آليات توثيق النّص في المسيحية بين التّقليد والقرار المجمعي: دراسة نقدية بمنهج أسد رستم

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

آليات توثيق النّص في المسيحية بين التّقليد والقرار المجمعي:

 دراسة نقدية بمنهج أسد رستم

Textual Authentication in Christianity between Tradition and Conciliar Authority: A Critical Study in Light of Asad Rustum’s Methodology

Mohyideen Abdullah Kobrosli محيي الدين عبد الله قبرصلي*

تاريخ الإرسال:23-12-2025                         تاريخ القبول:7-1-2025

1 – الملخص                                                           turnit in: 0%

يسلط هذا البحث الضوء على معضلة توثيق النّص المقدس، متقصيًّا أبعادها عبر دراسة نقديّة لآليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي المسيحي، ولا سيما منظومتي «التّقليد» و«القرار المجمعي». ويتخذ البحث قواعد النقد التّاريخي التي وضعها المؤرخ أسد رستم – أو ما نسمّيه «المسطرة الرستميّة» – بوصفها أداة منهجيّة لفحص ومحاكمة موضوعيّة لمسار وصول النّصوص المقدسة في المسيحيّة وغيرها.

وقد أفضت هذه الدّراسة إلى أنّ النّموذج الكنسي قد اعتمد في تثبيت النّصوص القانونيّة على معايير مؤسسيّة ولاهوتيّة لا تخضع بالضّرورة لضوابط الاتصال التّاريخي المباشر ولا لشروط التواتر الإسنادي، بل تقوم على «سلطة المؤسسة الدّينية» والقرار المجمعي بوصفهما بديلاً عن آليات التّوثيق التّاريخي المتصلة؛ الأمر الذي يُبرز فجوة في مستوى «اليقين التّاريخي» أو «اليقين الخبري» عند اختبار هذا المسار بأدوات النّقد التّاريخي الحديثة التي يمثلها أسد رستم، ولا سيما في التّعامل مع الأصول مجهولة الكاتب أو متأخرة التدوين .

الكلمات المفتاحيّة: أسد رستم – التّقليد الكنسي – القرار المجمعي – القانونية – النقد التّاريخي.

 

Abstract:

This study examines the problem of authenticating sacred texts through a critical analysis of the mechanisms by which texts are established within the Christian ecclesiastical tradition, particularly the systems of “Tradition” and “conciliar authority.” The research adopts the historical-critical criteria formulated by the historian Asad Rustum—here termed the Rustumite Criteria—as a methodological tool for the objective evaluation of the transmission process of sacred texts within Christianity and related traditions.

The study concludes that the ecclesiastical model relies in establishing canonical texts on institutional and theological criteria that do not necessarily conform to the requirements of direct historical continuity or to the conditions of connected mass transmission. Instead, it is grounded in institutional authority and conciliar decisions as substitutes for historically connected authentication mechanisms. This methodological structure reveals a gap in the level of historical certainty or attested certainty when assessed through modern historical-critical tools such as those developed by Asad Rustum, particularly in dealing with texts of unknown authorship or those characterized by late documentation .

Keywords: Asad Rustum – Ecclesiastical Tradition – Conciliar Authority – Canonicity – Historical Criticism.

2 – المقدمة

يُعد توثيق النّص الدّيني حجر الزاوية في بناء أي عقيدة، وبقدر ما تتماسك آليات النقل، تكتسب العقيدة موثوقيتها التّاريخية. ومع تصاعد حدة النقد التّاريخي الحديث، اتجهت الدّراسات المعاصرة إلى توسيع أدوات فحص النّصوص المقدسة بما يتجاوز المعايير الإيمانيّة، لتشمل قواعد «الضّبط» و«الاتصال» والتّحقيق التّاريخي. وتهدف هذه الدّراسة إلى فحص البنية المنهجيّة التي حكمت توثيق النّص في التّقليد الكنسي المسيحي، وتحليل آليات «التّقليد» و«القرار المجمعي» بوصفهما الإطار المرجعي المعتمد في تثبيت النّص، وذلك في ضوء قواعد النقد التّاريخي التي أرساها المؤرخ أسد رستم.

3 – إشكاليّة البحث

تكمن إشكاليّة هذا البحث في وجود اختلاف واضح بين القواعد التي يعتمدها النّقد التّاريخي الحديث في توثيق الأخبار – كما صاغها أسد رستم – وبين الطريقة التي تُثبَّت بها النّصوص أو تُدرج في «القانون» في التّقليد الكنسي. ويتمحور البحث حول التّساؤل عن مدى توافق آليات «التّقليد» و«القرار المجمعي» مع هذه القواعد التّاريخيّة، ومدى قدرتها على تحقيق درجة من اليقين التّاريخي عند التّعامل مع نصوص يحيط بها غياب النّسخ الأصليّة أو مجهوليّة بعض مؤلفيها.

4 – أهمّيّة البحث

تنبثق أهمّيّة هذا البحث بسعيه إلى فهم آليات توثيق النّصوص المقدسة في التّقليد الكنسي، ودراستها من زاوية أكاديمية محايدة، وذلك عبر الآتي:

  • اعتماد “المسطرة الرستميّة” كأداة قياس موحدة: توظيف قواعد أسد رستم بوصفها «معيارًا تاريخيًّا عامًّا» يمكن تطبيقه على دراسة نقل النّصوص الدّينيّة، مما يضفي على البحث طابعًا موضوعيًّا ينقل النقاش من الإطار الإيماني إلى الإطار الخبري التّحليلي.
  • دراسة آليات تثبيت النّص ومدى فاعليتها التّاريخيّة: يهدف البحث إلى تحليل الأدوات التي حكمت مسار تثبيت النّص في التّقليد الكنسي، وذلك من خلال عرض منظومتي «التّقليد» و«القرار المجمعي» على المسطرة الخبريّة التّاريخيّة نفسها التي وضعها رستم (العدالة، الضبط، التّواتر، نقد الأصول)، لبيان مدى قدرتها على تحقيق درجة من اليقين التّاريخي وفق معايير النقد التّاريخي الحديث.
  • تجسير الفهم المنهجي: تقديم مقاربة تحليليّة توضّح اختلاف «فلسفة التّوثيق» بين منطق التّوثيق القائم على فحص الرواة والاتصال التّاريخي، وبين منطق التّوثيق القائم على المرجعيّة المؤسسيّة، ومحاكمة هذا الاختلاف في ضوء شروط النّقد العلمي الحديث.

5 – فرضيّة البحث

يفترض البحث أن آليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي تشكّلت بوصفها نظامًا مؤسسيًّا ولاهوتيًّا يهدف إلى حفظ النّص وضبط تداوله داخل الجماعة المؤمنة، وأنّ هذا النّظام – عند اختباره بمعايير النّقد التّاريخي التي وضعها أسد رستم – يكشف تفاوت بين منطق «التّسليم الإيماني» ومنطق «التّوثيق التّاريخي» القائم على الاتصال والضبط، ولا سيما في النّصوص التي يكتنفها تأخر التّدوين أو غياب هُويّة المؤلف الأول.

