محدّدات المقاربة الرّوسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

محدّدات المقاربة الرّوسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023

Determinants of the Russian approach to the Israeli war on Gaza in October 2023

 Najah Ismail Hamdanنجاح إسماعيل حمدان([1])

 Supervision: Prof. Dr. Tony Attallahإشراف: أ. د طوني عطا الله([2])

تاريخ الإرسال:18-12-2025                                تاريخ القبول:28-12-2025

الملخص                                                                        turniin:10%

مثّلت الحرب الإسرائيليّة على غزة، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، منعطفًا محوريًا، وفرصة نادرة لخلط الأوراق إقليميًا ودوليًا وتظهير الّتفاعلات الدّوليّة لمواقف القوى الكبرى، إزاء القضيّة الفلسطينيّة لجهة التّباين في المقاربات والتّوظيف والاستثمار في هذه القضيّة، في حمأة التّدافع الجيوسياسيّ التي تشهدها السّاحة الدّوليّة. استطاعت روسيا، منذ تدخّلها المباشر في سوريا، في العام 2015، تعزيزًا لحضورها الدّبلوماسيّ والسّياسيّ في منطقة غرب آسيا، ما أتاح لها نفوذًا مؤثرًا وازنًا، في المعادلات الإقليميّة، سياسيًا وأمنيًا. حين اندلعت الحرب الإسرائيليّة على غزة، بدأ التّباين جليًا، في مواقف القوى الدّوليّة، لاسيّما روسيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتّحاد الأوروبيّ. ارتبط الموقف الرّوسيّ بجملة معايير إستراتيجيّة؛ أبرزها التّنافس السّياسيّ على النّفوذ مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، في غرب آسيا، وتعزيز علاقاتها بالدّول العربيّة والإسلاميّة وبدول الجنوب عمومًا. هذه الدّول باتت تلمس هشاشة المعايير الأمريكيّة والغربيّة وازدواجيّتها عمومًا؛ في حين بدأ التّوظيف الرّوسيّ البراغماتيّ للقضيّة الفلسطينيّة في السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة، تقارب الأزمات الإقليميّة والدّوليّة، لتحقيق المصالح الجيوسياسيّة، ويعزّز نفوذها الإقليميّ واستثمارها للتحوّلات في النّظام الدّوليّ.

الكلمات المفتاحيّة: إقليمي- جيوسياسي – غزّة – الفلسطسينيّة – نفوذ.

Abstract

The Israeli war on Gaza، which erupted on October 7، 2023، constituted a pivotal turning point and a rare opportunity to reshuffle regional and international dynamics، while exposing the international interactions and positions of major powers regarding the Palestinian cause، particularly in terms of the divergence in approaches، instrumentalization، and political investment in this issue amid the intense geopolitical contestation characterizing the contemporary international arena. Since its direct intervention in Syria in 2015، Russia has succeeded in strengthening its diplomatic and political presence in West Asia، thereby acquiring significant and influential leverage within regional political and security equations. With the outbreak of the Israeli war on Gaza، the divergence in the positions of international powers—most notably Russia، the United States، and the European Union—became increasingly evident. The Russian stance has been shaped by a set of strategic considerations، foremost among them political competition with the United States over influence in West Asia، as well as the reinforcement of its relations with Arab and Islamic states and with countries of the Global South more broadly.

These states have increasingly come to perceive the fragility and double standards underlying American and Western norms in general. Concurrently، Russia has adopted a pragmatic instrumentalization of the Palestinian cause within its foreign policy، employing it as a tool for engaging with regional and international crises in pursuit of its geopolitical interests، while simultaneously enhancing its regional influence and capitalizing on ongoing transformations in the international system.

Keywords: Regional – Geopolitical – Gaza – Palestinian – Influence.

 

المقدّمة

تأتي الحرب الإسرائيليّة على غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، في سياق دوليّ يتّسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتراجع القدرة على إدارة الأزمات وفقًاا لقواعد مستقرّة. في هذا الإطار، تبرز السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة بوصفها فاعلًا دوليًا يسعى إلى إعادة صياغة موازين النّفوذ في مناطق الصّراع، ولاسيّما في غرب آسيا. يُعدّ الموقف الرّوسيّ من هذه الحرب نتاجًا لتفاعل معقّد بين معايير السّيادة ومصالح الأمن القوميّ وأدوات التأثير الدّبلوماسيّ. كما تتداخل المحدّدات الأيديولوجيّة والخطابيّة مع الحسابات البراغماتيّة في صياغة المقاربة الرّوسيّة إزاء القضيّة الفلسطينيّة. تُظهر هذه المقاربة مستوى التكيّف الرّوسيّ مع التحوّلات البنيويّة في النظام الدّوليّ. انطلاقًا من ذلك؛ يهدف هذا البحث إلى تفكيك المحدّدات الناظمة للموقف الرّوسيّ من الحرب على غزة، بتحليل أبعادها السياسيّة والإستراتيجيّة ضمن سياقها الإقليميّ والدّوليّ.

إشكاليّة البحث

اتّسمت المواقف الرّوسيّة إزاء الحرب الإسرائيليّة على غزة، في السّابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتوازن الحذر. إذ إنّ روسيا؛ من جهة تدين أحيانًا الممارسات الإسرائيليّة ضد الفلسطينيّن؛ لكنّها من جهة أخرى تدعو الجميع إلى التهدئة، وهي في ذلك كلّه تراعي علاقاتها الإستراتيجيّة مع القوى جميعها والدّول والأطراف المعنيّة بالقضيّة الفلسطينيّة. هذا ما لفت انتباه الباحثين والمراقبين وأثار التساؤلات عن البعد الأعمق للمقاربة الرّوسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزة. من هنا؛ فالإشكاليّة المركزيّة هي في فهم المحدّدات الجيوسياسيّة والدّبلوماسيّة والبنيويّة التي تنبني عليها المقاربة الرّوسيّة هذه وكيف تمكّن الرئيس فلاديمير بوتين بسياسته البراغماتيّة تحقيق توازن معقول ومتواصل ما بين مصالح بلاده مع مختلف القوى المتحاربة، وفي الوقت نفسه تعزيز نفوذها إقليميًا ودوليًا. تتشعّب الإشكاليّة إلى الأسئلة الأتية:

  1. ما الخلفيّة التاريخيّة والسّياسيّة الرّوسيّة في ما تتخذه من مواقف ومقاربات إزاء القضيّة الفلسطينيّة؟
  2. هل أثرت الحرب الرّوسيّة في أوكرانيا في المقاربة الرّوسيّة للحرب على غزة؟
  3. هل للعلاقات الرّوسيّة- الإسرائيليّة تأثير في المقاربة الرّوسيّة هذه؟
  4. هل استخدمت روسيا القوة الناعمة والقوة الصّلبة لتكييف موقفها في الحرب على غزة؟

منهج البحث

يعتمد البحث أساسًا المنهجين الوصفيّ والتّحليليّ لوصف المقاربة السّياسيّة الرّوسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزة، بالتركيز على توضيح محدّدات الموقف الرّوسيّ وارتباطه بالعلاقات الرّوسيّة بالقوى الإقليميّة والدّوليّة، مثل “إسرائيل” وإيران والقوى الفلسطينيّة والعلاقة بالولايات المتّحدة الأمريكيّة. كما يعتمد البحث المنهج التاريخيّ بإيراد خلفيّة تاريخيّة تسلّط الضوء على الموقف السّوفياتيّ ثمّ الرّوسيّ من القضيّة الفلسطينيّة وما اتّسم به هذا الموقف من ثوابت وعناصر مشتركة، وذلك مع أنّ الايديولوجيا حكمت السّياسة الخارجيّة السّوفياتيّة، وغابت تمامًا عن السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة، لكنّ الثابت الأبرز فيها والمستتر هو الصّراع مع الغرب والمكانة الدّوليّة والنّفوذ الإقليميّ والدّوليّ.

أهمّية البحث

تظهر أهمّية البحث رسوخ ثابتة مستمرّة في السّياسة الخارجيّة السّوفياتيّة ثمّ الرّوسيّة إزاء القضيّة الفلسطينيّة، وهي أولويّة الصّراع مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة على النّفوذ والمكانة في النّظام الدّوليّ على سائر المعايير القانونيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة التي تحيط بالقضيّة الفلسطينيّة. تتيح دراسة المقاربة الرّوسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزة معرفة وفهم ما ارتكزت إليه روسيا في مقاربتها على المستويين الإقليميّ والدّوليّ وكيفيّة تفاعلها مع تطوّرات هذه الحرب بما يوفر مدى أوسع  أكثر وضوحًا لرؤية أفاق السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة في ما تسعى إليه بالتّنافس على النّفوذ مع الولايات المتّحدة نحو عالم متعدّد الأقطاب.

كما تتيح هذه الدّراسة فهم دنياميات النّظام الدّوليّ؛ وهل أنّ هذا الدّور يسعى جديًا لإيجاد الحلّ نظرًا إلى ما يعتري دور روسيا من تعقيدات لحرصها على شبكة معقّدة من العلاقات الإقليميّة والدّوليّة ما يثير ارتباكًا في فهم حقيقة الموقف الرّوسيّ وبعض خفاياه من الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين وأحقيّة الشّعب الفلسطينيّ بأرضه ودولته وتقرير مصيره.

