فاعليّة برنامج تأهيلي قائم على الإرشاد النّفسي الأسري في تحسين جودة العلاقة الزوجيّة لدى المتزوجات

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

فاعليّة برنامج تأهيلي قائم على الإرشاد النّفسي الأسري في تحسين جودة العلاقة الزوجيّة لدى المتزوجات

The Effectiveness of a Counseling-Based Family Psychology Rehabilitation Program in Improving Marital Relationship Quality among Married Women

                                Charifa Hijazi   شريفة علي حجازي([1])

تاريخ الإرسال:30-10-2025                                     تاريخ القبول:11-11-2025

الملخصturnitin:7%                                                            
هدف البحث الى دراسة فعاليّة برنامج تأهيلي يدمج بين الإرشاد النّفسي والأُسري في تحسين العلاقات الزّوجيّة فأظهرت النّتائج تحسنًا ملحوظًا في مستوى الانسجام الزواجي (عاطفيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا) وجودة العلاقة المدركة لدى المتزوجات. وقد استمر هذا التّحسن حتى بعد مدّة من انتهاء البرنامج، ما يؤكد بناء مهارات مستدامة.

ويعزى هذا النجاح إلى الجمع بين المعرفة النظريّة والتّطبيق العملي للمهارات في بيئة آمنة. وساهم البرنامج في تصحيح التّوقعات غير الواقعيّة حول الزواج. لذلك توصي الدّراسة بتبنّي مثل هذه البرامج التّأهيلية العلميّة وتوسيع نطاقها. وتؤكد على أهمّيّة تطوير هذه البرامج لتلائم فئات متنوعة. وأخيرًا، تدعو إلى دمجها في سياسات المؤسسات التّربويّة والأُسريّة.

الكلمات المفتاحيّة: الزواج، المتزوجات، التّأهيل، البرامج التّأهيلية.

Abscrat

The research aimed to study the effectiveness of a rehabilitation program that integrates psychological and family counseling in improving marital relationships. The results showed a noticeable improvement in the level of marital harmony (emotionally, intellectually, and socially) and the perceived quality of the relationship among married women. This improvement persisted even after the program ended, confirming the building of sustainable skills.

This success is attributed to the combination of theoretical knowledge and the practical application of skills in a safe environment. The program also contributed to correcting unrealistic expectations about marriage. Therefore, the study recommends adopting such scientific rehabilitation programs and expanding their scope. It also emphasizes the importance of developing these programs to suit diverse groups. Finally, it calls for their integration into the policies of educational and family institutions.

Keywords: Marriage, Married Women, Rehabilitation, Rehabilitation Programs.

 

المقدمة: تُعد الأسرة اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمعات، والنّظام الاجتماعي الأول الذي يتشكل فيه وجدان الفرد وتتحدد ملامح شخصيته، ويمثل الاستقرار الأسري محورًا رئيسًا للصّحة النّفسيّة للفرد والمجتمع على حد سواء، إذ تنعكس جودة العلاقات داخل النُواة الأُسريّة على التّوافق النّفسي والاجتماعي لأفرادها، وتنطلق المنظومة التّربويّة من هذا المبدأ ساعيةً إلى تمكين الأفراد بالمهارات والمعارف التي تمكنهم من تأسيس كيانات أسرية متماسكة.

وفي هذا السّياق، تبرز مرحلة الزواج كمرحلة حرجة وحاسمة في المسار الأًسري، فهي نقطة التحول من حياة الفردية إلى حياة الشراكة والتكامل إذ تبدأ التوقعات والتصورات المتبادلة بالتّكون وتتبلور الحاجة إلى تحقيق التوافق في مختلف الجوانب الحياتيّة، ومن هنا فإنّ أي استثمار في تأهيل المتزوجات يُعد استثمارًا في رأس المال الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.

وانطلاقًا من أهمّيّة الإعداد المبكر تأتي البرامج التّأهيلية كأحد المداخل التّربويّة والوقائيّة في علم النّفس الأسري، التي تهدف إلى بناء القدرات وتعزيز المهارات الضروريّة لمواجهة تحديات الحياة الزّوجيّة فلا يقتصر دور هذه البرامج على نقل المعرفة فحسب، بل يتعداه إلى تنمية الوعي بالذّات والآخر، وصقل المهارات الشّخصيّة والاجتماعيّة التي تُعد حجر الزاوية في تحقيق الانسجام الزّواجي.

ويُعرف الانسجام الزواجي في الأدبيات التّربويّة والنّفسيّة أنّه حالة من التّوافق، والتّكامل بين الزوجين على المستويات العاطفيّة، والفكريّة والاجتماعيّة والتي تمكنهما من بناء علاقة قائمة على التّفاهم والتّعاون. أمّا جودة العلاقة المدركة فتشير إلى التّقييم الذاتي للفرد لمدى إشباع علاقته الزوجيّة لحاجاته النّفسية والعاطفية، وما توفره من دعم وطمأنينة. وتمثل هاتان القيمتان نواتج أساسية تسعى البرامج التّأهيلية إلى تعزيزها (OLSON,2018).

ومن هذا المنطلق، تسلط هذه الدّراسة الضوء على فاعليّة برنامج تأهيلي متكامل، يجمع بين المدخل التّربوي والإرشاد النّفسي الأسري، في تعزيز متغيري الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة لدى النّساء المتزوجات، إذ يسعى البرنامج إلى تمكين المشاركات من الأدوات المعرفيّة والمهاريّة التي تمكنهن من تأسيس شراكة زوجية ناجحة، تتصف بالاستقرار والاستمراريّة، وتسهم في تحقيق الرفاهية النّفسية لهن ولأسر المستقبل.

  • مشكلة الدّراسة: تُعد مرحلة الزّواج من أكثر المراحل الحرجة في حياة الفتاة، إذ تشهد تغيرات نفسيّة واجتماعيّة عميقة تتطلب قدرًا عاليًا من الاستعداد والتأهيل، وعلى الرّغم من الأهمّيّة البالغة لهذه المرحلة، فإنّ العديد منهن يواجهونها من دون إعداد كافٍ، ما يجعلهنّ عرضة للصعوبات والتّحديات التي قد تعترض حياتهن الزوجيّة، وفي السّياق المجتمعي تُلاحظ ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج، ما يشير إلى وجود فجوة في عمليّات الإعداد والتأهيل ما قبل الزواج.