6 – أهداف البحث

  • تأصيل القواعد النّقديّة التي وضعها أسد رستم بوصفها معيارًا تاريخيًّا لفحص وتوثيق النّصوص الدّينيّة.
  • بيان البنية المنهجيّة التي تحكم تثبيت النّص في التّقليد الكنسي المسيحي.
  • تحليل آليات تثبيت الأسفار في التّقليد الكنسي ومحاكمتها بمسطرة أسد رستم من خلال نماذج دالّة من الإشكالات التّاريخيّة المرتبطة بمجهوليّة المؤلف وتأخر التّدوين وتطوّر النّص.
  • تقديم رؤية نقدية لمفهوم «القانونيّة» والقرار المجمعي في ضوء معايير النقد التّاريخي الحديث.

7 – الدّراسات السّابقة ودور البحث: اعتمد هذا البحث في مادته العلميّة وبنائه المنهجي على مجموعة محدودة ومركزة من المصادر الأكاديميّة، جرى اختيارها لأنّها تمسّ مباشرة موضوع الدّراسة، ويمكن تصنيفها – بحسب طبيعة الإفادة منها – في ثلاثة محاور رئيسة:

أولًا: المحور المنهجي والتّأصيلي

يُعد كتاب «مصطلح التّاريخ» للمؤرخ أسد رستم المرجع الأساس الذي اعتمد عليه هذا البحث في بناء معاييره النقديّة، واستُمدّت منه القواعد التّاريخيّة التي استُخدمت في فحص آليات توثيق النّص في التّقليد الكنسي.

وقد بيّنت الدّراسة أنّ القواعد التي صاغها رستم بلغة النقد التّاريخي الحديث تتقاطع – في جوهرها – مع القواعد المعروفة في علوم الحديث الإسلاميّة، ولا سيما قواعد العدالة والضّبط، وهي قواعد مستقرة في علم الرواية منذ قرون، مما يدل على أنّ المسطرة الرستميّة ليست تصورًا خاصًّا أو اجتهادًا معزولًا، بل تمثل نموذجًا نقديًّا عامًّا يصلح لتقويم أي نص منقول.

ثانيًا: الدّراسات التّاريخيّة والنقديّة للكتاب المقدس

اعتمد البحث بصورة أساسيّة على كتاب بولس الفغالي «مقدمات في الكتاب المقدس» في تتبع تاريخ تدوين الأسفار وإشكاليّات تشكّل النّص. كما استفاد من أعمال صموئيل يوسف وإميل إسحق في القضايا الفنية المتعلقة بالمخطوطات ونقل النّص.

واحتلت كتابات فاضل سيداروس مكانة محوريّة في هذا البحث؛ لما تتضمنه من معالجة لاهوتيّة واضحة لمسألة العلاقة بين الحدث والتّدوين وطبيعة النقل الإنجيلي، وهو ما أتاح الاستناد إلى هذه الرؤية في مقاربة موضوع تثبيت النّص في ضوء منهج أسد رستم.

كما كانت الاستفادة من دراسات سومر (Sommer) و كارسون (Carson) في فهم الإطار اللاهوتي لمفهوم الوحي وسلطة النّص.

ثالثًا: الدراسات القانونيّة والتّقليد الكنسي

كما استند البحث إلى أعمال ف. ف. بروس (Bruce) في عرض تاريخ تقنين أسفار العهد الجديد، وإلى أعمال ج. ن. د. كيلي (Kelly) في بيان دور الكنيسة في تحديد القانونيّة، بالإضافة إلى كتابات متى المسكين حول مفهوم التّقليد الكنسي بوصفه المرجعيّة الأساسيّة في تثبيت النّص.

وقد ساعدت هذه الدّراسات في تكوين صورة عامة عن البنية المؤسسيّة التي حكمت مسار اعتماد الأسفار القانونيّة في المسيحيّة.

دور البحث الحالي

يسعى هذا البحث إلى نقل النّقاش من التركيز على صحّة النّص من الناحية الإيمانيّة إلى دراسة طريقة وصول النّص تاريخيًّا، أي فحص المسار الذي سلكه النّص حتى استقر في صورته القانونيّة المعتمدة.

وينطلق البحث من التّساؤل عن مدى توافق آليات «التّقليد» و«القرار المجمعي» مع معايير التوثيق التّاريخي التي وضعها أسد رستم، وذلك من خلال تحليل طبيعة هذه الآليات ودورها في تثبيت النّصوص القانونيّة.

وتتمثل إضافة البحث فيما يلي:

  1. إبراز أن «القرار المجمعي» و«الضّمانة الروحيّة» شكّلا الإطار الرئيس لتثبيت النّصوص في التّقليد الكنسي.
  2. توضيح الفرق بين اليقين الإيماني المؤسسي واليقين التّاريخي القابل للفحص الأكاديمي.
  3. تقديم معالجة نقدية لآليات تثبيت الأسفار القانونيّة من زاوية تاريخيّة منهجيّة، من دون الدخول في تقويم عقائدي للنصوص نفسها.

8 – منهج البحث: إنّ المنهجية المناسبة لهذا البحث المنهج النقدي التّحليلي، من خلال الخطوات الآتية:

  • شرح قواعد أسد رستم: عرض القواعد التي وضعها المؤرخ أسد رستم في كتاب مصطلح التاريخ، وبيان معاييرها مهمَّة في نقد الرّوايات التّاريخيّة وتتبع طرق نقل الأخبار.
  • تطبيق هذه القواعد على النّموذج الكنسي: دراسة آليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي – ولا سيما مفهومي «التّقليد» و«القرار المجمعي» – في ضوء هذه القواعد، لبيان مدى توافقها مع شروط التوثيق التّاريخي.
  • استخلاص النّتائج: بيان الفروق بين أسلوب التوثيق المعتمد في التّقليد الكنسي، ومتطلبات التّوثيق التّاريخي القابل للفحص الأكاديمي، وبيان أثر ذلك في مستوى اليقين التّاريخي للنصوص القانونية

9 –  حدود الدّراسة: تركّز هذه الدّراسة – في التّطبيق التّفصيلي – على مقاربة النّموذج الكنسي في تثبيت النّصوص القانونيّة في ضوء أركان المسطرة الرستميّة التي وضعها أسد رستم، ولا سيّما ما يتعلّق بآليات «التّقليد» و«القرار المجمعي» بوصفهما الإطار الحاكم لمسار اعتماد الأسفار في المسيحيّة.

أمّا النّموذج الإسلامي، فيقتصر عرضه على تقديمه كنموذجٍ منهجيٍّ مرجعي أشاد به أسد رستم نفسه، لبيان مبادئ الضّبط والاتصال في توثيق الرّواية، واتخاذه إطارًا تُستأنس به المقارنة المنهجيّة، من دون الدّخول في تطبيقات تفصيليّة عليه.