أولًا- أسس النظريّة الرّوسيّة ومقاربتها للتنافس مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة

ابتداء، لا بدّ من تصحيح مصطلح شائع وظالم، هو الصّراع العربيّ – الإسرائيليّ للدلالة على القضيّة الفلسطينيّة؛ والذي يعطي انطباعًا بوجود صراع متوازن بين طرفين، ويضيّع حقوق الشّعب الفلسطينيّ  ويغيّبه عن المشهد، وهو الذي احتلّت “إسرائيل” أرضه منذ العام 1948، وأقامت “دولتها” عنوة وبالقوة،  وتنكر عليه الحقّ في إقامة دولة مستقلّة، ولو على جزء من أرض فلسطين التاريخيّة.  كما يشير مصطلح الصّراع، في العلاقات الدّوليّة، إلى التّنافس بين دول أو مجموعات سياسيّة على السّلطة أو النّفوذ أو الموارد أو القيم([3]). في حين أنّ الصحيح هو اعتماد مصطلح الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين، وقد تكرّس واقع الاحتلال، واعترفت به العديد القرارات الدّوليّة، مثل قرار الجمعيّة العامّة الأمم المتّحدة الرّقم 181 /1947 الذي قسّم فلسطين وأقرّ إنشاء دولتين عليها، ما أكّد الأصل القانونيّ لحقّ الشّعب الفلسطينيّ في دولة مستقلّة([4])؛ ثمّ صدر القرار 242  في العام 1967، والذي دفع القوات الإسرائيليّة إلى الانسحاب مما احتلّته من أراضٍ إثر عدوان العام 1967، وقد ورد في القرار: Withdrawal of Israeli armed forces from territories occupied in the recent conflict؛ أي انسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي المحتلّة في “النزاع الأخير([5])،  وما تلا ذلك من قرارات دوليّة مثل 338 (1973) واتفاقيّات أوسلو (1993-1995). يظهر الجدول الآتي الاستخدام الدقيق المصطلح:

المصطلح الدلالة ملاحظة
صراع نزاع اومنافسة بين طرفين متساويين أو شبة متساويين لا يعبر عن واقع الاحتلال
صراع )علاقات دوليّة( يدل على تنافس بين دول أو مجموعات سياسيّة على السّلطة أو الموارد أو النّفوذ. يستخدم عادة في وصف النزاعات الدّوليّة
مشكلة الاحتلال وجود قوة تحتل الأرض وتفرض السيطرة على السّكان فيها تعبير قانوني وسياسيّ دقيق

 

العدوان\الاحتلال استخدام القوة لفرض السيطرة على أرض أو شعب يساعد على تحديد موقف واضح للقانون الدّوليّ

اتفاقيّات أوسلو لم تنه الاحتلال، ولم تتوصل إلى إقامة دولة فلسطينيّة، ولم تحسم مسألة المفاوضات في القضايا الجوهريّة ) القدس، اللاجئين، المستوطنات(… وتحوّل الوضع الانتقاليّ من خمس سنوات إلى وضع دائم؛ حيث لم تملك السّلطة الفلسطينيّة، في الضفة الغربيّة، إلّا وضعًا إداريًا من دون سيادة فلسطينيّة، وظلّت القيود الأمنيّة الإسرائيليّة مفروضة عليها، وكرّست تقسيمات إداريّة وأمنيّة في مناطق A،B،C  . لكن في الانتخابات التّشريعيّة العام 2006 إلى فوز حركة حماس بالأغلبيّة، وشكّلت حكومة برئاسة إسماعيل هنيّة، فرفضت الولايات المتّحدة و”إسرائيل” التعامل معها وفرضا عليها حصارًا ماليًا وسياسيًّا على السّلطة الجديدة في قطاع غزة.

شنّت “إسرائيل” حروبًا عدّة على قطاع غزة في الأعوام 2008 ، 2014 ، 2021 ، 2023 ، 2024 ، بهدف القضاء على حركة حماس التى ترفض الاعتراف بــ”إسرائيل”. يظهر ممّا تقدّم أنّ العدوان الإسرائيليّ الأخير على غزة هو امتداد للعدوانيّة الإسرائيليّة التاريخيّة على الشّعب الفلسطينيّ واستمرار للمشروع الصهيونيّ الإحلاليّ في فلسطين وتجاهل للقدرات الدّوليّة ولاتفاقيّات التسوية التي عقدتها “إسرائيل” مع فلسطينيين منذ تسعينيّات القرن الماضي في أوسلو، وذلك التي وقعتها مع دول عربيّة، والتي تضمّنت إعطاء الفلسطينيّن حكمًا ذاتيًا. استطاعت “إسرائيل” أن تتغوّل في ممارساتها والعدوانيّة هذه ضد الشّعب الفلسطينيّ ، بدعم أمريكيّ- أوروبيّ وامتناع المؤسسات الدّوليّة عن إنفاذ القانون الدّوليّ([6]).

اتخذت السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة، منذ العام 2000، منحى تصاعديًا في مساعيها لتثبيت حضور أكثر لنفوذ لروسيا على السّاحة الدّوليّة. إذ إنّ القادة الرّوس، في مقدّمتهم الرئيس فلاديمير بوتين، مقتنعون بأنّ لروسيا الإطار التاريخيّ والجغرافيّ والقدرة على تأدية دور مؤثر وفاعل ومستقلّ في السّياسة الدّوليّة وعلى تبوء مكانة دوليّة مرموقة و متقدّمة في المنظومة الدّوليّة خارج الهيمنة الأمريكيّة وفقًاا لما ذهب إليه “جفري مانكوف”، في شرحه للخلفيّة الإستراتيجيّة لروسيا بعد الحرب الباردة([7]).

تحرّكت روسيا في السّاحة الدّوليّة بإستراتيجيّة رافضة التفرّد الأمريكيّ، وتعمل وفقًا لهذا المنطق مع الدّول الكبرى كلّها تحالفًا وتنسيقًا وتفاهمًا،  في مختلف الأزمات الدّوليّة، لتشكيل منظومة دوليّة متعدّدة الأقطاب، وهو ما عُرف بــ”مبدأ بريماكوف”، في العام 1990، حين أكّد أنّ روسيا لا يمكن أن تسمح بصيغة أحاديّة دوليّة في النّظام الدّوليّ تقودها الولايات المتّحدة الأمريكيّة([8]). كذلك استمرّت روسيا في موقفها من القضيّة الفلسطينيّة؛ فحرصت في سياستها الخارجيّة على إقامة علاقات مدروسة التوازن مع القوى الإقليميّة في غرب آسيا([9]).

لم تتأثر ثوابت السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة، في مجمل المواقف والقرارات الدّوليّة، منذ العهد السّوفياتيّ وصولًا إلى روسيا الاتّحادية في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. إذ إنّ العوامل البنيويّة التي تتحكّم بالسّياسة الخارجيّة لا تتأثر بمتغيّرات وتحوّلات أنيّة طارئة هذه العوامل مثل الجغرافيّا والموارد الطّبيعيّة والعسكريّة والإرث الإمبراطوريّ وبقية النّظام الدّوليّ([10]). وفقًا لهذه الخلفيّة المتحكّمة بالسّياسة الخارجيّة الرّوسيّة تاريخيّا تُعدّ منطقة غرب آسيا إحدى ساحات التّنافس الرّوسيّ مع القوى الغربيّة، والتي تسعى روسيا دومًا إلى إثبات حضورها ونفوذها ودورها. من أسس نظريّة السّياسة الخارجيّة الرّوسيّ القدرة على إدارة التناقضات واعتماد سياسة التوازن المرن إلى حدّ التعامل مع دول متناقضة السّياسات والأهداف مثل “إسرائيل” وإيران وفقًا لبراغماتيّة سياسيّة تنفتح وتتحاور وتتعامل مع الجميع بصرف النّظر عن سياساتهم وأفكارهم طالما أنّ المعيار الأساس هو المصالح والمنافع المكتسبة لروسيا([11]).

  1. المحدّدات الجيوسياسيّة الرّوسيّة والصّراع مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة

اعتمدت روسيا دور الوسيط المقبول والنشط، في صراعات المنطقة، باعتماد سياسة انفتاح مرنة على الدّول والقوى في منطقة غرب آسيا؛ لاسيّما تلك المعنيّة بالقضيّة الفلسطينيّة. وهذا ما ينتج لروسيا مساحة أوسع في حركتها الدّبلوماسيّة للتواصل والحوار مع الجميع، ويحفظ لها وجودًا وازنًا ودبلوماسيًا وسياسيًا. هذا ما أوضحه “أندريه كزيريف” بأنّ: “روسيا تحافظ على الحوار مع جميع الفاعلين؛ لإدراكها أنّ هذه الوضعيّة تمنحها نفوذًا لا يتوفر للقوى الغربيّة”([12]).

إذ تُعدّ منطقة غرب آسيا واحدة من السّاحات القليلة المهمّة والسّياسة التي يستعر فيها التنافس والاحتدام بين السّياسة الرّوسيّة وبين السّياسة الأمريكيّة؛ حيث يمكن لروسيا تحدّي النّفوذ الأمريكيّ. في الحرب على غزة، حرصت روسيا على إظهار ضعف النّظام الدّوليّ وفشله بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة على احتواء الحرب الإسرائيليّة على غزة([13]). إذ تسعى روسيا إلى تقديم نفسها مركز قوة بديل قادر على التحاور مع القوى المتصارعة، وهذا ما أشار إليه “جيفري ماتكوف”([14]). يأتي اهتمام الولايات المتّحدة الأمريكيّة بمنطقة “غرب آسيا” ومجمل أوراسيّا لضمان استمرار تفرّدها بمكانة القوّة العظمى المهيمنة على العالم؛ فيما تسعى روسيا إلى تعزيز مكانتها الدّوليّة قطبًا دوليّا بين عدّة أقطاب ووضع حدّ للتفرّد الأمريكيّ. وتسعى روسيا إلى الحؤول دون التمدّد الأمريكيّ إلى مجالها الحيويّ الممتدّ من وسط أوروبا إلى وسط آسيا.

تتنافس روسيا، جيوبوليتكيًّا، مع الصّين؛ لذلك تهتمّ بمنعها من الهيمنة على شرق آسيا امتدادًا إلى وسطها، مع أنّ الصّين لا تظهر سياسات توسعيّة أو نوايا هيمنة، كلّ ما تفعله هو ضمان الحصول على موارد الطّاقة وتأمين ممرّاتها البحريّة، ما يؤكّد طابع نشاطها الاقتصاديّ في أوراسيّا ومساعيها الهادفة إلى عقد شراكات اقتصاديّة مع الدّول فيها. لكنّ هذه السّياسة الصّينيّة الاقتصاديّة الطّابع تحقّق لها حماية من المحاولات الأمريكيّة لاحتوائها في مناطق محدّدة في جنوب آسيا وشرقها. كذلك؛ الصّين، وبهذه القوّة الاقتصاديّة والنّفوذ الاقتصاديّ، تحقّق توازنًا مع روسيا القوّة العظمى، والتي تتمدّد جيوبوليتيكيًّا بهدوء وسلاسة وبلا حروب. ومنذ العام 2000، وتزامنًا مع تسلّم الرّئيس “بوتين” زمام السّلطة في روسيا الاتّحاديّة، حدثت جملة تطوّرات فارقة مؤثّرة في ديناميّة الحراكين الغربيّ والرّوسيّ في منطقة “غرب آسيا”.

