الوقاية الدِّينيّة في الإسلام ودور الأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي: مراجعة نظريّة الوقائيّة لقضية المثليّة في السّياق الثّقافي – الأخلاقي

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الوقاية الدِّينيّة في الإسلام ودور الأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي: مراجعة نظريّة الوقائيّة لقضية المثليّة في السّياق الثّقافي – الأخلاقي

Religious Prevention in Islam and the Role of the Family in Promoting Psychological Adjustment:
A Theoretical–Analytical Review of Homosexuality within the Cultural–Ethical Context

Sawsan Mahdi Mahdi سوسن مهدي مهدي([1])

Supervised by Dr. Fawzi Ayoub إشراف الدكتور فوزي أيوب([2])

تاريخ الإرسال:27-1-2026                                   تاريخ القبول:7-2-2026

الملخص                                                                       turnitin7% 

تهدف هذه المقالة إلى تقديم مراجعة نظريّة الوقائيّة لدور الوقاية الدِّينيّة في الإسلام، مع التّركيز على الأسرة بوصفها النّسق التّربوي الأول في تعزيز التّوافق النّفسي، وذلك من خلال قراءة منهجيّة لقضيّة المثليّة في السّياق الثّقافي–الأخلاقي للمجتمعات الإسلاميّة. تنطلق الدِّراسة من مرجعيّة إسلاميّة وقائيّة مدعومة بأدوات التّحليل النّفسي والسّوسيولوجي، لفهم التّوتر القائم بين بعض الأطروحات النّفسيّة الغربيّة المعاصرة والمرجعيّة القيميّة الإسلاميّة في تناول قضايا الهُويّة والسّلوك الجنسي. وتُظهر المراجعة أنّ الوقاية الدِّينيّة في الإسلام لا تقتصر على ضبط السّلوك بعد وقوعه، بل تمتد إلى إدارة مقدماته عبر منظومة متكاملة تشمل مقاصد الشّريعة وحفظ النّفس والعقل والّنسل، ومفهوم الفطرة، والحياء والرّقابة الذاتيّة، والتّربية الإيمانيّة المبكرة، وتنظيم الخصوصيّة الأُسريّة، وإدارة المثيرات (مثل غضّ البصر والاستئذان)، بما يسهم في تقوية الاتساق الذّاتي وتقليل عوامل الاضطراب.

كما تؤكد النّتائج أن الأسرة تمثل الوسيط التّطبيقي المهمّ لترجمة هذه الوقاية إلى ممارسات تنشئة قائمة على الحوار والاحتواء والضّبط القيمي، بما يعزز بناء الهُويّة النّفسية ويخفض أثر التّفكّك الأُسري والتّعرض غير المنضبط للمثيرات الثّقافيّة والإعلاميّة. وتخلص المقالة إلى ضرورة تطوير مقاربات إرشاديّة أُسرية تراعي الكرامة الإنسانيّة من دون تفريغ المرجعيّة الأخلاقيّة من مضمونها، وتدعو إلى مزيد من الدِّراسات العربيّة الميدانيّة لتقييم فاعليّة التّدخلات الوقائيّة.

الكلمات المفتاحيّة: الوقاية الدِّينيّة – الأسرة في الإسلام – التّوافق النّفسي – الفطرة – المثليّة – التّنشئة الأُسريّة

Abstract: This article aims to present a theoretical–analytical review of religious prevention in Islam, with a particular focus on the family as the primary educational system in promoting psychological adjustment, through a systematic examination of the issue of homosexuality within the cultural–ethical context of Islamic societies. The study is grounded in an Islamic preventive framework supported by psychological and sociological analysis, seeking to explore the tension between contemporary Western psychological approaches and Islamic value-based references in addressing issues of identity and sexual behavior.

The review demonstrates that religious prevention in Islam is not limited to regulating behavior after its occurrence but extends to managing its antecedents through an integrated system that includes the objectives of Islamic law (maqāṣid al-sharīʿa), particularly the preservation of life, intellect, and progeny; the concept of fiṭrah; moral self-regulation and modesty; early faith-based upbringing; the organization of family privacy; and the management of sexual stimuli (such as lowering the gaze and seeking permission). These mechanisms contribute to strengthening self-coherence and reducing vulnerability to psychological disturbance.

The findings further highlight the family as the most effective practical mediator for translating religious prevention into everyday educational practices based on dialogue, emotional containment, and value-oriented regulation, thereby supporting identity formation and psychological well-being. The article concludes by emphasizing the need for culturally and religiously sensitive family counseling approaches that uphold human dignity while maintaining ethical boundaries, and calls for further empirical research in Arab and Islamic contexts to assess the effectiveness of preventive interventions.

Keywords:Religious Prevention; Family in Islam; Psychological Adjustment; Fiṭrah; Sexual Identity and Behavior; Homosexuality; Family Upbringing; Moral Regulation; Maqāṣid al-Sharīʿa; Family Counseling.

 

1.     المقدمة

تُعدّ الأسرة في التصور الإسلامي النواة الأساسية في بناء الفرد نفسيًا وقيميًا واجتماعيًا، إذ تضطلع بدور محوري في التّنشئة السليمة، وترسيخ منظومة القيم، وتوجيه السّلوك الإنساني بما ينسجم مع الفطرة والضوابط الأخلاقيّة التي جاء بها الإسلام. وقد أكّد القرآن الكريم والسُنّة النَبويّة على مركزيّة الأُسرة بوصفها الإطار الأول الذي تتشكل داخله ملامح الهُويّة النّفسيّة والسّلوكيّة للفرد، مما يجعلها خط الدّفاع الأول في الوقاية من الاضطرابات والانحرافات السّلوكيّة بمختلف أشكالها (جبر، 2024، ص 101–103)

وفي هذا السّياق، تبرز الوقاية بوصفها مبدأً أصيلًا في المنظور الإسلامي، فلا يقتصر الخطاب الشّرعي على معالجة السّلوك المنحرف بعد وقوعه، بل يولي أهمّية كبرى للتدابير الوقائيّة التي تحصّن الفرد والمجتمع من الانزلاق إلى أنماط سلوكيّة تتعارض مع مقاصد الشّريعة. وتقوم هذه الوقاية على منظومة متكاملة تشمل التربية الإيمانيّة، والضّبط الأخلاقي، وبناء الوعي، وتعزيز المسؤوليّة الفرديّة والجماعيّة (عبد الوهاب، 2018، ص 952)

ومع التّحولات الثّقافية والاجتماعيّة المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، برزت قضايا الهُويّة والسّلوك الجنسي بوصفها من أكثر القضايا إثارة للجدل، ولا سيما قضية المثليّة الجنسيّة التي لم تعد تُطرح فقط بوصفها مسألة فرديّة، بل أصبحت قضية ثقافيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة ذات أبعاد متعددة. وتشير الأدبيّات المعاصرة إلى أنّ هذه الظاهرة تتأثر بجملة من العوامل النّفسيّة والأُسريّة والاجتماعيّة، مثل أساليب التّنشئة، والتّفكك الأسري، والتّعرض المبكر للمثيرات الجنسيّة، وضعف الضبط القيمي (عسيري، 2025، ص 1–3).