وبذلك تَنحصر حدود الدّراسة في تحليل آليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي من زاوية نقد تاريخي منهجي، من دون الخوض في تقويمات عقديّة أو مفاضلات إيمانيّة بين الأديان.

المبحث الأول: المحددات المنهجيّة لنقد الرواية وتوثيق النّص (مسطرة أسد رستم)

تمهيد: في إشكالية الضبط والاتصال السندي

يُعدّ توثيق النّص المقدّس من أعقد القضايا المعرفيّة في تاريخ الأديان؛ لأنّ الإشكال لا يقتصر على إثبات قِدَم النّصوص أو نسبتها إلى الأنبياء، بل يتجاوز ذلك إلى التحقّق من دقّة نقل المرويات، وكيف وصلت إلينا، ومن الذي كتبها، ومتى كُتبت.

وتبرز الحاجة إلى المنهج النقدي بوضوح عندما تظهر فجوات في هُويّة الكاتب أو في زمن تدوين النّص، وهو ما نلمسه في خاتمة أسفار موسى الخمسة التي تروي خبر وفاة موسى عليه السلام ودفنه، وقد جاء فيها: «فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ… وَدَفَنَهُ فِي الْجِوَاءِ…» (تثنية 34: 5–6).

وهنا يبرز سؤال منهجي واضح: كيف يُنسب هذا النّص إلى موسى، وهو يذكر خبر موته ودفنه؟

وعند الرّجوع إلى التّفاسير الكنسيّة المعتمدة، نجد إقرارًا بهذه الإشكاليّة، وقد قُدّمت عدة تفسيرات لها، من أشهرها أنّ هذا الإصحاح الأخير لم يكتبه موسى، وإنما كتبه – على الأرجح – يشوع بن نون ليختم به الأسفار بقصة وفاة موسى([1]).

وإذا صحّ هذا التّفسير، فإنه يفتح بابًا للتّساؤل: هل يمكن – في المبدأ – أن تكون بعض الآيات أو المقاطع قد أُدرجت في الكتب المقدسة بعد زمن الأنبياء، ولو كان ذلك على يد تلاميذهم أو أتباعهم؟

وهذا التساؤل لا يعني بالضرورة التّشكيك في أصل الرّسالة، لكنّه يدعو إلى النّظر في تاريخ النّص وكيف كُتب وكيف نُقل، وفحص ذلك فحصًا علميًّا دقيقًا .

وأمام هذه الإشكاليّة، تظهر أهمية القواعد المنهجيّة التي وضعها المؤرخ أسد رستم في كتابه مصطلح التّاريخ، إذ إنّ الإقرار بوجود كاتبٍ مكمّل أو محرّرٍ جاء بعد زمن النبي يفتح بابًا علميًّا ضروريًّا لفحص النّصوص المنقولة، والتمييز بين ما يُنسب إلى الوحي الأصلي، وما قد يكون نتيجة تدخل بشري لاحق في الصياغة أو الإضافة.

أولاً: أسبقيّة المنهج الإسلامي في التّأصيل النقدي

يرى أسد رستم (2002) أنّ علماء الدّين المسلمين كانوا أول من وضع قواعد نقد الرّوايات التّاريخيّة، والسبب أنّهم اضطروا إلى ذلك من أجل فهم الوحي وضبط ما يُنسب إلى النبي ﷺ، فانصرفوا إلى جمع الأحاديث ودراستها وتمحيصها، فتُشكل عندهم منهجًا نقديًّا صارمًا ما تزال قواعده الأساسيّة محترمة في الدّراسات التّاريخيّة حتى اليوم (ص 5–6).

ويؤكد رستم أنّ هذه القواعد التي وضعها علماء المسلمين تتفق في جوهرها مع أحدث المناهج البحثية في أوروبا، إذ إنّ أدوات الإسناد، والتمييز بين السند والمتن، وكشف العلل الخفيّة في الرّوايات، تمثل في الحقيقة وسائل نقد علمي متقدمة سبقت بها الحضارةُ الإسلاميّة غيرَها من الحضارات (ص 21). ويرى أنّ تأخر الغرب في تأسيس علم المنهجيّة التّاريخيّة حتى أواخر القرن التّاسع عشر يعود إلى عدم اطلاع مؤرخيهم على مصنفات المحدّثين المسلمين، مؤكدًا أن هذا العلم الذي يفاخر به الغرب اليوم قد نشأ وتكوّن أساسًا في البيئة العلميّة الإسلاميّة (ص 12–13) .

ثانيًا: أركان المسطرة الرستمية الخمسة

لضمان الوصول إلى رواية موثوقة، يشترط رستم منظومة نقدية متكاملة تقوم على خمسة أركان جوهرية:

  1. التّقميش

يرى رستم أن جمع الأصول هو الخطوة الأولى والأساسّية في عمل المؤرخ، منطلقًا من قاعدة أساسيّة وهي أنّه: “إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها”. ولذا، يوجب رستم ضرورة استقصاء كافة الأصول؛ فغاية المؤرخ الوصول للحقيقة، و”الحقيقة هي كلّ الحقيقة، لا بعضها، وهي وحدة تامة لا تتجزأ”. وبناءً عليه، فإنّ أي تقصير في جمع المادة العلميّة يؤدي بالضرورة إلى نقص في بناء الحقيقة التّاريخية (رستم، 2002، ص 14-16).

  1. نقد الأصول

يشترط رستم التّثبت من خلو الأصل من “الدّس والتزوير”، ووجوب “التثبُّت من هوية المؤرخ المجهول وتعيين الزّمان والمكان” (ص 35). ويتساءل رستم استنكارًا: “هل ننقاد إلى نصه وننزل على حكمه . قبل أن نتثبَّت من هُويّة المؤرخ ونتعرف إلى شخصيته ونسبر غوره؟” (ص 35).

  1. تحري اللفظ

يرى رستم أن جمع المادة العلميّة لا يعطيها قيمة تاريخيّة تلقائيّة، بل يجب البدء بالتأكد من “أصالة الأصول” وخلوها من أي “دس أو تزوير” حتى لا يضيع الجهد البحثي في خضم وثائق قد تكون وُضعت للمغالطة أو التّضليل. ويمتد هذا النّقد ليشمل “هُويّة المؤرخ” وتعيين الزّمان والمكان اللذين دوَّن فيهما الخبر. ويرى رستم أنّه لا يصح قبول أي نص أو التّسليم بمضمونه قبل دراسة شخصيّة كاتبه، والتعرّف إلى ميوله ودرجة علمه وقدرته، لأنّ هذه الروايات تمثّل في الغالب المصدر الوحيد لمعرفة أحداث الماضي، وتبقى قيمتها مرتبطة بمدى أمانة الراوي وقربه من الحدث الذي ينقله. (رستم، 2002، ص 23، 34-35).