إذ انسحبت “إسرائيل” في أيار العام 2000 من الجنوب اللبنانيّ من دون قيد أو شرط مرغمة بفعل ثمانية عشر عامًا من عمليّات المقاومة اللّبنانيّة، كما فعّلت المقاومة ضدّ الاحتلال الأمريكيّ والمجموعات التكفيريّة في العراق منذ العام 2003، فبدا الأمريكيّون غير قادرين على فرض نموذجهم الخاص لحكم العراق، ثمّ استطاع لبنان مرة أخرى إفشال أهداف العدوان الإسرائيليّ على أراضيه وشعبه في العام 2006، وما تلا ذلك ممّا سمّي ثورات الرّبيع العربيّ، في أواخر العام 2010 ومطلع العام 2011، في عدد من البلدان العربيّة: تونس ومصر وليبيا واليمن ولبنان وسوريا. هذا؛ وظهرت مؤشّرات على فعاليّة قوى محلّيّة تكافح في مواجهة التغوّلين الأمريكيّ و”الإسرائيليّ” على شعوب المنطقة ودولها؛ كما اتّسمت هذه المرحلة بتراجع قوّة الدّولة الوطنيّة وتعزيز دور القوى المحلّيّة ما دون الدّولتيّة التي تكافح خارج إطار الدّولة الفاشلة وطنيًّا وقوميّا ضدّ هيمنة أمريكيّة واحتلال توسّعيّ “إسرائيليّ” يستنزفان موارد دول المنطقة وشعوبها، ويعرقلان مشاريع التّنمية والنّهوض والاستقرار.

هكذا؛ تقاطعت مصالح القوى النهضويّة والاستقلاليّة ما دون الدّولتيّة في “غرب آسيا” مع مصالح القوى الدّوليّة الصاعدة؛ مثل روسيا والصّين. وقد ظهرت قوى غير استعماريّة، تسعى إلى كسر الهيمنة الأمريكيّة في “غرب آسيا”. وبدا للقوى الناهضة ضرورة الانفتاح عليها والتّحاور معها والإفادة من التّنسيق مع هذه الدّول ذات المصلحة في إضعاف الدّور الأمريكيّ وكسر هيمنته على المنطقة. وتبدو المقاربة الرّوسيّة للدّيناميكيّات السّياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، في “غرب آسيا”، محكومة بالرّؤية الأوراسيّة التي تتطلّع إلى استجماع أوصال هذا الجيوبولتيك القارّي، و”غرب آسيا” جزء منه، في تنافس غير خفيّ مع المقاربة الاقتصاديّة الصّينيّة للتغلغل والهيمنة في المنطقة.

هكذا تبدو منطقة “غرب آسيا” بالنّسبة إلى القوى الدّوليّة الكبرى المتنافسة، روسيا والصّين، بمثابة منصّة أساس وأرضيّة مطلوبة لإعادة تشكيل نظام دوليّ تعدّدي الأقطاب؛ فيما تجد الولايات المتّحدة، فيها استكمالًا وتعزيزًا لهيمنتها الأحاديّة على النّظام الدّوليّ. وفي الطّريق إلى التعدّديّة القطبيّة المنشودة روسيًّا، تسعى روسيا إلى درء الخطر عن مجالها الجيوبوليتيكيّ وحمايته من النّفوذ الأمريكيّ. وهو المجال الذي ينطلق من وسط أوروبا إلى وسط آسيا، في حين تواجه روسيا تمدّدًا آخر للهيمنة الصّينيّة، ينطلق من شرق آسيا إلى وسط آسيا([15]) التي باتت بدورها منطقة تنافس دوليّة؛ نظرًا إلى ما تمتلكه من موارد طبيعيّة وموقع استراتيجيّ مهمّ.

لذلك؛ تبادر موسكو إلى مدّ جسور التّفاهم والتّحالف مع إيران، وليس مجرد علاقات؛ ومن خلالها تسعى أيضًا إلى حماية نفسها من سياسات التّطويق التي يمارسها عليها الغرب، عبر حلف الناتو الذي يتمدّد إلى الحدود الرّوسيّة، الأمر الذي يترتّب عليه تداعيات جيوبوليتيكيّة. ولمنطقة “غرب آسيا” أبعاد أخرى تلاحظها الاستراتيجيّة الرّوسيّة؛ ففي دراسة بعنوان “مستقبل روسيا الجيوبوليتيكيّ” كتب الباحث “عماد الدّين حاتم”: إنّ في جنوب غرب آسيا تتنافس وتتلاقى ثلاثة كيانات سياسيّة وجغرافيّة؛ تكاد تختصر المساحة السّياسيّة التي كانت وما تزال تتحرّك فيها الشّرق أوسطيّة السّياسيّة، وهذه الكيانات لها تطلّعاتها نحو آسيا الوسطى وجنوب روسيا([16]). المقصود بهذه الكيانات هي ذات الأصول الإسلاميّة: التركيّ والإيرانيّ والوهّابيّ (السّعوديّة)؛ ما يدفع روسيا إلى الاهتمام بجنوب متنوّع حضاريّا ودينيّا وثقافيّا، إضافة إلى ما تحتويه من أرض وهضاب وبحار وممرّات مائيّة لها أهميّتها الجيواستراتيجيّة([17]).

إنّ روسيا التي تطلّ على بحر قزوين تدرك مدى أهميّة هذا البحر، كونه يصل بين منطقة غرب آسيا وجنوب شرقها، كما يحتوي على احتياطات كبيرة من النّفط والغاز الطّبيعيّ([18]). في حين يشكّل البحر الأحمر، بموقعه الاستراتيجيّ، نقطة تقاطع بين قارتي آسيا وأفريقيا. وتظهر أهميّته في التّجارة بين المحيط الهنديّ والخليج القارّيّ، وبين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسّط. كما أنّ هذا البحر يتحكّم بثلاثة ممرّات ملاحيّة مهمّة هي قناة السويس وباب المندب ومضيق تيران. ويعدّ حيويًّا لمنطقة غرب آسيا، اقتصاديًّا وعسكريّا؛ كما يشكّل حلقة الرّبط بين خطوط المواصلات البحريّة في منطقة غرب آسيا([19]). أمّا البحر الأسود؛ فهو بحر داخليّ يصبّ فيه نهر الدّانوب، وتطلّ عليه أوكرانيا وروسيا وتركيا ورومانيا، ويتّصل بالبحر الأبيض المتوسّط عبر مضيق البوسفور وبحر مرمرة؛ فهو بحر غنيّ بثروات بحريّة كبيرة([20]). ويعدّ المعبر الوحيد لروسيا إلى قلب منقطة “غرب آسيا” عبر المضائق التركيّة.

أمام هذه الخصائص الجيوبوليتيكيّة مجتمعة، تجد روسيا الاتّحاديّة نفسها، بوصفها دولة شبه حبيسة وتفتقر إلى المنافذ الجغرافيّة الآمنة، مدفوعة إلى التوجّه نحو منطقة غرب آسيا سعيًا إلى فكّ عزلتها الجغرافيّة. يكتسب هذا التوجّه أهميّة مضاعفة في أعقاب انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ، إذ أضحت دول القوقاز وآسيا الوسطى، والتي نالت استقلالها، تشكّل نطاقًا جغرافيًا عازلًا يفصل روسيا عن تركيا وإيران. نتيجة لذلك، أصبحت روسيا معزولة نسبيًا عن منطقة غرب آسيا، بكلّ ما تختزنه من ثروات استراتيجيّة ومواقع جغرافيّة حيويّة باتت موسكو في أمسّ الحاجة إليها.

في الإطار الجيوبوليتيكيّ ذاته، يبرز العامل الديموغرافيّ بوصفه أحد المكوّنات الأساسيّة في التحليل الجيوبوليتيكيّ لأيّ دولة، حيث تولي روسيا الاتّحاديّة اهتمامًا خاصًا بمنطقة غرب آسيا من هذه الزاوية. إذ إنّ روسيا تضمّ كتلة ديموغرافيّة مسلمة تُقدَّر بنحو 19% من إجمالي سكّانها، ويتمركز معظم المسلمين الروس في مناطق شمال القوقاز المحاذية جغرافيًا لمنطقة غرب آسيا. كما أنّ ما تشهده الدّول المجاورة من تحوّلات وأزمات يسهل أن ينعكس على هذه الكتلة السكّانيّة، الأمر الذي يترتّب عليه تأثير مباشر في الأمن القوميّ الروسيّ. زيادةً على كلّ ما تقدّم؛ يبقى هناك موضوع الممرّات المائيّة والمعابر البريّة، وهي مهمّة جدًّا لروسيا في منطقة “غرب آسيا”. شكّلت استعادة روسيا الاتّحاديّة حضورها في منطقة “غرب آسيا” تطوّرا جيوبوليتكيًّا يعتدّ به؛ إذ يعدّ جزءًا أساسيًّا من استراتيجيّة التّعبئة العامّة لسياستها الدّوليّة الجديدة، والتي رسم معالمها الرّئيس “فلاديمير بوتين” الذي وضع استراتيجيّة السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة وفقًا لرؤية تقوم على إعادة تشكيل النّظام الدّوليّ القائم، والذي تهيمن عليه الولايات المتّحدة الأمريكيّة منفردة؛ وذلك عبر العمل الجماعيّ. إذ تعمد روسيا إلى عقد تحالفات إقليميّة في منقطة “غرب آسيا”، فتنشّط القديم منها مع الدّول العربيّة؛ مثل مصر وسوريا والجزائر وليبيا، وتطوّر الجديد كما هو الحال القائم مع دول الخليج. وفي سعي جدّيّ وحثيث لتشكيل نظام متعدّد الأقطاب؛ تسعى إلى تحالفات دوليّة؛ وقد عقد “بوتين” العزم على استعادة مكانة روسيا الدّوليّة دولةً عظمى بالعودة إلى منطقة “غرب آسيا”، بما تمثّله من موقع جيوسياسيّ مهمّ، ومن قدرة تأثير حاسم في موازين القوى الدّوليّة. هذا إضافة إلى أنّ منطقة “غرب آسيا” تعدّ سوقًا مهمّة لتجارة السّلاح الرّوسيّ، ما يرفد على الاقتصاد الرّوسيّ العوائد المجزية.