وتكشف الدِّراسات العربيّة الحديثة وجود تباين واضح بين الطرح النّفسي الغربي لقضية المثليّة، الذي يميل في كثير من الأحيان إلى فصلها عن السّياق القيمي والديني، وبين المنظور الإسلامي الذي يتعامل معها في إطار شامل يوازن بين حفظ الكرامة الإنسانية من جهة، والالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقيّة من جهة أخرى (بريمة، 2020، ص 85)، ويُظهر هذا التّباين الحاجة إلى مقاربات علميّة الوقائيّة تراعي الخصوصيّة الثّقافية والدِّينيّة للمجتمعات الإسلاميّة، من دون الوقوع في التّبسيط أو الخطاب الوعظي.

وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه المقالة إلى تقديم مراجعة نظريّة الوقائيّة لدور الوقاية الدِّينيّة في الإسلام، مع التّركيز على دور الأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي، من خلال قراءة الوقائيّة لقضية المثليّة في سياقها الثّقافي–الأخلاقي، وتعتمد المقالة على تحليل الأدبيّات النّفسيّة والاجتماعيّة والإسلاميّة ذات الصِّلة، بهدف بناء إطار تفسيري متكامل يبرز دور الأسرة والوقاية الدِّينيّة بوصفهما عاملين أساسيين في الحدّ من الاضطرابات السّلوكية، وتعزيز الصّحة النّفسية للفرد داخل المجتمع الإسلامي.

2.     الإشكاليّة:

تُعدّ الأسرة في التصور الإسلامي النّسق الاجتماعي الأول، والمحور الارتكازي الذي يُشكّل وجدان الفرد واتجاهاته السّلوكيّة؛ فهي ليست مجرد وحدة بيولوجيّة، بل محضن القيم والمقصد الأول لحفظ النّسل والدّين. وانطلاقًا من هذا الدّور المحوري، لا يقتصر مفهوم «الوقاية» في السّياق الإسلامي على الحماية الماديّة الظاهرة، بل يمتد ليشمل التّحصين الأخلاقي والرّوحي الذي يضمن للفرد اتساقًا نفسيًا وذاتيًا مع فطرته البشرية السوية.

وتُشير الأدبيّات النّفسيّة والتّربويّة إلى أنّ الغريزة الجنسيّة تمثّل دافعًا حيويًا أصيلًا أودعه الله في الإنسان لحفظ النّوع واستمرار الحياة، غير أنّ إشباع هذا الدّافع لا يتمّ بصورة تلقائيّة أو حياديّة، بل يتطلب مسارًا تربويًا وأخلاقيًا منضبطًا ينسجم مع الضوابط الاجتماعيّة والمقاصد الشّرعيّة، بما يحقق التّوازن بين المتطلبات النّفسية للفرد واستقرار البناء الأسري والاجتماعي (بن السايح، 2017).

غير أنّ هذا الإطار القيمي يواجه في العصر الرّقمي المتسارع تحديات بنيويّة متزايدة، تتصل بقضايا الهُويّة والسّلوك الجنسي، في ظل ما تشير إليه بعض القراءات الوقائيّة من بروز ما يُوصف بـ«ثورة جنسيّة عالميّة» تضغط على المجتمعات المحافظة، وتعيد تشكيل التّصورات المرتبطة بالجسد والهُويّة والمعايير الأخلاقيّة (صالح، 2007، ص 107). وقد أفرز هذا الواقع توترًا مفاهيميًا واضحًا بين الأطر النّفسية الغربية المعاصرة التي تميل إلى تفكيك المرجعيّات القيميّة، وبين المنظور الإسلامي الذي ينظر إلى السّلوك الجنسي ضمن منظومة أخلاقيّة شاملة، تُوازن بين الكرامة الإنسانيّة والضّبط القيمي.

وتتجلى إشكاليّة المقالة في غياب مقاربات علميّة الوقائيّة متوازنة، قادرة على قراءة قضية المثليّة في السّياق الثّقافي–الأخلاقي الإسلامي، من دون الوقوع في الخطاب الوعظي أو التّبسيط الإقصائي، ومن دون استنساخ غير نقدي للنّماذج النّفسية الغربيّة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة نظريّة الوقائيّة تستكشف دور الوقاية الدِّينيّة والأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي، وتفكيك أبعاد هذا التّوتر المعرفي، وصولًا إلى صياغة رؤية علمية رصينة للتعامل مع هذه القضية في إطار يحفظ الخصوصيّة الثّقافيّة والدِّينيّة، ويستند في الوقت ذاته إلى التّحليل النّفسي والاجتماعي المنهجي.

وعليه يُطرح السؤال الإشكالي: كيف تسهم الوقاية الدِّينيّة في الإسلام، من خلال دور الأسرة، في تعزيز التّوافق النّفسي، في ظل التّوتر القائم بين الطرح النّفسي الغربي المعاصر والمرجعيّة القيميّة–الأخلاقيّة الإسلاميّة في تناول قضية المثليّة؟

ويمكن تفريع هذا السؤال إلى أسئلة فرعيّة داعمة للمقالة، مثل:

  • ما الأسس الوقائية التي يعتمدها الإسلام في تنظيم السّلوك الجنسي؟
  • كيف تؤثر ديناميات الأسرة الإسلاميّة في تحقيق التّوافق النّفسي؟
  • إلى أي حد يمكن بناء مقاربة الوقائيّة متوازنة لقضية المثليّة تراعي الخصوصية الثّقافية–الدِّينيّة من دون إقصاء إنساني؟

3.     أهداف الدِّراسة: تهدف هذه الدِّراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. تحليل مفهوم الوقاية الدِّينيّة في الإسلام وأسسها المقاصديّة والتّربويّة ذات الصّلة بالسّلوك الجنسي.
  2. إبراز دور الأسرة في الإسلام بوصفها نسقًا وقائيًا يسهم في بناء الهُويّة النّفسيّة وتعزيز التّوافق النّفسي.
  3. توضيح العلاقة بين ديناميات الأسرة (التنشئة، الحوار، الاحتواء، الضبط القيمي) ومستوى التّوافق النّفسي.
  4. تقديم قراءة الوقائيّة لقضية المثليّة في السّياق الثّقافي–الأخلاقي الإسلامي، بعيدًا عن الخطاب الوعظي أو الإقصائي.
  5. تفكيك التوتر القائم بين الطرح النّفسي الغربي المعاصر والمرجعيّة الإسلاميّة في تناول قضايا الهُويّة والسّلوك.
  6. المساهمة في بناء إطار نظري متوازن يدمج الوقاية الدِّينيّة بالدّعم النّفسي ضمن ضوابط ثقافيّة وأخلاقية واضحة.