  1. نقد العدالة يؤسِّس رستم لهذا الركن على رؤية نقديّة صارمة ترى أن «شكَّ المؤرخ رائدُ حكمته»، وأن القاعدة الأصليّة في التّعامل مع الروايات التّاريخيّة هي «الاتهام لا براءة الذّمة». ويهدف نقد العدالة إلى فحص نزاهة الراوي وأمانته من خلال التّحقق من وجود مصلحة شخصية، أو وقوع تحت إكراه، أو انحيازٍ لفئةٍ أو اتجاهٍ معيَّن، محذِّرًا – على وجه الخصوص – من «الأسلوب الأدبي» الذي قد يضحي بالحقيقة التّاريخيّة لصالح الذّوق الفني والميول البلاغيّة (رستم، 2002، ص 72-76).
  2. نقد الضبط

يُعنى هذا الركن بالتّحقق من سلامة أدوات الإدراك لدى الراوي وتوفر «شروط المشاهدة العلميّة» اللازمة لضبط الخبر، مع إيلاء عناية خاصة لأثر الفاصل الزّمني بين وقوع الحدث وتدوينه في قيمة الرواية التّاريخيّة. ويشدّد رستم على معيار «التدوين المتزامن»، إذ يرى أن «الذكريات التي لا تدوّن عادة إلّا بعد مرور الزّمن هي في عرفنا من أضعف الروايات»، نظرًا لتعرض الذاكرة البشريّة للخيانة والخلط بتأثير مرور الزمن والظروف المستجدة التي تلي الحدث (رستم، 2002، ص 78-80).

ثالثاً: المعيار البديل: “التّقليد الكنسي”

في مقابل صرامة “المسطرة الرستميّة” التي تلاحق آحاد الرّواة وتفتش في ضبطهم واتصالهم، اعتمدت المؤسسة المسيحيّة معيارًا مغايرًا تمامًا هو “التّقليد” (Tradition)؛ وهو نظام لا يقوم على “تسلسل السند” بل على “عصمة المؤسسة” . ويمكن تفصيل هذا المعيار البديل في النّقاط الآتية:

  1. مفهوم “التّسليم الحي”

التّقليد بالنسبة إلى الكنيسة ليس مجرد أخبار تاريخيّة، بل هو “تسليم حي” وتواصل وجودي تضمنه الكنيسة عبر الأجيال (المسكين، 1985، ص 7). فالمعيار هنا ليس “من روى عن من؟” بل “ماذا تسلمت الكنيسة كجماعة؟”، إذ يُعتقد أنّ الرّوح القدس هو الضّامن لصحّة النّقل الجماعي، مما يغني – في التّصور الكنسي – عن الحاجة لتمحيص الرّواة الأفراد.

  1. أولويّة الكنيسة على الكتاب

بينما يطلب رستم في منهجه التّاريخي إثبات أصل الوثيقة أولًا، يقرر التّقليد الكنسي أن “الكنيسة سبقت الكتاب” (الفغالي، 2002، ص 21). لأنّ الكنيسة هي التي عاشت الإيمان شفهيًّا لعدة عقود، وهي التي “فرزت” الكتب وأقرت قانونيتها؛ وبالتالي، يستمد النّص سلطته من “موافقة الكنيسة” عليه، لا من إثبات هُويته التّاريخيّة المستقلة.

  1. عصمة النقل الجماعي

اعتمد هذا المعيار على قناعة إيمانيّة مؤسسيّة مفادها أنه «من غير المتصور أن تقع الكنائس قاطبة في خطأ أثناء نقل العقيدة» (Kelly, 1968, p. 41). فالتواتر هنا لا يقوم على تعدد الرواة الأفراد كما هو الحال في منهج النّقد الإسنادي، بل يقوم على ما يمكن تسميته بـ الإجماع الكنسي المؤسسي؛ إذ تضطلع السّلطة الكنسيّة المتمثّلة في المجامع الكنسيّة العامة، وسلطة الأساقفة بدور السند المتصل الذي يُستند إليه في إثبات صحة النّصوص والعقائد. وبناءً على ذلك، يُعدّ صدور قرار كنسي جامع بإقرار قانونيّة سفرٍ ما تعويضًا كافيًا عن مجهوليّة كاتبه أو انقطاع سنده التّاريخي، بوصف أنّ سلطة الكنيسة الجامعة تقوم مقام السند التّاريخي في توثيق النّص واعتماده

  1. التّقليد كشارح وضابط

خلافًا للمنهج الإسلامي الذي يجعل «المتن» خاضعاً لصحة «السند»، يقوم التّقليد في المسيحيّة على جعل «الإيمان المستقر» هو المعيار الأساس للحكم على صحّة النّص. ويرى سيداروس أن الأناجيل لا تُكتب بهدف تسجيل الأحداث كما وقعت حرفيًّا، بل لعرض معناها الدّيني والإيماني؛ فالحدث في نظر الكنيسة لا يُفهم فهمًا صحيحًا إلّا إذا قُرئ في ضوء المعنى اللاهوتي الذي قصده الإنجيليون. ولذلك فإنّ اختلاف روايات الأناجيل للحدث الواحد لا يُعد – من وجهة النّظر الكنسيّة – خللًا تاريخيًّا، بل يُفهم بوصفه تنوّعًا مقصودًا في طريقة عرض المعنى الإيماني الذي تخدم به الكنيسة تعليمها وإيمانها. وبناءً على ذلك، فإن القراءة السائدة في التّقليد الكنسي لا تكتفي بالمعنى الحرفي للنص، بل تتجاوزه إلى المعنى اللاهوتي الذي يُراد ترسيخه لدى المؤمنين (سيداروس، 1990، ص 16–17).

ويُلاحظ أنّ هذا المسلك في توثيق النّص يعتمد – في جوهره – على الإطار الإيماني المؤسسي أكثر من اعتماده على أدوات النقد التّاريخي، الأمر الذي يميّزه عن المقاربة التي تمثّلها مسطرة أسد رستم القائمة على الاتصال السندي والتّحليل التّاريخي للنقل.

المبحث الثاني: معايير قانونية أسفار الكتاب المقدس وإثبات نصوصها

لم يكن تثبيت قانون أسفار العهد الجديد عمليّة عشوائيّة أو خاضعة لأهواء ليتورجيّة، بل جاء ثمرة مسار تاريخي ولاهوتي معقّد، تداخلت فيه عوامل الشّهادة الرّسوليّة، وصحة التعليم، والإجماع الكنسي. ويمكن إجمال هذه المعايير في ستة محاور رئيسة:

أولًا: الأصل الرّسولي: (Apostolicity)

يُعدّ الأصل الرّسولي الأساس الذي بُنيت عليه قانونيّة أسفار العهد الجديد؛ إذ استمدّت هذه الأسفار مكانتها من ارتباطها المباشر بالرّسل. ويشير كيلي إلى أنّ الشّهادة الرّسوليّة كانت القاعدة العقائديّة الأولى في الكنيسة؛ فالمسيح سلّم تعليمه إلى رسله، والرّسل بدورهم نقلوه شفويًّا إلى الجماعات المسيحيّة الأولى قبل أن يُدوَّن في كتب مكتوبة، وهو ما منح هذه الشّهادة قيمتها الخاصة ومكانتها المركزيّة في تثبيت النّصوص.