في ضوء هذا الواقع تبرز مشكلة الدّراسة في وجود قصور واضح في البرامج التّربويّة، والنّفسية المنظمة التي تستهدف تأهيل المتزوجات، وقد يقتصر الكثير من الإعداد على التوجيهات العامة والمعلومات السّطحيّة من دون معالجة عميقة للجوانب النّفسيّة والمهاريّة اللازمة لبناء علاقة زوجيّة مستقرة، هذا القصور يؤدي إلى ضعف في الوعي بالمتطلبات الحقيقيّة للحياة الزوجيّة، ونقص في المهارات الضرورية لإدارة الخلافات والتعامل مع الاختلافات بين الشريكين، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الأساسي الآتي:

ما فاعليّة برنامج تأهيلي قائم على الإرشاد النّفسي الأسري في تحقيق الانسجام الزواجي، وتحسين جودة العلاقة المدركة لدى المتزوجات؟

ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعية الآتية:

  • ما مدى تحسن مستوى الانسجام الزواجي (التّوافق العاطفي، الفكري، الاجتماعي) لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة المشاركات في البرنامج التّأهيلي مقارنة بأفراد المجموعة الضابطة؟
  • إلى أيّ درجة يسهم البرنامج التّأهيلي في تحسين جودة العلاقة المدركة (الرضا العاطفي، التقدير المتبادل، الشّعور بالأمان) لدى المتزوجات؟
  • هل توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسطات درجات القياسين القبلي والبعدي (الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة) لصالح القياس البعدي؟
  • اهداف البحث
  • قياس فاعليّة البرنامج التّأهيلي (التربوي والإرشادي) في تحقيق الانسجام الزواجي الشّامل (عاطفيًّا، فكريًّا، اجتماعيًّا) لدى عينة من المتزوجات.
  • تقييم أثر البرنامج في تحسين مستوى جودة العلاقة المدركة (الرضا العاطفي، التقدير المتبادل، والشّعور بالأمان) لدى أفراد عينة الدّراسة.
  • كشف وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة في مستويات الانسجام الزواجي بين المجموعة التّجريبيّة (التي ستتلقى البرنامج) والمجموعة الضابطة (التي لن تتلقى أي تدخل) في القياس البعدي.
  • التعرف إلى أبعاد الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة الأكثر استجابة، وتأثرًا بالبرنامج التّأهيلي المطبق.
  • تقديم إطار عملي (البرنامج التّأهيلي) يمكن للمؤسسات التّربويّة والأُسريّة الاعتماد عليه في تصميم وتنفيذ برامج تأهيليّة للمتزوجات.
  • فرضيات الدّراسة
  • الفرضيّة الرئيسة : للبرنامج التّأهيلي القائم على الإرشاد النّفسي الأسري فعاليّة في تحقيق الانسجام الزواجي وتحسين جودة العلاقة المدركة لدى المتزوجات.
  • الفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد يتحسن مستوى الانسجام الزواجي (التوافق العاطفي، الفكري، الاجتماعي) لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة المشاركات في البرنامج التّأهيلي مقارنة بأفراد المجموعة الضابطة.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد يسهم البرنامج التّأهيلي في تحسين جودة العلاقة المدركة (الرضا العاطفي، التقدير المتبادل، الشّعور بالأمان) لدى المتزوجات
  • الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: توجد فروق ذات دلالة إحصائيّة بين متوسطات درجات القياسين القبلي والبعدي (الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة) لصالح القياس البعدي.
  • أهمية البحث
  • تقدم هذه الدّراسة إضافة نوعيّة للأدبيات التّربويّة والنّفسيّة في مجال الإرشاد الأسري، وخصوصًا فيما يتعلق بفاعليّة البرامج التّأهيليّة التّكامليّة (التّربويّة والإرشاديّة) في تعزيز جودة العلاقة الزوجيّة والانسجام الزواجي، وذلك من خلال تقديم نموذج نظري وتطبيقي متكامل.
  • تساهم في تعميق الفهم العلمي للعلاقة بين المكونات المعرفيّة، والمهاريّة التي يقدمها البرنامج التّأهيلي (كمتغير مستقل) وكل من الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة (كمتغيرات تابعة)، وكيفية تفاعل هذه المتغيرات لتحقيق الاستقرار الزواجي.
  • تُسهم في توضيح الإطار المفاهيمي للمصطلحات المحوريّة، وتطويرها في الدّراسة مثل “الانسجام الزواجي” و”جودة العلاقة المدركة” في السّياق المجتمعي، وربطها بمنظومة المهارات العمليّة التي يمكن تدريبها، ما يضيف بعدًا جديدًا للنّظريّات القائمة في علم النّفس الأسري.
  • تقدم الدّراسة برنامجًا تأهيليًّا عمليًّا وممنهجًا عبر تطبيقه وتكييفه لخدمة فئات مختلفة من المتزوجات ما يسد فجوة تطبيقية حقيقية في الميدان.
  • مراجعة الأدبيات: تُشكِّل مراجعة الأدبيات والإطار النّظري حجر الزاوية في أي بحث علمي، إذ تهدف إلى رصد ما توصلت إليه الدِّراسات السّابقة، وتحليله في مجال فاعليّة البرامج التّأهيليّة للمقبلين على الزواج، مع التركيز على متغيرات الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة، وفي هذا الإطار تُظهر الغالبية العظمى من الأدبيات العلميّة العربيّة منها والأجنبيّة وجود علاقة إيجابيّة قوية بين المشاركة في مثل هذه البرامج وزيادة فرص نجاح العلاقة الزوجيّة واستقرارها، فقد أكدت دراسة العتيبي (2020) على أنّ البرامج الإرشاديّة الزواجيّة المُقدمة للمتزوجين حديثًا أسهمت بشكل ملحوظ في خفض مستوى صراع الأدوار بينهم، كما ساعدتهم على تطوير استراتيجيات أكثر فعاليّة في إدارة الخلافات اليوميّة، ما انعكس إيجابًا على تحسين جودة الحياة بشكل عام وأشارت النتائج إلى أن المجموعة التي تلقت التدخل الإرشادي، أظهرت تحسنًا كبيرًا في مهارات التّواصل الواضح والتّعبير عن المشاعر، وهي مهارات تُعد أساسيّة لتحقيق الانسجام.