4.     أهمّيّة البحث:

تنبع أهمّيّة هذه الدِّراسة من تناولها قضية معاصرة حسّاسة تمسّ بنية الأسرة والصّحة النّفسيّة والهُويّة القيميّة في المجتمعات الإسلاميّة، وذلك من خلال مقاربة الوقائيّة تربط بين الوقاية الدِّينيّة في الإسلام ودور الأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي، وتُسهم الدِّراسة في سدّ فجوة معرفيّة في الأدبيّات العربيّة عبر تقديم إطار نظري متوازن يدمج المرجعيّة الإسلاميّة بالتّحليل النّفسي والاجتماعي، بعيدًا من الخطاب الوعظي أو النقل غير النقدي للنّماذج الغربيّة، بما يعزز فهمًا أعمق لدور الأسرة في الوقاية من الاضطرابات السّلوكيّة المرتبطة بقضايا الهُويّة والسّلوك الجنسي، ويفتح آفاقًا علميّة للإفادة منها في البحث الأكاديمي والإرشاد الأسري والتربوي.

5.     الفجوة البحثيّة

تكمن الفجوة البحثية التي تسعى هذه الدِّراسة إلى معالجتها في ندرة الدِّراسات العربيّة التي تتناول قضية المثليّة من منظور تكاملي يجمع بين الوقاية الدِّينيّة، ودور الأسرة، والتّوافق النّفسي. إذ تُظهر مراجعة الأدبيّات أن معظم الدِّراسات تنحو أحد اتجاهين:

  • إما دراسات دينية تقويميّة تفتقر إلى التّحليل النّفسي والاجتماعي المنهجي.
  • أو دراسات نفسيّة واجتماعيّة تتبنى نماذج غربية تفصل الظاهرة عن سياقها القيمي والثّقافي.

كما يلاحظ غياب مقاربات علميّة تركّز على الدّور الوقائي للأسرة قبل وقوع الاضطراب، وعلى التّمييز المنهجي بين الإنسان والسّلوك، بما يسمح بتقديم خطاب علمي متوازن يحفظ الكرامة الإنسانيّة من دون تفريغ المرجعيّة القيميّة من مضمونها.

6.     جديد الدِّراسة

تتمثل الإضافة العلميّة لهذه الدِّراسة في:

  1. تقديم مقاربة وقائية إسلاميّة الوقائيّة لقضيّة المثليّة، لا تقتصر على الحكم الشّرعي، بل تربطه بالصّحة النّفسية وبناء التّوافق الدّاخلي.
  2. إبراز الأسرة بوصفها وسيطًا وقائيًا مركزيًا يربط بين المرجعيّة الدِّينيّة والنتائج النّفسية والسّلوكيّة.
  3. الجمع بين التّحليل المقاصدي الإسلامي والتّحليل النّفسي والسّوسيولوجي النّقدي ضمن إطار نظري واحد.
  4. إعادة صياغة مفهوم الوقاية من منظور نفسي–تربوي إسلامي، يركّز على منع الاضطراب قبل تشكّله بدل الاكتفاء بمعالجته بعد وقوعه.

7.     منهج الدِّراسة

اعتمدت هذه الدِّراسة المنهج الوصفي التّحليلي في إطار المراجعة النّظريّة الوقائيّة، من خلال تحليل ونقد الأدبيّات النّفسيّة والاجتماعيّة والإسلاميّة ذات الصلة بالوقاية الدِّينيّة، ودور الأسرة، والتّوافق النّفسي، وقضية المثليّة في السّياق الثّقافي–الأخلاقي الإسلامي. وتُنُولت المصادر بأسلوب تحليلي تركيبي يهدف إلى استخلاص الأطر المفاهيميّة والتّفسيريّة المشتركة، وكشف أوجه التّقاطع والتّباين بين الطرح النّفسي الغربي والمرجعيّة الإسلاميّة، وصولًا إلى بناء إطار نظري متكامل يوضح دور الوقاية الدِّينيّة والأسرة في تعزيز التّوافق النّفسي.

8.     الإطار المفاهيمي

8.1     مفهوم الوقاية في الإسلام (الوقاية قبل العلاج)

يرتكز مفهوم الوقاية في الإسلام على مبدأ سدّ الذرائع وحماية الإنسان من الوقوع في السّلوكيات التي تفضي إلى الإضرار بالنّفس أو المجتمع. وتُظهر النّصوص الشّرعيّة أن الوقاية تُقدَّم على العلاج، من خلال وضع ضوابط واضحة للسلوك، وتنمية الوازع الدّيني، وتعزيز الرّقابة الذاتيّة، وقد تناولت دراسات إسلاميّة معاصرة هذا المفهوم بوصفه منظومة شاملة تشمل الوقاية النّفسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، لا مجرد إجراءات عقابيّة (عبد الوهاب، 2018، ص 960–965).

8.2     الأسرة في التّصور الإسلامي

تُعدّ الأسرة في الإسلام مؤسسة تربويّة متكاملة، تتجاوز وظيفتها الإشباع المادي إلى بناء الإنسان نفسيًا وروحيًا وأخلاقيًا. وتشير الأدبيّات التّربويّة الإسلاميّة إلى أنّ الأسرة السّليمة تسهم في تعزيز الاستقرار النّفسي، وتشكيل الاتجاهات السّلوكية السّوية، والوقاية من الانحرافات الجنسيّة، من خلال التربية القائمة على الحوار، والقدوة، والانضباط القيمي (جبر، 2024، ص 104–110).

8.3     التّوافق النّفسي من منظور نفسي وإسلامي

يُعرَّف التّوافق النّفسي في الأدبيّات النّفسيّة بأنه قدرة الفرد على تحقيق توازن بين متطلباته الدّاخليّة وواقعه الخارجي، بما يضمن له الشّعور بالرضا والاستقرار النّفسي. أمّا في المنظور الإسلامي، فيُضاف إلى ذلك بُعد الانسجام مع الفطرة والالتزام بالقيم الدِّينيّة، بوصفها عنصرًا أساسيًا في تحقيق السكينة النّفسية. وقد أشارت دراسات متعددة إلى أنّ غياب هذا التّوازن قد يؤدي إلى اضطرابات نفسيّة وسلوكيّة، خاصة في مرحلة الشّباب (بن السايح، 2017، ص 84–90).