كما تتّجه روسيا الاتّحاديّة، من خلال سياساتها في هذه المنطقة، إلى مزاحمة الحضور الغربيّ على مستويي النّفوذ والاقتصاد، ولاسيّما الوجود الأمريكيّ تحديدًا، والسّعي إلى تضييق هوامش حركته الإقليميّة، بما يتيح لها الإمساك بالملفّات السّاخنة التي تُغذّي الصّراعات وتولّد الأزمات في غرب آسيا. بهذا المسار، تعمل روسيا على تحقيق هدف استراتيجيّ يتمثّل في كسر محاولات الإدارة الأمريكيّة احتواءها والحدّ من تمدّدها الدوليّ، ويُعدّ الوجود العسكريّ الروسيّ النّشط في سوريا نموذجًا بارزًا على هذا التوجّه. يرتبط هذا التحوّل الروسيّ المتزايد نحو المنطقة بوصول الرّئيس فلاديمير بوتين إلى السّلطة، إذ أطلق سياسة تقوم على تعزيز الحضور والتّواصل وبناء الشّراكات، على أساس أن يكون لروسيا دور فاعل ورأي مؤثّر في قضايا المنطقة. كما حرصت موسكو على توسيع نطاق شراكاتها مع دولها لتشمل الجوانب الاقتصاديّة والتقنيّة، إلى جانب الأبعاد العسكريّة والأمنيّة، استنادًا إلى الإرث التاريخيّ من العلاقات والتّواصل الاستراتيجيّ الذي رسّخته منذ مرحلة الاتّحاد السّوفياتيّ ([21]).

كما أنّ هناك موضوع الطّاقة الذي هو عنصر أساسيّ في اقتصاد روسيا الاتّحاديّة، وفي أولويّات سياستها الخارجيّة. إذ تعدّ الطّاقة في منطقة “غرب آسيا” محور المصالح بين دول المنطقة وروسيا على حدّ سواء. لذلك؛ تعقد روسيا تحالفات استراتيجيّة مع دول منتجة ومصدّرة للنّفط والغاز. وتسعى، عبر هذا التّحالف الطّاقويّ، إلى المشاركة والاستثمار في التّنمية والاستخراج والإنتاج والتّعاون مع هذه الدّول النّفطيّة للتّحكّم بكميّات الإنتاج والأسعار، ما يتيح لها منصّة تحكّم جيواقتصاديّ مؤثّرة عالميّا.

هذا ما يزيد من أهميّة الدّور الرّوسيّ في لعبة التّوازنات الدّوليّة، إذ تسعى روسيا الاتّحاديّة، عبر وضع خطط استراتيجيّة مع دول عربيّة نفطيّة؛ مثل السّعوديّة والإمارات، إلى استعادة قاعدة بحريّة كانت للاتّحاد السّوفياتيّ السّابق في جنوب البحر الأحمر. لذلك؛ وقّعت روسيا إعلان الشّراكة الاستراتيجيّة مع دولة الإمارات العربيّة لتنظيم خطوط الاتّصالات البحريّة، في الأوّل من حزيران 2018، وترمي روسيا بذلك إلى جمع موانئ لرسوّ سفنها في ميناء العقبة الأردنيّ وميناء الإسكندريّة المصريّ وميناء الفجيرة الإماراتيّ، وكذلك في ميناء عدن اليمنيّ (في الجنوب اليمنيّ)، بالإضافة إلى ميناء بورتسودان([22]). هذا بالإضافة إلى القاعدة البحريّة الموروثة من الاتّحاد السّوفياتيّ السّابق، في ميناء طرطوس السّوريّ. وتشكّل موانئ الرسوّ هذه قيمة حيويّة مهمّة في إطار مساعي روسيا لإعادة تنشيط أسطولها البحريّ عبر القارّات وتسهيل العمليّات العسكريّة البحريّة وتأمين تجارتها الدّوليّة. وهكذا تحلّ روسيا مشكلة تاريخيّة، بوصفها دولة شبه حبيسة تبحث عن منافذ إلى البحر. والمنطقة العربيّة في “غرب آسيا”، برأي الجيوبوليتيكيّ الرّوسيّ “ألكسندر دوسيفرسكيّ” هي :”المعبر الذي يربط قارّات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي مفتاح الدّفاع الجوّيّ عن قارّتي إفريقيا وأوروبا”([23]). يعني هذا؛ إنّها عقدة طرق بريّة وبحريّة وجويّة ونقطة التقاء بين القارّات الثلاث: آسيا، أوروبا وأفريقيا.

عمل الرّئيس فلاديمير بوتين على ترجمة رؤيته الجيوبوليتيكيّة إلى حيّز التّنفيذ، بما يضمن صون المصالح الاستراتيجيّة لروسيا والحفاظ على مجالها الحيويّ المباشر. وفي هذا الإطار، جاء التّدخّل العسكريّ الروسيّ في جورجيا العام 2008، ثمّ التّدخّل العسكريّ في الأزمة السّوريّة العام 2015، ليشكّلا محطّتين رئيسيتين في مسار جيوبوليتيكيّ متعدّد الأبعاد، يعكس صراعًا مركّبًا بين القوى البحريّة من جهة والقوى البريّة من جهة أخرى. وتُدرك روسيا أنّ حسم هذا الصّراع ينبغي أن يكون لصالحها بوصفها قوّة بريّة، في مواجهة محاولات عزلها التي تكثّفت عقب انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ السّابق، وهو ما أفضى إلى وضع جيوبوليتيكيّ بالغ الحساسيّة. إزاء هذا الواقع، لم تجد روسيا بديلًا عن المبادرة واقتناص الفرص الجيوبوليتيكيّة المتاحة، سعيًا إلى استعادة نفوذها التّاريخيّ وتعزيز دورها الإقليميّ في منطقة غرب آسيا.

روسيا باهتمامها بموقع سوريا منصّةَ ارتكاز لروسيا الأوراسيّة في “غرب آسيا” لا تتحدّى الدّور الأمريكيّ، ولا تريد استبعاده أو إخراجه من اللّعبة([24])؛ إّنما ما تسعى إليه من نفوذ إقليميّ، وعبر العديد من ملفّات المنطقة، هو التّأثير والنّفوذ والشّراكة، وأيضًا؛ المزاحمة غير الصّداميّة مع الأمريكيّين وصولًا إلى إحداث توازن في لعبة الأمم بين اللّاعبين الإقليميّين والدّوليّين. هذا الارتداد لم يكن مجرّد تحوّل تكتيكيٍّ بل شكّل نقلّة بنيويّةً في فهم موسكو لموقعها في النّظام الدّوليّ الجديد، إذْ رأت أنّ مواجهة الضّغوط الغربيّة تتطلّب حضورًا فعّالًا في “غرب آسيا”، بما يجعلها لاعبًا موازنًا للولايات المتّحدة في أكثر المناطق حساسيّة استراتيجيّا.

انطلاقًا من هذا الإطار، سعت روسيا الاتّحاديّة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات المتداخلة مع مختلف الفاعلين الإقليميّين في منطقة غرب آسيا، شملت إيران وتركيا وسوريا، إلى جانب “إسرائيل” ودول الخليج. ذلك بهدف ترسيخ موقعها بوصفها قوّة توازن لا يمكن تجاوزها في معادلات الإقليم. تعزّز هذا المسعى بصورة خاصّة بعد نجاح موسكو في إعادة تموضعها العسكريّ على السّاحل السّوريّ، وتثبيت وجودها العسكريّ من خلال قاعدتي طرطوس وحميميم، الأمر الذي مكّنها من أن تكون طرفًا حاضرًا وفاعلًا في أيّ تسوية سياسيّة أو مواجهة عسكريّة مستقبليّة تمسّ الإقليم برمّته.

يُعدّ هذا الحضور الروسيّ المتصاعد أحد أبرز تجلّيات التحوّل الأوراسيّ الجديد، والذي أعاد إدراج منطقة غرب آسيا بوصفها محورًا مركزيًا في الاستراتيجيّة العامّة للكرملين، سواء في إطار مواجهة التمدّد الأمريكيّ، أم في سياق ضمان الوصول إلى المياه الدّافئة وتأمين خطوط الطّاقة والتّجارة. ويستدعي هذا التوجّه إلى الأذهان الإرث القيصريّ القديم. غير أنّه يتجلّى اليوم في صيغة معاصرة تتكامل فيها الأدوات العسكريّة والدّبلوماسيّة والاقتصاديّة ضمن مقاربة شاملة لإدارة النّفوذ.

في مقابل التمركز الأمريكيّ في المنطقة، عملت روسيا على تشكيل تحالفات استراتيجيّة بديلة داخل غرب آسيا، مستندةً من جهة إلى محور المقاومة الذي يضمّ إيران وسوريا وحزب الله، ومن جهة أخرى إلى شراكات متعدّدة مع دول عربيّة ومع تركيا. وقد شكّلت الحرب في سوريا ذروة هذا التحوّل، إذ تمكّنت موسكو عبر البوّابة السوريّة من العودة إلى شرق المتوسّط، وتكريس وجودها العسكريّ والسّياسيّ لاعبًا رئيسًا لا يمكن تجاهله في التوازنات الإقليميّة. كما أسهمت التحالفات الاقتصاديّة والعسكريّة بين روسيا وإيران، وكذلك بين روسيا والصّين، في إعادة تشكيل توازنات القوّة في المنطقة، بما أفضى إلى تقليص احتكار الولايات المتّحدة لمفاتيح القرار الاستراتيجيّ. في هذا السّياق، بدأ يتبلور واقع دوليّ جديد قوامه التعدّديّة القطبيّة، تُعدّ منطقة غرب آسيا ساحة الاختبار الأولى والأكثر حساسيّة له في النظام الدّوليّ المعاصر.