وبناءً على هذا المبدأ، اعتمدت الكنيسة قاعدة واضحة تقضي بعدم قبول أي كتاب لا يُنسب إلى رسول أو إلى شخص يرتبط به ارتباطًا مباشرًا، مهما كان شائعًا بين المؤمنين أو محل تقدير ديني. ولهذا السبب استُبعدت بعض الكتب مثل «الراعي لهيرماس» و«الدّيداخي»، لعدم توفر هذا الارتباط الرّسولي فيها (Kelly, 1968, pp. 30–34).

ولا يقتصر هذا المفهوم على العهد الجديد وحده، بل له جذور أقدم في التّقليد اليهودي؛ إذ كان يُنظر إلى موسى بوصفه صاحب السّلطة التّشريعيّة المؤسسة، وكانت نسبة التّعليم إليه تُعد ضمانًا لاستمراريّة الإيمان وربطه بالوحي الإلهي الذي أُعلن في سيناء (Sommer, 2015, p. 140).

 

ثانيًا: الاستقامة العقديّة (Orthodoxy)

اشترطت الكنيسة في السفر المقبول أن يكون مضمونه منسجمًا مع ما يُعرف بـ «قاعدة الإيمان» (Regula Fidei)، وهي خلاصة التّعليم الرّسولي الذي تناقلته الكنيسة شفوياً واتخذته معيارًا للحكم على صحّة المعتقد. ويبيّن كيلي أن هذه القاعدة كانت الميزان الذي تُفرز به الكنيسة الكتب المقبولة من غيرها (Kelly, 1968, p. 38).

وقد استُخدم هذا المعيار بصورة واضحة خلال مواجهة الكنيسة للتيارات الغنوصيّة والدّوستية؛ إذ يشير بروس إلى أنّ أي كتاب لا ينسجم مع جوهر الرسالة الرّسوليّة كان يُستبعد، مهما بلغ مدى انتشاره بين المؤمنين (Bruce, 1988, p. 150). وبناءً على ذلك، قُبلت الأسفار التي تحافظ على الشّهادة الرّسوليّة للمسيح بوصفه شخصيّة تاريخيّة مصلوبة وقائمة من بين الأموات، بينما استُبعدت النّصوص التي قدّمت تصورات مختلفة عن هذا الجوهر الإيماني (Bruce, 1988, p. 260).

وفي هذا الإطار، أكّدت الكنيسة أن تفسير الأسفار يجب أن يأتي في ضوء هذا التّقليد المعتمد؛ إذ يقرر كيلي أن الكنيسة – بوصفها وارثة التعليم الرسولي – تمتلك «المفتاح» اللازم لفهم النّصوص فهمًا مستقيمًا، وضمان عدم انحراف تفسيرها عن الإطار العقدي المعتمد (Kelly, 1968, p. 39).

ثالثًا: القبول العام والجامعيّة (Catholicity)

اشترطت الكنيسة في السّفر المقبول أن يحظى باستخدام واسع واعتراف مستمر في معظم الكنائس الرّسوليّة، وهو ما عبّرت عنه بقاعدة: «ما آمن به الجميع، في كلّ مكان، وفي كلّ زمان». ويبيّن بروس أن المقصود بالجامعيّة هو أن يتجاوز قبول السّفر الإطار المحلي أو الإقليمي ليحظى باعتراف الكنائس الكبرى على نطاق واسع (Bruce, 1988, pp. 261–262).

ويقصد بالجامعيّة هنا الشّهادة المشتركة لجماعة المؤمنين المتحدة في الإيمان عبر المكان والزّمان، وهو ما يصفه كيلي بالاعتماد على «الإجماع المسكوني» بوصفه ضمانة تحول دون انحراف الكنيسة نحو تبنّي كتب محدودة الانتشار أو مرتبطة بتيارات خاصة (Kelly, 1968, pp. 49–50).

وقد ظهرت أهمّيّة هذا المعيار في قبول الرّسالة إلى العبرانيين في كنيسة روما، وقد كان ذلك انسجامًا مع إجماع الكنائس الشّرقيّة، وهو مثال يورده بروس للدّلالة على أنّ قانونيّة السّفر لا تستقر إلّا عند تحقق القبول الكنسي الواسع (Bruce, 1988, p. 261).

وفي السّياق نفسه، يوضح الأب متّى المسكين أن هذا القبول لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل تعبيرًا عن وعي كنسي جماعي رأى في هذه الأسفار تعبيرًا عن الإيمان الذي تسلّمته الكنيسة، وأقرّت به بوصفه معيارًا مشتركًا بين المؤمنين (متى المسكين، 1985، ص 28–29).

رابعًا: القِدَم (Antiquity)

اشترطت الكنيسة في السّفر المقبول أن يرجع تأليفه إلى العصر الرّسولي في القرن الأول الميلادي؛ أي إلى المدّة التي عاش فيها الرّسل أو تلاميذهم المباشرون. ويبيّن بروس أن هذا العصر مثّل الحدّ الزمني الفاصل بين الوحي الرسولي وبين ما كُتب لاحقًا من مؤلفات كنسية (Bruce, 1988, p. 259).

وبناءً على هذا المعيار، استُبعدت بعض الكتب على الرّغم من قيمتها الرّوحيّة والتّعليميّة. ومن أمثلة ذلك كتاب «الراعي لهيرماس» الذي لم يُدرج في القوائم الرّسميّة للأسفار القانونيّة، مثل قائمة موراتوري، لأنّ تدوينه حصل في القرن الثاني الميلادي، أي بعد انتهاء عصر الشّهود الأوائل بمدة (Bruce, 1988, p. 166).

ويُفهم من ذلك أنّ هذا التّأخر الزّمني حال دون مساواة هذه المؤلفات بالأسفار الرّسوليّة الأولى التي عُدّت التعبير المباشر عن الإيمان في مرحلته الأولى (Bruce, 1988, p. 259).

خامسًا: الاستخدام الليتورجي التّقليدي (Traditional Use)

احتلّ الاستعمال العبادي المنتظم مكانة مهمّة في مسار اعتماد الأسفار القانونيّة؛ إذ عُدّ استمرار قراءة السفر في الصّلوات والاجتماعات الكنسيّة علامة عملية على قبوله وسلطته داخل الكنيسة. وقد ظهر هذا الأمر منذ المرحلة الأولى للمسيحيّة، وقد جرت المساواة في الاستخدام العبادي بين «مذكرات الرسل» وأسفار الأنبياء. ويذكر الخوري بولس الفغالي أن هذا الاحترام الليتورجي المشترك أسهم في ترسيخ قدسية هذه النّصوص في وعي المؤمنين قبل صدور القرارات المجمعيّة الرّسميّة (الفغالي، 2002، ص 17).