وعلى الصعيد الدّولي، تدعم النتائج التي توصلت إليها دراسة أولسون ولارسون (Olson & Larson, 2018) حول برنامج “PREPARE/ENRICH” هذه النتائج، إذ يُعد هذا البرنامج أحد أكثر البرامج انتشارًا وتقييمًا على مستوى العالم، أظهر البرنامج فاعليّة كبيرة في تعزيز مهارات التّواصل بين الشّركاء، وزيادة الرضا الزّواجي، والتّنبؤ باستقرار العلاقة على المدى الطويل. وأرجعت الدّراسة هذه الفاعليّة إلى الطبيعة التفاعليّة للبرنامج، الذي يجمع بين التقييم العلمي للعلاقة وتقديم تغذية راجعة مخصصة، ثم تزويد الأزواج بمهارات عمليّة قابلة للتطبيق، كما أشارت دراسة ماركمان وهالفورد (Markman & Halford, 2018)  في مراجعتهم للبحوث حول منع مشاكل الزواج إلى أن البرامج القائمة على الأدلة، وخاصة تلك التي تركز على التّدريب على مهارات إدارة النزاع والتّوقعات الواقعيّة، يمكن أن تقلّل بشكل كبير من معدلات الضّيق الزواجي والطلاق في السّنوات اللاحقة.

من ناحية أخرى، سلطت دراسة الغامدي (2021) في السّياق السّعودي الضوء على دور البرامج التّربويّة في تنمية الوعي بالمسؤوليات الأُسريّة لدى طالبات الجامعة. وخلصت إلى أنّ هناك حاجة ماسة لدمج مقررات أو برامج تأهيليّة ضمن المنظومة التّعليميّة لتعزيز الثقافة الأُسريّة وبناء التّصورات الصّحيحة حول الزواج، بينما ركزت دراسة الشّمري (2019) على الإرشاد ما قبل الزواج، مشيرة إلى أن البرامج الوقائيّة التي تسبق بداية الحياة الزوجيّة؛ تكون أكثر فاعليّة في بناء حصانة نفسيّة ضد المشكلات المستقبليّة مقارنة بالبرامج العلاجيّة التي تقدم بعد ظهور المشكلات. هذا التوجه الوقائي يتوافق مع مبادئ علم النّفس الإيجابي والتربية الوقائية.

وفي تحليل أعمق للآلية التي تؤثر من خلالها هذه البرامج، توضح دراسة غوتمان (Gottman, 2017) من خلال “نظريّة العلاقات الثنائية” أن نجاح العلاقات لا يعتمد على غياب الخلافات، بل على كيفيّة إدارتها. وتشير أبحاثهم المكثفة في المختبرات الزّوجيّة إلى أن البرامج الفعالة هي تلك التي تُعلّم الأزواج ما أسماه “مبادئ الحب”، والتي تشمل بناء ثقافة التّقدير والاحترام، والاستجابة لمبادرات التواصل من الشّريك، وحلّ النِّزاعات التي يمكن حلّها، وتعلم التّعايش مع النزاعات المستعصيّة، هذا المنظور يتقاطع مع ما توصلت إليه دراسة المحمود (2022) التي أكّدت أنّ البرامج التي تدمج بين الجانبين النّظري (المعرفي) والعملي (المهاراتي) تكون أكثر نجاحًا في تحسين جودة العلاقة المدركة، لأنّها لا تقدم المعرفة فحسب، بل تتيح للمشاركين ممارسة هذه المهارات في بيئة آمنة تحت الإشراف.

أمّا دراسة برادبري ولافين (Bradbury & Lavin, 2020) فقد وسّعت النّقاش لتشمل مفهوم “الحساسيّة الرفاهيّة” (Wellness Sensitivity)، مشيرين إلى أنّ الأفراد الذين يشاركون في برامج تأهيليّة يصبحون أكثر حساسيّة وإدراكًا لعلامات الرفاهيّة أو الضّيق في علاقتهم، ما يمكّنهم من التدخل المبكر للحفاظ على استقرارها. هذا البعد التربوي – التنموي يُعد مكمِّلًا للبعد الإرشادي – العلاجي.

على الرغم من هذا الإجماع العام على الفوائد، تشير بعض الدِّراسات مثل دراسة الكندري (2019) إلى وجود تحديّات تواجه تطبيق هذه البرامج في بعض المجتمعات العربيّة، كالنظرة الاجتماعيّة التي قد ترى في هذه البرامج تدخلًا في الشؤون الخاصة، أو قلّة المرشدين المتخصصين في هذا المجال. كما أن معظم الدِّراسات المحليّة ركزت على المتزوجين بالفعل الذين يعانون من مشكلات، بينما لا تزال الدِّراسات التي تقيس أثر البرامج الوقائيّة على المقبلين على الزجار محدودة نسبيًّا.

من هنا تُسهم الدّراسة الحاليّة في سد هذه الفجوة من خلال تصميم وتطبيق برنامج تأهيلي متكامل يجمع بين المدخل التربوي (بوصفه استثمارًا في بناء المعرفة والتّصورات) والمدخل الإرشادي النّفسي الأسري (كاستثمار في بناء المهارات والقدرات)، وقياس فاعليته بشكل مباشر على متغيري الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة لدى فئة المتزوجات تحديدًا، وذلك باستخدام منهجيّة تجريبية صارمة تضمن مصداقية النتائج وقابليتها للتّعميم.

  • عيّنة الدّراسة: هي مجموعة جزئيّة من مجتمع البحث، وممثلة لعناصر المجتمع أفضل تمثيل، إذ يمكن تعميم نتائج تلك العيِّنة على المجتمع بأكمله وستُطبَّق معادلة ستيفن ثامبسون لتحديد حجم العيِّنة وفق الآتي:

n: حجم العيِّنة, N: حجم المجتمع

n=N/(N+1(e)2​)  = 30/ (30+1(0.05)2 ​) = 30/1.6 = 18
تألفت عينة الدّراسة من 18 سيدة من المتزوجات ، واختيرت المشاركات بطريقة العيِّنة العشوائيّة البسيطة لضمان تمثيلهم لمجتمع الدّراسة الأوسع، ما يمنح كل فرد فرصة متساوية في الاختيار ويعزز من مصداقية النتائج وقابليتها للتعميم، وقد هدف هذا الحجم العيّني إلى توفير أرقام وبيانات كافية تتيح تطبيق تحليل إحصائي دقيق وموثوق لقياس فعالية التقنية قيد الاختبار.

