أن تكون فنيّة. وهذا الارتباط بين الجمال والأخلاق سيظل سمة مميزة للتربية الجماليّة في مختلف العصور.
2. النشأة والتطور التاريخي للتربية الجماليّة
نشأت التّربيّة الجماليّة كمفهوم تربوي واضح في الفكر الأوروبي خلال القرن الثامن عشر، مع فريدريش شيلر (Schiller)، الذي رأى أن التّربيّة الجماليّة هي الوسيلة التي تُحرّر الإنسان من التّناقض بين العقل والغريزة، وتعيد له إنسانيته الكاملة من خلال التّذوق الجمالي، وقد عدّها أداة للتوازن الاجتماعي والأخلاقي، لا مجرد تدريب على الفن. وتطوّر هذا المفهوم في القرن العشرين مع ديوي (Dewey) الذي جعل من الجمال خبرة حياتيّة يمكن تعليمها وتنميتها عبر التّفاعل مع البيئة، وليس حكرًا على الفنانين أو النخب. ثم اتسع المجال ليشمل برامج التعليم الفني في المدارس والجامعات، وصولًا إلى ما يُعرف اليوم بـ التّربيّة الجماليّة الرّقميّة، التي توظف الوسائط التّفاعليّة، والتّقنيات الذّكيّة في تنمية الحسّ الجمالي والإبداعي (Lyu & Huang, 2024).
وقد أشار Heaton وLow وChen (2024) إلى أنّ الثّورة الرّقميّة فرضت على المؤسسات التّربويّة مراجعة المناهج الفنية والجماليّة، لتتحول من “تعليم المهارة” إلى “تنمية الوعي النقدي والإبداعي”، خاصة بعد دخول أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليّة التّعليميّة، أما Torres Carceller (2024) فقد أكّد أن التّربيّة الجماليّة في عصر التّقنيّة يجب أن تعيد تعريف الفن نفسه، بوصفه تجربة معرفيّة ومجتمعيّة، لا مجرد إنتاج بصري.
3. أهداف التّربيّة الجماليّة في السياق المعاصر
يمكن تلخيص أهداف التّربيّة الجماليّة في ضوء التّحولات المعاصرة كما يلي:
- تنمية الوعي الجمالي والنقدي لدى المتعلم، من خلال اكتساب القدرة على تمييز القيم الجماليّة الحقيقية من المظاهر السّطحيّة أو الاستهلاكيّة.
- تعزيز الإبداع والابتكار بوصفهما امتدادًا للخبرة الجماليّة، عبر الانفتاح على أدوات جديدة من دون فقدان الأصالة الإنسانيّة.
- تربية الذّوق الأخلاقي والجمالي، فيتكامل الجمال مع القيم الإنسانيّة الكبرى كالخير والحقّ والمسؤوليّة.
- إعداد المتعلم للتفاعل الواعي مع الجمال الرقمي، وتمكينه من توظيف الذّكاء الاصطناعي كوسيلة للتّعبير الفني لا كديل عن الذات المبدعة.
- المساهمة في بناء ثقافة بصريّة نقديّة، تُمكّن المتعلم من تحليل الرسائل الجماليّة والإعلاميّة التي تحيط به في البيئة الرّقميّة.
4. التّربيّة الجماليّة بين الأصالة والتجديد
إنّ التّربيّة الجماليّة في عصر الذكاء الاصطناعي تواجه تحديًا مزدوجًا:
من جهة، ضرورة الحفاظ على القيم الجماليّة الأصيلة التي تربط الجمال بالمعنى الإنساني، ومن جهة أخرى، الانفتاح على أشكال الجمال الاصطناعي التي تنتجها التقنيات الحديثة، ولذلك تدعو الدّراسات الحديثة إلى بناء تربية جماليّة نقدية، توازن بين الإبهار التّقني والتأمل القيمي، وبين الذّكاء الاصطناعي والخيال الإنساني.
كما يشير Yahaya & Zalay (2025) إلى أن التّربيّة الجماليّة في المرحلة القادمة ينبغي أن تؤسس لعلاقة “تشاركية” بين الإنسان والآلة، يكون فيها الذّكاء الاصطناعي محفّزًا للخيال، لا مُوجّهًا له.