ثانيًا: المحدِّد الفلسطينيّ في السّياسة الخارجيّة الرّوسيّة المتقاطع مع “إسرائيل”

سعت روسيا إلى التمايز أخلاقيًا وقانونيًا عن السّياسات الأمريكيّة والغربيّة عمومًا، ولاسيّما في ما يتّصل بدعمها غير المشروط لـــ”إسرائيل” في ممارساتها العدوانيّة المتكرّرة ضدّ الشّعب الفلسطينيّ، في تجاهل واضح لأحكام القانون الدّوليّ وللقرارات الدّوليّة ذات الصّلة. في هذا الإطار، نجحت موسكو في توظيف القضيّة الفلسطينيّة في مواجهة السّياسات الأمريكيّة والأوروبيّة، كونها إحدى أكثر القضايا فاعليّة من حيث المشروعيّة القانونيّة والأخلاقيّة لتعزيز مصداقيّتها إقليميًا ودوليًا. وعليه، ظلّ الملفّ الفلسطينيّ يشكّل بالنسبة إلى روسيا فرصة دائمة لإبراز حضورها على السّاحة الدّوليّة بوصفها قوّة كبرى تدافع عن الشرعيّة الدّوليّة، وتؤيّد حقّ الشّعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة، استنادًا إلى الإرث السياسيّ والدّبلوماسيّ الذي ورثته عن الموقف السّوفياتيّ في هذا المجال([25]).

ثمّة مصالح اقتصاديّة وثقافيّة مشتركة بين روسيا و”إسرائيل”، بالإضافة إلى الروابط الديموغرفيّة بينهما، بوجود كتلة سكانيّة روسيّة وازنة في “إسرائيل” تقدر بــــ 15% من مجمل عدد السّكان فيها([26]). هذا ما تأخذه روسيا بالحسبان؛ فتتجنّب اتّخاذ مواقف حادة قد تؤدّي إلى قطع العلاقات بينهما؛ الأمر الذي يجعل الموقف الرّوسيّ في الحرب على غزة محكومًا بإيقاع مدروس وموزون يقتصر على النقد السّياسيّ، ما يضمن الاستمرار المستقرّ للعلاقات الدّبلوماسيّة بينهما، ويضمن أليّة منع الاحتكاك المعتمدة في سوريا، ما يحفظ الأصول العسكريّة الرّوسيّة من أي خطر؛ وهذا ما رآه “نيقولاي” كوزانوف عندما كتب([27]): “As any deterioration could endanger its military assets and broader strategic posture

تستند روسيا، في مقاربتها للقضيّة الفلسطينيّة إلى شبكة العلاقات التي أرستها خلال الحقبة السوفياتيّة مع القيادة والفصائل الفلسطينيّة، من دون أن تتحوّل هذه العلاقات إلى التزامٍ سياسيٍّ أو استراتيجيٍّ يتعارض مع رؤيتها البراغماتيّة لمصالحها العليا. تعتمد موسكو في تصوّرها لحلّ القضيّة الفلسطينيّة على المرجعيّات الدوليّة المعترف بها، ولا سيّما قرارات مجلس الأمن أرقام 242 و338 و1515 و1397، فضلًا عن مبادرة السّلام العربيّة لعام 2002، والتي تهدف إلى إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة على الأراضي المحتلّة في العام 1967، وضمان عودة اللاجئين وانسحاب “إسرائيل” من هضبة الجولان مقابل اعتراف الدّول العربيّة بـ”إسرائيل” وإقامة علاقات طبيعيّة معها. كما تؤيّد روسيا خيار الحلّ السّلميّ استنادًا إلى “خريطة الطريق” لعلام 2003، والتي تشارك فيها روسيا والولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة، وتدعو إلى قيام دولتين: إسرائيليّة وفلسطينيّة. في هذا الإطار، تدين موسكو الأعمال التي تستهدف “الإسرائيليّين المسالمين”، وقد اعترفت في العام 2017 بالقدس الغربيّة عاصمةً لـ”إسرائيل”، وبالقدس الشرقيّة عاصمةً للدولة الفلسطينيّة المستقبليّة.

تعكس السّياسة الروسيّة في منطقة غرب آسيا مقاربة براغماتيّة متوازنة، تتقاطع إلى حدٍّ ما مع الموقف الإسرائيليّ في ما يتّصل بمسألة مكافحة الإرهاب، مع حرص موسكو على الإبقاء على قنوات التّواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، وتجنّب الانحياز الكامل لأيٍّ منها. وانطلاقًا من ذلك، تدعو روسيا كلاً من “إسرائيل” والفلسطينيّين إلى وقف ما تصفه بـ”العنف من الجانبين”، والالتزام بالقرارات الدوليّة ذات الصّلة، من دون أن تتّخذ خطوات عمليّة حاسمة لتفعيل هذه القرارات أو لتولّي قيادة مسار تسوية مستقلّ للقضيّة الفلسطينيّة. وفي السياق نفسه، تحثّ القيادة الروسيّة على وقف الاستيطان الإسرائيليّ، ورفع الحصار المفروض على قطاع غزّة، والالتزام بمبدأ “الأرض مقابل السّلام”، بوصفه مدخلًا لتحقيق الاستقرار الإقليميّ ومكافحة الإرهاب، مع الإشارة إلى عمليّات المقاومة الفلسطينيّة.

بذلك، يلتزم الرّئيس فلاديمير بوتين بالخطاب الدوليّ السائد حيال القضيّة الفلسطينيّة، مع الحفاظ على موقفٍ حياديّ يضمن استمراريّة العلاقات الروسيّة مع “إسرائيل”، وترك القيادة العمليّة لمسار التسوية بيد الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وترى القيادة الروسيّة أنّ مسار الحلّ السياسيّ للقضيّة الفلسطينيّة بات محدّد المعالم ومتّفقًا عليه دوليًّا، ولا تجد مسوّغًا لإضافة تعقيدات جديدة إليه، ولاسيّما في ظلّ تراجع مكانة القضيّة الفلسطينيّة في أولويّات الأجندات العربيّة، وتنامي اتّفاقيّات السّلام والتّطبيع مع الكيان الصّهيونيّ.

في هذا الإطار، جاءت المباحثات التي أجرتها الولايات المتّحدة مع المملكة العربيّة السعوديّة للتوصّل إلى اتّفاق تطبيع قبل الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لتعكس هذا التوجّه. وتعدّ موسكو أنّ من ثوابت سياستها إزاء القضيّة الفلسطينيّة الحفاظ على أمن “إسرائيل” وحقّها في الوجود، والسّعي إلى استقرار المنطقة بما يحول دون اندلاع مواجهةٍ إقليميّةٍ شاملة قد تُلحق أضرارًا بالمصالح الاقتصاديّة والتجاريّة الروسيّة، وبعلاقاتها مع الولايات المتّحدة، التي يتأثّر مسارها بشكلٍ مباشر بموقع “إسرائيل” في السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة. كما ترى روسيا أنّها بحاجة إلى “إسرائيل” لتعزيز مكانتها الدوليّة وللتنسيق مع القوى الكبرى، مع التزامها المعلن بعدم دعم أعداء “إسرائيل”، وفق ما صرّح به الرّئيس بوتين، وهو موقف يحظى بتقديرٍ واضح لدى القيادات الإسرائيليّة ([28]).

تنتهج روسيا في مقاربتها للقضيّة الفلسطينيّة سياسةً وسطيّةً شاملة، تسعى من خلالها إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين مصالحها وعلاقاتها مع “إسرائيل” من جهة، ومع الفلسطينيّين والدول العربيّة من جهة أخرى، وذلك في إطار مجموعة من الضوابط الحاكمة، أبرزها:

  • الانطلاق من مبدأ احترام القانون الدّوليّ، مع الإقرار بحقّ الشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته المستقلّة وممارسة حقّه في تقرير المصير.
  • الالتزام بالقرارات الدوليّة ذات الصّلة بالقضيّة الفلسطينيّة، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالحلّ السّلميّ وإقامة دولتين، بما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة غرب آسيا.
  • اعتماد نهج الحياد الإيجابيّ ذي الطابع البراغماتيّ، بما يجنّب روسيا الانحياز لأيٍّ من أطراف الصّراع، ويكفل في الوقت ذاته حماية مصالحها مع “إسرائيل” والدول العربيّة.
  • تعزيز التعاون مع الأطراف الدوليّة المعنيّة، بما في ذلك الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة، في سبيل الدفع نحو تسوية القضيّة الفلسطينيّة.
  • الالتزام بخطّة العمل الواردة في وثيقة السّياسة الخارجيّة الروسيّة لعام 2016، والتي تؤكّد احترام القانون الدّوليّ وقرارات مجلس الأمن الصادرة عقب اتّفاقات مدريد وأوسلو، بما يضمن ترسيخ مكانة روسيا ودورها الفاعل في المنطقة، والحفاظ على التوازن في علاقاتها مع “إسرائيل” والدول العربيّة([29]).

