تفجيرات البيجر في لبنان كجريمة إبادة جماعيّة في القانون الدّولي

0

عنوان البحث: تفجيرات البيجر في لبنان كجريمة إبادة جماعيّة في القانون الدّولي

اسم الكاتب: رشا رياض حكيم

تاريخ النشر: 2026/03/05

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 42

تحميل البحث بصيغة PDF

تفجيرات البيجر في لبنان كجريمة إبادة جماعيّة في القانون الدّولي

Pager Explosions in Lebanon as an International Crime of Genocide under The International Law

Rasha Riyad Hakim رشا رياض حكيم)[1]( 

 تاريخ الإرسال:5-1-2026                                         تاريخ القبول:17-1-2026

الملخّصturnitin:14%                                          

يتناول هذا البحث واقعة تفجيرات أجهزة النّداء التي شهدها لبنان في العام 2024 من منظور القانون الدّولي، ويبحث في مدى إمكانيّة تكييف هذه الأفعال كجريمة إبادة جماعيّة وفق أحكام اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة لعام 1948 واجتهادات القضاء الجنائي الدّولي. ينطلق البحث من تحليل الأركان القانونيّة لجريمة الإبادة الجماعيّة، ولا سيما الرّكن المادي والقصد الخاص، مع التّوقف عند مفهوم الجماعات المحميّة كما استقرّ في سوابق المحاكم الجنائيّة الدّوليّة.

كما يدرس البحث طبيعة الجماعة المستهدفة في تفجيرات أجهزة النّداء بوصفها جماعة ذات هُويّة دينيّة – أيديولوجيّة مميزة، قابلة للتّحديد وفق معيار “تصوّر الجاني”. ويحلّل الوقائع في توقيتها، وطبيعة الوسيلة المستخدمة، وحصر الاستهداف بفئة محددة، وما نجم عنها من قتل وإصابات جسديّة ونفسيّة جسيمة. ويستند البحث إلى سوابق المحكمة الجنائيّة الدّولية، لاستخلاص القصد الإبادة للأفعال المرتكبة سيما من خلال استقراء نمط الأفعال، والسّياق العام كما وردت في التحقيقات المتوافرة والتّصاريح العلنيّة. ويخلص البحث إلى أنّ تفجيرات أجهزة النّداء تشكّل نموذجًا خطيرًا لأساليب الإبادة الحديثة، بما يبرّر بحث توصيفها كجريمة إبادة جماعيّة وفق القانون الدّولي والعقاب عليها.

الكلمات المفتاحيّة: الإبادة الجماعيّة – تفجيرات أجهزة النّداء – القصد الخاص – الجماعات المحمية – المحكمة الجنائيّة الدّولية – لبنان

Abstract

This research examines the pager device explosions that occurred in Lebanon in 2024 from the perspective of international law, assessing whether these acts may be characterized as genocide under the 1948 Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide and the jurisprudence of international criminal tribunals. The study analyzes the legal elements of genocide, with particular emphasis on the material element and the requirement of specific intent, as well as the concept of protected groups under international law.

The research further explores the nature of the targeted group as a distinct religious–ideological group identifiable under the “perception of the perpetrator” standard. It examines the factual circumstances of the attacks, including their timing, the civilian nature of the means employed; the selective targeting of a specific group, and the resulting killings and severe physical and psychological harm, the study demonstrates how genocidal intent may be inferred from patterns of conduct and contextual factors. The research concludes that the pager explosions represent a dangerous manifestation of modern genocidal practices warranting serious legal scrutiny under international law.

Keywords: Genocide – Pager Explosions – Protected Groups – International Criminal Court – Lebanon

 

المقدمــــــــــــــة:

تُعد جريمة الإبادة الجماعيّة الذروة الإجراميّة التي بلغها العقل البشري حين انقلب على إنسانيته، فهي ليست مجرد فعل قتل جماعي، بل مشروع منظّم يهدف إلى محوّ جماعة بشريّة من الوجود، ماديًا ومعنويًا، بوصفها هذه. وقد حفلت العصور المتعاقبة بصور متعددة من هذا الإجرام، وقد شهدت البشرية ويلات لا تُحصى من المجازر والانتهاكات التي استهدفت الإنسان في جوهر انتمائه وهويته. إلّا أنّ خطورة الإبادة لم تتوقف عند حدود الأساليب التّقليديّة، بل تصاعدت مع تطوّر الوسائل التّكنولوجيّة، لتبلغ مستويات من التّعقيد والدّهاء لم يكن العقل الإنساني يتصوّر أن تُسخَّر لها أدوات خُلقت أصلًا لخدمة الإنسان. فقد تحوّلت الوسائل المدنية السلميّة التي تشكّل جزءًا من الحياة اليومية الآمنة، إلى أدوات قتل خفيّة وبشعة، تُمارَس خارج ساحات القتال وبعيدًا من أي مواجهة مباشرة، في قلب المجتمع المدني ذاته. إنّ هذا التّحوّل الخطير لا يوسّع فقط من نطاق الإبادة الجماعيّة، بل يُفرغ مفهوم الأمان المدني من مضمونه، ويضع القانون الدّولي أمام تحدٍّ وجودي يفرض إعادة مساءلة فعّالة لكل فعل يُسخّر التقدّم الإنساني ذاته كوسيلة للإهلاك والتّدمير.

فقد شهد لبنان في العام 2024 واقعة بالغة الخطورة، تمثّلت في تفجيرات أجهزة النّداء التي كانت بحوزة أفراد ينتمون حصرًا إلى جماعة لبنانيّة تطلق على نفسها (حزب الله)، ما أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلى إلحاق أضرار جسديّة ونفسيّة جسيمة. وقد اتّسمت هذه الواقعة باستخدام وسائل مدنيّة كأدوات قتل خفيّة، وفي سياق نزاع مسلح قائم، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونيّة معقّدة حول مدى انطباق أوصاف الجرائم الدّوليّة الأشد خطورة عليها، وفي مقدّمها جريمة الإبادة الجماعيّة. فوحشيّة التّفجيرات لم تتجلى فقط في عدد الضحايا، أو جسامة الإصابة، بل في الطريقة نفسها التي نُفذت بها، فقد كان تفجيرًا أعمى في جوهره، لا يرَ عمرًا ولا جنسًا ولا صفة، لم يستهدف جسدًا معينًا، بل أصاب كل وجودٍ بشري صودف وجوده في المكان ذاته، في عشوائيّة إجراميّة تخطت حدود التّصور البشري، وجسدت أقصى حالات التّجرد من الإنسانيّة، إذ يُختزل الإنسان إلى مجرد جسد قابل للهلاك.

ومن هنا تأتي أهمّيّة البحث، من كونه يعالج نموذجًا مستحدثًا من أفعال العنف الجماعي، يقوم على توظيف التّكنولوجيا المدنية كوسيلة للإهلاك، بما يهدّد جوهر منظومة الحماية التي أرساها القانون الدّولي الإنساني والقانون الجنائي الدّولي. كما تكمن أهميته في إسهامه في تطوير النّقاش الفقهي حول مدى قابليّة النّصوص الدّولية القائمة لمواجهة أنماط جديدة من الأفعال التي تستهدف جماعات بشريّة على أساس هويتها، خارج الأشكال التّقليديّة للإبادة الجماعيّة، كما يهدف البحث إلى دراسة واقعة تفجيرات أجهزة النّداء في لبنان دراسة قانونيّة تحليليّة، وبيان مدى توافر أركان جريمة الإبادة الجماعيّة فيها وفق اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة لعام 1948 واجتهادات المحاكم الجنائيّة الدّولية. كما يسعى إلى تحليل القصد الخاص (قصد الإهلاك) واستجلاء مدى قيام المسؤوليّة الجنائيّة الدّولية، سواء على المستوى الفردي أو القيادي أو على مستوى مسؤوليّة الدّولة.

