اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
المقاومة هي خيار حضاري في العالم الإسلامي المعاصر
Resistance is a civilizational option in the contemporary Islamic world.
Dr. Haifa Suleiman Al-Imam د. هيفاء سليمان الإمام([1])
تاريخ الإرسال:10-1-2026 تاريخ القبول:7-2-2026
الملخص turnitin:8%
تبحث هذه الدّراسة في مفهوم المقاومة بوصفها خيارًا حضاريًا شاملًا في العالم الإسلامي المعاصر، يتجاوز البعد العسكري أو السياسي، ليشمل الأبعاد الفكريّة والشّعوب والاجتماعيّة. فالمقاومة ليست مجرّد ردّ فعل على الاستعمار أو الهيمنة، بل هي مشروع تحرري يسعى إلى استعادة الهُويّة وبناء الذّات ومواجهة التّبعيّة. يتناول البحث الإطار النّظري للمقاومة في الفكر الإسلامي، ويحلّل تطورها في ظل التّحديات العالميّة، كما يعرض نماذج معاصرة لحركات مقاومة وظّفت الثقافة والوعي سبيلًا للتّحرير. يعتمد البحث على المنهج التّحليلي والنّقدي، ويركز على إبراز دور المقاومة في إحياء المشروع الحضاري الإسلامي، وفي ترسيخ قيم العدالة والحّريّة والكرامة. ويخلص إلى أنّ المقاومة، بصيغها المختلفة، تشكل مدخلًا ضروريًا لكل نهضة حضارية شاملة.
الكلمات المفاتيح: مقاومة- خيار- نهضة- صمود –إبداع.
Abstract
This research explores the concept of resistance as a comprehensive civilizational choice in the contemporary Islamic world. It transcends the purely military or political dimensions to include intellectual, cultural, and social aspects. Resistance is not merely a reaction to colonialism or domination, but rather a liberating project aimed at reclaiming identity, building self-awareness, and confronting dependency. The study outlines the theoretical framework of resistance in Islamic thought and analyzes its evolution in response to global challenges. It also examines contemporary models of resistance that utilize culture and awareness as tools for liberation. Adopting analytical and critical methods, the research highlights the role of resistance in reviving the Islamic civilizational project and reinforcing the values of justice, freedom, and dignity. The study concludes that resistance, in its various forms, is essential for any comprehensive civilizational renaissance.
Keywords: resistance – choice – renaissance – resilience – creativity.

المقدمة
يواجه العالمين العربي والإسلامي في العصر الحديث جملة من التّحديات المعقدة والمركّبة، تتوزّع بين الغزو الثقافي، والتبعيّة الاقتصاديّة، والتّجزئة السياسيّة، والهيمنة العسكريّة. وفي ظل هذا الواقع المضطرب، تبرز المقاومة ليس بوصفها خيارًا تكتيكيًا عابرًا، بل بوصفها ضرورة استراتيجيّة وتاريخيّة لاستعادة الدّور الحضاري للأمة.
إنّ الحديث عن “استئناف السّير نحو الحضارة الإسلاميّة” لا يمكن فصله عن مفهوم “المقاومة”، لما ينطوي عليه هذا المفهوم من صمود فكري، ونضال سياسي، وإبداع ثقافي، وتحرّر اقتصادي. فالمقاومة ليست مجرد رد فعل ظرفي زمني ومكاني على العدوان الخارجي، بل هي مشروع شامل يتكامل مع رؤية حضاريّة قائمة على التّغيير والإصلاح.
فالأمة الإسلاميّة تعيش اليوم لحظة مفصليّة في تاريخها الحديث، لحظة تتقاطع فيها قوى الاستعمار الجديد، وسطوة العولمة بقطبها الأوحد الشّرس، ومحاولات طمس الهُويّة، مع حركات ناشئة في التّحرّر والتّجديد والبناء الحضاري. ويأتي مفهوم المقاومة في هذا السّياق كأداة استراتيجيّة متعددة الأبعاد، تتجاوز الإطار العسكري لتشمل البعد الثقافي والفكري، والاقتصادي، والتّربوي، بوصفها روافع أساسيّة لمشروع نهضوي يعيد تشكيل الواقع الإسلامي وفق القيم القرآنيّة والسّنن الكونيّة.
بهذا المعنى، تُعدّ المقاومة نواة مركزيّة في استراتيجيّة النّهوض الحضاري، فهي التي تُهيّئ الوعي الجمعي، وتُعبّئ الطاقات، وتُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان المسلم وتاريخه، وبين الأمة ومكانتها الحضاريّة في العالم.
إشكاليّة البحث: تطرح المقاومة نفسها بوصفها خيارًا حضاريًا يتجاوز المفهوم العسكري أو السياسي الضيق، ليُعبّر عن رؤية شاملة تسعى إلى التّحرر، وبناء الذّات، وتحقيق العدالة، وصون الكرامة. ومن هنا، تتمثل إشكاليّة هذا البحث في السّؤال الآتي: كيف تُشكّل المقاومة خيارًا حضاريًا في العالم الإسلامي المعاصر؟ ويتفرّع عن هذه الإشكاليّة عدد من التّساؤلات الفرعيّة الآتية:
- ما هي الأبعاد الفكريّة والحضاريّة لمفهوم المقاومة في الإسلام؟
- كيف تطورت استراتيجيّات المقاومة من المواجهة العسكريّة إلى النّضال الثّقافي والمعرفي والسياسي؟
- ما هو أثر المقاومة في بناء الوعي الحضاري لدى المجتمعات الإسلاميّة؟
- ما التحديات التي تواجه هذا الخيار الحضاري في ظل العولمة والتّبعيّة؟
منهجيّة البحث: يعتمد هذا البحث على المنهج التّحليلي النقدي، مع توظيف المنهج التّاريخي لفهم تطور مفهوم المقاومة في السّياق الإسلامي، والمنهج الوصفـي لرصد أبرز النّماذج والظواهر المعاصرة التي تعكس تجلّيات هذا الخيار الحضاري.
أهمية البحث: تبرز أهمية هذا البحث من خلال النقاط الآتية:
- كشف البعد الحضاري للمقاومة بوصفها ممارسة شاملة تتصل ببناء الوعي والهُويّة والذّات، لا مجرد رد فعل عسكري أو سياسي.
- إعادة تأصيل مفهوم المقاومة ضمن المرجعية الإسلاميّة، بما يواكب التّحديات المعاصرة.
- إبراز أدوار المقاومة الفكريّة والشّعوب في مواجهة التّبعيّة والتّغريب، وتأكيد قدرة الأمة الإسلاميّة على التجدّد الحضاري.
- الإسهام العلمي في ميدان الدّراسات الحضاريّة والإسلاميّة من خلال تقديم مقاربة شموليّة للمقاومة في ضوء مفاهيم النّهضة والتّحرير والكرامة.
أهداف البحث:يسعى هذا البحث إلى:
- تحليل مفهوم المقاومة في الإسلام من منظور حضاري شامل.
- تسليط الضوء على استراتيجيّات المقاومة في العالم الإسلامي المعاصر، لا سيما تلك التي تمزج بين البُعدين الفكري والسياسي.
- استكشاف العلاقة بين المقاومة والهُويّة الحضاريّة الإسلاميّة.
- اقتراح ملامح مشروع حضاري مقاوم يمكن أن يشكل أساسًا للنهضة الشّاملة في المجتمعات الإسلاميّة.
الفصل الأول: مفهوم المقاومة في الفكر الإسلامي
يُعدّ مفهوم المقاومة من المفاهيم المركزيّة في الفكر الإسلامي، إذ يشكّل امتدادًا طبيعيًا لمنظومة القيم القرآنيّة التي تُعلي من شأن الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان. والمقاومة في هذا السّياق لا تُختزل في بعدها العسكري فحسب، بل هي مفهوم شامل ومركّب يتضمن أبعادًا روحيّة وفكريّة وثقافيّة وسياسيّة، ويعكس موقف الإسلام من الظلم والاستبداد والاستعمار بأشكاله كافة.
وقد أسس القرآن لمفهوم “التّحرر من الاستعباد” كقيمة أساسيّة في بناء الحضارة، ما يجعل المقاومة سبيلًا للنّهضة لا غايةً عسكريّة فقط([2]). ومن المنظور القرآني، تُعدّ المقاومة واجبًا شرعيًا في مواجهة الطّغيان والعدوان، وقد قرّر القرآن الكريم قاعدة أصيلة في هذا المجال، تتمثل في قوله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنّساء والولدان﴾ [النساء: 75]،
وهي آية تربط بين الدفاع عن الحقّ ونصرة المستضعفين بوصفهما جوهرًا لمفهوم الجهاد والمقاومة.
في الفكر السياسي الإسلامي، تُفهم المقاومة على أنها جزء من فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهي بذلك تُعبّر عن رفض للواقع الفاسد، وسعي دائم إلى تغييره بما يتفق مع مقاصد الشّريعة. وقد شدّد علماء المسلمين على أنّ مقاومة الظلم واجبة متى ما تعذر الإصلاح السلمي، كما ذهب إلى ذلك الإمام الجويني والعزّ بن عبد السّلام ([3]) .