8.4     التّمييز بين السّلوك، الميل، والهُويّة

تُعدّ مسألة التمييز بين السّلوك الجنسي والميول والهُويّة من القضايا المفاهيميّة الدّقيقة في دراسة المثليّة، إذ تشير الأدبيّات الوقائيّة إلى أن الخلط بين هذه المفاهيم يؤدي إلى إشكالات علميّة ومنهجيّة، وتؤكد بعض الدِّراسات العربيّة المعاصرة أن الميول الجنسية ليست بالضرورة ثابتة أو فطريّة، بل تتشكل عبر تفاعل معقد لعوامل نفسيّة وأسريّة واجتماعيّة، ما يفتح المجال لمقاربات وقائيّة وتربويّة فاعلة (عسيري، 2025، ص 3).

9.     الوقاية الدِّينيّة في الإسلام: الأسس والمقاصد

9.1     مقاصد الشّريعة وحفظ النفس والعقل

تنطلق الوقاية الدِّينيّة في الإسلام من منظومة مقاصد الشّريعة، التي تهدف إلى حفظ الضّروريات الخمس، وفي مقدمتها حفظ الدّين، والنّفس، والعقل، والنسل، ويُعدّ حفظ النفس والعقل من المرتكزات الأساسيّة التي يُبنى عليها الخطاب الوقائي، لما لهما من ارتباط مباشر بالصّحة النّفسية والسّلوكيّة للفرد. وتؤكد الدِّراسات الفقهية المعاصرة أنّ التّشريع الإسلامي لا ينظر إلى السّلوك الإنساني بمعزل عن آثاره النّفسية والاجتماعيّة، بل يربط بين الاستقامة السّلوكيّة والاستقرار النّفسي للفرد والمجتمع (عبد الوهاب، 2018، ص 955–958).

وفي هذا الإطار، يُفهم التّحريم الشّرعي لبعض الممارسات الجنسية بوصفه إجراءً وقائيًا يهدف إلى حماية الفرد من الاضطرابات النّفسية والتفكك الأسري، وليس مجرد تقييد للسّلوك، وتشير بعض الدِّراسات الاجتماعيّة إلى أن تجاوز الضوابط الأخلاقيّة في السّلوك الجنسي يرتبط بارتفاع معدلات القلق، واضطراب الهُويّة، وعدم الاستقرار النّفسي، خاصة في المجتمعات المحافظة التي تقوم بنيتها الاجتماعيّة على الأسرة بوصفها مرجعيّة أساسيّة (سوماتي، 2023، ص 287).

وتؤكد الدِّراسات الفقهية المعاصرة أن التشريع الإسلامي يعتمد منطق الوقاية قبل العلاج، عبر سدّ الذرائع التي قد تفضي إلى اختلال التّوازن النّفسي والسّلوكي، ويُعبّر القرآن الكريم عن هذا المنطق الوقائي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32)، فلا يقتصر النهي على الفعل ذاته، بل يمتد ليشمل كل المقدمات المؤدية إليه، وهو ما يعكس بوضوح البعد الوقائي في التّشريع الإسلامي

9.2     الفطرة بوصفها منطلقًا وقائيًا

يُعدّ مفهوم الفطرة من المفاهيم المركزيّة في الوقاية الدِّينيّة في الإسلام، إذ يُنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقًا مفطورًا على التوازن والاعتدال، وقابلًا للتوجيه والانحراف تبعًا للبيئة التّربويّة والاجتماعيّة التي ينشأ فيها، وتُبرز الأدبيّات الإسلاميّة أن الانحراف السّلوكي لا يُعدّ حالة فطرية ثابتة، بل نتيجة لتراكم عوامل نفسية وأسرية وثقافية تؤثر في توجيه السّلوك الإنساني (عبد الوهاب، 2018، ص 961–963)

وتدعم هذه الرؤية ما توصلت إليه دراسات الوقائيّة معاصرة حول تشكّل الميول والتوجهات الجنسيّة والتي تشير إلى أنّ هذه الميول ليست معطى بيولوجيًا حتميًا، بل تتأثر بجملة من العوامل الاجتماعيّة والتّربويّة، مثل نمط التنشئة الأُسريّة، والتّعرض المبكر للمثيرات، والتفكك العائلي، وضعف الضبط القيمي (عسيري، 2025، ص 1–6)، ويعزز هذا الطرح أهمّية الوقاية المبكرة التي تستهدف حماية الفطرة من التشويه، من خلال بيئة أسرية مستقرة وقيميّة.

9.3     الضبط الأخلاقي كآليات وقائيّة

يقوم الضبط الأخلاقي في الإسلام على مبدأ الرّقابة الذاتية، المرتبطة بالوعي الدّيني والضمير الأخلاقي، وليس فقط على الرّقابة الخارجيّة أو العقوبة. ويُعدّ الحياء في هذا السّياق قيمة مركزية تُسهم في بناء هذا الضبط الداخلي، إذ يعمل كآلية نفسية–أخلاقيّة تحدّ من السّلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وتوجّه الغرائز ضمن إطار منضبط (عيسى، 2020، ص 118–121)

وفيما يتعلق بقضية المثليّة، يُظهر التّحليل الفقهي أن الضبط الأخلاقي لا يستهدف إلغاء الإنسان أو وصمه، بل يميّز بوضوح بين الإنسان بوصفه كائنًا مكرّمًا، والسّلوك بوصفه موضوعًا للتقويم الأخلاقي، ويُعدّ هذا التمييز عنصرًا محوريًا في الخطاب الوقائي، لأنه يسمح بمعالجة الظاهرة من منظور تربوي وإنساني، من دون الوقوع في الإقصاء أو التّطبيع (جبر، 2024، ص 112–115)

وتشير الأدبيّات التّربويّة الإسلاميّة إلى أنّ تراجع قيمة الحياء داخل الأسرة والمجتمع يرتبط بضعف الحدود النّفسية للسّلوك، وزيادة التعرض للمثيرات الجنسيّة، وهو ما يرفع من احتمالية الاضطرابات السّلوكيّة والانفعاليّة. ومن هذا المنطلق، يُفهم الحياء بوصفه أداة وقائيّة نفسيّة، وليس مجرد قيمة أخلاقيّة مجردة، إذ يسهم في تعزيز التّوافق النّفسي والاستقرار الانفعالي (عبد الوهاب، 2018، ص 964–966)

9.4     دور التربية الإيمانيّة المبكرة

تؤكد الأدبيّات الإسلاميّة والتربويّة على أن التربية الإيمانيّة المبكرة تشكّل حجر الأساس في الوقاية من الاضطرابات النّفسية والسّلوكية. إذ تسهم هذه التربية في بناء تصور متوازن للذات، وتعزيز الشّعور بالانتماء، وترسيخ القيم الأخلاقيّة التي تضبط السّلوك الجنسي في إطار مشروع، وقد بيّنت دراسات الوقائيّة أن ضعف التربية الرّوحيّة داخل الأسرة يرتبط بارتفاع معدلات السّلوكيّات المنحرفة، نتيجة غياب المرجعيّة القيميّة الواضحة (عيسى، 2020، ص 122–126).