وهذا ما يتوافق مع نظريّة الإبداع التّعاوني (Co-Creativity) التي ترى أنّ الجمال في العصر الرّقمي ناتج عن تفاعل متكافئ بين الإنسان والتّقنيّة، لا عن استبدال أحدهما بالآخر (Rafner, 2025).
المبحث الثالث: الجمال الاصطناعي – المفهوم والخصائص والتّحديات التّربويّة
1. مفهوم الجمال الاصطناعي
يُشير مفهوم الجمال الاصطناعي إلى ذلك النّمط الجديد من الجمال الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي عبر خوارزميّات التعلّم الآلي والنّماذج التّوليديّة القادرة على محاكاة، أو خلق أشكال فنية وصور وموسيقى ونصوص تُظهر انسجامًا وتناسقًا بصريًا أو سمعيًا يشبه الإبداع الإنساني.
غير أن هذا الجمال لا ينبع من “تجربة شعوريّة” كما في الفن الإنساني، بل من نظم رياضيّة واحتماليّة تولّد أنماطًا تُثير إدراك الجمال عبر الشّكل والتّركيب لا عبر القصد والمعنى، إذ يرى Lyu & Huang (2024) أن الجمال الاصطناعي يمثل “المرحلة الثالثة” في تطور الجمال الإنساني بعد الجمال الطبيعي والجمال الفني، لأنّه يقوم على ذكاء صُنع ليُنتج الجمال، لا ليكتشفه فقط.
أمّا Fiore (2024) فيشير، انطلاقًا من منظور ديوي، إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحلّ محلّ الإنسان في الخبرة الجماليّة، لأنّه يفتقر إلى الوعي والتجربة؛ لكنّه قادر على توسيع أفق التّفاعل الجمالي إذا ما وُظّف تربويًا بطريقة تعزز الحسّ الإنساني لا أن تلغيه.
إذن فالجمال الاصطناعي لا يُفهم بوصفه نقيضًا للجمال الطبيعي، بل بوصفه مرحلة جديدة من التّجربة الجماليّة، تنتقل فيها الخبرة من الإحساس المباشر بالطبيعة إلى التّفاعل مع الرّموز والأشكال التي تنتجها الآلة.
2. الخصائص المميزة للجمال الاصطناعي
يمكن تمييز الجمال الاصطناعي عن غيره من أنماط الجمال من خلال مجموعة من الخصائص الجوهريّة:
- التّمثيل الخوارزمي: إذ تُبنى الأعمال الجماليّة على عمليات حسابيّة تُحوّل البيانات إلى صور أو أصوات أو نصوص، ما يجعل الجمال هنا نتاجًا لـ “منطق رياضي” أكثر من كونه إحساسًا وجدانيًا (He & Zhang, 2025).
- الذّات المزدوجة للإبداع: في الجمال الاصطناعي لا يكون الفاعل الجمالي فردًا واحدًا، بل إنسان–آلة في علاقة تفاعليّة، فالإبداع هنا موزع بين نية الإنسان وخوارزميّة الآلة، وهو ما يسميه Rafner (2025) بـ الإبداع التعاوني (Co-Creativity).
- المظهر المتحوّل والمتعدد: لأنّ الخوارزميّات قادرة على إعادة توليد الصورة بصيغ مختلفة في كل مرة، فإن الجمال الاصطناعي يتصف بـ اللانهائيّة والتغيّر الدّائم، بخلاف الجمال الطبيعي الثابت نسبيًا.
- غياب العاطفة والقصد: الجمال الاصطناعي ينتج من دون تجربة وجدانيّة أو نية جماليّة واعية، ما يثير تساؤلات فلسفيّة حول “المعنى” و“النّية الفنيّة” (Fiore, 2024).
- التقاطع بين الإبهار والمعنى: كثير من المنتجات الجماليّة الاصطناعيّة تتمتع بدرجة عالية من الإبهار البصري أو الموسيقي، لكنها قد تفتقر إلى المعنى الإنساني المتجذر، وهو ما يجعل التّربيّة الجماليّة مسؤولة عن إعادة بناء المعنى داخل التّقنيّة.