وتُعدّ الحرية في الفكر الإسلامي هدفًا من أهداف المقاومة، لأنّ الإسلام لا يعترف بعبوديّة الإنسان لغير الله. وقد رسّخ النبي محمد ﷺ هذا المعنى في دعوته، إذ قال: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.
كما يرى مالك بن نبي أنّ المقاومة ليست مجرد رد فعل، بل هي فعل حضاري، يبدأ من تحرير العقل المسلم من التبعيّة، واستعادة فاعليته في بناء مشروع حضاري متكامل. فالمقاومة عنده هي مقاومة “القابليّة للاستعمار”، وهي مقدمة ضروريّة للتّحرر الشّامل السياسي والثقافي والفكري ([4]) .
ولذلك، فمفهوم المقاومة في الفكر الإسلامي يتجاوز الطّابع الظرفي أو العنيف، ليصبح استراتيجيّة دائمة للتحرر، وبناء الذات، واستعادة الدور الحضاري للأمة الإسلاميّة في التاريخ.
1- المقاومة والتحرّر من التبعيّة الشّعوب والفكريّة: لقد شكّلت الحقبة الاستعماريّة مدخلًا لتفكيك البنية الشّعوب للعالم الإسلامي، من خلال فرض نماذج معرفيّة وأنماط سلوكيّة مستوردة من الغرب، سعت إلى طمس الهُويّة الإسلاميّة، وتقزيم مكانة اللغة العربيّة، وتهميش التّراث الدّيني والفكري للأمة. ولم تكن الهيمنة الشّعوب مجرد أثر جانبي للاحتلال، بل كانت أداة ناعمة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي، وإقصاء المرجعيّات الإسلاميّة من المجال العام([5]).
في مواجهة هذا الواقع، برزت المقاومة الشّعوب والفكريّة بوصفها خيارًا استراتيجيًا لإحياء الهُويّة الحضاريّة الإسلاميّة، من خلال إعادة الاعتبار للغة العربيّة، واستنهاض مؤسسات التّعليم التّقليدي، ورفدها بالمناهج المعاصرة التي تتأسس على منظومة القيم القرآنيّة والنّبويّة. كما تُسهم هذه المقاومة في بناء خطاب فكري وإعلامي يتجاوز التبعيّة، ويؤسّس لنهضة فكريّة نابعة من الذّات الحضاريّة للأمة([6]).
وتُعدّ حركة الاجتهاد المعاصر من أبرز تجليّات هذه المقاومة؛ إذ تهدف إلى تفعيل النّصوص الشّرعيّة في ضوء الواقع المتغير، بما يُمكّن من استئناف الفعل الحضاري الإسلامي بطريقة متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة([7]). كما أن مراجعة مناهج التّعليم، وتحرير الخطاب الدّيني من الجمود، وإعادة إنتاج العلوم الإسلاميّة بلغة العصر، تُعدّ مداخل مركزيّة في مقاومة التّبعيّة الشّعوب، وبناء عقل نقدي إسلامي قادر على التّعامل مع التّحديّات العالميّة بروح إبداعية ومستنيرة([8]).
إنَّ بناء الحضارة الإسلاميّة في العصر الحديث يمرّ حتمًا عبر تحرير الوعي من أنماط التفكير المستوردة، وتفكيك الخطاب التغريبي، وإعادة توجيه الثقافة الإسلاميّة نحو الإبداع لا الاستهلاك، ونحو التفاعل لا الانبهار، وهو ما يجعل المقاومة الشّعوب والفكريّة ([9]).
- المقاومة السياسيّة والتّحرر من الهيمنة: أدى تفكك العالم الإسلامي إلى سيطرة قوى أجنبيّة على قراره السياسي، وتحكمها بمقدّراته الاستراتيجيّة.
وتتمثل المقاومة هنا في دعم الحركات التّحرّرية، وتعزيز السيادة الوطنيّة، ورفض التّبعيّة للمنظمات الدّوليّة التي لا تراعي مصالح الشعوب الإسلاميّة ([10]) .
فالتّحرر السياسي شرط ضروري لبناء أي مشروع حضاري مستقل، لأنّ القرار الحرّ هو الأساس في توجيه الموارد وإرساء قيم العدل.
والمقاومة السياسيّة شكّلت إحدى الركائز الأساسية في نضال الشعوب الإسلاميّة للتحرّر من الاستعمار والهيمنة الغربية، خاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد اتخذت هذه المقاومة أشكالًا متعددة، شملت النضال الدبلوماسي، وتأسيس الحركات الوطنية، وتفعيل الخطاب السياسي المناهض للاستعمار، بهدف استرجاع السيادة الوطنية وتأكيد استقلال القرار السياسي.
أدركت القوى الاستعمارية أنّ السيطرة العسكرية وحدها غير كافية لإدامة هيمنتها، فسعت إلى فرض نماذج من الحكم “الوكيل”، عبر أنظمة تابعة سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا. وقد واجهت المجتمعات الإسلاميّة هذا النوع من السّيطرة عبر تنمية وعي سياسي مضاد، تمثّل في الحركات الإصلاحيّة والسياسيّة، كحركة جمال الدّين الأفغاني ومحمد عبده، اللتين دعتا إلى يقظة الأمة الإسلاميّة والتّحرّر من الاستبداد الدّاخلي والهيمنة الأجنبيّة في آن واحد([11]).
برزت المقاومة السياسيّة أيضًا في الأطر الدّستوريّة والبرلمانيّة التي طالبت بها الشّعوب، كما في الثّورة الدّستوريّة الإيرانيّة (1905–1911)، والثّورة العرابيّة في مصر (1881)، وقد شكّل النضال من أجل حكم تمثيلي ومؤسسات وطنية أحد أبرز وجوه التحرّر من السيطرة الأجنبيّة([12]). كما أدّت الأحزاب الوطنيّة والقوميّة، في منتصف القرن العشرين، دورًا محوريًا في قيادة حركات التحرّر، مثل حزب الاستقلال في المغرب، وجبهة التّحرير الوطني في الجزائر، وحزب البعث في المشرق العربي([13])³.
إنّ المقاومة السياسيّة لم تقتصر على الدّول التي خضعت للاستعمار المباشر، بل شملت أيضًا مقاومة التّبعيّة في الأنظمة “الاستقلاليّة الشّكليّة” التي ظلّت رهينة للمصالح الغربيّة من خلال التّبعيّة الاقتصاديّة أو النّفوذ الدّبلوماسي. من هنا، نشأت مشاريع سياسية بديلة، كفكرة “الحياد الإيجابي” و”عدم الانحياز” التي تبنّتها العديد من الدّول الإسلاميّة بعد الاستقلال، سعيًا نحو تأكيد استقلال القرار السياسي، وتحقيق شكل من أشكال التّوازن في العلاقات الدّوليّة([14]).
وفي السّياق المعاصر، عادت المقاومة السياسيّة لتأخذ أبعادًا جديدة، عبر رفض التّطبيع مع الكيان الصّهيوني، أو التّصدي للتدخلات الأجنبيّة، كما في مواقف بعض الحركات الإسلاميّة أو الوطنيّة التي تطالب بإنهاء التّبعيّة للمحاور الدّوليّة الكبرى. وهذا يؤكد استمرار جدليّة المقاومة والتحرّر في الفكر السياسي الإسلامي كإحدى أدوات الحفاظ على الهُويّة والسّيادة.
- المقاومة الاقتصاديّة وبناء الكفاية الذّاتية
إن الاقتصاد المستقل هو العمود الفقري للحضارة. ولهذا، فإنّ مقاومة التبعيّة الاقتصاديّة عبر بناء اقتصاد إسلامي قائم على مبادئ الشّورى والعدالة والتكافل هو جزء من استراتيجيّة النّهضة.
وتشمل هذه المقاومة دعم الإنتاج المحلي، وتطوير الصّناعات، ومقاومة الفساد المالي، وإنشاء مؤسسات تمويل إسلاميّة حقيقيّة تحقق التنمية المجتمعيّة ([15]).
والمقاومة الاقتصاديّة تعني بناء نماذج اقتصاديّة بديلة تقوم على مبادئ الاقتصاد الإسلامي: كالزكاة، الوقف، التّمويل الإسلامي، والتكافل. وهي أداة استراتيجيّة للتّحرر من التبعيّة العالميّة ([16]) .
تمثّل المقاومة الاقتصاديّة أحد أعمدة التحرّر في المجتمعات الإسلاميّة السّاعية إلى استعادة سيادتها، والخروج من دوائر التّبعيّة للنّظام الاقتصادي العالمي الذي تُهيمن عليه القوى الغربيّة. ويُعدّ تحقيق الكفاية الذّاتيّة في الغذاء والطّاقة والصّناعة أساسًا لبناء استقلال القرار السياسي وتعزيز القدرة على الصّمود أمام الضّغوط الخارجيّة.