فيما تتمحور إشكاليّة البحث حول السؤال الآتي: هل يمكن تكييف تفجيرات أجهزة النّداء التي وقعت في لبنان العام 2024 كجريمة إبادة جماعيّة وفق أحكام القانون الدّولي، على الرّغم من استخدام وسائل غير تقليديّة وعدم التّصريح العلني بنية الإبادة؟ ويتفرّع عن هذه الإشكاليّة تساؤلات فرعيّة تتعلق بمفهوم الجماعة المحميّة، ومعيار تصوّر الجاني، وإمكانيّة استخلاص القصد الخاص من السّياق العام ونمط الأفعال، ومن هذا ينطلق البحث من فرضيّة أساسيّة مفادها أن تفجيرات أجهزة النّداء لم تكن حادثًا عرضيًا أو خللًا تقنيًا، بل فعلًا مخطّطًا ومنهجيًا استهدف جماعة محددة بصفتها هذه. ويفترض البحث أنّ القصد الخاص يمكن استخلاصه من طبيعة الوسيلة المستخدمة، وانتقائيّة الضحايا، والعلم المسبق بالنتائج الحتميّة، وأنّ هذه العناصر مجتمعة تتيح تكييف الأفعال محل البحث ضمن إطار جريمة الإبادة الجماعيّة.

ولأجل الإلمام بموضوع البحث فقد اعتمد الباحث على المنهج التّحليلي–الاستنباطي، من خلال تحليل النّصوص الدّولية النّاظمة لجريمة الإبادة الجماعيّة وربطها بالوقائع محلّ البحث. كما يعتمد المنهج الاجتهادي المقارن عبر دراسة سوابق المحاكم الجنائيّة الدّولية، ولا سيما المحكمة الجنائيّة الدّولية لرواندا والمحكمة الجنائيّة الدّولية ليوغوسلافيا السّابقة، لاستخلاص المعايير المعتمدة في تفسير أركان الجريمة. ويُستكمل ذلك بمنهج تحليل الوقائع استنادًا إلى تقارير وتحقيقات دوليّة موثوقة، ضمن مقاربة قانونيّة أكاديميّة محايدة.

وعليه، يقوم البحث الحاضر على محورين رئيسين:

-المحور الأول: يُلقي الضوء على الإطار القانوني لجريمة الإبادة الجماعيّة وفق أحكام القانون الجنائي الدّولي.

-المحور الثاني: تفجيرات أجهزة النّداء في لبنان وتكييفها كجريمة إبادة جماعيّة وفق أحكام القانون الجنائي الدّولي.

المحور الأول: إلقاء الضوء على الإطار القانوني لجريمة الإبادة الجماعيّة وفق أحكام القانون الدّولي:

يهدف هذا المحور إلى عرض المفهوم القانوني لجريمة الإبادة الجماعيّة وتطوره في القانون الدّولي، وبيان الأركان الماديّة والمعنويّة المكوّنة لها، ولا سيما القصد الخاص الذي يميّزها عن سائر الجرائم الدّولية. كما يتناول هذا المحور مفهوم الجماعات المحميّة ونطاق الحماية التي أقرّها القانون الدّولي، وذلك بالاستناد إلى النّصوص الدّولية الأساسيّة والاجتهادات الصّادرة عن المحاكم الجنائيّة الدّوليّة.

ويشكّل هذا المحور الأساس النّظري والمنهجي الذي يُبنى عليه التّحليل التطبيقي في المحور الثاني، إذ يوفّر المعايير القانونيّة اللازمة لتقييم الوقائع محل البحث وتحديد مدى انطباق وصف جريمة الإبادة الجماعيّة عليها، وفق مقاربة قانونيّة علميّة دقيقة ، وذلك على النّحو الآتي:

أولًا: ماهيّة جريمة الإبادة الجماعيّة في القانون الدّولي وخصائصها:

جاءت اتفاقيّة الإبادة الجماعيّة ثمرة ظروفٍ تاريخيّة استثنائيّة، إذ شهد العالم بين العام 1939 و1945 اكتشاف جرائم منظمة استهدفت جماعات بشريّة كاملة، وعلى رأسها الهولوكوست، وشكل ذلك صدمة دوليّة من استخدام القتل الجماعي كسياسة للدّولة، إذ أظهرت محاكمات نورمبرغ، أنّ الجرائم الجماعيّة لا يمكن الاكتفاء بوصفها ” جرائم حرب” فقط، ومن هنا برزت الحاجة إلى جريمة مستقلة سُميت بالإبادة الجماعيّة.

كما شكل نشوء هيئة الأمم المتحدة دافعًا لتقنينها، سعيًا وراء تحقيق أهدافها الرئيسة لمنع تكرار الكوارث الإنسانيّة الكبرى، بوصفها تهديدًا للسّلم والأمن الدّوليين.

هذا ولم يكن مصطلح “الإبادة الجماعيّة” مُستخدمًا قبل اندلاع الحرب العالميّة الثانية. بل هو مصطلح محدد ابتكره وصاغه المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، واستُخدم لأول مرة في كتابه الصّادر العام 1944، Axis Rule in Occupied Europe حكم المحور في أوروبا المحتلة، وقد حللّ ليمكين سياسات النّازية في الاضطهاد المنهجي والقتل الجماعي خلال الحرب العالمية الثانية، وتضمن تحليله وصفًا لإبادة يهود أوروبا، وهو ما يُعرف اليوم بالهولوكوست، وكان أول من استخدم مصطلح” الإبادة الجماعيّة Geno Cide” من خلال الجمع بين كلمة Geno التي تعني العرق أو القبيلة، مع كلمة Cide التي تعني القتل. كما عرّف ليمكين “الإبادة الجماعيّة” أنّها “خطة منسقة من أعمال مختلفة تهدف إلى تدمير الأسس الجوهريّة لحياة الجماعات القوميّة، بهدف إبادة الجماعات نفسها.

انعقدت في العام 1945، المحكمة العسكريّة الدّولية في نورمبرغ بألمانيا، أثناء المحاكمة، وجهت اتهامات بحق 24 مسؤولًا من كبار المسؤولين النّازيين بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم حرب من بين جرائم أخرى، على النّحو المحدد في ميثاق نورمبرغ، وقد استخدم المدّعون العامون في المحكمة العسكريّة الدّولية كلمة “الإبادة الجماعيّة” في لائحة الاتهام كوسيلة لوصف جرائم الهولوكوست النّازية. ومع ذلك، لم يكن هذا مصطلحًا قانونيًا في ذلك الوقت.

 ولكن لم يُعترَف بـ “الإبادة الجماعيّة” كجريمة دوليّة حتى التاسع من كانون الأول لعام حين أُقرّت اتفاقيّة منع الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها، ودخلت حيز التنفيذ العام 1951، وأصبحت فيما بعد جزءًا من القانون الدّولي العُرفي، فباتت مُلزمة للدول غير المنضمة إليها في جوهرها.