3. التحول من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي
شهد القرن الحادي والعشرون تحوّلًا جذريًا في مصادر التّجربة الجماليّة، فبعد أن كان الجمال مرتبطًا بالطبيعة والفن الإنساني، أصبح اليوم يُنتج في الفضاء الرقمي بواسطة الذّكاء الاصطناعي التّوليدي، كما في أنظمة GANs أو Diffusion Models القادرة على إنتاج أعمال فنية مستقلة.
ويُشير Torres Carceller (2024) إلى أن هذا التحول يمثل “ثورة في مفهوم الفن ذاته”، لأنّه ينقل الجمال من المجال الوجداني إلى المجال الحسابي، ما يفرض على التّربيّة الجماليّة أن تعيد تعريف أهدافها وأدواتها.
بينما يرى He & Zhang (2025) أنّ هذا التحول لا يلغي الإبداع الإنساني، بل يعيد توزيعه في بنية جديدة من التّفاعل الإدراكي بين الإنسان والآلة، في هذا الإطار، يصبح الذّكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة فنيّة، بل فاعلًا جماليًا مساعدًا، يُسهم في إثراء الخيال البشري عبر اقتراح أشكالٍ جديدة للتمثيل الجمالي، دون أن يمتلك وعيًا بها.
4. التحديات التّربويّة للجمال الاصطناعي
يشكّل الانتقال نحو الجمال الاصطناعي تحديًا حقيقيًا للتربية الجماليّة من عدة نواحٍ:
- تحدي الأصالة والمعنى: إذ يُطرح السؤال التربوي الجوهري: كيف نعلّم المتعلم التمييز بين الإبداع الحقيقي والإنتاج الآلي؟ وكيف نحافظ على الحسّ بالمعنى في عالمٍ تنتج فيه الخوارزميّات صورًا بلا تجربة إنسانيّة خلفها؟
- تحدي القيم الجماليّة والأخلاقيّة: لأن الذكاء الاصطناعي قد يولّد صورًا أو نصوصًا تمس القيم الثقافيّة، فإن التّربيّة الجماليّة مطالَبة بإرساء معايير نقدية تُوازن بين حرية الإبداع والمسؤوليّة الأخلاقيّة.
- تحدي الهوية الثقافيّة: البيانات التي تُدرَّب عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تعكس ثقافات غربية مهيمنة، ما قد يؤدي إلى توحيد الذوق الفني عالميًا وإضعاف الخصوصيات الجماليّة المحليّة، وهنا تظهر ضرورة تطوير تربية جماليّة تُعيد للثقافات غير الغربيّة حقها في التّعبير الجمالي الذاتي.
- تحدي العلاقة بين الإنسان والتّقنيّة: يتطلب الجمال الاصطناعي مقاربة تربويّة جديدة تُعيد بناء العلاقة بين الإنسان والآلة على أساس من التّكامل لا الاستلاب، إذ يتعلم المتعلم كيف يستخدم التّقنيّة بوصفها أداة توسيع للخيال الإنساني، لا بديلًا عنه.
5. نحو تربية جماليّة نقدية في عصر الجمال الاصطناعي
لمواجهة هذه التّحديات، تُقترح التّربيّة الجماليّة النقديّة كإطارٍ جديد للتعامل مع الجمال الاصطناعي، إذ تُعيد المتعلم إلى موقع الفاعل الواعي وسط الإنتاج الرّقمي الهائل، إذ يؤكد Heaton et al. (2024) أنّ الدّور التّربوي اليوم لم يعد نقل المهارة الفنيّة، بل تربية الوعي النقدي القادر على التّمييز بين الإبداع والمعالجة الآلية، وبذلك، تصبح التّربيّة الجماليّة في العصر الرّقمي مجالًا لتعليم “الحرية في الاختيار الجمالي”، وحماية الإنسان من الذوبان في أنماط الجمال الاصطناعي الشكلي.