لقد أدرك المفكرون المسلمون منذ أوائل القرن العشرين أنّ السيطرة الغربيّة لا تقوم فقط على الاحتلال العسكري أو النّفوذ الثّقافي، بل تعتمد أيضًا على فرض نمط اقتصادي استهلاكي يضعف الإنتاج المحلي، ويكرّس التّبعيّة لاقتصاد السّوق العالمي. لذلك، دعا كثير منهم إلى دعم الإنتاج الوطني ومقاطعة البضائع الأجنبيّة، كما برزت دعوات لتأسيس اقتصاد إسلامي مستقل، يقوم على مبادئ العدالة والتّكافل والتّوزيع العادل للثروات([17]).
من الأمثلة التّاريخيّة على هذه المقاومة، حركة غاندي في الهند والتي ألهمت كثيرًا من الحركات الإسلاميّة لمقاطعة المنتجات الاستعماريّة وتشجيع الصّناعة الوطنية، كما ظهر في مصر خلال ثورة 1919 التي شهدت حملات لمقاطعة البضائع البريطانيّة وإنشاء شركات وطنية([18]). كما حاولت دول الاستقلال في خمسينيات وستينيات القرن العشرين تبنّي سياسات إحلال الواردات، وبناء قاعدة إنتاجيّة محليّة تقلل الاعتماد على الخارج، خاصة في الدّول العربيّة والإسلاميّة التي تبنّت نماذج التنمية الاشتراكيّة أو المختلطة([19]).
وفي السّياق الإسلامي المعاصر، يُعد مفهوم التّمكين الاقتصادي للأمة أحد الرّكائز الأساسيّة في فكر الحركات الإسلاميّة التي تدعو إلى إقامة نظام اقتصادي إسلامي بديل. وتُطرح مشاريع مثل البنوك الإسلاميّة، وصناديق الزكاة، والتّمويل الأصغر كوسائل لتحقيق استقلال اقتصادي حقيقي، يعزّز مناعة المجتمعات في وجه التبعيّة للمؤسسات الماليّة الدّوليّة مثل صندوق النّقد الدّولي أو البنك الدّولي.
كما أنّ التّجارب الاقتصاديّة في بعض الدّول الإسلاميّة، مثل تركيا وماليزيا، قدّمت نماذج لمحاولات تحقيق نهضة اقتصاديّة متوازنة تقوم على دعم الإنتاج المحلي، والاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز التّجارة البينيّة بين دول الجنوب. وترتبط هذه الجهود برؤية استراتيجيّة تسعى إلى بناء ما يُعرف بـ”الاقتصاد المقاوم”، وهو مفهوم يتبنّاه عدد من المفكرين المعاصرين بوصفه طريقًا لتحقيق السيادة([20]).
إنّ المقاومة الاقتصادية لا تكتمل دون إصلاح في السياسات التّعليميّة والشّعوب، إذ لا بدّ من بناء عقل اقتصادي منتج، قادر على الابتكار وتحويل الموارد إلى فرص تنموية حقيقيّة، ضمن مشروع حضاري إسلامي متكامل، يتجاوز الاستهلاك والتبعيّة، نحو الكفاية، فالاكتفاء، فالتّصدير والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي بشروط عادلة.
الفصل الثاني : الجهاد والمقاومة بمعناهما الحضاري
يُعدّ الجهاد والمقاومة من المفاهيم المركزيّة في البناء الفكري والروحي للحضارة الإسلاميّة، غير أنّ إسقاطاتهما في الخطاب الحديث كثيرًا ما شُوّهت أو أُفرغت من مضامينها القيميّة، فاقتُصرت على المعاني العسكريّة فحسب. بينما في الحقيقة، يحمل هذان المفهومان بعدًا حضاريًا واسعًا يتجاوز حدود المواجهة المسلّحة إلى فضاءات أرحب تشمل الإصلاح، والتّحرير، وبناء الوعي، واستعادة الذّات الحضاريّة.
أولًا: الجهاد كمنظومة حضاريّة
إنّ الجهاد في المفهوم الإسلامي لا يقتصر على القتال، بل هو بذل الوسع في مختلف ميادين الخير من أجل نصرة الحق وإعلاء القيم. وقد دلّت النّصوص الشّرعيّة والسّيرة النّبويّة على تنوّع صور الجهاد والتي تشمل:
- الجهاد الفكري والعلمي: عبر مقارعة الجهل ونشر العلم، والرد على الشبهات الفكرية، والدفاع عن العقيدة بالحجة والبرهان. وقد اعتبر العلماء أنّ الجهاد بالقلم والكلمة من أرفع مراتب الجهاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]، أي جاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا([21]).
- الجهاد الأخلاقي والتربوي: من خلال تهذيب النفس ومقاومة الهوى، ويُعرف هذا في التراث الإسلامي بـ”الجهاد الأكبر”، كما ورد في حديث منسوب -وإن كان ضعيف الإسناد- إلى النبي ﷺ: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، أي جهاد النّفس([22]).
- الجهاد السياسي والاجتماعي: السّعي لإقامة العدل، ومقاومة الفساد، وتحرير الإرادة من التّبعيّة، وبناء مؤسسات تنطلق من قيم الأمة.
- الجهاد القتالي: وهو مشروعٌ ضمن ضوابط دقيقة، يُمارس عند الضرورة للدّفاع عن الدين والكرامة والوطن، دون اعتداء أو ظلم، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190].
فالجهاد، وفق هذا التّصور، ليس معركة سلاح بقدر ما هو مشروع تحرّر حضاري، يعيد للإنسان فطرته، ويُحرّره من أغلال الجهل والخوف والتّبعيّة.
ثانيًا: المقاومة في بعدها الحضاري
تُشكّل المقاومة امتدادًا طبيعيًا للجهاد، إذ تعبّر عن رفضٍ للظلم والاستبداد، وتهدف إلى استعادة الحقوق والهُويّة والكرامة. لكنّها ليست حكرًا على المواجهة العسكريّة، بل تشمل:
- المقاومة الشّعوب: بمواجهة الغزو الفكري، واستعادة الثقة بالذّات الحضاريّة، وتثبيت اللغة والهُويّة في مواجهة التّغريب. وقد عبّر مالك بن نبي عن هذه الفكرة بقوله: “الاستعمار لا يرحل إلّا بعد أن يُفرغ روح الأمة”([23]).
- المقاومة الاقتصاديّة: من خلال بناء كفاية ذاتيّة، والتّخلّص من الارتهان للاقتصاد العالمي الجائر، والتحرّر من ثقافة الاستهلاك. يقول عبد الرّحمن الكواكبي: “الاستبداد قرين الفقر، لا يفارقانه إلّا نادرًا([24]).
- المقاومة التّربويّة: بصياغة مناهج تعليميّة تُعيد بناء العقل المسلم، وتعزز الانتماء، وتحرّر الوعي من القيود المفروضة عليه.
- المقاومة السياسيّة: وهي سعي الشّعوب إلى تقرير مصيرها، واستعادة سيادتها، ورفض الانصياع لأنظمة التّبعيّة والهيمنة.
إنّ المقاومة، بهذا الفهم، لا تُعدّ عملًا تخريبيًا، بل هي فعل بنائي يستهدف التحرّر، وإعادة تأسيس الحياة على أسس العدل والحرّيّة والكرامة، وهي بذلك ركن أصيل في نهضة الأمم واستعادة فاعليتها التّاريخيّة.
ثالثًا: المقاومة والوعي الحضاري نحو مشروع نهضوي شامل
لا يمكن لأيّ أمّة أن تبني حضارة من دون وعي. والمقاومة في العالم المعاصر تُسهم في بناء وعي جماهيري جديد، يرفض التّبعيّة، ويطالب بالحريّة، ويستلهم تجارب الأمة المشرقة ([25]).
إنّ الوعي التّاريخي، واستيعاب سنن الله في النّهوض والسّقوط، ضروريان لكل مشروع حضاري، وهذا ما تحققه حركات المقاومة الواعية ([26]).
فالمقاومة تُعدّ أكثر من مجرد فعل عسكري أو رفض سياسي للهيمنة والاحتلال، بل هي في عمقها موقف حضاري شامل ينبع من الوعي بالذات، والرّسالة، والدّور التّاريخي للأمة. وحين يُقترن فعل المقاومة بالوعي الحضاري، يتحوّل من مجرّد ردة فعل إلى مشروع تحرّر وبناء حضاري، يواجه الاستعمار والاستبداد لا فقط بالسلاح، بل بالمعرفة، والثّقافة، والاقتصاد، والمؤسسات، والهُويّة.