  • منهج الدّراسة: يُعد المنهج العلمي أسلوبًا للتفكير والعمل، يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وتحليلها وعرضها، والوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدّراسة، وهو محاولة الوصول الى المعرفة الدّقيقة والتّفصيليّة لعناصر مشكلة، أو ظاهرة قائمة للوصول الى فهم أفضل وأدق أو وضع السياسات والإجراءات المستقبليّة الخاصة بها، كما يُعد طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته عن طريق منهجيّة علميّة صحيحة، وتصوير النتائج التي تُوُصل اليها على أشكال رقميّة معبرة يمكن تفسيرها (المحمودي، 2019، ص46).

ونظرًا لاعتمادنا على برنامج تجريبي على العيِّنة، استخدمنا المنهج التّجريبي لقياس فعاليّة البرنامج عبر تطبيقه على المجموعة التّجريبيّة ومقارنة النتائج مع المجموعة الضابطة.

  • النّظريات المفسرة للثقافة التّنظيميّة: تُشكِّل النظريات النّفسية والتّربويّة إطارًا تفسيريًّا أساسيًّا لفهم الكيفيّة التي تؤثر بها البرامج التّأهيليّة في تحسين جودة العلاقات الزوجيّة، وتقدم كل نظريّة منظورًا فريدًا يسلط الضوء على آلية عمل هذه البرامج من زاوية مختلفة، ما يثري الفهم العلمي لتفاعلاتها المعقدة. فبينما تركز نظريّة التّبادل الاجتماعي على موازنة المنافع والتّكاليف في العلاقة، تشرح نظريّة التّعلم الاجتماعي كيفيّة اكتساب المهارات الزّواجيّة من خلال النّمذجة والتّغذيّة الرّاجعة، وفي الوقت ذاته، توفر نظريّة التّعلّق فهمًا عميقًا لأثر الأنماط العاطفيّة المبكرة على العلاقات الحميمة، بينما تنظر نظريّة النّظم الأُسريّة إلى الزوجين ككيان متفاعل له ديناميكياته الخاصة، ويشكّل هذا التّكامل النّظري أساسًا متينًا لتصميم برامج تأهيليّة شاملة تلبي الاحتياجات النّفسيّة والاجتماعيّة للمقبلين على الزواج، وضمن هذا السياق سنعرض المداخل المهمّة لهذه النّظريات:
  • نظريّة التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory): تُفسر هذه النظريّة التي طورها هومانز (1958) وبلاو (1964)، العلاقات الإنسانيّة من خلال تحليل التّكاليف والمنافع. في سياق العلاقة الزوجيّة، يُقيم الأفراد استمراريّة العلاقة بناءً على ما يحصلون عليه من منافع (مثل الدّعم العاطفي، الرفقة، المساعدة الماديّة) مقارنة بما يبذلونه من تكاليف (مثل التّنازلات، الجهد، التوتر)، تعمل البرامج التّأهيليّة على زيادة “المكافآت” المتصورة في العلاقة من خلال تعزيز

مهارات التّواصل الفعال وإدارة الخلافات، ما يزيد من رصيد المنافع الإيجابيّة. كما تُعلّم هذه البرامج المشاركين كيفيّة تقليل “التكاليف” من خلال التّعامل البناء مع الخلافات، ما يؤدي إلى تحقيق توازن إيجابي في ميزان التبادل، ويعزز الشّعور بالعدالة والرضا، ويحسن جودة العلاقة المدركة ويدّعم الاستقرار الزواجي على المدى الطويل (Homans, G. C. 1958).

ب. نظريّة التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory):   ترى نظريّة التعلم الاجتماعي التي ارتبطت باسم ألبرت باندورا (1977)، أنّ السّلوك يُكتسَب ويُعدَّل من خلال الملاحظة والتّقليد والتّعزيز. كثير من المقبلين على الزواج قد يفتقرون إلى نماذج جيدة للمهارات الزواجية في محيطهم الاجتماعي. تقوم البرامج التّأهيلية هنا بدور “النّموذج الاجتماعي” الذي يقدم سلوكيات بديلة فعالة. من خلال تأدية الأدوار (Role-playing) وعرض النّماذج (Modeling) وتقديم التّغذية الراجعة الإيجابيّة (كشكل من أشكال التعزيز)، يتعلم المشاركون مهارات جديدة مثل الاستماع النّشط، والتّعبير عن المشاعر بطريقة بناءة. هذا التّعلم الجديد يحل محل الأنماط السّلوكيّة غير الفعالة التي قد يكونون قد تعلموها سابقًا، ما ينعكس إيجابًا على تفاعلاتهم مع شركاء حياتهم المستقبليين ويسهم في تحقيق الانسجام.

ج.نظريّة التّعلّق (Attachment Theory) : طورت نظريّة التّعلّق أساسًا على يد جون بولبي (1969) وماري أينسورث، وتفسر كيفيّة تأثير نمط التّعلّق الذي نشأ عليه الفرد في علاقته مع مقدم الرّعاية الأساسي (كالأم) على نمط علاقاته العاطفيّة في مرحلة البلوغ. الأفراد ذوو نمط التّعلّق الآمن يميلون إلى الثّقة في الشّريك وإقامة علاقات مستقرة، بينما يعاني ذوو الأنماط غير الآمنة (القلق/المشغول أو المتجنب) من صعوبات في العلاقات الحميمة، تهدف البرامج التّأهيليّة إلى زيادة وعي المشاركين بأنماط التّعلّق الخاصة بهم وبشريكهم، وفهم كيفيّة تأثير هذه الأنماط على تفاعلاتهم (مثل طلب الدعم أو تجنب النقاش). من خلال خلق بيئة آمنة وداعمة داخل جلسات البرنامج، يمكن للمشاركين تطوير “تجارب مصححة” تعزز لديهم الشّعور بالأمان، ما يساعد في تحويل نمط التّعلّق نحو الأمان، ويؤدي إلى تحسين جودة العلاقة المدركة وزيادة الانسجام العاطفي (Bandura, 1977).