كما تشير دراسات اجتماعيّة إلى أنّ الوقاية الفاعلة لا تتحقق من خلال الخطاب التّحريمي المجرد، بل عبر بناء علاقة تربويّة قائمة على الحوار والاحتواء، تُمكّن الأبناء من فهم الضوابط الأخلاقيّة بوصفها أدوات حماية نفسيّة واجتماعيّة، لا قيودًا قسريّة. ويُبرز هذا الطرح الدّور المركزي للأسرة في ترجمة القيم الدِّينيّة إلى ممارسات تربويّة واقعيّة (الدليمي، 2019، ص 45–52).

وتؤكد الأدبيّات أنّ “التربيّة الإيمانيّة المبكرة” تخلق حصانة نفسيّة ذاتية تجعل الفرد يرفض المثيرات الخارجيّة تلقائيًّا. إنّ فلسفة التّحريم في الإسلام ليست تقييداً للحرية، بل هي وسيلة وقائيّة لحفظ الكيان الإنساني من “التشتت النّفسي والجسدي” (كالاكتئاب، والانطواء، وفقدان الثقة) المرتبط بالانحرافات السّلوكيّة (صالح، 2007، ص 107)، وبذلك، تصبح المقاصد الشّرعيّة صمام أمان يحمي الفرد من الوقوع في فخ الاضطرابات الشّخصيّة.

9.5     إدارة المثيرات الجنسيّة: غضّ البصر والاستئذان

تُعدّ إدارة المثيرات الجنسيّة من أبرز الأسس الوقائية في الإسلام، إذ يركّز التشريع على تقليل التّعرض للمثيرات التي قد تفضي إلى اضطراب السّلوك. ويأتي غضّ البصر في مقدمة هذه الآليات، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (النور: 30)، وهي آية تُبرز العلاقة المباشرة بين المثير البصري وضبط السّلوك الجنسي، في إطار وقائي متكامل.

9.6     التفريق في المضاجع بوصفه إجراءً وقائيًا أسريًا

يُعدّ التفريق في المضاجع من التدابير الوقائية الأُسريّة التي وردت صراحة في السُنَّة النبويّة، كما في قوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين… واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» (أبو داود، 1990، ص. 119).

ويُفهم هذا التوجيه في سياقه التّربوي بوصفه إجراءً وقائيًا يهدف إلى الحدّ من الإثارة المبكرة، وتعزيز الوعي بالخصوصيّة الجسديّة، وحماية الأبناء من الخبرات غير المناسبة داخل الأسرة (جبر، 2024، ص 107–108) .

وتشير الدِّراسات الوقائيّة إلى أنّ إهمال هذا الإجراء قد يسهم في تشويش الحدود النّفسيّة لدى الأبناء، ويزيد من احتماليّة الاضطرابات السّلوكيّة المرتبطة بالهُويّة والسّلوك الجنسي، خاصة في ظل غياب التّوجيه الأسري الواعي (بن السايح، 2017، ص 103).

10. الأسرة كنسق وقائي في الإسلام: التنشئة، الهُويّة، وحماية السّلوك من الانحراف

تتموضع الأسرة في النّسق الإسلامي كمركز للضبط الاجتماعي الأولي، إذ تتجاوز وظيفتها الإنجاب البيولوجي إلى هندسة الهُويّة النّفسيّة وحماية الفطرة من التفكك القيمي، إنّها المؤسسة الاستراتيجيّة الأولى المسؤولة عن توجيه الغرائز البشريّة، موازنةً بين إشباع الحاجات الفطريّة والضوابط الشّرعيّة التي تضمن استقرار البناء المجتمعي.

10.1 الأسرة والغريزة في المنظور الإسلامي

تُعدُّ الغريزة الجنسيّة في المنظور السوسيولوجي، والشرّعي الدافع الحيوي الأصلي لنشاط الكائن الحي حفظاً لبقائه واستمرار نسله (بن السايح، 2017). وقد وازن الإسلام بين هذا الاندفاع الفطري والارتقاء الإنساني، فقد رسم القرآن الكريم الصّورة السويّة للعلاقة في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ…﴾ (سورة البقرة: 223)، لبيان أن الممارسة السّويّة هي التي تحصل في إطارها الفطري والشّرعي.

أمّا “الانحراف”، فيُعرف بأنه ميلٌ عن الوسط الفطري والضوابط الشّرعيّة (الشهري، 2010)، وهو سلوك يستهجنه المجتمع السليم لمخالفته المعايير الأخلاقيّة (العصيمي، 2010)، ولم يعد الانحراف اليوم مجرد سلوك فردي عابر، بل تحول إلى “أيديولوجيا عالمية” أو ما يعرف بالثورة الجنسيّة التي انتقلت من مرحلة الدّفاع إلى الهجوم، متفاديةً الوصم النّفسي عبر تغيير المصطلحات العلميّة والقانونيّة لتحدي الشّرائع (سوماتي، 2023)، وهذا التحوّل يفرض وجود نظام وقائي داخل الأسرة يعمل كحائط صدّ ضد التنميط الأيديولوجي للشّذوذ.

10.2 التّنشئة الأُسريّة المتوازنة: الركيزة الأساسيّة للنسق الوقائي

تعدُّ التنشئة المتوازنة الصمام الذي يحقق التّوافق بين الدوافع الفطرية والمعايير القيميّة، إذ إنّ أي خلل في هذا التّوازن، كالصّراع بين الدّوافع الغريزيّة والمعايير الأخلاقيّة، يعد مدخلًا مباشرًا للاضطرابات السّلوكيّة (بن السايح، 2017). وتواجه الأسرة المعاصرة “مثيرات انحراف” منظمة تهدف إلى اختراق الوعي القيمي للأبناء (الأسطل، 2011).

ويمكن رصد أبرز هذه المثيرات التي تستدعي يقظة النّسق الوقائي فيما يلي:

  • الغزو الأيديولوجي (الجندر): الترويج لمفاهيم الهُويّة الجنسيّة السيالة التي تنفي الثوابت البيولوجيّة والشّرعيّة.
  • الانفتاح الإعلامي الموجه: بث السّموم الفكريّة التي تشجع على الشّذوذ عبر المنصات الرّقميّة والمواد البصريّة.
  • الفراغ والاضطراب النّفسي: غياب الأهداف الكبرى لدى الشباب، ما يجعلهم لقمة سائغة للتّجريب المنحرف.
  • الاختلاط غير المنضبط والتّقليد الأعمى: ذوبان الخصوصيّة القيميّة في أنماط الحياة الغربيّة.