وقد أثبت التّاريخ الإسلامي والعالمي أنّ غياب الوعي الحضاري في الحركات المقاومة يؤدي إلى إعادة إنتاج التّبعيّة والاستبداد، فيما يُمكّن اقتران الوعي بالمقاومة من تحقيق التّحرير والبناء معًا، من أدوات المقاومة المعرفية المهمّة في عصر الصّورة، إذ يُستخدم الإعلام الواعي لنشر القيم، وتفنيد الدّعاية المضادة، وبناء وعي جماهيري يحصن الأمة ([27]). من هنا لا بدّ من تسليط الضوء على النقاط الآتية:
1. ماهيّة الوعي الحضاري في الفكر الإسلامي: هو إدراك الأمة لهُويّتها وموقعها من العالم، وفهم رسالتها التّاريخيّة والقيميّة، مع وعي بسنن النّهوض والسّقوط. ويقوم هذا الوعي على عناصر ثلاثة:
- الوعي بالتّاريخ: إدراك جذور الانحدار والتّخلف، واستلهام لحظات القوة والنّهضة.
- الوعي بالواقع: فهم طبيعة التحديات المحليّة والدّوليّة، وتفكيك أدوات السّيطرة الفكريّة والاقتصاديّة.
- الوعي بالمستقبل: بناء رؤية استراتيجية للنهوض من خلال التّربية، والاقتصاد، والإعلام، والثّقافة.
وقد عبّر المفكر الجزائري مالك بن نبي عن ذلك بقوله:”لا تحرر بلا وعي، ولا وعي بلا فكرة، ولا فكرة بلا حضارة”([28]).
2. نماذج من اقتران المقاومة بالوعي الحضاري
– المقاومة الجزائريّة (1830–1962): على الرّغم من قوّة السّلاح، أدرك قادة الجزائر أنّ التحرير لا يكتمل من دون تحرير التّعليم واللغة والثقافة. فظهرت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة عبد الحميد بن باديس التي ربطت الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي بـ”بعث الإسلام في النّفوس” و”بعث الشّخصية الجزائريّة الإسلاميّة العربيّة([29]).
– المقاومة الفلسطينيّة المعاصرة: تزاوجت المقاومة المسلحة مع مقاومة ثقافيّة وهُوياتيّة، تمثلت في الحفاظ على السّرديّة والرّوايّة الفلسطينيّة، والفنّ المقاوم، والمناهج التّعليميّة، ومقاطعة الاحتلال اقتصاديًا وثقافيًا، مما خلق حالة مقاومة حضاريّة شاملة تجاوزت البّندقيّة.
– المفكرون المسلمون في العصر الحديث: أمثال: مالك بن نبي، ومحمد إقبال، والطّهطاوي، وجمال الدّين الأفغاني، سعوا إلى ربط نهضة الأمة بالمقاومة الفكريّة للاستعمار الثقافي، وركزوا على تحرير العقول لا فقط تحرير الأوطان.
3. نحو مشروع مقاومة حضارية شاملة: إنّ الجمع بين المقاومة والوعي الحضاري يقتضي تحويل المقاومة من ردّ فعل إلى رؤية استراتيجيّة طويلة المدى، تقوم على:
- تأصيل الفكرة الإسلاميّة في النفوس من خلال الإعلام والتّعليم.
- التحرّر من الاستهلاك الحضاري، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل.
- إصلاح المؤسسات وبناء النّظم العادلة بعد التّحرير.
- الانفتاح على الحضارات الأخرى من دون التّماهي معها، لتحقيق توازن بين الهُويّة والانفتاح.
وقد لخّص المفكر فهمي هويدي هذه الرؤية بقوله: “المقاومة الحقيقيّة لا تنتصر إلّا حين تنتصر في الوعي، وتغدو مشروعًا للحياة، لا فقط مشروعًا للموت في سبيل الحياة([30]).
إنّ المقاومة في الفكر الإسلامي ليست فعلًا عسكريًا فحسب، بل أداة حضاريّة لتحرير الإنسان والأمة، ولا يكون هذا التحرير كاملاً ما لم يقترن بـالوعي بالذات والمصير والمستقبل. فالمقاومة بلا وعي تعيد إنتاج الاستبداد، أمّا المقاومة الواعية، فهي ما يُطلق طاقات الأمة نحو التّحرر والبناء والنّهضة.
إنّ الجهاد والمقاومة بمعناهما الحضاري يشكّلان معًا دعامة رئيسة في مشروع التحرّر الإسلامي الحديث. فهما ليسا مجرّد ردود أفعال ظرفيّة، بل يمثلان رؤية إصلاحيّة شاملة ترتكز على وعي إنساني وقيمي، وتهدف إلى تحقيق الاستخلاف وبناء مجتمع العدل والحرية. والتحدّي اليوم يتمثل في إعادة قراءة هذين المفهومين خارج قوالب التّشويه، وتفعيلهما بما يتناسب مع السّياق المعاصر وتطلعات الأمة.
الفصل الثالث: مقاومة الظلم وبناء العدالة
العدالة ركيزة أساسية في بناء الحضارة الإسلاميّة. ولهذا، فإنّ مقاومة الاستبداد الدّاخلي، والمطالبة بالحقوق، والتّأسيس لدساتير عادلة تمثل جزءًا من مشروع المقاومة الحضاريّة ([31]) .
كما أن رفض الظلم الدّولي، ومساندة القضايا العادلة – وفي مقدمتها قضية فلسطين – تندرج ضمن مقاومة الظلم العالمي. وتمثّل مقاومة الظّلم وبناء العدالة ركنين أساسيين في المشروع الحضاري الإسلامي، فالإسلام منذ ظهوره جاء لتحرير الإنسان من كل أشكال القهر والاستعباد، سواء المادي أو المعنوي، ولإقامة مجتمعٍ يقوم على العدل والكرامة الإنسانيّة، لا على الهيمنة والاستبداد. وقد شكّلت هذه المبادئ أساسًا لحركات الإصلاح والمقاومة في تاريخ الأمة، ورافعة لبناء حضارة عادلة ومتوازنة.
أولًا: مفهوم الظلم ووجوب مقاومته
الظلم في المفهوم القرآني لا يُختزل في سلب الحقوق المادية فقط، بل يشمل كل اعتداء على حقوق الإنسان وكرامته، سواء أكان ذلك فرديًا أم جماعيًا، سياسيًا أم اقتصاديًا. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. ويقول النبي ﷺ: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ([32]) .
وقد قرن الإسلام بين الظلم والشرك، وجعله سببًا رئيسًا للهلاك الحضاري، كما في قوله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: 59]. من هنا، فإن مقاومة الظلم ليست خيارًا، بل فريضة شرعيّة وإنسانيّة تقع على عاتق الأفراد والمجتمعات، بهدف استرداد الحق وتحقيق التّوازن الأخلاقي.
ثانيًا: مقاومة الظلم في التّاريخ الإسلامي
مارس المسلمون مقاومة الظلم بأشكاله المتعددة عبر العصور، ومن أبرز الأمثلة:
- الثورات ضد الاستبداد الأموي والعباسي في مراحل مختلفة، إذ برز علماء وأحرار كالإمام الحسين بن علي، والإمام أحمد بن حنبل، في مقاومة الانحراف السّياسي والدّيني.
مواقف العلماء في وجه السّلاطين الجائرين، مثل موقف العزّ بن عبد السلام الذي وقف ضد بيع الأمراء لمناصبهم.
- حركات التحرّر من الاستعمار الغربي الحديث والتي انطلقت تحت رايات مقاومة الظلم واستعادة العدالة، كما في ثورات الجزائر، وفلسطين، وسوريا، ومصر.
ثالثًا: بناء العدالة كجوهر الحضارة الإسلاميّة
في مقابل مقاومة الظلم، دعا الإسلام إلى إرساء منظومة عدالة شاملة تقوم على:
1. العدالة السياسية
وهي أساس الحكم الصالح، حيث لا يستقيم أمر الناس إلا بتداول السلطة، ورفع الظلم، وتحقيق الشّورى. قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
2. العدالة الاقتصاديّة: بحفظ الحقوق، ومحاربة الاحتكار، وتحقيق التكافل الاجتماعي. يقول ابن خلدون: “العدل أساس العمران، وبه يُدفع الظلم، وتحيا الأمم ([33]).
3. العدالة الاجتماعيّة والحقوقيّة: بحماية المستضعفين، وإعطاء كل ذي حق حقّه، من دون تمييز على أساس العرق أو الطبقة أو الدّين. وقد قال النبي ﷺ: “ألا إنّما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”([34]).
رابعًا: العدالة كمنظور حضاري للمقاومة
إن مقاومة الظلم في الإسلام ليست فعلًا عنيفًا أو انتقاميًا، بل خطوة إصلاحيّة هدفها إقامة العدل. لذلك، فإنّ الثّورات والمقاومات المشروعة يجب أن تنتهي ببناء أنظمة عادلة، لا أن تتحوّل إلى دوائر من الظلم المضاد. وقد قال المفكر الجزائري مالك بن نبي:”ليست المشكلة في إسقاط الظالم، بل في بناء عدالة تمنع عودته ([35]). لذلك، فإنّ المشروع الحضاري الإسلامي لا يكتفي بإدانة الظلم، بل يسعى إلى تحرير الإنسان من الخوف والحاجة والجهل، وتأسيس قيم الحقّ والمساواة، وهو ما يجعل من مقاومة الظلم ضرورة حضاريّة، لا مجرد معركة سياسية.