تركّز روسيا، في مقاربتها للقضيّة الفلسطينيّة، كذلك على تعزيز صورتها ومكانتها على السّاحة الدوليّة، من خلال إبراز دورها كفاعلٍ مسؤول يسعى إلى إرساء السّلام في منطقة غرب آسيا، مع الحرص في الوقت ذاته على حماية مصالحها المباشرة في مجالات الأمن والتجارة والطاقة والتكنولوجيا، سواء في علاقتها مع “إسرائيل” أم مع الدول العربيّة. وتعكس سياسة الرّئيس فلاديمير بوتين إزاء القضيّة الفلسطينيّة طابعها البراغماتيّ، إذ تُعلي المصلحة الروسيّة فوق أي اعتبار أيديولوجيّ، وتستند إلى قاعدة مفادها أنّ العلاقات الدّوليّة لا تحكمها صداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح متبادلة وفرص سياسيّة قابلة للتفاوض والمساومة. يجسّد الموقف الروسي، في هذا السّياق، سعي موسكو إلى تنسيق مصالحها مع الولايات المتّحدة في منطقة غرب آسيا، مع مراعاة المصلحة الإسرائيليّة بوصفها جزءًا من استراتيجيّتها الوسطيّة البراغماتيّة.

على الرّغم من الدّور المحوريّ الذي تؤدّيه “إسرائيل” تقليديًا في السّياسة الأمريكيّة، فإنّ هذا الدّور بات محلّ نقاش وتساؤل متزايدين لدى عدد من الباحثين الاستراتيجيّين الأمريكيّين والإسرائيليّين، من أمثال ستيفن والت، وجون ميرشايمر، وأنطوني كوردسمان، ولا سيّما في ما يتعلّق بمدى انسجام السّياسات الإسرائيليّة مع المصالح الأمريكيّة، سواء في تعاملها مع الفلسطينيّين، أو في قضيّة القدس، أو في الإطار الإقليميّ العربيّ الأوسع. أفضت هذه التساؤلات إلى طرح احتمال تراجع أهميّة المكانة الإسرائيليّة في الاستراتيجيّة الأمريكيّة، الأمر الذي ينعكس على تقديرات روسيا في مدى اعتمادها على هذا العامل ضمن مقاربتها للسّياسة الأمريكيّة. ويزداد هذا الاحتمال في ظلّ السياسات الاستيطانيّة الإسرائيليّة ورفض حلّ الدّولتين، وهي ممارسات تُحمّل السّياسة الأمريكيّة أعباءً إضافيّة، وتُسهم في تحوّل “إسرائيل” تدريجيًا من أصلٍ استراتيجيّ إلى عبءٍ محتمل في المنطقة.

وتتابع روسيا عن كثب مؤشّرات التصدّع، ولو بصورة تدريجيّة، في العلاقات الأمريكيّة – الإسرائيليّة، مع إدراكها أنّ “إسرائيل” تمتلك اليوم قاعدة صناعات عسكريّة متقدّمة وتكنولوجيات فائقة، إلى جانب قدرات دبلوماسيّة واقتصاديّة متنامية، ما جعلها أقل اعتمادًا على المساعدات الأمريكيّة مقارنة بالسّابق، إذ انخفضت نسبة تلك المساعدات من نحو 10% إلى ما يقارب 1% من حجم اقتصادها([30]). كما أسهمت شبكة اتّفاقات السّلام والتّطبيع التي نسجتها “إسرائيل” مع عدد من دول غرب آسيا في تعزيز هامش استقلاليّتها عن الضغوط الأمريكيّة([31]). مع ذلك؛ ما تزال “إسرائيل” بعيدة من الاكتفاء الذّاتيّ الكامل، ولا تستطيع عمليًا الاستغناء عن دعم قوّة عظمى، مثل كالولايات المتّحدة، وإن كانت في الوقت نفسه تسعى إلى استكشاف بدائل محتملة، لاسيّما في القارّة الآسيويّة، إذ يتصاعد النفوذ الصينيّ وتتنامى قدراته على المستويين الإقليميّ والدّوليّ.

ثانيًا- المحدّدات الروسيّة إزاء عقليّة “إسرائيل” في الحصار والهاجس الأمنيّ

تتجلّى المفارقة في تشابه عقليّة الحصار بين روسيا الدّولة العظمى المتراجعة و”إسرائيل” “الدّولة” الصغيرة، ما ينعكس في نماذج أمنيّة هجوميّة؛ على الرّغم من أنّ الفعل حصاريّ ودفاعيّ. روسيا، تاريخيًا، تتوخّى حماية جغرافيّتها السّهليّة وتواجه شعورًا بالاختناق الاستراتيجيّ، فتعتمد الهجوم الاستباقيّ والتدخّل الردعيّ. في المقابل، “إسرائيل” مطوقة بدول وشعوب معادية، فتجعل البعد الأمنيّ أولوية في سياستها الخارجيّة معتمدة على تقنيّات الأمن السّيبرانيّ والدّرع النوويّ ودبلوماسيّة الحافة. تشكّلت عقليّة الحصار الرّوسيّة منذ إسقاط المغول لكييف، في العام 1270م، وتواصلت بعد عهد “إيفان الرهيب” و”بطرس الأكبر”، حين برزت التّهديدات من الجنوب والغرب والعثمانيين([32]). خلال الحقبة السّوفياتيّة، تعزّز الانغلاق وعسكرة الدبلوماسية، وترسّخت مخاوف الغرب عبر سياسة الجدار الحديديّ، فيما أعاد الرّئيس “بوتين” إنتاج عقليّة الحصار بعد فقدان أحزمة الأمن الاستراتيجيّ، خصوصًا عقب الثورة البرتقالية في أوكرانيا، في العام 2004، ما شكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القوميّ الروسيّ([33]).

تجسّدت عقليّة الحصار الرّوسيّة في استخدام القوّة الصّلبة، عبر حروب الشيشان وجورجيا، وتدخّلات أوكرانيا وسوريا، وصولًا إلى العمليّة العسكريّة الخاصة في 24 شباط 2022([34]). وهي تستند إلى موقع روسيا الجغرافيّ الممتدّ من الأورال حتى المحيط الهادئ، لحماية موسكو وعمقها ومواجهة أيّ تهديد محتمل من الغرب أو الشّرق، بما يشمل القوقاز وآسيا الوسطى. في المقابل؛ تبنّت “إسرائيل” عقليّة الحصار عبر برنامجها النوويّ الدفاعيّ المستند إلى سرديّة الانتهاكات التاريخيّة المزعومة ضد اليهود، بما في ذلك الهولوكوست([35])، لتسويغ حاجتها إلى الأمن والقدرة على الردع. وقد غذّت هذه العقليّة أسطورة “ماسادا” رمزًا للتضحية والبقاء، في سياق ترسيخ “الانتماء الوطنيّ” والهويّة الإسرائيليّة، كما ورد في أعمال “نعمان بن يهودا” و”دانييل بار-تال” و”ديكلا أنتيبي”([36]). تغذّي هذه الأسطورة والحصار الأمنيّ استمرار “إسرائيل” في سياسة الغموض النوويّ وتحقيق الاستقلاليّة في اتّخاذ القرار الأمنيّ من دون ضغوط دوليّة. يُضاف إلى تلك المزاعم الصّهيونيّة مسألة “معاداة السّامية”([37])؛ والتي تحوّلت إلى “عقدة إسرائيليّة”، إلى جانب الهواجس الأمنيّة المتراكمة، إلى ما يُسمّى “البارانويا الأمنيّة”.

إذ أصبح الكيان الإسرائيليّ في حال ارتياب دائم إزاء تهديدات محتملة، مؤثرة بذلك في صناعة القرار السّياسيّ والأمنيّ. وتتبنّى “إسرائيل”، وفقًا لهذه العقليّة، سياسة أمنيّة عدوانيّة واستباقيّة، تهدف إلى تحقيق تفوّق عسكريّ نوعيّ، يشكّل جدارًا دفاعيّا وفقًا لرؤى “زئيف جابوتنسكي”([38]). وتُعدّ البارانويا الأمنيّة تركيبة من الهواجس الأمنيّة والموروث اليهوديّ الثقافيّ والتاريخيّ، وتشكّل الإطار الإدراكيّ للاستراتيجيّات الدّفاعيّة والهجوميّة ولسياسة “إسرائيل” الدّاخليّة والخارجيّة. كما هي تتشابه وروسيا في اعتماد هاجس الأمن وعقليّة الحصار، إذ تواجه الثانية أراضي ممتدّة من دون حواجز طبيعيّة واقية، ما يجعل التوسّع الجغرافيّ جزءًا من تفكيرها الاستراتيجيّ، بينما تواجه “إسرائيل” تهديدًا دائمًا من المحيط العربيّ والإسلاميّ الرافض لوجودها، لاسيّما قلبها الجغرافيّ في السّهل الساحليّ الضيق([39]).

يعتمد الطّرفان تكتيك “التوسّع المقنع” عبر إنشاء مناطق عازلة؛ روسيا في أوكرانيا و”إسرائيل” حول المستوطنات في الضفّة الغربيّة المحتلّة لتعويض النقص في العمق الجغرافيّ وحماية “الأمن الوطنيّ”. كما يلجأ الطّرفان إلى الرّدع النّوويّ والعسكريّ؛ روسيا لمواجهة الغرب وحلف شمال الأطلسيّ، و”إسرائيل” لردع الدّول العربيّة والإسلاميّة، مع اعتماد كلتيهما سياسة “حافة الهاوية” (Brinkmanship) للضغط على الخصم من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة([40]).

في السّياسة الخارجيّة، تنفّذ “إسرائيل” تنسيقًا مدروسًا مع روسيا، بما يحفظ مصالحها، من دون التّصعيد، بينما تتبع روسيا سياسة حافة مركّبة تجمع بين التّلويح بالنّفوذ العسكريّ والسّبرانيّ والنوويّ لضمان الرّدع([41])؛ كما فعلت في سوريا، حيث شكّل التدخّل العسكريّ الرّوسيّ ضغطًا عمليّا على دول منخرطة في حلف شمال الأطلسيّ، كذلك حين هدّدت الطّائرات الإسرائيليّة إثر إسقاط طائرة الاستطلاع الإلكترونيّة الرّوسيّة في العام 2018 (إيليوشن) لكن من دون فعل جدّيّ. وعلى المستوى الجيوسياسيّ الأوسع؛ هي تواجه تهديدات المجر على حدودها مع أوروبا الشرقيّة.