في مقابل هذه المثيرات، يبرز “الوازع الديني” كأداة وقائية داخليّة تُغرَس عبر التنشئة، ليكون الرّقيب الذّاتي الذي يحمي الفرد في ظل غياب الرّقابة الخارجيّة.

10.3 دور الوالدين في بناء الهُويّة النّفسية والارتقاء السّلوكي

يساهم الوالدان في صياغة الهُويّة الجنسية للطفل عبر آلية “التوحد” مع الوالد من الجنس نفسه. وتؤكد فرضية إليزابيث موبرلي أنّ الطفل الذكر يحتاج إلى “حب أبوي ذكوري” ليشعر بالانتماء لعالم الرجال؛ وحين يحدث “انفصال نفسي” عن الوالد، يبحث الطفل عن هذا الإشباع العاطفي المفقود بطرق منحرفة (بريمة، 2020، ص 18).

كما أنّ نمط “الأم المسيطرة” أو “الحماية المفرطة” يعيق دخول الولد إلى عالم الرجال، مما ينتج عنه غموض في الهُويّة يمهد للانحراف (هند الميزر، 2012).

جدول: تحليل العلاقة الوالدية والتبعات السّلوكية للهُويّة (بناءً على بريمة، 2020؛ سوماتي، 2023)

طبيعة العلاقة الوالدية النتيجة السّلوكية والتشخيص النّفسي
توحد سوي مع الوالد من نفس الجنس استقرار الهُويّة الجنسية والارتقاء السّلوكي السوي.
انفصال نفسي أو “جوع عاطفي” للأب محاولة “خاطئة” لإصلاح خلل الهُويّة عبر البحث عن الحب الذكري بطرق منحرفة.
أم مسيطرة / حماية مفرطة للذكر تعثر النضج الرجولي والشعور بالغموض تجاه الانتماء لعالم الرجال.
غياب الحوار والاحتواء العاطفي الارتماء في أحضان “رفقاء السوء” أو المجتمعات الافتراضية الشاذة بحثاً عن القبول.

 

10.4  آليات التّحصين: الحوار، الاحتواء، والضّبط القيمي

يتطلب التحصين الأسري المعاصر تجاوز الرّقابة التّقليديّة إلى “الاحتواء العاطفي”؛ فالشّاب الذي يجد القبول داخل أسرته لن يضطر للارتماء في أحضان الانحرافات بحثاً عن الحب المفقود (يعقوب الأسطل، 2011، ص 73). إنّ غياب الحوار يدفع الشّباب للجوء إلى “مجتمعات افتراضيّة” تعزز السّلوكيات الشّاذة وتستغل العزلة النّفسيّة (سوماتي، 2023).

ولم يعد الضّبط القيمي يقتصر على التّوجيه الشفهي، بل يمتد إلى “الرّقابة الماديّة”؛ إذ تشير سوماتي (2023) إلى غزو رموز “قوس قزح” للأدوات المدرسيّة، ألعاب الأطفال، وحتى المصاحف الملونة، مما يفرض على الوالدين دور “حائط الصد” المادي والرمزي لحماية الفطرة من التّطبيع مع الانحراف. فالقدوة الوالدية واليقظة تجاه هذه الرّموز هي التي توفر الأمان النّفسي للأبناء ضد محاولات “تنميط الشّذوذ”.

10.5  أثر التفكك الأسري في الاضطرابات السّلوكيّة: قراءة في التبعات

التفكك الأسري ليس مجرد غياب مادي، بل هو غياب للدور الوظيفي والوقائي، مما يؤدي لنتائج كارثيّة تشمل الاكتئاب، الانطواء، وفقدان الثقة بالنّفس (صالح هدى، 2007). وتتعدى الآثار الجانب النّفسي لتصل إلى الانهيار الصحي والاجتماعي، متمثلًا في انتشار الأوبئة كالإيدز والزهري (بن السايح، 2017).

إن فشل النّسق الأُسري والرّقابة الوالدية يتفاقم في ظل “القصور القانوني”؛ حيث تشير المراجعات القانونية إلى ثغرات في بعض التشريعات العربيّة، كعدم تحديد مفهوم “الفجور” بدقة في القانون المصري مما قد يسمح بالإفلات من العقاب، أو استثناء “المساحقة” (انحراف الإناث) من التجريم الصريح في بعض المواد كما في القانون الكويتي الذي ركز على الرجال (سوماتي، 2023). هذا الغياب للضبط القانوني الرادع يضع عبئاً أكبر على الأسرة لاستعادة دورها كخط دفاع أول ضد “الثورة الجنسية” التّدميريّة.

11. المثليّة في المنظور الإسلامي: قراءة الوقائيّة سوسيولوجيّة وقانونيّة معاصرة

11.1 الإطار المفاهيمي والمنظور الأنثروبولوجي للغريزة والسّلوك

تعد عملية ضبط المفاهيم حجر الزاوية في الدِّراسات الاجتماعيّة والدِّينيّة، إذ يساهم التّعريف الدّقيق في فك الاشتباك بين السّلوك الفطري والانحراف العارض. من منظور أنثروبولوجي إسلامي، لا يُنظر إلى “السواء” بوصفه حكمًا معياريًّا فحسب، بل هو “ضرورة وظيفيّة” تضمن استمرار النّوع البشري (بن السايح مسعودة، 2017، ص 10). فالفعل الجنسي في هذا السّياق ليس مجرد إشباع بيولوجي للذة، بل هو فعل اجتماعي هادف ومؤطر وظيفيًّا لحفظ النّسل والبناء الأُسري.

التّعريفات المفاهيميّة:

  • الانحراف الجنسي: يُعرف لغويًّا بالميل عن الوسط، واصطلاحًا هو الميل عن السّواء في الإشباع الجنسي (السر، 2007، ص 307)، كما يعرفه بخيت عبد الله يوسف (2010، ص 13) بأنّه فعل أو قول أو خيال يهدف إلى نشوة جنسيّة تتعارض مع الممارسة السّويّة، يألفه الفرد من دون إكراه.
  • فلسفة الغريزة: يفترض المنظور الإسلامي أن الغريزة الجنسيّة دافع حيوي أصلي يهدف إلى حفظ البقاء وتحقيق التّوازن (بن السايح مسعودة، 2017، ص 107)، وقد أطر النّص القرآني هذا المسار في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 223)، مما يعزز الرؤية الوظيفيّة للجنس المرتبط بالتناسل الطبيعي.