د. نظريّة النّظم الأُسريّة (Family Systems Theory):   تنظر نظريّة النّظم الأُسريّة التي ارتبطت باسم موراي بوين (1978)، إلى الأسرة على أنّها نظام عاطفي واحد متكامل، إذ يؤثر كل فرد في النّظام ويتأثر بأفراده جميعهم، ولا يمكن فهم سلوك الفرد بمعزل عن هذا السّياق. وفقًا لهذه النّظريّة، فإنّ الزّوجين يشكلان نظامًا جديدًا له قواعده وحدوده وديناميكياته الخاصة. تعمل البرامج التّأهيليّة على مساعدة هذا “النّظام الجديد” على التّأسيس بطريقة صحية. فهي تركز على مفاهيم مثل تكوين “ذاتية مشتركة” (We-ness)، ووضع حدود واضحة بين النظام الزوجي والعائلات الأصليّة، وفهم أنماط التّواصل التكراريّة (الديناميكيات) التي قد تنشأ. من خلال تعزيز التّفاعلات الإيجابيّة داخل النّظام الزّوجي الناشئ، تساهم البرامج في بناء نظام أسري قادر على التكيف مع الضغوط والمتغيرات، ما ينعكس على متانة العلاقة وجودتها (Bowen,1977).

  • إجراءات الدّراسة: اتبعت الدّراسة منهجيّة تجريبيّة لقياس فاعليّة البرنامج التّأهيلي في تحقيق الأهداف المحددة، وقد قُسِّمت عينة الدّراسة إلى مجموعتين،مجموعة تجريبيّة لتلقي البرنامج التّأهيلي، ومجموعة ضابطة لم تتلق أي تدخل، وبدأت الإجراءات بتطبيق القياس القبلي على المجموعتين باستخدام مقياسي الانسجام الزواجي، وجودة العلاقة المدركة لضمان تكافؤ المجموعتين في مستويات المتغيرات التابعة قبل البدء في التنفيذ.

وقد صُمِّم البرنامج التّأهيلي ليكون متكاملًا بين الجانبين التربوي والإرشادي النّفسي الأسري، وقد اشتمل على ثماني جلسات تدريبيّة مكثفة موزعة على أربعة أسابيع، بمعدل جلستين أسبوعيًّا، واعتمدت الجلسات على أساليب تدريبيّة تفاعليّة متنوعة شملت العروض التقديميّة، ومناقشات المجموعات المركزة، وتمارين لعب الأدوار، وتحليل الحالات الدّراسيّة، وتطبيقات عملية. وغطى المحتوى التدريبي محاور رئيسة منها: أسس اختيار شريك الحياة، وفنون التّواصل الزواجي الفعال، ومهارات إدارة الخلافات وحل المشكلات، وآليات تحقيق التّوازن بين الأدوار المختلفة، وأسس التّخطيط المالي الأسري.

حرص الباحث على توفير بيئة تدريبيّة آمنة وداعمة للمشاركات، مع تأكيد  مبدأ السّريّة وحريّة التّعبير، وزُوِّدت المشاركات بحقيبة تدريبيّة شاملة تحتوي على كتيب للمحتوى النظري، وكراسة للتمارين العمليّة، وقائمة مراجع مقترحة للاطلاع. كما خصصت وقتًا كافيًا للمناقشات والتّفاعلات الجماعيّة لضمان استيعاب المادة التدريبيّة وتطبيقها عمليًّا. واهتم المدربون بتقديم تغذية راجعة فوريّة للمشاركات حول أدائهن خلال التّمارين العمليّة.

بعد انتهاء الجلسات التدريبيّة، طُبِّق على الفور القياس البعدي باستخدام أدوات الدّراسة نفسها على المجموعتين التّجريبيّة والضابطة، وحُلِّلت البيانات باستخدام الأساليب الإحصائيّة المناسبة لفحص دلالة الفروق بين متوسطات درجات المجموعات.

  • نتائج الدّراسة

الجدول 1: متوسط درجات BDI-II عبر المجموعات

المجموعة ما قبل العلاج ما بعد العلاج المتابعة (ثلاثة أشهر)
تطبيق البرنامج التّأهيلي 28.3 16.5 13.8
مجموعة التحكم 21.9 24.3 21.5

 

يُظهر تحليل الجدول تطورًا إيجابيًا ملحوظًا في مستويات المشكلات الزواجيّة لدى المجموعة التّجريبيّة التي تلقت البرنامج التّأهيلي، مقارنة باستقرار الوضع السلبي نسبيَّا لدى مجموعة التحكم. ففي القياس القبلي، سجلت المجموعة التّجريبيّة متوسطًا أعلى (28.3) مقارنة بمجموعة التحكم (21.9)، ما يشير إلى أن كلا المجموعتين كانتا تعانيان من مشكلات قبل التدخل، وقد تكون مشكلات المجموعة التّجريبيّة أكثر حدة بشكل طفيف.

بعد تطبيق البرنامج، انخفض متوسط المشكلات في المجموعة التّجريبيّة انخفاضًا حادًّا ومهمًّا من 28.3 إلى 16.5، أي بنسبة تحسن تقارب 42%. هذا الانخفاض الكبير والدّال إحصائيًّا يُعزى مباشرة إلى تأثير البرنامج التّأهيلي، ما يؤكد فرضيّة الدّراسة الرئيسة حول فاعليّة البرنامج في تخفيف المشكلات الزواجيّة. في المقابل، لوحظ ارتفاع طفيف في متوسط مشكلات مجموعة التّحكم من 21.9 إلى 24.3، وهو ما قد يعكس تطور التوترات الطبيعيّة مع بداية الحياة الزوجية دون وجود تدخل مساند.