إن مقاومة الظلم وبناء العدالة تمثلان في الفكر الإسلامي فريضة أخلاقيّة ودينيّة وحضاريّة، وشرطان أساسيان للنّهوض والاستقرار. فحيثما وُجد الظلم، وجب رفعه، وحيثما غابت العدالة، وجب إرساؤها. ولا يمكن لأمة أن تدخل ميدان الحضارة الحقيقي دون نفي الاستبداد، وإقامة العدل، وصون الكرامة.
الفصل الرابع: الوحدة الإسلاميّة كرافعة للمقاومة والحضارة
إنَّ من أبرز ملامح مشروع المقاومة الحضارية هو الدعوة إلى الوحدة الإسلاميّة، وتجاوز الخلافات المفتعلة. وتُعدّ المقاومة في هذا السياق عنصرًا توحيديًا، حيث تتلاقى قوى الأمة ضد عدو مشترك، وتتوحد في رؤية استراتيجية حضارية واحدة ([36]). وتمثل الوحدة عاملًا أساسيًا في تجاوز التّبعيّة، وتحقيق الاكتفاء، وبناء القرار المستقل.
تُعدُّ الوحدة الإسلاميّة من المبادئ الأساسية التي دعا إليها الإسلام، ليس بوصفها شعارًا عاطفيًا، بل بوصفها ركيزة حضاريّة ضروريّة لنّهضة الأمة واستعادة دورها الرّسالي بين الأمم. فقد مثّلت الوحدة، عبر التّاريخ، الأساس الذي انطلقت منه الحضارة الإسلاميّة لتبني منظومة معرفيّة وعلميّة وأخلاقيّة شاملة، امتدت من الأندلس غربًا إلى الهند والصين شرقًا. واليوم، ومع ما تشهده الأمّة من تشرذم سياسي ومذهبي وثقافي، تبرز الوحدة الإسلاميّة كشرط ضروري للنّهوض الحضاري والتّكامل المعرفي والاقتصادي والسّيادي.
أولًا: المفهوم القرآني للوحدة
جاء الإسلام برسالة توحيدية شاملة، تدعو إلى وحدة المعتقد والغاية والمصير، وتُحذّر من الفرقة والانقسام، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ووصف النّبي محمد ﷺ الأمة بأنها كالجسد الواحد، في قوله:”مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”([37]).
فالقرآن والسُّنّة رسّخا مبدأ الوحدة على أسس العقيدة والتّكافل والتّعاون على البرّ والتّقوى، لا على العصبيّة أو الإلغاء.
ثانيًا: الوحدة في التجربة الحضارية الإسلاميّة
شهد التاريخ الإسلامي لحظات ازدهار حضاري ارتبطت بارتقاء الوحدة السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة، ومن أبرز الأمثلة:
- الخلافة الراشدة وقد تجسّدت الوحدة السياسيّة والرّوحيّة في دولة واحدة جمعت العرب والعجم، وأرست قواعد العدالة والنّهضة.
- العصر العباسي الذي مثّل نموذجًا لوحدة علميّة وثقافيّة، أسهمت فيه شعوب مختلفة في بناء بيت الحكمة والعلوم.
- الحضارة الأندلسيّة التي برهنت على أن التعدد العرقي واللغوي لا يُضعف الأمّة ما دامت متّحدة في رؤيتها ومشروعها الحضاري([38]). وقد أدّى انهيار الوحدة الإسلاميّة، منذ تفكك الدّولة العباسيّة ثم مع سقوط الخلافة العثمانيّة، إلى دخول الأمّة في عصور الاستعمار والتّفكك والهزائم.
ثالثًا: الوحدة الإسلاميّة رافعة للنّهوض المعاصر
في العصر الحديث، أضحت الوحدة الإسلاميّة ضرورة لمواجهة تحديات الداخل والخارج، ويمكن تلخيص دورها الحضاري في المحاور الآتية:
- الوحدة السياسيّة والدّبلوماسيّة: تُمكّن الأمة من التّفاوض بقوة في المحافل الدّوليّة، وتوحيد موقفها تجاه قضايا كبرى مثل فلسطين، والأمن الغذائي والمائي، وحقوق الشّعوب المسلمة. وقد أثبتت التّجربة أنّ الدّول الإسلاميّة منفردة، تظل هشّة أمام الضّغوط الدّوليّة، بينما يمكن للوحدة أن تخلق ثقلاً جيوسياسيًا حاسمًا([39])⁽٣⁾.
2. الوحدة الاقتصاديّة والتنمويّة: تشكل الدول الإسلاميّة كتلة سكانية واقتصاديّة ضخمة، تملك ثروات طبيعيّة وبشريّة هائلة. ويمكن من خلال السّوق الإسلاميّة المشتركة، والمشاريع التّكامليّة، ومؤسسات التّمويل الإسلاميّة، بناء استقلال اقتصادي فاعل، يحرّر الأمة من التّبعيّة الماليّة والتّجاريّة للغرب.
3. الوحدة الشّعوب والمعرفيّة: تسمح بتبادل الإنتاج العلمي والثقافي، وإحياء اللغة العربية كلغة علم ووحدة معرفية، إلى جانب تقوية العلاقات بين الجامعات ومراكز البحوث في العالم الإسلامي، بما يُعيد تأسيس نهضة علميّة ذات خصوصيّة حضاريّة.
1. الوحدة المجتمعيّة والمذهبيّة: تدعو إلى إدارة الاختلاف المذهبي والفكري بالحوار والاحترام، لا بالتّصادم والقطيعة. وقد أكّد علماء ومفكرون مسلمون على أنّ الاختلاف في الفروع لا ينبغي أن يمزّق وحدة الأمّة في مقاصدها الكبرى.
يقول الدكتور محمد عمارة: “الوحدة الإسلاميّة لا تعني الذّوبان، بل تعني التّعاون على الثوابت، والتّسامح في المتغيّرات”([40]).
الفصل الخامس: المعوقات والتّحديات أمام مشروع المقاومة والنّهضة الحضاريّة الإسلاميّة
على الرّغم من ما تمتلكه الأمة الإسلاميّة من رصيد حضاري وثقافي وطاقات بشريّة هائلة، إلّا أنّ مشروع النّهضة الحضاريّة المبني على المقاومة والتحرّر يواجه تحديات داخليّة وخارجيّة، بعضها تاريخي وبنيوي، وبعضها الآخر مُستجدّ بفعل التّحولات الدّوليّة والتّكنولوجيّة والسياسيّة. وتشخيص هذه المعوّقات يمثل خطوة جوهريّة في أي محاولة إصلاحيّة جادّة تسعى لاستعادة الفاعليّة الحضاريّة للأمّة.
أولًا: التّحديات الدّاخليّة
1. الاستبداد السياسي: يُعدّ الاستبداد الدّاخلي من أخطر المعوّقات التي تُقوّض أيّ مشروع تحرري، لأنّه يُجهض وعي الشعوب، ويمنع تداوُل السّلطة، ويصادر الحرّيات. وقد أشار عبد الرّحمن الكواكبي إلى أنّ:
“الاستبداد أصل لكل فساد، وما من أمة نَهَضت إلّا حين كسرت طغيان الدّاخل قبل مقاومة الخارج([41])“⁽¹⁾.
2. الفرقة المذهبيّة والطائفيّة: أسهمت الانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة في تمزيق الصّف الإسلامي، وفتح الباب للتدخلات الخارجيّة، بل وتحويل الصّراع من مواجهة العدو إلى نزاعات داخليّة أنهكت المجتمعات. وقد استغل أعداء الأمة هذه الانقسامات لزرع الفتن وتقويض أي وحدة استراتيجيّة.
3.الضّعف التربوي والمعرفي: لا يمكن لحركة مقاومة أن تنجح من دون تكوين أجيال مؤهّلة وواعية، لكن الأنظمة التّعليميّة في كثير من البلدان الإسلاميّة ما تزال تقليديّة، تكرّس التبعيّة وتُفرغ الإنسان من وعيه الحضاري. وقد بيّن مالك بن نبي أنّ: “النهضة تبدأ حين يتغير الإنسان، والتّعليم هو أول مفاتيح التغيير([42])”.
4. التبعية الاقتصاديّة: ترزح الدول الإسلاميّة تحت أنظمة اقتصاديّة تابعة للرأسماليّة الغربيّة، تُقيّد قدراتها السياديّة. ومن نتائج ذلك هشاشة الإنتاج، وضعف الاكتفاء الذّاتي، والارتهان للديون والمؤسسات الدّوليّة.