جدول مقارنة بين السّلوك السّوي والانحراف الجنسي:

معيار المقارنة الجنس الطبيعي (السّوي) الشّذوذ (الانحراف)
الهدف الأساسي حفظ النسل واستمرار الحياة (ضرورة وظيفيّة) إشباع اللذة الفردية والنشوة العارضة
الآلية اتصال بين ذكر وأنثى وفق الفطرة الثنائيّة ممارسات تخالف الجماع السوي (شرجي، فمي، مثلي)
القبول المجتمعي مؤسس شرعاً وعرفاً ضمن نظام الأسرة مستهجن اجتماعياً ويُحاط بالتعتيم والرفض
المرجعيّة تتسق مع الفطرة والضوابط التّشريعيّة تتجاوز الحدود الطبيعية والاجتماعيّة

 

11.2 التّطور التّاريخي والتّحولات العالميّة للمثليّة

انتقلت المثليّة عبر التاريخ من ممارسات عارضة في حضارات قديمة إلى “هوية حقوقيّة” في العصر الحديث، مما فرض ضغوطًا سياسيّة وقانونيّة على الدول العربيّة لإعادة صياغة تشريعاتها.

التتبع التّاريخي:

  • قوم لوط: يسجل المصدر الدّيني أنهم أول من ابتدع هذه الممارسة (سورة الأعراف، الآية 80).
  • الحضارات القديمة: شهدت اليونان استحسانًا لما عُرف بـ “عشق الفتيان”، وبرز مفهوم “عبادة القضيب” (الشهري، 2010، ص 36). أما الحضارة الرومانية، فقد أباحت قوانينها “ازدواجيّة الجنسيّة” للأباطرة، وقد كانت الممارسة تحصل في الفضاءات العامة والخاصة من دون تمييز (الشهري، 2010، ص 37).

التّحوّل نحو الهُويّة الحقوقيّة: وقع التّحوّل الجذري العام 1973 عند حذف المثليّة من الدّليل التّشخيصي (DSM-4) وعدّها “توجهًا” بدلًا من “اضطراب” (أوشن وعبهد، 2022، ص 5). هذا التّحوّل لم يكن طبيًّا محضًا، بل مثل “ثورة على تشريعات الدّول” قادتها مؤتمرات دوليّة كبكين والقاهرة (سوماتي، 2023، ص 1)، وبذلك تحوّل الفعل من مجرد “سلوك” (Behavior) عابر إلى “محدد للهوية” (Identity)، ما أدى إلى صدام قيمي حاد مع المجتمعات التي تعدُّ الأسرة التّقليديّة هي النواة الوحيدة المعترف بها.

11.3 الموقف الشّرعي والفقهي

يستند التّحريم الإسلامي إلى فلسفة تشريعيّة تهدف لحماية الكيان الإنساني، وقد استخدم القرآن مصطلحات دقيقة لتوصيف الظاهرة بالفاحشة: للدّلالة على القبح المتجاوز للحد المعقول والمقبول فطريًّا.

وردت بعبارة أخرى “الإسراف”، حيث ورد في قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، ويُحلل هنا بمعنى تجاوز الحد الفطري، إذ يؤدي “الإسراف” في الشّهوة إلى اختلال التوازن النّفسي والاجتماعي وفقدان الغاية الوظيفيّة من العلاقة (بريمة، 2020، ص 18).

11.4 التّحليل السوسيولوجي: الأثر على كيان الأسرة والاستقرار المجتمعي

تعدُّ الأسرة في الفكر السّوسيولوجي الإسلامي “اللبنة الأولى”، ويكمن الخطر السّوسيولوجي للمثليّة في “تفكيك البناء الثّنائي للأسرة” (رجل/امرأة)، وهذا التفكيك يؤدي إلى ضياع “الوظيفة التربويّة” والتنشئة الاجتماعيّة السّوية، إذ تتحوّل الأسرة من مؤسسة تناسليّة إلى أنماط جندريّة متغيرة تفتقر للاستقرار البيولوجي (سوماتي، 2023، ص 8).

11.5 المخاطر الصّحيّة والنّفسيّة:

  • المخاطر الصّحيّة: تفشي الإيدز، وظهور بكتيريا (MRSA) المقاومة للمضادات والتي تنتشر بين الممارسين بنسبة تفوق غيرهم بـ 13 مرة (سوماتي، 2023، ص 12).
  • المخاطر النّفسيّة: الاكتئاب، انعدام الثّقة بالذات، واضطراب الهُويّة (بن السايح مسعودة، 2017، ص 107).

وتظهر دراسة جامعة قسنطينة 2 أنّ “التّصورات الاجتماعيّة” لدى الشّباب الجامعي تظل رافضة للظاهرة، فترتبط في أذهانهم بمفاهيم “الحرام” و”المنحرف” و”غياب الوازع”، ما يشكل حائط صد ثقافي ضد الانفتاح الإعلامي (أوشن وعبهد، 2022، ص 16).

12. خاتمة ونتائج المقالة

تُظهر هذه المراجعة النّظريّة الوقائيّة أن الوقاية الدِّينيّة في الإسلام تُقدّم إطارًا وقائيًا متكاملًا لتنظيم السّلوك الجنسي وحماية الفرد والأسرة، من خلال ربط السّلوك بالمقاصد الشّرعيّة (حفظ النّفس والعقل والنسل) وبمنظومة الضبط الأخلاقي والرّوحي. ويتضح أن المنطق الوقائي في التّشريع الإسلامي لا يقتصر على تجريم الفعل، بل يمتد إلى إدارة “مقدماته” عبر سدّ الذرائع وتقليل عوامل الاستثارة، وهو ما ينسجم مع التّصور الوقائي للصحة النّفسيّة القائم على منع الاختلال قبل تحوله إلى اضطرابٍ سلوكي أو صراعٍ نفسي داخلي (عبد الوهاب، 2018، ص 955–966؛ جبر، 2024، ص 101–115).

وفي ضوء ما سبق، تشير نتائج المراجعة إلى أنّ الأسرة تمثل الوسيط التّطبيقي المهمّ للوقاية الدِّينيّة، لأنّها الحاضنة الأولى لتكوين الهُويّة النّفسيّة والقيميّة، ولأنها المساحة التي تتشكل فيها أنماط الضبط الذاتي، والحدود النّفسيّة، واستراتيجيّات إدارة الدوافع. وتؤكد الأدبيّات التي جرى تحليلها أنّ ديناميات الأسرة (التّنشئة المتوازنة، الحضور الوالدي الفاعل، الحوار والاحتواء، والضبط القيمي) ترتبط بارتفاع احتمالات التّوافق النّفسي، بينما يرتبط التفكك الأسري أو غياب التوجيه والحوار بزيادة قابليّة الاضطراب النّفسي والسّلوكي، وبظهور صعوبات في بناء الهُويّة والانتماء (بن السايح، 2017، ص 84–107؛ الدليمي، 2019، ص 45–60).