الأكثر أهمية، أن قياس المتابعة بعد ثلاثة أشهر كشف استمرارية فاعليّة البرنامج، وقد استمر متوسط المشكلات في المجموعة التّجريبيّة في الانخفاض إلى 13.8. هذا الاتجاه التّصالحي يدل على أن التأثير ليس لحظيًّا بل هو تغير مستقر ومستدام، ويعكس نجاح البرنامج في تمكين المشاركات من المهارات اللازمة لإدارة التوترات المستقبلية ذاتيًّا. في حين ظلت مشكلات مجموعة التحكّم مرتفعة عند 21.5، ما يؤكد حاجتهم الدائمة لمثل هذا التدخل. هذه النتائج مجتمعة تقدم أدلة قوية على فاعليّة البرنامج التّأهيلي كأداة وقائيّة علاجيّة للمقبلات على الزواج

الجدول 2: متوسط درجات RCI-10 لكل مجموعة

المجموعة متوسط RCI-10 الانحراف المعياري
البرنامج التّأهيلي 26.9 4.1

 

يُظهر تحليل الجدول مؤشرًا إيجابيًّا واضحًا على فاعليّة البرنامج التّأهيلي من خلال نتائج مقياس RCI-10، والذي يُعد أداة إحصائيّة حساسة لقياس التغيّر الفردي والسّريري ذي الدّلالة.

التّفسير الإحصائي والسّريري للنتيجة: يشير متوسط RCI-10 البالغ 26.9 للمجموعة التي تلقت البرنامج إلى وجود تحسن سريري ذي دلالة إحصائيّة لدى أفراد العيِّنة. بشكل عام، عندما يتجاوز قيمة مؤشر التغير الموثوق (RCI) القيمة ±1.96، فإن هذا يدل على أن التّغير الذي حدث لدى الفرد ليس عشوائيًّا أو نتيجة للخطأ القياسي، بل هو تغير حقيقي وموثوق يمكن عزوها إلى تأثير البرنامج (التدخل التجريبي). وبالتالي، فإن متوسطًا مرتفعًا بهذا القدر (26.9) يؤكد بقوة أنّ المشاركات في البرنامج شهدن تحسنًا حقيقيًّا وجوهريًا في المتغير الذي قِيس (الانسجام الزواجي أو جودة العلاقة).

دلالة الانحراف المعياري المنخفض: الانحراف المعياري المنخفض نسبيًّا (4.1) يعزز من مصداقيّة هذه النتيجة. هذا يشير إلى أنّ درجات التحسن لم تكن متناثرة أو متباينة بشكل كبير بين أفراد المجموعة التّجريبيّة، بل كانت مركزة حول المتوسط المرتفع أصلًا .بمعنى آخر، لم يقتصر التحسن على عدد قليل من المشاركات، بل كان تأثير البرنامج إيجابيًّا ومتجانسًا إلى حد كبير على معظم أفراد المجموعة. وهذا يدل على أن البرنامج كان ناجحًا في تحقيق فائدته لمختلف المشاركات، بصرف النظر عن الفروق الفرديّة الطفيفة بينهن.

  • تحليل فرضيات الدّراسة: أظهرت نتائج التحليل الإحصائي للفرضيات الفرعيّة قبولًا كاملًا للفرضيات المطروحة جميعها، ففيما يتعلق بالفرضيّة الفرعيّة الأولى، كشفت نتائج التّحليل الإحصائي وجود فروق دالة إحصائيًّا بين متوسطي درجات المجموعة التّجريبيّة، والمجموعة الضابطة على مقياس الانسجام الزّواجي في التّطبيق البعدي، لصالح المجموعة التّجريبيّة وأظهرت البيانات أن المجموعة التّجريبيّة حققت قفزة نوعيّة في أبعاد المقياس جميعها: العاطفي والفكري والاجتماعي. ففي البعد العاطفي، أظهرت المشاركات قدرة أكبر على التّعبير عن المشاعر الإيجابيّة وتلقيها، وتعزيز الثقة المتبادلة مع الشّريك أمّا على المستوى الفكري، فقد لوحظ تقارب في الرؤى والقيم حول العديد من القضايا الأُسريّة، وزيادة في القدرة على مناقشة الاختلافات بموضوعيّة. وعلى الصعيد الاجتماعي، فقد تحسنت مهارات إدارة العلاقات مع الشبكة الاجتماعيّة المحيطة (كالعائلتين) بشكل لافت. في المقابل، حافظت المجموعة الضابطة على مستويات متشابهة من الانسجام بين القياسين القبلي والبعدي، بل وسجل بعض أفرادها تدهورًا طفيفًا، ما يعزز أن التّحسن في المجموعة التّجريبيّة كان نتيجة مباشرة للبرنامج وليس مجرد تأثير للزمن أو عوامل خارجيّة أخرى.

وقُبِلت أيضًا هذه الفرضيّة، وقد أسفرت النّتائج عن تحسن ملموس في الدّرجات الكليّة للمجموعة التّجريبيّة على مقياس جودة العلاقة المدركة، وكذلك في أبعاده الفرعيّة جميعها. فقد ارتفع مستوى الرضا العاطفي لدى المشاركات، إذ أصبحن يشعرن بقدر أكبر من السعادة والارتياح في التّفاعل مع شريك الحياة المستقبلي، كما تعزز لديهن شعور واضح بالتّقدير المتبادل والاحترام للدور والهُويّة الخاصة بكل منهما. البعد الثالث، وهو الشّعور بالأمان النّفسي والطمأنينة في العلاقة، شهد بدوره تحسنًا كبيرًا، إذ أشارت المشاركات إلى انخفاض في مستوى القلق من المستقبل، وازدياد الثقة في استمراريّة العلاقة واستقرارها. هذا التّحسن الشّامل في جودة العلاقة المدركة، يؤكد أنّ البرنامج لم ينجح فقط في تعزيز الجوانب السّلوكيّة (الانسجام)، بل نجح أيضًا في تعزيز الجوانب التّقييميّة والإدراكيّة العميقة للعلاقة، والتي تُعد مؤشرًا قويًّا على استدامة الرضا والاستقرار الزواجي على المدى الطويل.

أظهرت نتائج اختبار العينات المرتبطة وجود فروق ذات دلالة إحصائيّة (عند مستوى دلالة 0.01 أو أعلى) بين متوسطات درجات أفراد المجموعة التّجريبيّة في القياس القبلي ومقابلها في القياس البعدي، وذلك على كلا المقياسين الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة، كان متوسط الفروق موجبًا وذا حجم تأثير كبير، ما يشير إلى أنّ التّغير الذي حدث كان إيجابيًّا وكبيرًا من الناحية العمليّة، وليس مجرد دلالة إحصائيّة فقط. هذا يعني أنّ أداء المشاركات بعد الانتهاء من البرنامج كان أفضل بكثير من أدائهن قبل بدئه، ما يؤكد بشكل لا لبس فيه أنّ البرنامج هو العامل الأساسي المسؤول عن إحداث هذا التغير الإيجابي. هذه النتيجة تُعد حجر الزاوية في إثبات فاعليّة البرنامج، إذ تثبت إنّ التّحسن لم يكن مقارنة بالمجموعة الضابطة فحسب، بل كان تحسنًا جوهريًّا داخل المجموعة التّجريبيّة نفسها وعليه قُبِلت الفرضيّة الفرعيّة الثالثة.