المبحث الرابع: من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي – نحو رؤية تكامليّة تربويّة
1. الجمال الطبيعي كمنطلق للتربية الجماليّة
يُعبّر الجمال الطبيعي عن أولى تجارب الإنسان الجماليّة، إذ يجد في الطبيعة مصدر الإلهام الأول للانسجام والتّوازن والإبداع، إذ تُنمّي التّربيّة الجماليّة التّقليديّة هذا الوعي من خلال تعليم التّذوق الحسي والانفعالي للطبيعة والفنون، ما يساعد المتعلم على اكتساب صفات التأمل، والهدوء، والتّفاعل الإنساني العميق مع الوجود.
ويرى جون ديوي (Dewey) – كما يشرح Fiore (2024) – أنّ الجمال الطبيعي هو البذرة التي تنمو منها أشكال الخبرة الفنيّة جميعها، لأنّ “الفنّ امتداد للطبيعة التي أعاد الإنسان صياغتها بالمعنى”.
ومن ثمَّ فإنّ الوظيفة التّربويّة للجمال الطبيعي تتمثل في غرس الإحساس بالانسجام والاتصال الحي بالعالم، كشرطٍ لتكوين الذّوق الإنساني الأصيل.
غير أنّ عصر الذكاء الاصطناعي غيّر هذا المشهد جذريًا، إذ لم يعد الجمال يُدرك فقط في الطبيعة أو في الفنّ الإنساني، بل أصبح يُنتَج اصطناعيًا، عبر أنظمة توليديّة تحاكي الإبداع البشري وتُقدّم صورًا لا وجود لها في الواقع، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين هذين المستويين من الجمال.
2. الجمال الاصطناعي كتحدٍّ وفرصة تربويّة
يطرح الجمال الاصطناعي تحديًا فلسفيًا وتربويًا مزدوجًا:
فمن جهة، هو يهدّد مركزيّة الإنسان في العمليّة الإبداعيّة؛ إذ يمكن للآلة أن “تُنتج” من دون وعي أو قصد، ما يثير سؤال المعنى والأصالة، ومن جهة أخرى، يمكن أن يشكل فرصة تربويّة غير مسبوقة لتوسيع الخيال البشري، عبر الانفتاح على إمكانات جديدة للتّعبير والتّجريب والتّفاعل.
تُظهر دراسات He & Zhang (2025) وYahaya & Zalay (2025) أنّ توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في التّعليم الفني يمكن أن يعزّز الإبداع والاهتمام لدى الطلبة، إذا ما تمَّ ضمن بيئة تعلم نقديّة توازن بين التّقنيّة والتّفكير الجمالي.
وهذا ما تؤكده أيضًا رؤية Rafner (2025) في نظريّة الإبداع التعاوني (Co-Creativity)، التي ترى أن القيمة الإبداعية الأعلى تتحقق عندما يتفاعل الإنسان والآلة في علاقة تشاركيّة تُحافظ على قصد الإنسان وتستخدم قدرة الآلة في التوليد والاقتراح.
3. الرؤية التّكامليّة بين الجمالين الطبيعي والاصطناعي
يمكن صياغة رؤية تربويّة تكامليّة ترى أن الجمالين الطبيعي والاصطناعي ليسا متناقضين، بل يمثلان مستويين متكاملين للتّجربة الجماليّة، فالجمال الطبيعي يرسّخ الأساس الإنساني للذوق، بينما يوسّع الجمال الاصطناعي أفق الإدراك والتعبير.
ويتحقق التكامل بينهما تربويًا من خلال المبادئ الآتية:
- المبدأ الأول – مركزيّة الإنسان في التّجربة الجماليّة: ينبغي أن تبقى الخبرة الجماليّة فعلًا إنسانيًا قائمًا على القصد والمعنى، مهما بلغت قدرة الذكاء الاصطناعي على التّوليد، وهذا ما يؤكده Fiore (2024) في قراءته لديوي: التّقنيّة لا تُغني عن التّجربة، بل تتطلب تأطيرًا إنسانيًا حتى تظل الجماليات في خدمة النمو الإنساني.
- المبدأ الثاني – التّكامل بين الحسّ والآلة: التّربيّة الجماليّة المعاصرة مطالَبة بتعليم المتعلم كيف “يفكّر جماليًّا بالتّقنيّة”، أي كيف يوظّف الآلة لتوسيع قدرته على التّعبير والتّصميم من دون أن يُفرّط في أصالته الوجدانيّة، فكما يشير Rafner (2025)، يمكن للذّكاء الاصطناعي أن يكون “شريكًا محفّزًا” لا “مبدعًا بديلًا”.