بذلك، يشكّل هاجس الحصار وأولوية الأمن والرّدع الوقائيّ والتدخّل الاستباقيّ قاعدة مشتركة لسلوك روسيا و”إسرائيل” مؤسسًا لتحالف واقعيّ براغماتيّ قائم على إدراك الخطوط الحمراء للآخر واستثمار المصالح المشتركة، مع تجميد التناقضات الاستراتيجيّة.

الخاتمة

في ضوء ما تقدّم؛ خلص هذا البحث إلى أنّ المقاربة الروسيّة للحرب الإسرائيليّة على غزّة، في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، لا يمكن فهمها بوصفها موقفًا ظرفيًّا أو ردّ فعلٍ سياسيٍّ آنيّ، بل تأتي نتاجًا لبنيةٍ مركّبةٍ من المحدّدات الجيوسياسيّة والاستراتيجيّة والتاريخيّة التي تحكم السّلوك الخارجيّ الروسيّ في منطقة غرب آسيا. أظهر التحليل أنّ روسيا تنظر إلى هذه المنطقة كونها ساحةً محوريّة لإعادة التمركز الدوليّ وكسر الأحاديّة الأمريكيّة ومنصّة اختبارٍ عمليّ لمشروع التعدّديّة القطبيّة الذي تسعى إلى تكريسه في النظام الدوليّ المعاصر.

بيّن البحث أنّ الحضور الروسيّ، في غرب آسيا، يرتكز على مقاربةٍ براغماتيّةٍ متعدّدة الأدوات توفّق بين النفوذ العسكريّ والدبلوماسيّ والاقتصاديّ، مع استثمار عناصر الجغرافيا السياسيّة والطاقة والممرّات البحريّة والديموغرافيا، ما يخدم حماية المجال الحيويّ الروسيّ ويمنع تطويقها استراتيجيًّا من الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسيّ. في هذا السّياق، شكّلت الحرب على غزّة فرصةً لروسيا لتظهير ازدواجيّة المعايير الغربيّة وتعزيز خطابها القائم على احترام القانون الدوليّ من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرةٍ مع واشنطن أو الإخلال بتوازناتها الحسّاسة مع “إسرائيل”.

كما أظهر البحث أنّ المحدّد الفلسطينيّ في السياسة الخارجيّة الروسيّة ظلّ محكومًا بمنطق الموازنة الدقيقة بين الإرث السّوفياتيّ الداعم للحقوق الفلسطينيّة والمصالح الاستراتيجيّة المتشابكة مع “إسرائيل”، ولا سيّما في ما يتعلّق بالأمن العسكريّ الروسيّ في سوريا والروابط الاقتصاديّة والديموغرافيّة، وآليّات منع الاحتكاك. وهو ما جعل الموقف الروسيّ يتّسم بخطابٍ سياسيٍّ نقديٍّ محسوب، يفتقر إلى أدوات ضغطٍ عمليّةٍ حاسمة، ويكرّس دور موسكو قوّة توازن أكثر منها قوّة مواجهة. أكّد البحث، كذلك، أنّ تشابه عقليّة الحصار والهاجس الأمنيّ بين روسيا و”إسرائيل” أسّس لأرضيّة تفاهمٍ براغماتيّ غير معلن، قوامها الردع والتوسّع الوقائيّ وسياسات حافة الهاوية، ما يفسّر قدرة الطرفين على إدارة التناقضات من دون تفجيرها، على الرغم من التباينات العميقة في المواقف المعلنة. يعكس ذلك تحوّل الصراع في غرب آسيا إلى صراعٍ مُدارٍ بتوازناتٍ معقّدة، تتقدّم فيه الحسابات الجيوسياسيّة على المعايير الأخلاقيّة أو الأيديولوجيّة.

وعليه، يمكن القول إنّ الحرب الإسرائيليّة على غزّة كشفت حدود الدور الروسيّ وإمكاناته في آنٍ؛ فهي من جهة أبرزت قدرة موسكو على المناورة الدبلوماسيّة وتوسيع نفوذها الرمزيّ في مواجهة الغرب. من جهة أخرى؛ أظهرت القيود البنيويّة التي تمنعها من تأدية دورٍ حاسمٍ في تسوية الصراع الفلسطينيّ–الإسرائيليّ. يظلّ مستقبل المقاربة الروسيّة إزاء القضيّة الفلسيطينيّة مرهونًا بتطوّر التنافس الدوليّ، وبمدى نجاح موسكو في تحويل حضورها الإقليميّ من نفوذٍ موازنٍ إلى قدرةٍ فاعلةٍ على التأثير في مسارات الصراع، ضمن نظامٍ دوليّ يتّجه تدريجيًّا نحو مزيدٍ من التعدّديّة والتشابك.

المصادر والمراجع

1-J. Bercovitch and R. Jackson, Conflict Resolution in the Twenty-First Century, University of Michigan Press, 2009,

2-United Nations General Assembly Resolution 181, 29 Nov. 1947.

3-UN.Secunity Council resolution 242،22NOV.1967.

4-خالد الحروب، حماس: الفكر والممارسة السّياسيّة، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، بيروت، 2010.

5-Jeffrey Mankoff, Russian Foreign Policy: The Return of Great Power Politics, Bloomsbury Publishing, 2nd edition, 2011

6-Eugene Rumer, The Primakov Doctrine in Action, Washington, D.C.: Carnegie Endowment for International Peace, 2019,

-For more, see: Nikolay Kozhanov, Russian Foreign Policy toward the Middle East: New Trends or Old Traditions?, 2022

7-Russia positions itself as a pragmatic power capable of talking to all sides simultaneously. Nikolay Kozhanov, Russian Policy across the Middle East, Chatham House, 2018

8-نهلة الخطيب، السّياسيّة الخارجيّة الرّوسيّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة خلال عهد بوتين، المركز الديمقراطي العربيّ،2018.

9-وليد عبد الحي، الإستراتيجيّة الرّوسيّة تجاه طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيليّ على قطاع غزة، مركز الزيتونة  للدراسات والاستثارات، بيروت، 2024.

10-عماد الدّين حاتم، المستقبل الجيوبوليتيكيّ لروسيا، مجلّة شؤون الأوسط، بيروت، العدد 12، 2003.

حارث قحطان عبد اللـه ومثنى فائق مرعي، أهميّة بحر قزوين في العلاقات الرّوسيّة – الإيرانيّة، مجلّة آداب الفراهيدي، العدد 19، العراق، 2014.

11-زينب محمّد ياسين، الأهمية الاستراتيجيّة للبحر الأحمر وأثره في الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، جامعة كربلاء، كلّيّة التربية والعلوم الإسلاميّة، 2015.

12-ناصر زيدان، دور روسيا في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، ط 1، بيروت 2013.

13-نورهان الشّيخ، مصالح ثابتة ومعطيات جديدة: السّياسة الرّوسيّة تجاه المنطقة بعد الثوّرات العربيّة، مجلّة السّياسة الدّوليّة، العراق، العدد 186، 2011.

14-طلال عتريس، العلاقات الرّوسيّة -الإسرائيليّة وأثرها في القضيّة الفلسطينيّة، مجلة دراسات فلسطينيّة، 2018

-15Monthly Bulletin of Statistics, Central Bureau of Statistics (CBS), Israel, available at: cbs.gov.il.

-16Nikolay Kozhanov, Russia in the Middle East, Chatham House, 2018,

17-آنا بورشفسكايا، خطة بوتين “الذاتية الخدمة” المتعلقة بإسرائيل- لماذا تعترف روسيا الآن بالقدس الغربية عاصمةً لإسرائيل، موقع المعهد واشنطن لأمن الشرق الأوسط، 13 نيسان 2017، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-

18-أرتيوم كيربيتشينوك، إسرائيل والولايات المتّحدة.. ماذا بعد؟، مركز الدّراسات العربيّة- الأوراسيّة، 6 يوليو/حزيران 2024.

19-وليد عبد الحي، متغير البحجة السوداء في مستقبل العلاقة الأمريكيّة – الإسرائيليّة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 10/آب/2022،.

-20 Orlando Figes: Natasha’s Dance: A Cultural history of Russia. Picador, 2002

21-ريتشارد ساكوا، موسكو في مواجهة الآخرين: أزمة النّظام الدّوليّ بعد الحرب الباردة، مطبعة جامعة كامبريدج، 2017.

22-منار عبد الغني، نظرية تحول القوة واحتماالت الصراع بين روسيا والواليات المتّحدة، مجلّة البحوث الماليّة والتجاريّة، مصر، المجلّد 23، العدد 4، تشرين الأوّل 2022.

-23Chip Berlet and Matthew Lyons: Right-wing populism in America: too close for comfort. Guilford Press, 2000 و Deborah Lipstadt: Denying the Holocaust: The Growing Assault on Truth and Memory

-24Bar-tal and Dikla Antebi Siege mentality in Israel. International journal of intercultural relations, June 1992.

25-محمّد أحريك، الوعد الخرافيّ- أسطورة الوجود الإسرائيليّ في فلسطين، 2022، ص 95.

-26Ilan Pappe: The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006

27-علي البغدادي، نحو فهم أفضل للسياسة الرّوسيّة الدّوليّة وانعكاساتها على الشّرق الأوسط. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات 26-3-2019. https://www.alzaytouna.n

 

 

1- طالبة دكتوراه في الجامعة الإسلاميّة بيروت – لبنان – كلّيّة الحقوق – قسم العلوم السياسيّة-

PhD student at the Islamic University of Beirut, Lebanon, Faculty of Law, Department of Political Science.Email: najahhamdan234@gmail.com

2- أستاذ محاضر في الجامعةالإسلاميّة – بيروت – لبنان – كليّة الحقوق – قسم العلوم السياسيّة.

Lecturer at the Islamic University – Beirut – Lebanon – Faculty of Law – Department of Political Science.Email: Tony.g.atallah@gmail.com

[3]  J. Bercovitch and R. Jackson, Conflict Resolution in the Twenty-First Century, University of Michigan Press, 2009, pp. 3–5.

[4] United Nations General Assembly Resolution 181, 29 Nov. 1947.