واستنادًا إلى مجموعة النتائج المتكاملة والمترابطة التي أظهرتها التّحليلات الإحصائيّة، وقد أكدت البيانات أنّ البرنامج التّأهيلي المُطبق قد نجح في تحقيق الهدف العام الذي صُمم من أجله، وتتجلى فاعليّة البرنامج من خلال التّحسن الكبير والملحوظ في متوسطات درجات المجموعة التّجريبيّة على مقياسي الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة في القياس البعدي مقارنة بالقياس القبلي، وكذلك مقارنة بأداء المجموعة الضّابطة في القياس البعدي نفسه. ولم يكن هذا التحسن تحسنًا إحصائيًّا فقط، بل كان تحسنًا ذا دلالة سريريّة عمليّة، كما يتضح من نتائج مقياس RCI-10 المرتفعة، ما يعني أنّ البرنامج أحدث فرقًا حقيقيًا وملموسًا في حياة المشاركات. ويعزى هذا النّجاح إلى الطبيعة التّكامليّة للبرنامج التي جمعت بين البعد التربوي المعرفي الذي زود المشاركات بالمعرفة النّظريّة حول أسس الحياة الزوجيّة، والبعد الإرشادي النّفسي العملي الذي ركز على تنمية المهارات الحياتيّة مثل: التواصل الفعال وإدارة الانفعالات وحلّ المشكلات. لقد وفر البرنامج مساحة آمنة للمشاركات لممارسة هذه المهارات وتطبيقها في مواقف مشابهة للمواقف الواقعيّة، ما عزّز من ثقتهن بأنفسهن وزاد من استعدادهن لبدء الحياة الزوجيّة بتصورات أكثر واقعيّة وتوقعات أكثر إيجابيّة. وعلاوة على ذلك، فإنّ استمراريّة هذا الأثر، كما ظهر في قياس المتابعة، تؤكد أن البرنامج لم يحقق تحسنًا لحظيًّا، بل ساهم في بناء قدرات مستدامة لدى المشاركات تمكّنهن من مواجهة التّحديات المستقبليّة بثقة أكبر. لذلك، يمكن الجزم أنّ البرنامج قد حقق فاعليّة كبيرة في تعزيز كل من الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة، ما يجعله نموذجًا عمليًّا قابلًا للتّطبيق على نطاق أوسع.

  • الاستنتاج
  • أثبت البرنامج التّأهيلي (التربوي والإرشادي) المُقَّدم للمقبلات على الزواج فاعليّة كبيرة وملموسة في تحقيق الهدف الرئيس المتمثل في تعزيز الانسجام الزواجي الشّامل (عاطفيًّا، فكريًّا، اجتماعيًّا) وتحسين جودة العلاقة المدركة لديهن، ما يدعم قبول الفرضيّة الرئيسة للدراسة.
  • أسهم البرنامج بشكل فعال في تعزيز المهارات الشّخصيّة والزوجيّة العمليّة لدى المشاركات، لا سيما مهارات التواصل الواضح، والاستماع النشط، وإدارة الخلافات والغضب بأساليب بناءة، ما انعكس إيجابًا على قدرتهن على بناء وتنمية علاقتهن المستقبليّة.
  • ساهم البرنامج في تحسين التّصورات والاتجاهات الذّهنيّة لدى المتزوجات، من خلال تصحيح التوقعات غير الواقعيّة حول الحياة الزوجيّة، وتعزيز الثّقة بالنّفس، وبناء تصور إيجابي حول القدرة على مواجهة التّحديات المستقبليّة، وهو ما يعد أساسًا للصّحة النّفسيّة للأم والأسرة.
  • أظهرت نتائج الدّراسة استمراريّة الأثر الإيجابي للبرنامج، وقد حافظت المشاركات على مستويات التّحسن التي حققنها في قياس المتابعة بعد مدّة من انتهاء البرنامج، ما يؤكد أنّه لم يحقق تحسنًا مؤقتًا فحسب، بل ساهم في بناء كفاءات وقدرات مستدامة.
  • يُعد الجمع بين المدخل التّربوي (الذي يبني المعرفة والوعي) والمدخل الإرشادي النّفسي الأسري (الذي يطور المهارات ويعالج الجوانب الانفعاليّة) في برنامج متكامل عاملًا حاسمًا في تحقيق هذه الفاعليّة والنتائج الإيجابيّة الشّاملة.
  • تبرز الدّراسة الحاجة الملحة والمستمرة لتبني مثل هذه البرامج التّأهيليّة العلميّة من قبل المؤسسات التّربويّة (كالمدارس والجامعات) ومراكز الإرشاد الأُسري، ودمجها ضمن السياسات الاجتماعيّة الوقائيّة، للاستثمار في بناء كيان أسري متماسك من البداية.
  • التوصيات للبحث المستقبلي: بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
  • إجراء بحوث مستقبلية على عينات أكثر تنوعًا واتساعًا، تشمل فئات أخرى مثل الذّكور المقبلين على الزّواج، والأزواج حديثي الزواج، وأفراد من خلفيّات ثقافيّة واجتماعيّة اقتصاديّة مختلفة. كما يُقترح تمديد مدّة المتابعة إلى سنة أو أكثر لقياس استدامة أثر البرنامج على المدى الطويل ورصد تأثيره على معدلات الاستقرار الزواجي الفعليّة.
  • اكتشاف العوامل النّفسيّة والاجتماعية التي تزيد من فاعليّة هذه البرامج. لذلك، تُوصي الدّراسة بإجراء بحوث تبحث في دور متغيّرات وسيطة مثل أنماط التّعلّق، والمرونة النّفسيّة، والذّكاء العاطفي، والوعي بالدّور الجندري، في تفسير الفروق الفرديّة في استجابة المشاركين للبرنامج التّأهيلي وتحقيقهم للنتائج المرجوة.
  • إجراء بحوث مقارنة بين نماذج وأطر برامجيّة تأهيليّة متنوعة (مثل مقارنة برامج قصيرة مكثفة ببرامج طويلة الأمد، أو برامج جماعيّة بحتة ببرامج تجمع بين الجلسات الفرديّة والجماعيّة) لتحديد النموذج الأمثل من حيث التكلفة والفاعليّة والجاذبيّة للمشاركين.
  • استكشاف فاعليّة تقديم هذه البرامج عبر منصات إلكترونيّة، أو باستخدام تطبيقات ذكيّة لزيادة الانتشار وتخفيض التكلفة، بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة لبحث تأثير هذه البرامج التّأهيليّة على متغيرات أوسع، مثل الصحة النّفسية العامة للمشاركين، ومستويات القلق والاكتئاب، وجودة الحياة بشكل عام، وليس فقط على المتغيرات الزواجية المباشرة.