5. تفكّك الخطاب الإسلامي: يعاني الخطاب الإسلامي أحيانًا من الانقسام بين تيارات سلفيّة، وصوفيّة، وحركية، وتجديديّة، من دون توافق على مشروع جامع، ما أضعف فعاليته في التأثير الحضاري والتّواصلي مع الشّعوب ومع الآخر.
ثانيًا: التّحديات الخارجيّة
1. الهيمنة الغربيّة والعولمة المفروضة: تُمارَس على العالم الإسلامي ضغوط هائلة من القوى الكبرى، من خلال:
- المؤسسات الدّوليّة (كصندوق النقد، والبنك الدّولي).
- الاحتلال العسكري والوجود العسكري المباشر.
- فرض نموذج حضاري غربي عبر الإعلام، والتّعليم، والثّقافة الاستهلاكيّة.
ويُشير إدوارد سعيد إلى أن:
“الاستشراق كان أداة للهيمنة الشّعوب قبل أن يكون دراسة أكاديميّة”([43]).
2. مشاريع التّفتيت الجغرافي والسياسي
من أبرز التّحديات مشروع سايكس–بيكو الجديد الذي يسعى لإعادة تقسيم العالم الإسلامي إلى كيانات هزيلة، قائمة على الطائفيّة أو العرق أو القبيلة، بدلًا من وحدة الرّسالة والمصلحة الحضاريّة.
3. تشويه صورة المقاومة إعلاميًا أصبح الإعلام الدّولي يُمارس تشويهًا منهجيًا لأيّ حركة مقاومة إسلاميّة، من خلال ربطها بالإرهاب أو التّطرف، بينما يُبرّئ المعتدي. وهذا التّضليل الإعلامي يهدف إلى ضرب شرعية المقاومة وتشويه رمزيتها.
4. الاختراق الثقافي والإلكتروني: تستخدم القوى المعادية الفضاء الرّقمي كأداة اختراق ناعم، تروّج عبره ثقافة الاستهلاك، والإباحيّة، والفردانيّة، والتّشكيك بالثّوابت. وهذا يمثل خطرًا على الأجيال الناشئة التي تنخرط في هذه المنصات من دون حصانة فكريّة.
ثالثًا: آثار هذه التّحديات على مشروع النّهضة
- تعطيل نشوء كتلة تاريخيّة مقاومة قادرة على الفعل الحضاري.
- استنزاف طاقات الأمة في صراعات داخليّة.
- تغريب الوعي وشلّ الإرادة الجماعيّة.
- تأجيل أو تفويت فرص تاريخيّة للنهوض.
- تفكك الهُويّة الجامعة للأمة الإسلاميّة.
إنّ تشخيص التحديات والمعوّقات هو أول خطوة نحو معالجتها، فالمقاومة الحضاريّة ليست فقط معركة عسكريّة أو خطابيّة، بل هي حركة وعي تُدرك أعداءها الدّاخليين والخارجيين، وتسعى لبناء الذات قبل كسر القيد. ومع أنّ المعوّقات شديدة التّعقيد، إلّا أنّ التاريخ الإسلامي حافلٌ بشواهد القدرة على تجاوزها حين تتوحّد الإرادة، ويعلو صوت الوعي، ويُعاد وصل الأمة برسالتها.
الفصل السّادس: تطبيقات معاصرة للجهاد والمقاومة الحضاريّة
كيف تجسّدت مفاهيم الجهاد والمقاومة الحضاريّة في الواقع، لا سيّما في قضية فلسطين وسياقات عربيّة وإسلاميّة أخرى. لقد شهد العالم الإسلامي، منذ بدايات الاستعمار الحديث وحتى يومنا، صورًا متعددة للمقاومة والجهاد الحضاري في مختلف المجالات، شكّلت نماذج واقعيّة لتفعيل المفهوم الإسلامي للجهاد والمقاومة، ومن أبرزها:
القضيّة الفلسطينيّة: نموذج للمقاومة الحضاريّة الشّاملة
تُمثّل فلسطين اليوم أبرز ساحة تتجسّد فيها المقاومة بمعناها الحضاري والشمولي، إذ لم تقتصر على البعد المسلّح فحسب، بل امتدّت إلى:
المقاومة الشّعوب: عبر حماية الهُويّة الفلسطينيّة، وإحياء التّراث، والدّفاع عن المسجد الأقصى في وجه محاولات التّهويد. ويُعدّ الحفاظ على الرواية التّاريخيّة الفلسطينيّة، من خلال الأدب والفن والبحث العلمي، من أهم وجوه الجهاد الثقافي([44]).
المقاومة التربويّة والتّعليميّة: إذ تواصل المؤسسات التّعليميّة الفلسطينيّة تربية الأجيال على حبّ الوطن والدفاع عن الحق، على الرّغم من ظروف الاحتلال والحصار. وتُعدّ الجامعات الفلسطينيّة مثالًا في الصمود التربوي، كما في جامعة بيرزيت والجامعة الإسلاميّة في غزة ([45]) .
المقاومة الاقتصاديّة: بالمقاطعة الشّعبية للمنتجات الإسرائيليّة، ودعم الاقتصاد المحلي، وتأسيس شبكات دعم ذاتية. وتؤدي المبادرات المجتمعيّة دورًا بارزًا في تخفيف آثار الحصار على قطاع غزة.
المقاومة القانونيّة والدّبلوماسيّة: من خلال الحراك الحقوقي على المستوى الدّولي، وتوثيق الجرائم، واستخدام الآليات القضائيّة للدّفاع عن الحقوق الفلسطينيّة.
المقاومة المسلّحة: والتي تندرج في إطار الجهاد المشروع في الدّفاع عن الأرض والعِرض ضد الاحتلال، ضمن الضوابط الأخلاقيّة والشّرعيّة. وتُعدّ المقاومة الفلسطينيّة (حماس، الجهاد الإسلامي، كتائب الأقصى، وغيرهم) نموذجًا لصمود عسكري ترافقه استراتيجيات إنسانيّة وسياسيّة ([46]) .
المقاومة الإسلاميّة في لبنان ودورها الحضاري: تُعدّ المقاومة الإسلاميّة في لبنان، التي برزت في أواخر القرن العشرين، واحدة من أبرز حركات التحرّر في العالم الإسلامي المعاصر. فهي لم تقتصر على العمل العسكري فحسب، بل مثّلت مشروعًا حضاريًا متكاملاً يسعى إلى تحرير الأرض، وصون الكرامة، وتعزيز الهُويّة، وبناء المجتمع المقاوم على أسس ثقافية وتربوية واجتماعية متجذّرة في الإسلام.
أولًا: نشأة المقاومة الإسلاميّة في لبنان
تكوّنت ملامح المقاومة الإسلاميّة في لبنان في أوائل الثمانينيات، كردّ فعل مباشر على الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982 واحتلال أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني. وقد برز حزب الله كقوة مقاومة مؤدلجة دينيًا واجتماعيًا، تستند في مشروعها إلى المرجعيّة الإسلاميّة، خاصة تلك المستلهمة من الثّورة الإسلاميّة في إيران.
اعتمدت المقاومة الإسلاميّة على مفهوم الجهاد الدّفاعي، الذي يُعدّ واجبًا شرعيًا لحماية الأرض والعرض، ورفعت شعار: “التحرير أولًا ثم البناء والانطلاق“، في دلالة على التلازم بين العمل المقاوم والتحرّك الحضاري.
ثانيًا: المقاومة الإسلاميّة كحركة تحرّر حضاريّة
1. البعد التحرّري والسيادي: نجحت المقاومة الإسلاميّة، بدعم شعبي واسع من أبناء الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة، في تحقيق أول انسحاب إسرائيلي غير مشروط من أرض عربيّة العام 2000، بعد احتلال دام 22 عامًا. وقد شكّل هذا الانتصار محطة مفصليّة في تاريخ الصّراع العربي–الإسرائيلي، وأثبت أنّ المقاومة الشّعبيّة المنظمة قادرة على فرض إرادتها دون اللجوء إلى التّسويات الدولية المفروضة([47]).
2. البعد الثقافي والتربوي: اهتمّت المقاومة الإسلاميّة بتعزيز ثقافة الصّمود والانتماء، فأسّست مؤسسات إعلاميّة وتربويّة تهدف إلى بناء وعي مقاوم. ومن أبرزها:
- قناة المنار، التي أدّت دورًا إعلاميًا في مواجهة الهيمنة الشّعوب الغربيّة والإسرائيليّة، وتقديم خطاب يربط بين القيم الدّينية والكرامة الوطنيّة.
- المدارس الإسلاميّة، التي تخرّج أجيالًا على فهم متوازن للإسلام المقاوم، وتربّيهم على الهُويّة والقيم والانتماء الوطني والعربي([48]).
3. البعد الاجتماعي والتنموي على الرّغم من التركيز على الجبهة العسكريّة، عملت المقاومة على توفير شبكات دعم اجتماعي في مجالات الصّحة والتّعليم والإغاثة، من خلال مؤسسات مثل:
- مؤسسة الشّهيد.