جرى صياغة الاتفاقيّة على ثلاث مراحل، أولًا: وضعت الأمانة العامة للأمم المتحدة مشروعًا للنّص، تضمن خلاصة للمفاهيم من شأنها مساعدة الجمعيّة العامة لمحاولة تقديم نص يساهم في تسوية الاختلافات الرئيسة، وثانيًا: أعادت اللجنة مخصصة منشأة تحت سلطة المجلس الاقتصادي والاجتماعي صياغة مشروع الأمانة العامة، وأخيرًا:اتخذت اللجنة السادسة للجمعيّة العامة مشروع اللجنة المتخصصة أساسًا للمفاوضات التي أجرتها أواخر العام 1948 والتي تمت الموافقة عليها على النص النّهائي للاتفاقيّة، وتقديمه إلى الجمعية العامة لاعتماده رسميًّا في جلسة عامة.

وأشارت الدّيباجة إلى قرار الجمعية العامة 96 (د-1) التي تؤكد أنّ “الإبادة الجماعيّة جريمة بمقتضى القانون الدّولي تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن”، وهي تعلن أنّ الإبادة الجماعيّة قد ألحقت، في جميع عصور التاريخ خسائر جسيمة بالإنسانيّة، وأنّ تحرير البشريّة من هذه الآفة البغيضة، يتطلب التّعاون الدّولي”.

وقد جرى لاحقًا تقنين الجريمة المذكورة في المادة السادسة من ميثاق روما، المنشأ للمحكمة الجنائيّة الدّوليّة بوصفها من اختصاص المحكمة.

وقدمت المادة الأولى من اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة، والعقاب عليها التي أقرتها الأمم المتحدة توضيحًا مهمًّا، بأن وقوع هذه الجريمة ليس مرتبطًا بوقت الحرب، بل قد تقع في وقت السّلم وبداية الحرب وانتهائها، وهذا ما يميزها من جرائم الحرب التي تقع خلال سير الحرب بالمخالفة لقوانين وعادات الحروب، كما تتميز من الجرائم ضد الإنسانيّة التي ظلت إمكانيّة ارتكابها حالة وجود نزاع مسلح موضعًا للشك حتى العام 1948 أي تاريخ إقرار الاتفاقيّة الخاصة بالإبادة الجماعيّة.

وقد ربطت المادّة وبحق بين المنع والعقاب، إذ لم يكتفِ النّص بالعقاب على جريمة الإبادة الجماعيّة، بل عاقب على التّحريض المباشر والعلني على ارتكابها في محاولة لمنع وقوعها.

ثم عرفت المادة الثانيّة من الاتفاقية الإبادة الجماعيّة بأنّها” أيًّا من الأفعال المرتكبة بقصد التّدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قوميّة أو إثنيّة أو عنصريّة أو دينيّة، بصفتها، ونصت على خمسة أفعال تعد جرائم إبادة جماعيّة وهي:

أ‌-    قتل أعضاء من الجماعة، ب-  إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، ج-  إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشيّة يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا، د- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب أطفال داخل الجماعة، هـ- نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

وقد جرى لاحقًا النّص على مفهوم الجريمة المذكورة في المادة السّادسة من ميثاق روما المنشأ للمحكمة الجنائيّة الدّوليّة بوصفها من اختصاص المحكمة.

ويمكن القول إنّ الأساس الذي قامت عليه المفاهيم هو وجود القصد الجنائي المبيت والصريح إلى إهلاك، أو تدمير، أو القضاء بصورة كاملة أو جزئية، على جماعة محددة، سواء أكانت انتماء تلك الجماعات يقوم على أساس ديني، أو عرقي، أو مذهبي أو قومي، وذلك من خلال مجموعة من الأفعال التي جرى تحديدها في الاتفاقيّات الدّولية، كالقتل، والضّرر الجسدي، أو العقلي الجسيم، أو إخضاع الجماعة لظروف معيشيّة تهدف إلى إهلاكهم ولو جزئيًّا، أو قطع نسلهم، أو نقل أطفال الجماعة عنوةً.

وتكمن خطورة الجريمة، بما تتركه من آثار سلبيّة على الأجيال المستقبليّة لتلك الجماعات، وهو ما يجعل أثرها أكثر من خطر محلي على الجماعة ذاتها، بل هو خطر على المجتمع الدّولي ككل، وهذا جعلها تتميز بمجموعة من الخصائص التي تميزها من غيرها، سواء لجهة صفة المجني عليهم، أو لناحية الطبيعة الدّوليّة للجريمة، أو لناحية صفة مرتكبي الجريمة، ومن ناحية أخيرة القضاء المختص لمعاقبة مرتكبيها.

 فمن جهة أولى حددت الاتفاقيّة صفة المجني عليهم في جريمة الإبادة الجماعيّة، إذ أشارت التّعريفات إلى أربع أنواع من الجماعات التي تعدُّ ضحايا ” محتملة” للجريمة وهم:

الجماعات القوميّة: وهي الجماعات التي يكون لها أصل قومي مشترك، وتشترك في عناصر أساسية مثل اللغة، التّاريخ، الثقافة، المذهب أو الأيدولوجية، الأرض، المصير المشترك… إلخ، والأصل القومي يختلف عن الجنسيّة، فقد تنتمي الجماعات لأفراد يحملون جنسيّات دول مختلفة، ولكن يجمهم معتقد قومي واحد.

الجماعات الإثنيّة: تقوم الجماعات هذه على أساس العناصر المتوارثة في فئة معينة، بصرف النّظر عن أماكن وجودهم، وهي أقل نطاقًا من الجماعات القوميّة إذ تقوم العناصر التي تجمعها على مفاهيم معينة محصورة تناقلتها من السلف.

الجماعات الدّينيّة: وهي تجمعات لأفراد يتشاركون في الإيمان والممارسات الدّينيّة، وهي كيانات ذات هوية مشتركة متجذرة غالبًا بحسب مفهومها لتلبية احتياجات روحيّة واجتماعيّة، وتتنوع أشكالها من المجموعات الإصلاحيّة إلى الحركات السياسيّة أو الجهاديّة أحيانًا، وهي في الغالب تعتمد على مرجعيّة دينيّة أساسيّة لتوجيه السّلوك والأهداف.

الجماعات العنصريّة: مجموعات تؤمن بتفوق عرق أو أصل معين على الآخرين وتُمارس التّمييز ضدهم، وتتمايز عن الجماعات السّابقة بشعورها ” بالتّفوق” المبني على اللون أو العرق أو الدين، وغالبًا ما تمتاز بالتّعصب لتحقيق أغراضها.

وسيان أن يطال الاعتداء المصنف كجريمة إبادة جماعيّة كل هذه الجماعات أو فئة منها، وسواء كانوا من النساء أو الرجال أو الأطفال أو الكبار أو الشيوخ، وسواء طال زعماء الجماعة أو أفرادها العاديين، وإنما يشترط أن يكون قد وقع الاعتداء على ” مجموعة” لا على فرد فيها، وإلّا عُدَّ في الحالة الأخيرة جريمة ضد الإنسانيّة أو جريمة داخليّة على حسب الأحوال([2]).