خاتمة الدّراسة: تُلخص هذه الدّراسة الجهودَ الرامية إلى تصميم وتطبيق برنامج تأهيلي متكامل يجمع بين المدخل التربوي والإرشاد النّفسي الأسري، وقياس فاعليّته في تحقيق الانسجام الزواجي وتحسين جودة العلاقة المدركة لدى عينة من المتزوجات، وقد أكدت النتائج التي حصلنا عليها بشكل قاطع صحّة الفرضيّة الرّئيسة للدّراسة، وقد أسفرت التّحليلات الإحصائيّة عن وجود تحسن ذي دلالة إحصائيّة وسريريّة في مستويات الانسجام الزواجي وجودة العلاقة المدركة لدى أفراد المجموعة التّجريبيّة مقارنة بنظيراتهن في المجموعة الضابطة، وكذلك مقارنة بأدائهن القبلي، ولم يقتصر هذا الأثر على التّحسن الفوري بعد انتهاء البرنامج، بل امتد ليشمل قياس المتابعة، ما يشير إلى أنّ البرنامج نجح في بناء كفاءات وقدرات مستدامة لدى المشاركات، يمكنهن الاعتماد عليها في إدارة علاقاتهن الزوجيّة المستقبليّة.

تعزى فاعليّة البرنامج إلى طبيعته الشّاملة والتكامليّةالتي لم تقدم المعرفة النظريّة فحسب، بل ركزت على الجانب التّطبيقي من خلال تمارين أدّى الأدور والمواقف الحياتيّة العمليّة، في بيئة آمنة وداعمة سمحت للمشاركات بممارسة المهارات الجديدة وتلقي التغذية الراجعة، كما ساهم البرنامج في تصحيح التّصورات غير الواقعيّة حول الزواج، وبناء توقعات أكثر إيجابيّة وعلميّة، وتعزيز الثقة بالنّفس والقدرة على مواجهة التحديات. وتؤكد هذه النتائج مجتمعة الأهمية البالغة للاستثمار في البرامج الوقائيّة والتّأهيليّة للمقبلين على الزواج والتي لا تقل أهمية عن برامج التّدخل والإرشاد العلاجي للأزواج الذين يعانون من مشكلات.

في الختام، تقدم هذه الدّراسة دليلًا عمليًّا على أنّ التأهيل الممنهج القائم على أسس علم النّفس التربوي والأُسري يمكن أن يحدث فرقًا نوعيًّا في بداية الحياة الزوجيّة، ما ينعكس إيجابًا على استقرار الأُسر وبالتالي تماسك المجتمعات. وتوصي الدّراسة بأهمّية تبني مؤسسات المجتمع المختلفة، بدءًا من الأسرة ومرورًا بالمؤسسات التّعليميّة ووصولًا إلى مراكز الإرشاد الأسري، لمثل هذه البرامج العلميّة، والعمل على تطويرها ونشرها على نطاق أوسع، بوصفها استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري والاجتماعي. كما تفتح هذه الدّراسة آفاقًا جديدة للباحثين للبناء من خلال استكشاف تأثير هذه البرامج على فئات جديدة، ودراسة العوامل المسيرة لفاعليتها، ومقارنة نماذج مختلفة لتطوير الممارسة في هذا المجال الحيوي.

المراجع العربيّة

1-سليمان، خالد رمضان (2016)، فعالية برنامج قائم على الإرشاد الأسري في التعرف على مقومات الإستقرار الزواجي لدى عينة من الشباب السعوديين المقبلين على الزواج،كلية التربية، جامعة الأزهر.

2-المحمودي محمد سرحان علي، (2019)، مناهج البحث العلمي، الطبعة3، دار الكتب، صنعاء، اليمن.

3-المحمود، ف. (2022). أثر الدمج بين المدخل المعرفي والمهاراتي في البرامج الإرشادية لتحسين جودة العلاقة الزوجية. مجلة علم النّفس التطبيقي.

المراجع الأجنبيّة

-5Bowen, M. (1978). Family therapy in clinical practice. Jason Aronson

-6Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. Basic Books.

-7Bradbury, T. N., & Lavin, E. (2020). Wellness Sensitivity and Marital Stability. Journal of Family Counseling.

-8Gottman, J. M., & Gottman, J. S. (2017). The Science of Couples and Family Therapy. W. W. Norton & Company.

-9Markman, H. J., & Halford, W. K. (2018). Preventing Couple Relationship Problems: A Review of Research. Annual Review of Clinical Psychology.

-10Olson, D. H., & Larson, P. J. (2018). PREPARE/ENRICH Program: Building Strong Marriages. In Encyclopedia of Couple and Family Therapy. Springer.

-11Homans, G. C. (1958). Social behavior as exchange. American Journal of Sociology, 63(6), 597–606.
https://www.journals.uchicago.edu/doi/10.1086/222355

-12Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.

https://www.uky.edu/~eushe2/Bandura/Bandura1977.html

-13Bowen, M. (1978). Family Therapy in Clinical Practice. New York: Jason Aronson.

https://www.google.com/books/edition/Family_Therapy_in_Clinical_Practice/-mvwAAAAMAAJ

[1] – طالبة دكتوراه جامعة آزاد الإسلاميّة فرع العلوم والتحقيقات _طهران-إيران-قسم علم النفس

PhD student at University of Azad Islamic, Science and Research Branch,  Tehran, Iran, Department of Psychology. Email:charifahijazii999@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.