- الهيئة الصّحيّة الإسلاميّة.
- جهاد البناء.
- مؤسسة القرض الحسن.
وقد ساهمت هذه المؤسسات في إعمار المناطق المحررة بعد 2000، وكذلك في إعادة إعمار الضّاحية الجنوبيّة بعد عدوان تموز 2006، ما يعكس فهمًا حضاريًا للمقاومة يتجاوز الفعل العسكري إلى بناء الإنسان والمجتمع([49]).
4. المقاومة الإعلاميّة والمعرفيّة: لم تكتفِ المقاومة الإسلاميّة بالسّلاح، بل واجهت المشروع الصهيوني أيضًا في الوعي والرّواية التّاريخيّة. وقد استخدمت الإعلام والنّدوات والبرامج الشّعوب لنقض سرديات الاحتلال، والدّفاع عن القضيّة الفلسطينيّة، وتقديم نموذج للمثقف الملتزم بقضايا أمّته.
ثالثًا: المقاومة اللبنانيّة في الوجدان العربي والإسلامي
أصبح نموذج المقاومة الإسلاميّة في لبنان مرجعًا لحركات تحرّر أخرى، ولا سيما في فلسطين والعراق واليمن. وقد أعاد هذا النموذج الاعتبار لفكرة “الممانعة”، وربط بين التّحرير وبناء الدّولة القويّة المستقلة.
وما يميز هذه المقاومة هو دمجها بين العقيدة والواقعيّة السياسيّة، إذ تُوظّف مفاهيم الجهاد والتّضحية في إطار مشروع وطني–إقليمي، لا طائفي، يحظى بقبول واسع في البيئات التي تعاني من الاحتلال أو التّبعيّة([50]) .
وأخيرًا؛ لقد برهنت المقاومة الإسلاميّة في لبنان على أنّ المقاومة ليست نقيضًا للحضارة، بل رافعة لها. فبقدر ما تواجه الاحتلال بالسّلاح، فإنها تواجه الغزو الثقافي بالهُويّة، والتبعيّة الاقتصاديّة بالاكتفاء، والتفكّك الاجتماعي بالتّماسك المجتمعي. ويمكن القول إنّ هذه التّجربة تمثل تحقيقًا فعليًا لمعاني الجهاد والمقاومة الحضاريّة في سياق عربي معاصر، وتؤسس لفهم جديد للمقاومة كنهج إصلاحي شامل يستهدف تحرير الأرض والإنسان معًا.
رابعًا: العلاقة بين المقاومة الإسلاميّة في لبنان والمقاومة الفلسطينيّة
منذ انطلاقتها، حرصت المقاومة الإسلاميّة في لبنان على ربط مشروعها المقاوم بالقضيّة الفلسطينيّة، بوصفها القضيّة المركزيّة للعرب والمسلمين. وقد عبّر قادة المقاومة مرارًا عن أنّ تحرير القدس هو الهدف الأسمى للمسار الجهادي، وأنّ لبنان جبهة متقدّمة في المعركة الكبرى ضد الاحتلال الصهيوني.
1.الدّعم السياسي والعسكري: قدّمت المقاومة الإسلاميّة دعمًا مباشرًا وغير مباشر لفصائل المقاومة الفلسطينيّة، لا سيّما في قطاع غزة. وشكّل الانتصار اللبناني في العام 2000، ثم في عدوان تموز 2006، نموذجًا ملهمًا للمقاومة الفلسطينيّة التي تبنّت استراتيجيات مشابهة، خصوصًا في تكتيك حرب الأنفاق والصّواريخ([51]).
2.تكامل خطاب “محور المقاومة“: ساهمت التّجربة اللبنانيّة في بلورة خطاب سياسي جديد في المنطقة، عرف بـ”محور المقاومة”، الذي يربط بين بيروت ودمشق وطهران وغزة، في مواجهة الهيمنة الصّهيو–أميركيّة. وقد تحوّلت المقاومة من مجرّد حركة محلية إلى مكوّن فاعل في المعادلة الإقليميّة، يؤثّر في التوازنات العسكرية والسياسية على مستوى الشّرق الأوسط.
3.التأثير في العقل المقاوم الفلسطيني: أثّر خطاب المقاومة الإسلاميّة في لبنان على الخطاب السياسي والديني لفصائل فلسطينية مثل “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، التي تبنّت لغة دينيّة–تحرريّة قريبة من أدبيات حزب الله، مع التركيز على التّلازم بين الجهاد والدولة، وبين التّحرير والبناء المجتمعي([52]).
4. الدّعم الإعلامي والثقافي: أدّت وسائل الإعلام التّابعة للمقاومة اللبنانيّة دورًا محوريًا في نقل الرّواية الفلسطينيّة المقاومة إلى الرأي العام العربي، وتفنيد الرّواية الصّهيونيّة، خاصة خلال الحروب الكبرى على غزة (2008، 2012، 2014، 2021). وقد ساعد ذلك في خلق بيئة تضامنيّة عربيّة وإسلاميّة مع المقاومة الفلسطينيّة، عزّزت من شرعيتها ومكانتها في الضّمير الجمعي للأمة([53]).
خامسًا: الأثر في الفكر السياسي العربي
أحدثت تجربة المقاومة الإسلاميّة في لبنان تحوّلاً نوعيًا في الفكر السّياسي العربي المعاصر، عبر ما يلي:
- إحياء مفهوم “التحرّر من الدّاخل“: أي أنّ التّحرير لا يحتاج إلى جيوش نظاميّة فقط، بل يمكن أن ينطلق من داخل المجتمعات المهمّشة والمضطهدة، كما في تجربة الجنوب اللبناني.
- إعادة الاعتبار لقيمة “الكرامة والسّيادة“ في الخطاب السياسي العربي، مقابل التّبعيّة والتّسويات المذلّة.
- طرح بديل ثقافي وإعلامي عربي مستقل، يُعبّر عن وجدان الشّعوب، خارج الهيمنة الغربيّة والخليجيّة الرّسميّة.
- تجديد مفهوم “الوحدة” على أسس ميدانيّة، وليس فقط شعاراتيّة، من خلال التنسيق الفعلي بين أطراف محور المقاومة على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم.
الخاتمة: ليست المقاومة مجرّد رد فعل ظرفي، بل هي فعل حضاري طويل الأمد، يُسهم في تفكيك منظومات التّبعيّة والهيمنة، ويعيد صياغة هُويّة الأمّة الإسلاميّة من جديد. ومن دون استراتيجيّة مقاومة شاملة – فكريّة، وسياسيّة، واقتصاديّة – لا يمكن الحديث عن بناء حضارة إسلاميّة فاعلة في عالم اليوم.
تكشف هذه النّماذج أن الجهاد والمقاومة في الفكر الإسلامي ليسا أفعالًا منفصلة عن مسار الحضارة، بل هما وسيلتان للتحرّر الشّامل، ومداخل لإعادة بناء الأمة واستئناف دورها الرّسالي في العالم. وعليه، فإنّ مواجهة الاستعمار والهيمنة لا تكون فقط بالسّلاح، وإنما أيضًا بالعقل، والثقافة، والتّعليم، والاقتصاد، والسياسة، بما يجعل من الجهاد والمقاومة مشروعًا حضاريًا متكاملًا.
المقاومة تعد مشروعًا حضاريًا يتطلب رؤية شاملة تشمل الإنسان والمجتمع والدولة. ولعل السير نحو الحضارة الإسلاميّة المعاصرة يبدأ من استعادة الوعي، وبناء المؤسسات، وتفعيل أدوات القوة الناعمة، ضمن مشروع نهضوي جامع تتشارك فيه الأمّة بكل أطيافها.
المراجع
- ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط2، 2004.
- أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية والمعرفة: جدلية العقل والنقل في المشروع الإسلامي المعاصر(بيروت: مركز نماء، 2010).
- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج5، 2001.
- أحمد يوسف، “حزب الله وحماس: توافق الأيديولوجيا والميدان“، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 234، 2014.
- إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: كمال أبو ديب، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1991.
- أنور الجندي، أخطار الغزو الفكري على العالم الإسلامي، دار الكتاب العربي، القاهرة، ط2، 1981
- البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، حديث رقم 6788.
- تميم البرغوثي، في القدس: مقاومة الكلمة والصورة، دار الشروق، 2009.
- جمال الدين الأفغاني، الرد على الدهريين، تحقيق محمد عمارة (بيروت: دار الفكر، 1987)،
- جوزيف سماحة، الهُويّة والمقاومة في لبنان الجديد، بيروت، دار الساقي، 2007، ص 39–54.
- حاج حمد، أبو القاسم. الحاكميّة والمعرفة: جدلية العقل والنقل في المشروع الإسلامي المعاصر. بيروت: مركز نماء، 2010.
- حسن فضل الله، حزب الله: رؤية من الداخل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2010.