[5]  UN.Secunity Council resolution 242،22NOV.1967.

-[6]خالد الحروب، حماس: الفكر والممارسة السّياسيّة، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، بيروت، 2010، ص211-218..

[7] Jeffrey Mankoff, Russian Foreign Policy: The Return of Great Power Politics, Bloomsbury Publishing, 2nd edition, 2011, p. 159.

[8]Eugene Rumer, The Primakov Doctrine in Action, Washington, D.C.: Carnegie Endowment for International Peace, 2019, pp. 1–23.

[9] For more, see: Nikolay Kozhanov, Russian Foreign Policy toward the Middle East: New Trends or Old Traditions?, 2022, pp. 1–14.

[10]Jeffrey Mankoff, Russian Foreign Policy: The Return of Great Power Politics, Rowman and Littlefield, 2011, pp. 17–18.

[11]Russia positions itself as a pragmatic power capable of talking to all sides simultaneously. Nikolay Kozhanov, Russian Policy across the Middle East, Chatham House, 2018, p. 4.

-[12]نهلة الخطيب، السّياسيّة الخارجيّة الرّوسيّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة خلال عهد بوتين، المركز الديمقراطي العربيّ،2018، ص 214.

[13]وليد عبد الحي، الإستراتيجيّة الرّوسيّة تجاه طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيليّ على قطاع غزة، مركز الزيتونة  للدراسات والاستثارات، بيروت، 2024، ص 44.

-[14] المرجع نفسه، ص 59.

[15]– تركمانستان، أوزبكستان، طاجكستان، كازاخستان وقرغيزستان.

[16]– عماد الدّين حاتم، المستقبل الجيوبوليتيكيّ لروسيا، مجلّة شؤون الأوسط، بيروت، العدد 12، 2003، ص 63.

[17]– المرجع نفسه، ص 64.

[18]– حارث قحطان عبد اللـه ومثنى فائق مرعي، أهميّة بحر قزوين في العلاقات الرّوسيّة – الإيرانيّة، مجلّة آداب الفراهيدي، العدد 19، العراق، 2014، ص 275.

[19]– زينب محمّد ياسين، الأهمية الاستراتيجيّة للبحر الأحمر وأثره في الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، جامعة كربلاء، كلّيّة التربية والعلوم الإسلاميّة، 2015، ص 175.

[20]– ناصر زيدان، دور روسيا في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، ط 1، بيروت 2013، ص 32.

[21]– نورهان الشّيخ، مصالح ثابتة ومعطيات جديدة: السّياسة الرّوسيّة تجاه المنطقة بعد الثوّرات العربيّة، مجلّة السّياسة الدّوليّة، العراق، العدد 186، 2011، ص 278.

[22]– وسيم قلعجيّة، روسيا الأوراسيّة كقوّة عظمى جيوبولتيكيّ الصّراع ودبلوماسيّة النّفط والغاز في الشّرق الأوسط، مرجع سابق، ص 264.

[23]– وسيم قلعجيّة، روسيا الأوراسيّة كقوّة عظمى، مرجع سابق ص 121.

[24]– ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتكيّ، مرجع سابق، ص 302.

[25] طلال عتريس، العلاقات الرّوسيّة -الإسرائيليّة وأثرها في القضيّة الفلسطينيّة، مجلة دراسات فلسطينيّة، 2018، ص 115.

[26]  Monthly Bulletin of Statistics, Central Bureau of Statistics (CBS), Israel, available at: cbs.gov.il.

[27] Nikolay Kozhanov, Russia in the Middle East, Chatham House, 2018, p. 42

[28]آنا بورشفسكايا، خطة بوتين “الذاتية الخدمة” المتعلقة بإسرائيل- لماذا تعترف روسيا الآن بالقدس الغربية عاصمةً لإسرائيل، موقع المعهد واشنطن لأمن الشرق الأوسط، 13 نيسان 2017، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-

[29] آنا بورشفسكايا، خطة بوتين “الذاتية الخدمة” المتعلقة بإسرائيل، المرجع السابق.

[30] أرتيوم كيربيتشينوك، إسرائيل والولايات المتّحدة.. ماذا بعد؟، مركز الدّراسات العربيّة- الأوراسيّة، 6 يوليو/حزيران 2024، ص 77.

[31]وليد عبد الحي، متغير البحجة السوداء في مستقبل العلاقة الأمريكيّة – الإسرائيليّة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 10/آب/2022، ص 66.

[32] Orlando Figes: Natasha’s Dance: A Cultural history of Russia. Picador, 2002, PP: 52-62

[33] ريتشارد ساكوا، موسكو في مواجهة الآخرين: أزمة النّظام الدّوليّ بعد الحرب الباردة، مطبعة جامعة كامبريدج، 2017، ص 303.

[34] منار عبد الغني، نظرية تحول القوة واحتماالت الصراع بين روسيا والواليات المتّحدة، مجلّة البحوث الماليّة والتجاريّة، مصر، المجلّد 23، العدد 4، تشرين الأوّل 2022، ص 107.

[35] أثبت بعض المؤرخين والأساتذة الجامعيّين ضعف ومغالطة المزاعم الصّهيونيّة بشأن الهولوكوست، ومنهم ويليس كارتو مؤسس معهد المراجعات التاريخيّة في كاليفورنيا، والذي كتب عن “أكاذيب المحرقة” وأظهر عدم وجود غرف غاز تستوعب 7 ملايين شخص، فحواكم بتهمة إنكار المحرقة ومعاداة السّاميّة وغُرّم ماليًّا. كذلك، قدّر الباحث فريد ليوختر أعداد ضحايا الهولوكوست بما لا يتجاوز 775 ألف شخص، مشيرًا إلى أنّ ما جرى هو حجر صحّيّ لمعالجة اليهود من الأوبئة داخل المعتقلات، وأنّ القصص الشائعة خياليّة ومبالغ فيها. وتصدّت بعض الكتب لتفنيد آرائه وإظهار عدائه للساميّة. وبحسب تعريف معاداة السّاميّة المعتمد من التحالف الدّوليّ لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، هي تصوّر سلبيّ إزاء اليهود، يظهر في الممارسات الخطابيّة والماديّة تجاه الأفراد أو الممتلكات أو المؤسسات اليهوديّة والدّينيّة. راجع: Chip Berlet and Matthew Lyons: Right-wing populism in America: too close for comfort. Guilford Press, 2000 و Deborah Lipstadt: Denying the Holocaust: The Growing Assault on Truth and Memory

[36] Bar-tal and Dikla Antebi Siege mentality in Israel. International journal of intercultural relations, June 1992.

[37] معاداة السّاميّة (Antisemitism) هي “موقف أو تصرّف يقوم على الكراهيّة والتحامل ضد اليهود”. ومصطلح “السّاميّة” أصلاً لغويّ وجغرافيّ، يشمل مجموعة شعوب تتحدّث لغات ساميّة مثل العربيّة والعبريّة والآراميّة. لكنّ المصطلح في سياق “معاداة السّاميّة” أصبح يُستعمل حصرياً للإشارة إلى اليهود، بصرف النّظر عن أصالتهم الثقافية أو لغتهم الأصليّة، وهو تحوير تاريخيّ سياسيّ بدأ في أوروبا في القرن التّاسع عشر. اليهود الذين هاجروا أو استقرّوا في الدّول الغربية، أوروبا وأمريكا، وأصبحوا جزءًا من الحركة الصّهيونيّة في القرن العشرين، هم يهود أوربيّون وليسو شعوبًا سامية بالمفهوم الأصليّ. اليهود الأوروبيّون كانوا غالبًا من أصول يهوديّة إسكندريّة أو أشلونيّة، تفرّقوا في أوروبا الشرقيّة والغربيّة. لغتهم الأصليّة كانت الآيديّة أو اللاّدينو، أي لغات مختلطة من اللّغات الأوروبيّة، وليست العربيّة أو الآراميّة. و”الشّعوب السّاميّة” بالمعنى اللّغويّ تشمل العرب والأكادييّن والأوغاريت والأمورييّن والآراميّين الذين يشتركون في جذور لغويّة ساميّة. اليهود الأوروبيّون الصّهانية جاءوا من بيئات أوروبيّة غير ساميّة ثقافيًا ولغويًا. والصّهيونيّة الحديثة لم تكن حركة دينيّة أو عرقيّة لسكّان سامييّن أصليّين، بل هي حركة قوميّة يهوديّة أوروبيّة الهدف منها إقامة دولة يهوديّة. هذا يعني أنّ صراعهم السّياسيّ ليس مرتبطًا بالانتماء السّاميّ، بل بالتوجّه السّياسيّ الاستعماريّ والاستيطانيّ في فلسطين التاريخيّة. المغالطة الديموغرافيّة: وأطلقت هذه التسمية لتسويغ أو شرعنة “معاداة السّاميّة”، وهي مغالطة تاريخيّة، وكثير من الرّوايات السّياسيّة والدّوليّة استغلّت المصطلح لتعميم الكراهيّة ضد اليهود كلّهم، بينما اليهود الغربيّون الصّهاينة يمثلون فئة سياسيّة محدّدة. من المهمّ في الدّراسات الأكاديميّة تمييز الموقف السّياسيّ الصّهيونيّ عن الشعّوب السّاميّة الحقيقيّة لتجنّب التّضليل في التّحليل التاريخيّ والسّياسيّ. راجع: محمّد أحريك، الوعد الخرافيّ- أسطورة الوجود الإسرائيليّ في فلسطين، 2022، ص 95. وزينب الطّحان، العبريّة وفخ المصطلحات، مرجع سابق.

[38]Ilan Pappe: The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006

[39] علي البغدادي، نحو فهم أفضل للسياسة الرّوسيّة الدّوليّة وانعكاساتها على الشّرق الأوسط. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات 26-3-2019. https://www.alzaytouna.n

[40] المرجع نفسه.

[41]علي البغدادي، نحو فهم أفضل للسياسة الرّوسيّة الدّوليّة وانعكاساتها على الشّرق الأوسط، المرجع السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.