كما تشير الدّراسات النقديّة إلى أنّ البيئة الليتورجيّة لم تكن مجرد إطار للقراءة، بل كانت مجالًا حافظًا للنصوص المتداولة؛ إذ يوضح فاضل سيداروس أنّ الكنيسة كانت تستعيد أقوال المسيح وأعماله في سياق الإفخارستيا وسرّ العماد، مما ساعد على تثبيت هذه النّصوص في الذاكرة الجماعيّة للمؤمنين قبل أن تستقر في صيغها المكتوبة النهائيّة (سيداروس، 1990، ص 25).

وبناءً على هذا الاستعمال العبادي المستقر، جاءت قرارات المجامع لتثبيت واقع قائم داخل الكنيسة، لا لابتكار نصوص جديدة؛ إذ يبيّن بروس أن مجمع لاودكيّة (363م) اعتمد على شيوع القراءة الفعلية للأسفار في الكنائس معياراً عملياً لتحديد حدود القانون وإغلاقه (Bruce, 1988, pp. 259–263).

سادسًا: الإلهام الإلهي (Inspiration)

لم تستخدم الكنيسة مفهوم «الإلهام» بوصفه معيارًا أوليًّا لفحص النّصوص أو أداةً لفرزها في المراحل الأولى، بل عدَّته نتيجة لاهوتيّة لاحقة مترتبة على إقرار القانونيّة. ويؤصل بروس (Bruce, 1988) لهذه الفكرة ببيان أنّ صفة الإلهام لم تكن “الصّكّ” الذي يفتح باب القانون، بل هي الإقرار الذي تمنحه الكنيسة للسّفر بعد ثبوت رسوليته واستقامته، تعليلًا لتميّزه عن بقية الكتابات البشريّة (p. 268).

وتتجلى سلطة النّص – في هذا التّصور – في كونه يمثل الإعلان الإلهي الذي سُلّم للكنيسة وحُفظ في تقليدها عبر الأجيال. ويشير كيلي (Kelly, 1968) إلى أنّ المسيحيّة ورثت هذا المفهوم من التّقليد اليهودي، إذ تؤمن بوجود «ضمانة روحيّة» تجعل الروح القدس المصدر الأعلى والضامن النّهائي لهذه الوديعة (p. 31).

وبناءً على ذلك، اعتمدت الكنيسة ضوابط لتمييز هذا الإلهام وضمان سلامة القراءات؛ إذ يوضح إميل إسحق (1981) أن الفكر الكنسي يربط بين حقيقة الإلهام وبين الاتساق النّصي، فيشترط انسجام السفر مع بقية الأسفار المقدسة وتوافقه مع مقتضيات العقيدة المستقرة (ص 10، 20).

يتبيّن من عرض هذه المعايير الستة أن تقنين أسفار العهد الجديد في التّقليد الكنسي لم يكن عملية عشوائية، بل جرى ضمن منظومة منهجيّة متكاملة اعتمدت عليها الكنيسة في ضبط مصادر الإيمان المعتمدة عندها وحفظها داخل بنيتها المؤسسيّة. كما يظهر أن هذه المعايير تتسم بنوع من الانسجام الداخلي الذي منح النّصوص مكانتها في الوعي الكنسي الجماعي، غير أنّها – في جوهرها، وأولًا وأخيرًا – تقوم على منطق المرجعيّة المؤسسيّة والمجمعيّة  (إن صحّ التّعبير) أكثر من قيامها على منطق التوثيق التّاريخي القائم على تتبّع طرق النّقل وضبط ناقلي الخبر واتصال الرّواية.

ومن هنا يبرز التّساؤل المركزي الذي يتناوله هذا البحث: إلى أيّ مدى يمكن لهذه الآليات المؤسسيّة أن تستوفي شروط النقد التّاريخي الحديث كما صاغها أسد رستم؟ وهل تكفي معايير مثل القرار المجمعي أو الاستعمال الليتورجي لتعويض ما يطلبه المنهج التّاريخي من شروط تتعلق بمعرفة المصادر، واتصال النّقل، وتقارب زمن التدوين من زمن الحدث، للانتقال بالنّص من نطاق القبول الإيماني إلى نطاق اليقين التّاريخي القابل للفحص الأكاديمي؟

المبحث الثالث: محاكمة النّموذج الكتابي أمام مسطرة النقد التّاريخي

تمهيد: النّص بين التوثيق السندي والتسليم المؤسسي

إذا كان المنهج الإسلامي قد اعتمد منظومة الإسناد بوصفها آليّة لضبط نقل الأخبار والتحقق من اتصالها التّاريخي، فإن النموذج الكنسي في المسيحيّة اعتمد منظومة «التّقليد» والمرجعيّة المؤسسية إطارًا أساسيًّا لحفظ النّصوص وتثبيت قانونيتها.

وينطلق هذا المبحث من مقاربة آليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي – ولا سيما مفهومي «التّقليد» و«القرار المجمعي» – في ضوء الرّكائز الأساسيّة التي وضعها أسد رستم للنقد التّاريخي، بهدف تقييم مدى قدرتها على تحقيق شروط التّوثيق التّاريخي وضبط مسار وصول النّصوص القانونيّة، وبيان المسافة المنهجيّة بين منطق المرجعيّة الكنسية ومنطق التوثيق التّاريخي القائم على الاتصال والضبط ونقد الأصول.

أولًا: نقد الأصول وإشكاليّة “مجهولية الكاتب”

يعدُّ رستم (2002) أنّ التثبت من هُوية الكاتب هو شرط لازم قبل “الانقياد للنص” (ص 35). وعند تطبيق هذا الركن على العهد القديم، نجد اصطدامًا بحقيقة “الكاتب المجهول” في قطاع واسع من الأسفار (القضاة، راعوث، أخبار الأيام، أيوب).

وحتى في الأسفار التي تُنسب تقليديًّا إلى الأنبياء، يُقرّ باحثو الكتاب المقدس بوجود تدخلات من «مدارس تحريريّة» متأخرة؛ إذ يؤكد الفغالي (2002) أن سفر «تثنية الاشتراع» بصيغته الحاليّة لم يكتبه موسى بيده، وأنّ خبر وفاة موسى الذي ورد فيه كان مقطعًا مستقلًا أُضيف في مرحلة لاحقة (الفغالي، 2002، ص 35). إنّ هذا الغياب لهُويّة «المؤلف الأول» للنّص – وفق المنظور الرّستمي – يُفضي إلى تعذّر التثبت من «عدالة الكاتب وضبطه»، مما يضع «أصالة الأصل» أمام تساؤلات نقديّة جادة (رستم، ص 23).

ويتأكد هذا المنحى بإقرار سيداروس أن الإنجيليين تعاملوا مع النّصوص «بحُرِّيَّة قد تذهلنا و بحُرِّيَّة قد يستغربها البعض» (سيداروس، 1990، ص 16)، وأشار إلى وجود عدد من المقاطع التي أُضيفت من التلاميذ، كما في الفصل الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا الذي دُوِّن بعد وفاة صاحبه «لتبرير موته، في حين أنه شاع بين الإخوة – خطأ – أنه لن يموت» (سيداروس، 1990، ص 62).