- حسين مؤنس، فجر الأندلس: دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية، دار الرشاد، القاهرة، 2005،
- رنا بركات، “التعليم تحت الاحتلال: بيرزيت نموذجًا”، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 103، 2015.
- الزركشي، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، دار العروبة،
- سلمان أبو ستة، حق العودة مقدس وقانوني وممكن، مركز العودة الفلسطيني، لندن، 2011.
- سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي (بيروت: دار ابن خلدون، 1973)،
- طارق السويدان، التخطيط الاستراتيجي في العمل الإسلامي. الكويت: الإبداع الفكري، 2004.
- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تفسير الآية 52 من سورة الفرقان.
- طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002.
- طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000).
- عبد الحميد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم (الرياض: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991)،
- عبد الحي زلوم، الاقتصاد المقاوم: البديل العربي للعولمة الاقتصادية (عمان: دار الشروق، 2005)،
- عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1955)،
- عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تحقيق: عصام فارس الحرستاني، دار النفائس، بيروت، ط4، 2007،
- عبد العظيم رمضان، الثورة العرابية والاحتلال البريطاني (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1998)،
- عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995).
- العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (القاهرة: دار الكتب، 1991)، ج1.
- علي عبد العال، “الإعلام والمقاومة الحضارية“، مجلة البيان، عدد 276 (2008).
- علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة إسماعيل النجار (بيروت: دار الشروق، 2001)،
- فهمي هويدي، الإسلام في آسيا (القاهرة: دار الشروق، 2002)،
- فهمي هويدي، الإسلام والديمقراطية: بين الاختلاف والتكامل (بيروت: دار الشروق، 2005)،
- فهمي هويدي، الإسلام والغرب: صدام أم حوار؟، دار الشروق، بيروت، 1997،
- مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ط10، 2000،
- محمد باقر الصدر، اقتصادنا (بيروت: دار التعارف، 1982)،
- محمد جلال كشك، ودخلت الخيل الأزهر (بيروت: دار الزهراء، 1984)،.
- محمد عمارة، التجديد الإسلامي: بين الجمود والتغريب (القاهرة: دار الشروق، 2001).
- محمد عمارة، الصحوة الإسلاميّة بين الجذور والثمار (القاهرة: دار الشروق، 2002).
- محمد عمارة، الغزو الفكري والتيارات المعاصرة (القاهرة: دار الشروق، 2006)،
- محمد فؤاد شكري، حركة عدم الانحياز: النشأة والتطور (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1990)،
- مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، حديث رقم 2578.
- نبيه برّي، أسرار المقاومة اللبنانية: من 1982 إلى 2000، بيروت، دار الفارابي، 2003.
- نزار حمزة، “إعادة الإعمار في لبنان: تجربة المقاومة الإسلاميّة“، مجلة المستقبل العربي، العدد 341، 2007.
- نواف الزرو، المقاومة الإسلاميّة في فلسطين ولبنان: التكتيك والتكامل، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت، 2012.
- وليد شرارة، الإعلام المقاوم: المنار نموذجًا، دار الفارابي، بيروت، 2010.
[1] – أستاذة الحضارة العربيّة الإسلاميّة في الجامعة اللبنانيّة الدّوليّة LIU ورئيسة تحرير مجلة وميض الفكر للبحوث
Professor of Arab-Islamic Civilization at the Lebanese International University (LIU) and Editor-in-Chief of the Wameedh Al-Fikr Research Journal. Email: Haifaa.imam@liu.edu.lb.
[2] – أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية والمعرفة: جدلية العقل والنقل في المشروع الإسلامي المعاصر(بيروت: مركز نماء، 2010)، ص 95.
[3]– العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (القاهرة: دار الكتب، 1991)، ج1، ص 89.
[4]– مالك بن نبي، شروط النهضة (بيروت: دار الفكر، 1986)، ص 92
[5]– عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 73
[6]– محمد عمارة، الغزو الفكري والتيارات المعاصرة (القاهرة: دار الشروق، 2006)، ص 112.
[7]– فهمي هويدي، الإسلام والديمقراطية: بين الاختلاف والتكامل (بيروت: دار الشروق، 2005)، ص 77.
[8] – طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص 178.
[9] – محمد عمارة، التجديد الإسلامي: بين الجمود والتغريب (القاهرة: دار الشروق، 2001)، ص 131.
[10] – محمد عمارة، الصحوة الإسلامية بين الجذور والثمار (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص 105.
[11]– جمال الدين الأفغاني، الرد على الدهريين، تحقيق محمد عمارة (بيروت: دار الفكر، 1987)، ص 45–49.
[12]– عبد العظيم رمضان، الثورة العرابية والاحتلال البريطاني (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1998)، ص 112–117.
[13]– محمد جلال كشك، ودخلت الخيل الأزهر (بيروت: دار الزهراء، 1984)، ص 295–304.
[14]– محمد فؤاد شكري، حركة عدم الانحياز: النشأة والتطور (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1990)، ص 67–74.
[15]– عبد الحميد أبو سليمان، أزمة العقل المسلم (الرياض: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991)، ص 141.
[16] – طارق السويدان، التخطيط الاستراتيجي في العمل الإسلامي (الكويت: الإبداع الفكري، 2004)، ص 212.
[17]– محمد باقر الصدر، اقتصادنا (بيروت: دار التعارف، 1982)، ص 32–36.
[18]– عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1955)، ص 221–225.
[19]– سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي (بيروت: دار ابن خلدون، 1973)، ص 144–150.
[20]) عبد الحي زلوم، الاقتصاد المقاوم: البديل العربي للعولمة الاقتصادية (عمان: دار الشروق، 2005)، ص 91–98.
[21]– الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تفسير الآية 52 من سورة الفرقان.
[22]– الزركشي، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، دار العروبة، ص 123.
[23]– مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ط10، 2000، ص 83.
[24]– عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تحقيق: عصام فارس الحرستاني، دار النفائس، بيروت، ط4، 2007، ص 65.
[25]– مالك بن نبي، شروط النهضة (بيروت: دار الفكر، 1986)، ص 92.
[26]– فهمي هويدي، الإسلام في آسيا (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص 223.
[27] -علي عبدالعال، “الإعلام والمقاومة الحضاريّة“، مجلة البيان، عدد 276 (2008): ص 45.
[28]– مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ط10، 2000، ص 35.
[29]– أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج5، 2001، ص 114.
[30]– فهمي هويدي، الإسلام والغرب: صدام أم حوار؟، دار الشروق، بيروت، 1997، ص 201.
[31]– علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة إسماعيل النجار (بيروت: دار الشروق، 2001)، ص 223.
[32]) رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، حديث رقم 2578.
[33]– ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط2، 2004، ص 198.
[34]– رواه البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، حديث رقم 6788.
[35]– مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ط10، 2000، ص 129
[36] -طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النّقد الأخلاقي للحداثة الغربيّة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص 198.
[37]– رواه البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير، في كتاب الأدب، حديث رقم 6011.
[38]– حسين مؤنس، فجر الأندلس: دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية، دار الرشاد، القاهرة، 2005، ص 117–122.
[39]– فهمي هويدي، الإسلام والغرب: صدام أم حوار؟، دار الشروق، بيروت، ط3، 1997، ص 165.
[40]– محمد عمارة، الصحوة الإسلامية والتحديات المعاصرة، دار الشروق، القاهرة، ط2، 1993، ص 214.
[41]-عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار المنار، بيروت، ط3، 2007، ص 31.
[42]– مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ط10، 2000، ص 79.
[43]– إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: كمال أبو ديب، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1991، ص 56.
[44]– سلمان أبو ستة، حق العودة مقدس وقانوني وممكن، مركز العودة الفلسطيني، لندن، 2011، ص 54–61.
[45]– رنا بركات، “التعليم تحت الاحتلال: بيرزيت نموذجًا”، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 103، 2015، ص 18–33.
[46]– تميم البرغوثي، في القدس: مقاومة الكلمة والصورة، دار الشروق، 2009.
[47]– نبيه برّي، أسرار المقاومة اللبنانية: من 1982 إلى 2000، بيروت، دار الفارابي، 2003، ص 221–238.
[48]– حسن فضل الله، حزب الله: رؤية من الداخل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2010، ص 95–117.
[49]– نزار حمزة، “إعادة الإعمار في لبنان: تجربة المقاومة الإسلامية“، مجلة المستقبل العربي، العدد 341، 2007، ص 64–78.
[50]– جوزيف سماحة، الهوية والمقاومة في لبنان الجديد، بيروت، دار الساقي، 2007، ص 39–54.
[51]– نواف الزرو، المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان: التكتيك والتكامل، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت، 2012، ص 45–67.
[52]– أحمد يوسف، “حزب الله وحماس: توافق الأيديولوجيا والميدان“، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 234، 2014، ص 39–53.
[53]– وليد شرارة، الإعلام المقاوم: المنار نموذجًا، دار الفارابي، بيروت، 2010، ص 78–90.