ومن جهة ثانية، أقرت الاتفاقيّة الطبيعة الدّوليّة لجريمة الإبادة الجماعيّة، فالجريمة تكمن خطورتها بما تتركها من بصمات وآثار مستقبليّة، وهو الأمر الذي حدا بالمجتمع الدّولي لصياغتها بأكثر من اتفاقيّة دوليّة باتت جزءًا لا يتجزأ من القانون الدّولي الجنائي، إذ تعدُّ اتفاقيّة مكافحة جريمة الإبادة والمعاقبة عليها هي القاعدة القانونيّة الدّوليّة والتي نظمت أركان هذه الجريمة وخصائصها وكيفيّة ارتكابها، وآليات مكافحتها والمعاقبة عليها، وتعدُّ ملزمة للدّول كافة، سواء أكانت طرفًا فيها أو لم تكن، وبالتالي لم يعد ممكنًا عدِّها شأنًا داخليًّا يدخل في اختصاص الدّولة الدّاخلي فقط، بل سعى المجتمع الدّولي إلى تدويل ارتكاب الجريمة من خلال إيقاع المسؤوليّة على الدّولة وعلى الفرد أمام المجتمع الدّولي ومن خلال عدَّ الحق المُعتدى عليه يتجاوز الضّرر الحاصل للجماعة أو للدّولة التي ارتكب بها، بل ضرر يطال السّلم والأمن الدّوليين، وهذا كان رابط اختصاص المحكمة الجنائيّة الدّوليّة للنّظر بها وفق المادة 5 من ميثاق روما.

ومن جهة ثالثة، ميزت الاتفاقيّة صفة الجاني مرتكب الجريمة، فقد عمدت الاتفاقيّة على تجنبًا لتهّرب الفاعل من المساءلة القضائيّة عن ارتكاب هذه الجريمة تحت مسمى الجريمة السياسيّة، فقد لجأ المجتمع الدّولي إلى إخراجها من غطاء الجريمة السياسيّة، ورفض إسباغ هذه الصّفة عليها، لمنع تهرب مرتكبيها من العقاب تحت حصانات سياسيّة، فقد عدّت المادة 7 من الاتفاقيّة أنّه ” لا تعدُّ هذه الجريمة والأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة جرائم سياسيّة على صعيد تسليم المجرمين، وتعد الأطراف المتعاقدة في مثل هذه الحالات بتلبية طلب التّسليم وفقًا لقوانينها ومعاهداتها النّافذة المفعول”.

ومن جهة رابعة، أقرت لجهة القضاء المختص بالملاحقة، في المادة السّادسة منها، أنّ محاكمة مرتكبي الجريمة يكون على ثلاث مستويات، أمام المحاكم الوطنية للأشخاص حاملي جنسيتها، أو أمام محاكم الدّولة الوطنيّة التي ارتكب الافراد الجريمة على أرضها، أو أمام المحاكم الجنائيّة الدّولية ذات الاختصاص، من دون أنّ تمييز في العقاب بين من ارتكبها سواء كانوا حكامًا دستوريين، أو موظفين عاميين أو أفرادًا، وتقع هذه المسؤولية القانونية على عاتق من ارتكب، أو ساهم، أو أمر، أو من حرض على ارتكابها([3]).

ويقتضي الإشارة وانطلاقًا من عدم جواز محاكمة الشّخص مرتين عن الجريمة ذاتها، أم ميثاق روما قد أكّد في المادة 20 منه على عدم جواز أن تنظر المحكمة في أي سلوك كانت محاكمة فاعله أمام محكمة أخرى وطنيّة أو دوليّة، سواء أكان الشّخص قد أُدين أو صدر حكم ببراءته، طالما تعلق الأمر بذات السّلوك الذي تمت محاكمته عليه، إلّا في حالتين (م 20 / أ و ب):

أ‌-    أن يتكون المحاكمة قد اتخذت لحماية المرتكب من المسؤوليّة الجنائيّة عن جرائم تدخل في اختصاص المحكمة.

ب‌-  إذا كانت المحاكمة لم تجرَ بصورة تتسم بالاستقلال أو النّزاهة وفقًا لأصول المحاكمات المعترف بها بموجب القانون الدّولي، أو جرت في هذه الظروف، على نحوٍ لا يتسق مع النيّة إلى تقديم الشّخص المعني للعدالة.

ثانيًا: أركان جريمة الإبادة الجماعيّة والعقوبات المقررة لها: 

تقوم هذه الجريمة كغيرها من الجرائم الدّوليّة على ثلاثة أركان: مادي ومعنوي ودولي، على افتراض تحقق الشّرط المسبق المتعلق بصفة المجموعة، كمجني عليهم.

يتمثل الرّكن المادي للجريمة بكل فعل غير إنساني صارخ  أو سلوك إجرامي يقوم به الجاني سواء تمثل بصورة إيجابيّة أو سلبيّة، يهدف إلى تحقيق نتيجة الجاني الجرميّة وهو ارتكاب جريمة إبادة لمجموعة أو جزء منها بناء على خلفية دينيّة أو عرقيّة أو… إلخ، وقد ورد وصف لطبيعة الأفعال الماديّة محدد على سبيل الحصر لا المثال([4]) سواء في اتفاقيّة منع الإبادة والعقاب عليها أو في ميثاق روما للمحكمة الجنائيّة الدّولية وقد حُددت خمس أفعال وهي :

أ- قتل أفراد الجماعة: هو يُعدُّ من أخطر صور الأفعال المكونة للجريمة، وقد يلجأ الجاني في هذه الحالة إلى قتل شخصين أو أكثر من الجماعة، بوجود قصد مسبق لدى الجاني بإهلاكها، سواء أكان ذلك بصورة كليّة، أو جزئيّة، ويشمل مفهوم القتل التّسبب في الموت.

ويعد القتل من أكثر الصّور شيوعًا، فقد هزّت العديد من المذابح المجتمع الدّولي، أبرزها مجزرة “سربرنيتشا”، التي قُتل فيها ما يقرب ثمانية آلاف شخص من البوسنيين المسلمين في يوليو العام 1995 على يد القوات الصربيّة([5]).

ب- الحاق أذى جسدي أو عقلي خطير بأفراد الجماعة: وتتحقق هذه الصورة بكل وسيلة مادية أو معنوية تقع على السلامة الجسدية أو العقلية لأعضاء الجماعة، وقد اشترطت الاتفاقية أن يكون الأذى قد بلغ درجة من الجسامة والخطورة سواء بالضر أو الجرح أو التشويه المفضي إلى إحداث عاهات بهم، أو تعريضهم للإصابة بأمراض معدية، أو تعذيبهم جسدياً، أو عقلياً، أو اجبارهم على تناول مواد فاسدة، وكل فعل من شأنه إضعاف الجماعة وإعاقتهم عن ممارسة وظائفهم الطبيعية في الحياة.

وقد عدّت المحكمة الجنائيّة الدّولية “بروندا”، أنّ الاغتصاب والاعتداء الجنسي الذي رافق عمليّات هذه الجريمة في روندا، ضد التّوتسي( مجموعة عرقيّة)  يدخل ضمن مفهوم الأذى الجسيم وبوصفها تشكل جرائم إبادة وانتهاك للكرامة الإنسانيّة([6]).

ج-إخضاع الجماعة لظروف معيشيّة قاسية قد تفضي للهلاك: تأخذ هذه الصّورة قيام الجاني أو الجناة بإخضاع أفراد الجماعة إلى وسائل معينة معيشيّة تستهدف القضاء عليهم أو اهلاكهم، سواء أكان ذلك من خلال فرض إقامتهم في أماكن معينة في ظروف حياتيّة تخلو من مقومات البقاء، أو وضع الجماعة في بيئة ملوثة بالجراثيم أو بالأوبئة، أو تركهم من دون دواء أو علاج بهدف إهلاكهم.