ثانيًا: تحري اللفظ واستحالة الوصول إلى “الأصل المفقود”

يشترط الركن الثالث في المسطرة «سلامة النّصوص من الدّس» ونقل اللفظ كما صدر. إلّا أنّ الواقع البيبلي يقر بوجود مسافة شاسعة بين “الحدث” و”التّدوين النهائي”. يقرر الخوري بولس الفغالي (2002) استحالة الوصول إلى جذور النّص بقوله: “إنّ المسافة بعيدة بين يسوع وبين الذين كتبوا الأناجيل . فهل نأمل أن نصل إلى الكتاب في جذوره؟ هذا مستحيل” (ص 170).

ويتأكد هذا الاضطراب اللفظي عند المقارنة بين النّسخ؛ ففي سفر إرميا، يختلف النّص العبري عن الترجمة السبعينيّة اليونانيّة في الترتيب والمادة، إذ تزيد العبريّة عن اليونانيّة بما يقارب 2700 كلمة (اليسوعيّة، ص 1641). هذا التّفاوت يثبت غياب «الضّبط النّصي» الذي يطالب به النقد التّاريخي الصّارم.

ويشير سيداروس بصعوبة التّحقق اللفظي بقوله: “لا نستطيع، بل لن نستطيع معرفة ما حدث بالفعل والحرف” (سيداروس، 1990، ص 16)، مما يدل على تعذّر الوصول إلى اللفظ الأصلي للحدث؛ إذ يرى أن الإنجيليين لم ينقلوا ما قاله يسوع وفعله «نقلًا حرفيًّا أعمى» (سيداروس، 1990، ص 39).

ثالثًا: اختبار “الضبط” وفجوة التدوين المتأخر

يضع أسد رستم قاعدة منهجية مفادها أن «الذكريات التي لا تُدوَّن إلّا بعد مرور زمن تُعد من أضعف الروايات في الضبط التّاريخي» (رستم، 2002، ص 78). وبالرّجوع إلى الدّراسات الكتابية، يُلاحظ أن الأناجيل تشكّلت في سياق مرحلة شفهيّة استمرت لعدة عقود قبل التدوين، وهو ما يصفه سيداروس بوجود «فجوة» بين المسيح والتّدوين الرّباعي للأناجيل (سيداروس، 1990، ص 5). كما يبيّن أن العهد الجديد يُنظر إليه – في المنهج الكنسي – بوصفه «كتاب إيمان» يتضمن سردًا لوقائع تاريخيّة (سيداروس، 1990، ص 5).

ومن منظور معايير التّوثيق التّاريخي عند أسد رستم، فإنّ طول المدّة بين وقوع الحدث وتدوينه، مع غياب سلسلة نقل متصلة، يثير تساؤلات حول دقّة نقل الروايات الشّفهيّة عبر جيل أو أكثر، بسبب ما قد تتأثر به الذّاكرة من ظروف لاحقة، وهو ما ينعكس على درجة اليقين التّاريخي عند فحص النّص بهذه المعايير (رستم، 2002، ص 78).

رابعًا: معيار «القانونيّة» (القرار المجمعي كبديل للتواتر)

في ظل غياب سلسلة رواة متصلة تحفظ النّصوص على طريقة التّواتر التّاريخي، انتقلت مرجعيّة تثبيت الأسفار في المنظومة المسيحية إلى سلطة الكنيسة، إذ يذكر بروس (Bruce, 1988) أن مجمع هيبو سنة 393م كان على الأرجح أول مجمع كنسي يضع الحدود الرسميّة لقانون الكتاب المقدس، وهو ما يعني أن تحديد «قانونيّة» الأسفار كان عبر قرارات كنسية متأخرة زمنيًّا عن عصر التدوين (p. 232). ويمثّل هذا التحوّل انتقالًا جوهريًّا من الاعتماد على تاريخ نقل النّص واتصاله، إلى الاعتماد على قرار المؤسسة الدّينيّة؛ إذ يؤكد كيلي (Kelly, 1968) أنّ الكنيسة كانت تملك وحدها «المفتاح الأساسي الذي لا غنى عنه» (Indispensable key) لتفسير وتقنين الكتاب المقدس (p. 41).

ويتقاطع هذا مع ما أشار إليه سيداروس (1990) بأنّ الكنيسة ترى في “الروح القدس” الضامن النّهائي والوحيد لصحة كل ما ورد في الأناجيل؛ ولذلك فإنّ معيار القبول لا يقف عند التّحقيق التّاريخي وحده، بل يتعداه إلى اليقين الإيماني بأن الروح هو الذي ألهم الكنيسة فرز هذه الأسفار وإقرارها. ويرى سيداروس أن الضمانة الرّوحيّة تقتضي أن «الأكثر أهمّيّة ليس ما (قاله) يسوع حرفيًّا، بل المعنى الذي (أراد قوله)، وهو ما يضمنه الروح القدس» (سيداروس، 1990، ص 53).

وبناءً على ذلك، حلّ «القرار المجمعي» و«الضمانة الرّوحيّة» محل «الاتصال السندي» و«التواتر التّاريخي»، لتصبح المؤسسة الكنسيّة هي المرجع الأساس في تثبيت النّص وضمان صحته .

 

خلاصة المبحث الثالث

يتبيّن من خلال تطبيق مسطرة أسد رستم للنقد التّاريخي على آليات تثبيت النّص في التّقليد الكنسي أن هناك عددًا من الملاحظات المنهجيّة التي تؤثر في درجة اليقين التّاريخي للنصوص القانونيّة.

فقد أظهرت الدّراسة وجود صعوبة في تحديد هُويّة بعض مؤلفي الأسفار، وتعذّرًا في الوصول إلى النّصوص في صورها الأولى، إضافة إلى وجود فجوة زمنيّة واضحة بين وقوع الأحداث وتدوينها، من دون وجود آلية نقل متصلة تحفظ النّص على طريقة التواتر التّاريخي المنضبط. كما تبيّن أن تثبيت قانونية الأسفار اعتمد أساسًا على المرجعيّة الكنسيّة والقرارات المجمعيّة، بوصفها الإطار الذي حسم قبول النّصوص وتثبيتها.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ منظومة القبول الكنسي قد نجحت في ترسيخ يقين إيماني مستقر داخل الكنيسة، غير أنّ هذا اليقين يختلف عن اليقين التّاريخي الذي تشترطه مسطرة أسد رستم، لكونه يقوم على المرجعيّة المؤسسيّة أكثر من قيامه على آليات النقل التّاريخي المباشر.