- المبدأ الثالث – التّربيّة على الوعي النّقدي: ينبغي أن يتحول التعليم الجمالي من تدريبٍ على المهارة إلى تربية على النّقد والتمييز بين ما هو إبداعي وما هو تقليد خوارزمي، فالتّربيّة الجماليّة النقديّة تُحرّر المتعلم من الانبهار بالآلة وتُعيد توجيه انتباهه إلى المعنى والقيمة.
- المبدأ الرابع – إعادة بناء الذّوق الثّقافي: بما أنّ الجمال الاصطناعي قد يُسهم في نشر أذواق موحدة عالميًا، فإن التّربيّة الجماليّة مطالبة بإعادة ترسيخ الخصوصيات الثقافيّة في مواجهة الهيمنة التّقنيّة، عبر تشجيع إنتاج جمالي يستلهم الثقافة المحلية بوسائط رقميّة حديثة.
4. التّكامل التربوي كإجابة على الفرضيّة
تُظهر هذه الرؤية أن إدماج الجمال الاصطناعي في التّربيّة الجماليّة لا يعني استبدال الحسّ الإنساني بالتّقنيّة، بل توسيعه وترقيته من خلال الوعي النّقدي والممارسة التّأمليّة، فالذكاء الاصطناعي، عندما يُستخدم ضمن رؤية تربويّة نقديّة، يتحول من خطرٍ على الأصالة إلى أداة لتجديد الحسّ الجمالي وتحرير الإبداع.
وهكذا تؤكد نتائج هذا المبحث صحّة الفرضيّة المركزيّة للبحث:
أن إدماج الذّكاء الاصطناعي في التّربيّة الجماليّة، ضمن إطارٍ تكاملي قائم على التّعاون والوعي النقدي، يعزّز التّجربة الجماليّة الإنسانيّة ولا يُضعفها.
وهذا ما يعبّر عنه Lyu & Huang (2024) بقولهم إن مستقبل التّربيّة الجماليّة يكمن في “تطوير إنسانٍ رقمي ذي حسّ جمالي واعٍ”، قادر على الجمع بين الذكاءين — الإنساني والاصطناعي — في وحدةٍ تربويّة خلاقة.
الخاتمة
توصّل هذا البحث إلى أنّ التّحول من الجمال الطبيعي إلى الجمال الاصطناعي ليس مجرد انتقال تقني في أدوات التّعبير الفني، بل هو تحوّل معرفي وتربوي يمسّ جوهر التّجربة الجماليّة الإنسانيّة، فالذكاء الاصطناعي لم يلغِ الإبداع البشري، بل أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والجمال، إذ لم يعد الإنسان المتلقي الوحيد، بل أصبح شريكًا في عملية توليد الجمال عبر تفاعله مع الآلة.
وقد بيّن التّحليل الفلسفي والتّربوي أن الجمال الطبيعي يظلّ المرجع القيمي الذي يُغذي الذّوق والوعي، في حين يمثل الجمال الاصطناعي المجال الجديد لتوسيع الخيال والتّعبير.
وبين هذين البعدين، تبرز التّربيّة الجماليّة كجسرٍ تكامليّ يربط بين الأصالة والتّجديد، وبين الحسّ الإنساني والمنطق التقني.
وأبرز ما توصل إليه البحث أن الجمال الاصطناعي لا يُعدّ نقيضًا للجمال الطبيعي، بل تطورًا في مسار التّجربة الجماليّة الإنسانيّة، شريطة أن يُؤطَّر تربويًا في سياقٍ نقدي يوجّه التّقنيّة نحو خدمة القيم الجماليّة لا استبدالها، وأنّ التّربيّة الجماليّة في عصر الذكاء الاصطناعي مطالبة بإعادة تعريف دورها، من تعليم المهارة الفنيّة إلى تنمية الوعي النّقدي والذّوق القيمي لدى المتعلمين.