وقد شهد العصر الحديث على أفظع جرائم العدو الإسرائيلي الذي مارس حصارًا مميتًا على شعب غزة، فعمد إلى منع وصول أي مساعدات غذائيّة، أو إنسانيّة أو طبيّة وتركتهم تحت وطأة عدوانه وصواريخه يصارعون الموت من دون أي مقومات بهدف إهلاكهم، وإبادتهم وذلك على مدى أكثر من عام ونصف منذ الثامن من أكتوبر 2023.

د- فرض تدابير تستهدف الحؤول من دون إنجاب أطفال داخل الجماعة: تعدّ هذه التّدابير إحدى صور الأركان الماديّة لجرم الإبادة الجماعيّة والتي تهدف إلى تقليل سكان الجماعة، ومنع تكاثرهم ونموهم، وبالتالي فهي تستهدف اهلاكها بصورة غير مباشرة، سواء عبر تحريم الحمل أو تطعيم نسائها بعقاقير تمنع الحمل، أو الإجبار على الإجهاض، أو إخصاء الرّجال أو بغير ذلك من الوسائل.

وقد عدّت المحكمة الجنائيّة ” لرواندا” اغتصاب النّساء بهدف تغيير التّركيبة الجينيّة للجيل القادم أحد أبرز الأساليب التي اتباعها في عمليّات الإبادة الجماعيّة في روندا([7]).

ه- نقل الأطفال: تعدُّ هذه الطريقة من قبيل الإبادة الثقافيّة الاجتماعيّة، إذ تفترض الحيلولة بين الأطفال وبين تعلم لغة جماعتهم، أو اكتساب عاداتها وتقاليدها، وحضارتها. ويستوي أن تنقلهم إلى جماعة تكفل لهم الرّعاية الصّحيّة أو الاجتماعيّة أو الثّقافيّة، أم لا تؤمن لهم ذلك.

ويمكن تصوّر أنّ المحاولة أو الشّروع المعاقب في هذه الجريمة، كما لو بدأ الجاني بأحد صور الأركان الماديّة السابقة، ولكن لم تتحقق النّتيجة التي كان يقصدها لسبب خارج عن إرادته، كما لو قامت الجماعة أو بعضها بمقاومة المعتدي إذ اضطر للتّوقف بسبب تهديد من دولة أخرى، أو من مجلس الأمن أو من أحد الأجهزة الدّوليّة الأخرى.

وهذه المحاولة في هذه الجريمة، كسائر الجرائم الدّوليّة، هي معاقبة كالجريمة التّامة([8]).

ويتخذ الرّكن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعيّة: صورة القصدين العام والخاص، بدلالة النّص باستعماله كلمة قصد ” إهلاك الجماعة”. ويقوم القصد العام على العلم والإرادة، الجاني يعلم يما ينطوي عليه فعله من قتل وإيذاء، وبقبوله النّتائج المترتبة عليها.

وأوضح ميثاق روما مفهوم العلم المقصود في المادة 30/3 أنّ العلم أن يكون الشّخص مدركًا أنه توجد ظروف، أو ستحدث نتائج في المسار العادي للأحداث، وتفسر لفظتا يعلم أو عن علم تبعًا لذلك”.

بينما تتمثل الإرادة كما يعرّفها الفقه أنّها نشاط نفسي يتجسد في قدرة الإنسان على توجيه نفسه إلى فعل معين أو الامتناع عنه، وقبول المخرجات التي تترتب عليها([9])، وقد أكدت المادة 30 من الميثاق أنّها تتحقق في حالتين:

أ‌-    فيما يتعلق بالسلوك فقصد الجاني يتحقق عندما يقصد الجاني بسلوكه ارتكابه.

ب‌- وفيما يتعلق بالنتيجة، فإنّ قصد الجاني يتحقق عندما علم أو أدرك أنّ النتيجة الحاصلة ستحدث في الإطار الطبيعي للفعل الذي قام به.

ومن اللافت أنّ ميثاق روما قد نص وبشكل صريح في سياق تحديد المسؤوليّات الجنائيّة وموانع العقاب، أنّه إذا ارتكب أي شخص جريمة من الجرائم تتعلق بالإبادة الجماعيّة، فإنّه لا يمكن التذرع بالإعفاء من العقاب إذا كان قد ارتكب الجريمة امتثالاً لأمر الحومة أو رئيس، عسكرياً كان أو مدنيًّا، إذ عدّ الميثاق (أ)، عدم مشروعيّة الفعل تكون ظاهرة ولا يمكن التّذرع بتنفيذ الأوامر في هذه الحالة (المادة 33 فقرة 1/ج – فقرة 2).

 ومن هنا وجدت الاتفاقيّات الدّولية ضرورة معاقبة فاعلو الجريمة بصرف النّظر عن مكانتهم وحصانتهم في الدولة المرتكبة، سواء أكانوا حكَّامًا، دستوريين أو موظفين عامين أو أفرادًا وفق المادة الرابعة من اتفاقيّة 1948.

بينما يقوم القصد الخاص، في قصد الإهلاك والإبادة، سواء اتجه القصد لتحقيقها كليًّا أو جزئيًّا، أي أن تكون لدى الجاني نية مُبيتة وواضحة بتدمير الجماعة، وفي حال انتفاء هذا القصد، فإنّ الفعل يخرج عن نطاق الإبادة الجماعيّة، ولا يمكن عدّه إدانة بها.

وعلى الرّغم من أهمّية هذا القصد، إلّا أنّ إثباته ليس بسيطًا، على أنّه يمكن أن يصار إلى إثباته بالوسائل كافّة ، وهذا ما أكّدته المحكمة الجنائيّة الخاصة برواندا، وقد جاء في قرارها بخصوص قضيّة ( جام بول أكاسيو) أنّه ” إمكانيّة الاستدلال على نيّة الإهلاك من مجمل أقوال المتهم، وأفعاله، أو مجمل أفعال أخرى مرتكبة من مجموعة ينتمي إليها”، وبالتالي فإنّ الاثبات قد من خلال ما يستدل عليه من أوامر أو قرارات من الجهات العليا، أو من خلال شهادة الشّهود، ومن خلال وقائع عسكريّة خاصة، أو تصريحات إعلاميّة أو غيرها من الوسائل المحاطة بالجريمة عينها([10]).

أمّا بالنسبة إلى الرّكن الدّولي لجريمة الإبادة الجماعيّة: فيتحقق بقيام الدّولة بوضع خطة مرسومة لإبادة المجموعات العرقيّة أو الإثنيّة أو …إلخ، وذلك من خلال سلوك أي من الأفعال الماديّة السّابقة يقوم بها رؤساء الدّولة، أو الموظفون الكبار، أو الصّغار، أو بعض الأفراد بطلب أو تشجيع أو رضاء من الدّولة.