الخاتمة والنتائج

وكاستنتاج عام، يمكننا استخلاص النتائج الجوهريّة التي تلخص الفرق بين المدرستين في الجدول الآتي، ثم نفصلها في نقاط لاحقة:

وجه المقارنة نموذج النقد التّاريخي (أسد رستم) نموذج التّقليد الكنسي (المسيحية)
مرجع التوثيق اتصال الرواة، الضبط الفردي، ونقد الأصول. سلطة المؤسسة، التّقليد الرسولي، والقرار المجمعي.
ضمانة النّص التواتر الإسنادي والتحقق الخبري المحسوس. الضمانة الروحية (عمل الروح القدس في الكنيسة).
الهدف من النّص نقل الحدث التّاريخي وضبط وقائعه حرفياً. حفظ الوديعة الإيمانية وعرض المعنى اللاهوتي.
نوع اليقين يقين خبري/تاريخي قائم على الاستقراء. يقين إيماني/مؤسسي قائم على التسليم.

أولًا: تبيّن من خلال البحث أن إشكاليّة ثبوت النّص لا تُحل بمجرد التّسليم الإيماني المحض، بل تُحسم بالمحاكمة التّاريخيّة العلميّة التي لا تحابي معتقداً على آخر، فالنّص الذي يفتقر إلى سلسلة رواة معروفة ومتصلة يظل – من الناحية العلميّة – نصًّا ظنيًّا تستمد “قانونيته” من قرار المؤسسة الدّينيّة، في حين يبقى النّص الذي نُقل بسند متصل ومتواتر هو الوحيد القادر على الصمود أمام أدوات النقد التّاريخي الحديثة بوصفه حقيقة موضوعيّة يمكن التّحقق منها.

ثانيًا: إن الخلاف في التّوثيق بين المدرستين الإسلاميّة والمسيحيّة ليس خلافًا في بعض التّفاصيل التّقنيّة المتعلقة بإثبات النّصوص المقدسة، بل هو اختلاف في «فلسفة التوثيق» نفسها؛ إذ يقوم النّموذج الكنسي على ما يمكن أن نسميه «القرار المؤسسي المجمعي» الذي يمنح معتنقيه «اليقين الإيماني» بناءً على ثقتهم في عصمة الجماعة، بينما يقوم النموذج الإسلامي – إضافةً إلى الإيمان – على اتصال الخبر من خلال «الإسناد الفردي» الذي يحقق «اليقين التّاريخي» بناءً على ضبط الرّواة واتصالهم والتحقق من حالهم .

ثالثًا: ومما توصلت إليه الدّراسة أن تعويض مجهوليّة الكاتب بالرجوع إلى سلطة الكنيسة يمثّل معالجة لاهوتيّة تتسق مع الرؤية الإيمانيّة الدّاخليّة، غير أنّ هذا المسلك لا ينسجم تمامًا مع معايير النّقد التّاريخي الصارم التي أرساها أسد رستم والتي تشترط معرفة الرواة وطبقاتهم وضبطهم بوصف ذلك شرطًا أساسيًّا للانتقال بالخبر من دائرة الاحتمال إلى دائرة اليقين.

توصيات الباحث:

  1. تعميم «المسطرة الرستميّة»: تفعيل القواعد النّقديّة التي وضعها أسد رستم في مصطلح التّاريخ بوصفها معيارًا منهجيًّا موحّدًا في الدّراسات المقارنة، بما يعزّز نقل النّقاش إلى مستوى الفحص التّوثيقي القابل للقياس والتحقق.
  2. تعميق الدّراسات البينيّة: تشجيع الباحثين في أقسام الدّراسات الإسلاميّة على التّوسع في دراسة “تاريخ تدوين” الكتب المقدسة بالاعتماد على المصادر الكنسيّة النقديّة (مثل أعمال سيداروس والفغالي)، دعمًا لركن نقد الأصول عبر الاستناد إلى أدبيات المدرسة المختصة نفسها.
  3. التّمييز بين مستويات اليقين: تأكيد ضرورة تفريق الدّراسات الأكاديميّة بين «اليقين التّاريخي» القائم على الاتصال السندي المحسوس، و«اليقين الإيماني» القائم على التّسليم المؤسسي، لضبط المصطلحات وتجنب خلط المناهج.
  4. تحقيق المخطوطات والتّكامل المنهجي: دعوة المؤسسات الأكاديميّة إلى دعم الدّراسات المقارنة التي تربط بين «علم الجرح والتعديل» و«النقد النّصي»، بما يسهم في فهم أدق لآليات صيانة النّصوص الدّينية عبر التاريخ.

المصادر والمراجع

أولاً: المراجع العربيّة

  • إسحق، إميل. (2006م). مخطوطات الكتاب المقدس بلغاتها الأصلية (ط2). القاهرة: مكتبة المحبة.
  • أبو زهرة، محمد بن أحمد. (1381هـ/1966م). محاضرات في النّصرانية. القاهرة: دار الفكر العربي.
  • رستم، أسد. (2002م/1423هـ). مصطلح التاريخ (ط1). صيدا – بيروت: المكتبة العصرية.
  • سيداروس، ف. (1990). دراسات في الكتاب المقدس: تكوين الأناجيل (ط. 1). بيروت: دار المشرق.
  • الغزاوي، سناء حسين. (د.ت). علم نقد الكتاب المقدس وأثره في الدّراسات الاستشراقية للقرآن الكريم. بحث مقدم لجامعة اليرموك.
  • الفغالي، بولس وآخرون. (2002م). مقدمات في الكتاب المقدس (ط1). بيروت: الرابطة الكتابية.
  • القاضي عياض، عياض بن موسى. (1379هـ/1960م). الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (تحقيق السيد أحمد صقر، ط1). القاهرة: دار التراث.
  • الكتاب المقدس. (1994م). الترجمة الكاثوليكية (اليسوعية) (ط3). بيروت: دار المشرق.
  • المسكين، القمص متى. (1985م). التّقليد وأهميته في الإيمان المسيحي (ط2). وادي النطرون: دير القديس أنبا مقار.
  • يوسف، صموئيل. (2005م). المدخل إلى العهد القديم (ط2). القاهرة: دار الثقافة.

ثانياً: المراجع الأجنبية

-11Bruce, F. F. (1988). The Canon of Scripture. Downers Grove, IL: InterVarsity Press.

-12Kelly, J. N. D. (1968). Early Christian Doctrines (4th revised ed.). London: Adam & Charles Black.

-13Sommer, Benjamin D. (2015). Revelation and Authority: Sinai in Jewish Scripture and Tradition. New Haven: Yale University Press.

*  طالب دكتوراه في قسم الدّراسات الإسلاميّة، كلية الدّعوة الجامعيّة – بيروت – لبنان

. PhD Candidate, Department of Islamic Studies University College of Da’wah – Beirut – Lebanon. E-mail: mohyodeen@gmail.com

[1]– انظر: القمص أنطونيوس فكري، تفسير سفر التثنية، الإصحاح الرابع والثلاثون، مادة منشورة على موقع الأنبا تكلا هيمانوت (st-takla.org)، متاح على الرابط:

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/05-Sefr-El-Tathneya/Tafseer-Sefr-El-Tathnia__01-Chapter-34.html

(تاريخ الزيارة: 25/12/2025م)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.