هل هزمتنا التكنولوجيا؟

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

هل هزمتنا التكنولوجيا؟

?Has technology defeated us

Dr. Hala Bou Hamdan د. هالة بو حمدان([1])

نعيش اليوم في عالم تتسارع فيه التّحوّلات، من صراعات دوليّة وإقليميّة تعيد رسم الجغرافيا السياسيّة، إلى تصاعد التّطرف وسيطرة القوة في العلاقات الدّوليّة، إلى التّفكك في النّظام العالمي وفي البنى التّقليديّة للمجتمعات، وصولاً إلى التكنولوجيا التي فرضت واقعًا جديدًا ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا على الفكر والهُويّة والعلاقات الإنسانيّة.

لقد كشفت الحروب الأخيرة أنّ ميزان القوى لا تحدده كثرة العديد، والعتاد بل البرمجيّات والذّكاء الاصطناعي وامتلاك أدوات المعلوماتيّة والتكنولوجيا. هكذا تفوّق العدو الصّهيوني في استخدام هذه الوسائل المتطورة، واستطاع تحقيق انجازات عسكريّة وأمنيّة راح يتباهى بها، ويؤكّد أنّ المعركة حسمت لصالحه، وأنّه استطاع هزيمة قوى المقاومة وإنهاء محورها.

 وهنا برأيي تكمن الخطورة. فالحرب كرّ وفرّ، والإنجاز العسكري ليس هو الأكثر أهمّيّة. الهزيمة لا تحصل إلا متى استطاع العدو أن يدكّ حصون وعينا، وأن يقضي على إرادة المقاومة في نفوسنا، ويزرع الشّك في قدرتنا على المواجهة. والسؤال الأخطر يدور حول هزيمتنا وجوديًّا وإنسانيًّا وثقافيًّا. المشروع الذي نواجهه لا يتعلق فقط باسترداد أرض سليبة بل بمواجهة محاولة استعبادنا إنسانيًّا وثقافيًّا، واستتباع وعينا وجعلنا مستهلكين لحضارة ماديّة متوحشة، تختبئ حول شعارات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة، لتستولي على مقدرات الشّعوب المستضعفة.

الهزيمة ليست في ساحة المعركة بل في الوجدان، في الروح. والخطير ليس قتل الجسد والسّيطرة العسكريّة، بل الخطر في اختراق السّرديات وزرع الشّك وتحطيم المعنويات وتحقير الرّموز، والسّيطرة على الوعي. الهزيمة تكون بالوقوع أمام الحرب النّفسيّة والتّضليل الإعلامي. الهزيمة تكون ثقافيّة بالدرجة الأولى، باستهلاك أدوات العدو للتفكير والتحليل.

ففي زمنٍ أصبحت فيه المنصات الرّقميّة مرجعًا ومسرحًا للتعبير، يواجه الإنسان تحدي الحفاظ على هويته. إذ إنّ التكنولوجيا قرّبت المسافات لكنها أيضًا شوّهت الهُّويات، وأخضعت كل شيء لمنطق الاستخدام والفائدة، وسعت لأن تجعل الإنسان يفقد بوصلته الأخلاقيّة والرّوحيّة.

وهنا يأتي دور النُّخب المثقفة في تحصين المجتمع ضد الحملات التي تستهدف الوعي الجماعي، وتفنيد وسائل القوة النّاعمة التي تريد التّفكيك الثقافي، وترسيخ سرديّة الهزيمة، وتزيين التبعيّة والتفاهة. ويكمن دور النُّخب المثقفة في تشكيل معنى الوجود، والحفاظ على إنسانيّة الإنسان وعلى أخلاقياته.

إنّ امتلاك المعرفة، في التكنولوجيا وغيرها من المجالات، هو ما يحدّد من يطوّع هذه الوسائل لصالحه، وبالتّالي من يتحكم عسكريًّا وأمنيًّا، ومن يفرض المحتوى الثقافي في سوق الاستهلاك العالمي.

المقاومة الأكثر أهمّ]ّة ليست عسكريّة، بل هي المقاومة الفكريّة والثقافيّة والرّوحيّة. قد يستطيع العدو تحقيق انتصارات ميدانيّة، لكنه لن يستطيع إطفاء شعلة المقاومة، لن يستطيع القضاء على عنفواننا وعلى إرادتنا وفكرنا. ربما يؤسَر الجسد، لكن الروح تظل محلقة مع “الهيهات” الحسينيّة التي رفضت الذلّ وعلمتنا الكرامة والعنفوان. لن تُمحى هويتنا، ولن تموت إرادتنا، ولن يسكت صوت الحقّ فينا.

لا، لم ولن تهزمنا التكنولوجيا!

 

 



1- أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية – كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة –  بيروت – لبنان.

Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Law and Political Science – Beirut – Lebanon.Email:

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.