وعلى الرّغم من أنّ فكرة الرّكن الدّولي ترتبط بدولتين، إلّا أنّه بصدد الجرائم الإنسانيّة منها جريمة الإبادة الجماعيّة، لا يُتشرط ان تكون المجموعات المستهدفة تنتمي لدولة أخرى، فقد يكون المجني عليهم مقيمين في الدّولة ذاتها، ففي القانون الدّولي الحديث، لم تعد معاملة الدّولة لمواطنيها شأنًا داخليًّا بحتًا، بل أصبحت خاضعة لرقابة وقواعد دوليّة، خاصة مع تطور مفاهيم حقوق الإنسان، والتّدخل الإنساني، ومسؤوليّة الحماية، مما يحدّ من سيادة الدّولة المطلقة ويُدخل أفعالها تجاه مواطنيها ضمن اختصاص المجتمع الدّولي ، وتكون الأفعال المرتكبة من الدّولة ضد مواطنيها والمتجاوزة للضوابط  سواء في وقت السّلم أو الحرب ، خاضعة لمسألة القانون الجزائي الدّولي ومحاكمه.

العقوبات المقررة لجريمة الإبادة الجماعيّة:

لم يأتِ النّص في اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة والعقاب عليها على مقار العقوبة المقررة لها، بينما ورد النّص في ميثاق روما للمحكمة الجنائيّة الدّولية على الجزاء المقرر للجرائم التي تقع ضمن اختصاصها ومنها جريمة الإبادة الجماعيّة، وقد جاء النص في المادة 77 منه على أنّه للمحكمة أن توقع على الشّخص المُدان بارتكاب جريمة في إطار المادة 5 من النظام الأساسي إحدى العقوبات الآتية:

1-  السّجن لعدد محدد من السنّوات لا يتجاوز 30 سنة.

2-  السّجن المؤبد حيثما تكون العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظّروف الخاصة بالشّخص المُدان.

3-  وللمحكمة بالإضافة للسّجن أن تأمر، بفرض غرامة بموجب المعايير المنصوص عنها في القواعد الإجرائيّة وقواعد الاثبات.

4-  كما مصادرة العائدات والممتلكات والأصول المتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تلك الجريمة، من دون المساس بحقوق الأطراف الثالثة حسنة النيّة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ التّحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعيّة يعاقب عليها بذات الجزاء، حتى لو لم يفضِ الى نتيجة (25/ ه) من نظام المحكمة.

المحور الثاني: جريمة تفجير أجهزة النّداء في لبنان وتكييفها كجريمة إبادة جماعيّة وفق أحكام القانون الجنائي الدّولي:

بعد عرض الإطار القانوني الناظم لجريمة الإبادة الجماعيّة في المحور الأول، ينتقل هذا البحث في المحور الثاني إلى تطبيق هذه القواعد على واقعة تفجيرات أجهزة النّداء التي شهدها لبنان في العام 2024، وذلك من خلال تحليل الوقائع في ضوء المعايير التي أرساها القانون الدّولي والاجتهاد الجنائي الدّولي. ويهدف هذا المحور إلى دراسة طبيعة الجماعة المستهدفة، وتفصيل عناصر الحادثة في التّوقيت والوسيلة والنتائج، وبيان ما إذا كان الاستهداف قد انصبّ على جماعة محددة الانتماء والهُويّة.

كما يتناول هذا المحور مدى توافر الأركان الماديّة والمعنويّة لجريمة الإبادة الجماعيّة، ولا سيما القصد الخاص، بالاستناد إلى سوابق المحاكم الجنائيّة الدّوليّة، ويشكّل هذا المحور حلقة الوصل بين الإطار النّظري للجريمة وبين التّطبيق العملي على الوقائع محل البحث، تمهيدًا لاستخلاص التّكييف القانوني المناسب.

أولًا: توصيف الجماعة المستهدفة بتفجيرات أجهزة النّداء كجماعة دينيّة – أيديولوجيّة:

نشأ حزب الله في لبنان في سياق الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، وقد تبلورت نواته الأولى ضمن بيئة اجتماعيّة وسياسيّة متأثرة بالاحتلال وبالتّحولات الإقليميّة التي أعقبت الثورة الإسلاميّة في إيران العام 1979. وقد تشكّل الحزب كتنظيم ذي مرجعية دينيّة–أيديولوجيّة شيعيّة، مستلهمًا فكره السياسي من نظريّة ولاية الفقيه، ومتمحورًا منذ نشأته حول هدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وفي 16 شباط/فبراير 1985، أعلن الحزب وثيقته التأسيسيّة المعروفة بـ «الرّسالة المفتوحة إلى المستضعفين في لبنان والعالم»، التي حدّد فيها هويته العقديّة، وأهدافه السياسيّة، ورؤيته للصّراع مع إسرائيل، مؤكدًا الطابع الديني لخطابه والبعد الجماعي لمشروعه.

ومع انسحاب القوات الإسرائيليّة من معظم الأراضي اللبنانية العام 2000، ثم مشاركته في الانتخابات النيابيّة ابتداءً من العام 1992، انتقل الحزب تدريجيًا من تنظيم عِقدي–عسكري إلى فاعل سياسي واجتماعي مؤسسي، مع احتفاظه ببنيته الأيديولوجيّة والعسكريّة، ما رسّخ صورته كجماعة ذات هُويّة دينيّة–فكريّة واضحة ومستمرة عبر الزّمن([11]).

يتبيّن من تحليل البنيّة الفكرية والتّنظيميّة لـ “حزب الله” أنّ الرّابط الذي يجمع أفراده لا يقتصر على انتماء سياسي أو تنظيمي عابر، بل يقوم على أساس عِقدي–ديني محدد، يشكّل عنصر الهُويّة الجماعيّة للجماعة. فالحزب يستند إلى مرجعيّة دينيّة شيعيّة إثني عشريّة موحّدة، ويُخضع نشاطه وتوجهاته لما يُسمى بمبدأ ولاية الفقيه بوصفه إطارًا عِقديًا ناظمًا للقرار والسلوك، ما يوفّر وحدة مرجعيّة فكريّة عليا لأفراده.

ويترتّب على هذا الانتماء العِقدي التزام جماعي بمجموعة من القيم والمفاهيم الدّينيّة المشتركة، ولا سيما عدُّ المقاومة واجبًا ذا طابع ديني، والانضباط التّنظيمي القائم على التّكليف الشّرعي، وهو ما يُحوّل الجماعة إلى كيان متماسك تُحدَّد هويته على أساس ديني–أيديولوجي. وبذلك، فإنّ أفراد هذه الجماعة يُنظر إليهم، سواء من داخلها أو من الغير، بوصفهم منتمين إلى جماعة متميزة يمكن تحديدها، وتمييزها على أساس عقيدتها الدّينيّة.

ويُعد تحديد طبيعة الجماعة المستهدفة شرطًا جوهريًا لقيام جريمة الإبادة الجماعيّة، لأنّ الجماعة ” الدّينيّة الأيديولوجيّة” بحد ذاتها لا يحميها القانون الدّولي، كجماعة دينيّة وربما لا يعترف بمعتقدها أو بتوجهاتها، ولكن إذا عاملها الجاني ” كجماعة أيدولوجيّة” واستهدفها بسبب هذه الهُويّة، فحينها تُعد جماعة محميّة بالقانون ويُجرم القانون الاعتداء الجسيم الذي يطالها، أيّ أنّ الهُويّة تُستمد من الاستهداف، أي بعبارة أدق العبرة بما ليست الجماعة عليه، بقدر ما يعتقد الجاني أنّها تُمثل، وكان ذلك سببًا في استهدافها.