كما تُظهر المراجعة أن الأسس الوقائيّة الإسلاميّة يمكن تلخيصها ضمن محاور وقائيّة كبرى: (1) محور قيمي–روحي يؤسس للرقابة الذاتيّة والحياء والتربية الإيمانيّة، (2) محور سلوكي–تنظيمي لإدارة المثيرات مثل غضّ البصر والاستئذان، (3) محور أسري–تربوي يضبط البيئة المنزليّة ويحمي الخصوصيّة مثل التفريق في المضاجع، و(4) محور مقاصدي يربط هذه الممارسات بالحمايّة النّفسية والاجتماعيّة، وبالتّوازن بين الفطرة ومتطلبات الاستقرار الأسري. وتدل هذه المحاور على أن الوقاية الدِّينيّة ليست خطابًا أخلاقيًا مجردًا، بل منظومة تربوية قابلة للترجمة إلى ممارسات أُسريّة يوميّة تسهم في تعزيز الاتساق الذاتي والتّوافق النّفسي (عبد الوهاب، 2018، ص 960–966؛ التربية الجنسيّة في القرآن والسنة، ص 26، 52).

ومن جهة أخرى، تكشف النّتائج أنّ التّوتر بين بعض الأطروحات النّفسيّة الغربيّة المعاصرة والمرجعيّة الإسلاميّة لا يكمن فقط في اختلاف الأحكام القيميّة، بل في اختلاف “الإطار التّفسيري” لطبيعة السّلوك والهُويّة وحدود الضبط الاجتماعي. وتبيّن المراجعة أن بناء مقاربة علميّة متوازنة في السّياق الثّقافي–الأخلاقي الإسلامي يقتضي التمييز المنهجي بين الإنسان والسّلوك، واعتماد لغة الوقائيّة غير إقصائيّة، وتطوير تدخلات أُسريّة وإرشاديّة تراعي الكرامة الإنسانيّة من دون أن تُفرغ المرجعيّة القيميّة من مضمونها (بريمة، 2020، ص 80–92؛ عيسى، 2020، ص 118–126).

وبناءً على ما تقدم، يمكن الإجابة عن السؤال الإشكالي للمقالة بالقول إنّ الوقاية الدِّينيّة في الإسلام تسهم—عبر الأسرة—في تعزيز التّوافق النّفسي من خلال: بناء الضبط الذاتي والقيمي، إدارة المثيرات، حماية الحدود النّفسيّة داخل المنزل، وتقديم بيئة حوار واحتواء تمنع تحوّل التّوترات المرتبطة بالهُويّة والسّلوك إلى صراعات نفسيّة أو سلوكيّة مزمنة. غير أن فاعليّة هذا الدّور الوقائي تبقى مشروطة بمدى تماسك الأسرة، وكفاءة التنشئة، وقدرة المؤسسات التربوية والإرشاديّة على تقديم دعم مهني متوافق ثقافيًا ودينيًا.

المراجع والمصادر

  • القرآن الكريم
  1. أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، بيروت- لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1410ه – 1990م، ط1،ج1، ص119.
  2. عبد الوهاب، حنان شبانة إبراهيم. (2018). التدابير الوقائية والعلاجية للمجتمع من الشذوذ الجنسي في ضوء القرآن الكريم. مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، (48)، الجزء الأول.
  3. بريمة، علي. (2020). تطور ظاهرة الجنسية المثليّة في المجتمعات الإنسانية. مجلة الدِّراسات والبحوث الاجتماعيّة، 8(العدد الخاص)، 80–92.
  4. بن السايح، مسعودة. (2017). الانحرافات الجنسية لدى الشباب. مجلة تطوير العلوم الاجتماعيّة، 10(3).
  5. جبر، محمد عبد الله جميل. (2024). الدور التربوي المنشود من الأسرة لوقاية الأبناء من الانحراف الجنسي: دراسة الوقائيّة في ضوء تعاليم الإسلام. مجلة الأسرة والمجتمع (Family and Society Journal)، 11(3)، 110-101. https://www.asjp.cerist.dz/en/PresentationRevue/236
  6. عسيري، عبد الرحمن بن محمد. (2025). العوامل المؤثرة في تشكيل الميول والتوجهات الجنسية: دراسة الوقائيّة متعددة الأبعاد. المجلة العربيّة للعلوم الإنسانية والاجتماعيّة (Arab Journal for Humanities and Social Sciences)، (30).
  7. سوماتي، شريفة. (2023). ظاهرة المثليّة الجنسية: التهديد المحدق بكيان الأسرة واستقرارها. مجلة الدِّراسات الاجتماعيّة.
  8. صالح، هدى. (2007). الانحرافات الجنسية لدى الشباب. مخبر استراتيجيات الوقاية ومكافحة المخدرات، جامعة الجلفة، الجزائر.
  9. الشهري، أحمد بن محمد. (2010). الانحراف الجنسي عند البلوغ وعلاقته بالتعرض للاعتداء أثناء الطفولة [رسالة دكتوراه منشورة]. كلية العلوم الاجتماعيّة، جامعة نايف العربيّة للعلوم الأمنية
  10. العصيمي، محمد بن مرزوق. (2010). مكافحة زنا المحارم: دراسة تأصيلية مقارنة تطبيقية [رسالة ماجستير منشورة]. قسم العدالة الجنائية، جامعة نايف العربيّة للعلوم الأمنية [222، 309].
  11. الأسطل، يعقوب يونس. (2011). المشكلات النفس اجتماعية والانحرافات السّلوكية لدى المترددين على مراكز الانترنت بمحافظة خان يونس [رسالة ماجستير منشورة]. كلية التربية، الجامعة الإسلاميّة بغزة
  12. الميزر، هند عقيل. (2013). الجنسية المثليّة: العوامل والآثار. مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعيّة والعلوم الإنسانية، جامعة حلوان، (34)، 2442-2475.
  13. السر، سليمان أحمد محمد. (2007). العوامل الوقائية من الانحرافات الجنسية استنباطاً من قصة يوسف عليه السلام. مجلة الشّريعة للدراسات الإسلاميّة، جامعة الكويت، (22)، 239-336.
  14. بخيت، فاروق عطية يوسف. (2010). التربية الجنسية في ضوء القرآن الكريم والسنة [رسالة ماجستير منشورة]. كلية الدِّراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين.
  15. أوشن، أمين، وعبهد، حياة. (2022). التصورات الاجتماعيّة لظاهرة الجنسية المثليّة لدى الطالب الجامعي: دراسة ميدانية بكلية علم النفس وعلوم التربية جامعة قسنطينة 2. مجلة لابسي (Lapsi)، جامعة قسنطينة 2، (19)، 3-21.

 

[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم علم النّفس

PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of Psychology- Email: Sawsanmahdi123@gmail.com

[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية

Email: fayoub@ ul.edu.lb – Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.