وأكدت الدّراسة أنّ الدّمج التّربوي بين الإنسان والآلة في المجال الجمالي يحقق تكاملًا معرفيًا ووجدانيًا إذا أُدير ضمن رؤية فلسفيّة وإنسانيّة تراعي مركزيّة الإنسان في الإبداع.
بالإضافة إلى الذّكاء الاصطناعي يمثل فرصة تربويّة لإثراء التعليم الفني وتوسيع إمكانات الإبداع، وليس خطرًا على القيم الجماليّة، إذا ما رافقه تأطير تربوي يربط التّقنيّة بالمعنى.
فالحاجة ماسة إلى تطوير تربية جماليّة نقديّة رقميّة، تُعلّم المتعلم مهارة التّذوق، والتّحليل، والتمييز بين الجمال الأصيل والمصطنع، وتربية على المسؤوليّة الجماليّة والأخلاقية في بيئة رقميّة مفتوحة، ويمكن القول إنّ التّربيّة الجماليّة في العصر الرقمي لم تعد خيارًا تجميليًا، بل أصبحت ضرورة فكريّة وتربويّة لحماية الإنسان من الاغتراب وسط طوفان التّقنيّة.
فالجمال الطبيعي يمنحنا الجذور، والجمال الاصطناعي يفتح لنا الآفاق، والتّربيّة الجماليّة هي التي تضمن أن يبقى الإنسان هو مركز المعنى بين الاثنين، وإنّ مستقبل الجمال لن يكون في الطبيعة أو الآلة وحدهما، بل في الإنسان الذي يربط بينهما بعقلٍ ناقد وقلبٍ مُبصر.
المراجع
- Fiore, A. (2024). Is Dewey’s aesthetics critical? A reflection on the relationship between artificial intelligence and art from a Deweyan perspective. Contemporary Pragmatism, 21(4), 1-18. https://doi.org/10.1163/18758185-bja10096
- He, Y., & Zhang, S. (2025). Enhancing art creation through AI-based generative adversarial networks in educational auxiliary system. Scientific Reports, 15, 1432. https://doi.org/10.1038/s41598-025-14164-z
- Heaton, R., Low, J. H., & Chen, V. (2024). AI art education – artificial or intelligent? Transformative pedagogic reflections from three art educators in Singapore. Pedagogies: An International Journal, 19(4), 1-21. https://doi.org/10.1080/1554480x.2024.2395260
- Heaton, R., Low, J. H., & Chen, V. (2024). AI art education – artificial or intelligent? Transformative pedagogic reflections from three art educators in Singapore. Pedagogies: An International Journal, 19(4), 1-21. https://doi.org/10.1080/1554480x.2024.2395260
- Kim, K. H. (2023). Exploring the philosophical issues of AI art creation: An educational discussion based on the philosophy of art from Susanne K. Langer. Journal of Music Education Science, 56, 29-48. https://doi.org/10.30832/jmes.2023.56.29
- Lyu, H., & Huang, S. (2024). Aesthetic education in the age of artificial intelligence: Challenges, opportunities, and prospects. Journal of Intelligence and Knowledge Engineering, 2(4), 218-235. https://doi.org/10.62517/jike.202404218
- Rafner, J. (2025). Computational co-creativity. In The Oxford Handbook of Digital Humanities(pp. 892-908). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780197698181.013.0043
- Torres Carceller, A. (2024). The ARTificial revolution: Challenges for redefining art education. Digital Education Review, 45, 84-90. https://doi.org/10.1344/der.2024.45.84-90
- Torres Carceller, A. (2024). The ARTificial revolution: Challenges for redefining art education. Digital Education Review, 45, 84-90. https://doi.org/10.1344/der.2024.45.84-90
- Yahaya, S. M. I., & Zalay, A. A. (2025). Integrating AI in art education: Opportunities, challenges, and future directions. International Journal of Innovative Science and Research Technology, 10(7), 848-865. https://doi.org/10.38124/ijisrt/25jul848
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم الإدارة التّربويّة
PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of Educational Administration.Email: Fatima.nasrallah@live.com
[2] – أستاذ في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة في لبنان – وجامعة آزاد
Professor at the Higher Institute for Doctoral Studies at the Lebanese University, the Islamic University of Lebanon, and Azad University. Email: yatabaja@hotmail.com