هذا المعيار الذي تبناه القضاء الدّولي في جريمة الإبادة الجماعيّة، يجد أساسه في أنّ جريمة الإبادة لا تُرتكب صدفةً، بل تُرتكب بدافع الكراهية أو العداء لهُويّة جماعة معيّنة، ولو وضعت الاتفاقيّات تعريفًا جامدًا للجماعة، لأمكن للجناة الإفلات من المسؤوليّة، عبر استهداف جماعات غير تقليديّة سياسيّة أو دينيّة أو أيديولوجيّة.

إذ يمكن القول بعبارة أدّق أنّ القضاء حين يجرم الإبادة لا يبحث فقط ” فيمن هم الضحايا”، بل في ” لماذا اختارهم الجاني تحديدًا” لأنّ القصد الخاص يكمن هنا. وقد كرست المحكمة رواندا الجنائيّة الدّوليّة ذلك في إدانتها ضد “جان بول أكاسييو”، على أن توصيف الجماعة يُستنَد إلى تصور الجاني لها، لا إلى توصيفها القانوني أو السياسي الدّاخلي([12]).

وعليه، فإنّ استهداف أفراد حزب الله بصفتهم المنتمية إلى هذه الجماعة يضعهم ضمن نطاق الحماية المنصوص عليها في اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة لعام 1948، ويجعل الشّرط المسبق “صفة المجني عليهم ” متحققًا، ما يقودنا لتبيان مدى توافر أركان الجريمة.

 ثانيًا: توافر أركان جريمة الإبادة الجماعيّة على جريمة تفجير أجهزة النّداء :

وقعت سلسلة تفجيرات في يومي 17 و 18 سبتمبر 2024، عندما انفجرت آلاف أجهزة الاتصال المحمولة التي يستخدمها أعضاء حزب الله وعناصره في مناطق متعددة من لبنان، فقد بدأت الموجة الأولى في السّابع عشر من سبتمبر واستهدفت أجهزة البيجر، وقُتل خلالها عدد من  الضحايا  وأُصيب الآلاف، وفي اليوم الذي يليه وبتوقيتٍ مماثل انفجرت الموجة الثانية التي طالت أجهزة الرّاديو اللاسلكي والتي قتل فيها العديد وأصيب آلاف أخرى، كما أوضحت وزارة الصّحّة اللبنانيّة، وشملت إصابات الضّحايا فقدان أطراف وأصابع وأيد وعيون، بالإضافة إلى شظايا في الدّماغ، وعاهات مستديمة، ما ألحق أذىً جسديًّا ونفسيًّا كبيرًا بالضحايا.

وإذ إنّ الأفعال الماديّة المذكورة تُشكل جرائم إبادة بالمعنى الموصوف في الاتفاقيّات الدّوليّة، سيما أنّه قد جرى استخدام وسيلة مدنية كأداة قتل، في أماكن غير عسكريّة، ومن دون أيّ إمكانيّة للتّمييز أو الاحتياط، مما يشكّل فعلًا محظورًا ويحقق أحد الأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقيّة الإبادة الجماعيّة، ولا سيما القتل وإلحاق الأذى الجسيم، بوصفها أفعالًا مكونة للركن المادي للجرم، فيُعدُّ بعدها الرّكن المادي للجرم متحققًا.

أمّا لناحية توافر الرّكن المعنوي، بقصديه العام والخاص القصد الخاص.

ففيما يتعلق بالقصد العام، فإنّ عنصري، الإدارة في إتيان الفعل، والعلم بنتائجه متوافرة، إذ أظهر التّحقيقات أنّ تلاعبًا خبيثًا جرى في أجهزة البيجر قبل شحنها إلى لبنان، فكانت أجهزة مصممة للقتل أو الإصابة الجسيمة، تنفجر بشكل غير متوقع عندما يقوم حاملها بعمل آمن للرد على جهاز الاستدعاء([13]).

وتبين لاحقًا بما تجمع من معلومات استخباراتيّة، نشرتها صحيفة the new York times، أنّ عمليّة التّفجير لم تكن مجرد تفجيرٍ عشوائي لأجهزة الاتصالات، أو اختراق آني، بل كانت عمليّة استخباراتيّة معقدة خُطِّط لها على مدى سنوات، فالأجهزة التي انفجرت والتي تحمل علامة تجاريّة Gold Apollo  التّايوانيّة، قد وصلت إلى لبنان بكميات صغيرة في صيف العام 2022، ثم تزايد التّوريد قبل مدّة الانفجارات، وهي أجهزة صادرة عن شركة ظاهرها قانوني مقرها هنغاريا باسم “ BAC Consulting” ، لكن أظهرت التّحقيقات أنّها شركة وسيطة مزيّفة أنشأتها الاستخبارات الإسرائيليّة لتصنيع الأجهزة وتوريدها، وأُنشئت لاحقًا شركتين إضافيتين لإخفاء روابط الشّركة المذكورة، مع الاستخبارات الإسرائيليّة ما جعل من الصّعب تتبع مصدر الأجهزة، أيّ أنّ الأجهزة كانت تحمل علامة الشّركة التّايوانيّة ما منحها مظهرًا مشروعًا، لكن التّصميم والتّصنيع الحقيقي كان مسؤوليّة الشّركة الوسيطة المزيفة التي زُعم في البداية أنّها فقط وسيطة ثم وُجد أنّها المصنع الحقيقي، وقد نفت لاحقًا الشّركة التّايوانيّة أنّها صنعت الأجهزة بنفسها، مشيرة إلى أنّها الشّركة الوسيطة هي المسؤولة عن تصميمها وبنائها، وأنّها فقط سمحت باستخدام علامتها التّجاريّة، ولاحقًا أظهرت البيانات الحكوميّة الهنغاريّة أنّ شركة “ BAC Consulting ، لم تكن لديها أي منشآت تصنيع حقيقيّة، ولم تكن موجودة على أراضيها، ما كشف الطّابع المزيف للشّركة([14]).

اعترف بتاريخ لاحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بمسؤوليّة إسرائيل صراحة عن عمليّة تفجير أجهز النّداء في لبنان وذلك في اعتراف علني عن مسؤوليته بالجريمة التي راح ضحيتها ما يزيد على 40 شخصًا، بينما جرح قرابة 4000 آلاف شخص، وأُصيبوا بإصابات بليغة وبتر أطراف تسببت بعاهات مستديمة([15]).

ثم نشرت لاحقًا مقابلة أجرتها شبكة “سي بي إس نيوز” الأميركيّة مع عميلين سابقين بالموساد الإسرائيلي تفاصيل جديدة عن خطة المخابرات الإسرائيليّة لاستهداف مقاتلي حزب الله عن طريق تفخيخ الآلاف من أجهزة النّداء الآلي المعروفة بـ”البيجر”، وخلال مقابلة مع البرنامج الأميركي “60 دقيقة” على شبكة “سي بي إس نيوز”، كشف عميلا الموساد اللذان أدارا العمليّة -التي أطلق عليها الموساد اسم “عمليّة البيجر”- أنّ التّخطيط لاستهداف حزب الله بتفخيخ أجهزة الاتصال بدأت قبل 10 سنوات، وبدأت بتفخيخ أجهزة الاتصال اللاسلكيّة المعروفة بـ”ووكي توكي“.

وقال العميلان -اللذان ظهرا ملثمين وأشارت لهما القناة بأسماء مستعارة- إنّ تفخيخ بطاريات الأجهزة حصل في منشأة للموساد بإسرائيل، وأشارا إلى أنّ المخابرات الإسرائيليّة أنشأت مجموعة معقدة من الشّركات الوهمّيّة دوليًّا، لتطوير الأجهزة وتوزيعها.

وأوضحا أنّ حزب الله اشترى أكثر من 16 ألفًا من تلك الأجهزة المفخخة بسعر جيد، وأنّ بعضها استُخدِمت ضد عناصر الحزب يوم 18 سبتمبر/أيلول، مشيرين إلى أنّ السّعر لم يكن منخفضًا حتى لا يثير الرّيبة لدى الحزب.

وقال أحد العميلين إنّ الموساد علم أنّ حزب الله يريد شراء أجهزة اتصال من شركة غولد أبولو في تايوان، وكانت أجهزة الاتصال التي تنتجها غولد أبولو أنيقة ولامعة ويمكن وضعها في الجيب، لكنّها لم تكن تتناسب مع خطة الموساد الذي يريد أجهزة اتصال أكبر حجمًا ليتمكن من وضع المتفجرات داخلها، لذلك بدأ العام 2022 في تطوير أجهزة استدعاء مفخخة وأكبر حجمًا، وتحدّث عن مشاكل خلال تطوير أجهزة الاستدعاء المفخخة، تتعلق بحجمها الكبير ووزنها الثّقيل، ومخاوف بشأن إقناع حزب الله بشرائها، ولفت إلى نقاش دار بينه ورئيس الموساد ديفيد برنيع بهذا الشّأن.

وكشف أنّ الموساد روج لجهاز الاستدعاء في وقت لاحق من خلال إعلانات مزيفة على موقع يوتيوب، ومن ثمَّ كان التّرويج لمزاياه، ووصفها أنّها قويّة ومقاومة للغبار والماء، إضافة إلى عمر بطاريتها الطّويل.

أوضح أنّ الموساد أنشأ شركة وهمّيّة لخداع شركة غولد أبولو للعمل معها لتصنيع الأجهزة التي صُنِّعت كليًّا من المخابرات الإسرائيليّة، مشيرًا إلى أنّ الموساد قام بتعيين “وكيلة المبيعات” في الشّركة الوهميّة لتسويق الأجهزة المطورة، عبر موقع الكتروني، جرى تعطيله بعد إتمام العمليّة مباشرة([16]).

كل هذه المعطيات والتّصريحات العلنيّة الواضحة؛ تُشير بما لا يدع مجالًا للشّك لتوافر الرّكن المعنوي بقصده العام.

أمّا القصد الخاص وهو العنصر الفاصل بين جريمة الإبادة الجماعيّة وسائر الجرائم الدّوليّة، إذ يشكل القصد الخاص، أو قصد الإهلاك، العنصر الحاسم في قيام جريمة الإبادة الجماعيّة، إذ يجب أن يكون الفعل المرتكب مقترنًا بنيّة تدمير جماعة محميّة، كليًا أو جزئيًا، بصفتها هذه. وقد أكّدت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة لرواندا في قضية Akayesu أنّ قصد الإبادة لا يُشترط أن يكون صريحًا أو معلنًا، بل يجوز استخلاصه من مجمل الظروف المحيطة بالفعل، ولا سيما من نمط السّلوك الإجرامي، وطبيعة الوسائل المستخدمة، والسّياق العام الذي ارتُكبت فيه الأفعال([17]).

وفي واقعة تفجيرات أجهزة النّداء، يتجلّى قصد الإهلاك من خلال التّخطيط المسبق لاستخدام وسيلة قتل خفيّة ومصمَّمة خصيصًا لإحداث الموت أو التّشويه الحتمي عند استعمال الجهاز، بما يحرم الضحيّة من أي إمكانيّة للنجاة أو الاحتياط. كما أنّ تفجير الأجهزة بصورة متزامنة، وانتقائيّة، ومحصورة بأفراد ينتمون إلى جماعة محددة ذات هُويّة دينيّة–أيديولوجيّة، يدل على أنّ الاستهداف لم يكن موجّهًا إلى أفعال فرديّة أو إلى أهداف عسكريّة مباشرة، بل إلى الانتماء الجماعي ذاته. وقد عدَّت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السّابقة في قضية Krstić أنّ تدمير جزء جوهري من جماعة، متى كان مقصودًا، يكفي لقيام قصد الإبادة، ولو لم يكن الهدف القضاء على الجماعة بأكملها([18]).

ويُعزَّز استخلاص القصد الخاص في هذه الواقعة بعنصر العلم المسبق بالنّتائج الحتميّة للفعل، إذ إنّ زرع مواد متفجرة داخل أجهزة مدنيّة يًستخدمها أفراد من جماعة معيّنة، ثم تفعيلها عن بُعد، ينطوي على إدراك أكيد أنّ النّتيجة ستكون إهلاك عدد من أفراد هذه الجماعة أو إلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وإحداث عاهات مستديمة. وقد استقر الاجتهاد الدّولي على أنّ العلم المسبق بالنّتائج، مقترنًا بانتقائيّة الاستهداف ونمطه المنهجي، يُعد قرينة قويّة على توافر قصد الإهلاك، حتى في غياب تصريح صريح بالنّيّة الإباديّة.

الخاتمة: وبناءً عليه، فإنّ القصد الخاص في واقعة تفجيرات أجهزة النّداء يُستخلص قانونًا من التّرابط بين التّخطيط والتّنفيذ، وطبيعة الوسيلة المستخدمة، وانتقائيّة الضحايا، والنّتائج الحتميّة المتوقعة سلفًا، بما يجعل نيّة الإهلاك متوافرة وفق المعايير التي أرستها المحاكم الجنائيّة الدّوليّة في تفسير جريمة الإبادة الجماعيّة.

وعليه وباستخلاص توافر أركان جريمة الإبادة الجماعيّة، يُفضي التّحليل القانوني للوقائع، في ضوء الأدلة المتوافرة وما سُرب من تحقيقات وفي ضوء الإقرار العلني من رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل وفي منظور قواعد القانون الدّولي، وأحكام اتفاقيّة منع الإبادة الجماعيّة والعقاب عليها، مُدانة بجرم الإبادة الجماعيّة في ظل ما دلّت عليه القرائن القانونيّة المتضافرة على وجود تخطيط مسبق وتنفيذ منظم لعمليّة استخباراتيّة معقدة، عمدت فيها إلى تفخيخ أجهزة اتصال مدنيّة لتستهدف بشكل انتقائي مدنيين ينتمون إلى جماعة دينيّة- أيدولوجيّة، ما يستتبع ترتيب مسؤوليتها الجنائيّة الدّوليّة على المستوى الفردي والقيادي، وهذا بطبيعة الحال يستتبع تحرك من الدّولة اللبنانيّة للادعاء أمام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، ومقاضاة إسرائيل لإدانة كلّ من قرر وشارك وخطط ونفذ وتأمر واشترك لتّنفيذ الجرائم المدّعى بها، على أن يصار إلى تنظيم التّعويضات الشّخصيّة لتغطي الضّرر المادي الحاصل، كما الضّرر النّفسي والمعنوي الذي سيرافق الضحايا إلى أجيال مستقبليّة قادمة. فلم تكتفِ جريمة تفجيرات أجهزة النّداء بإزهاق الأرواح وتشويه الأجساد، بل وسمت ضحاياها بوصمة لا تزول؛ فبات فقدان العينين أو الأصابع علامة صامتة تُشير، كلما وقعت عليها الأبصار، إلى جريمة واحدة بعينها. وكل جسد مشوَّه يحمل في تفاصيله رواية العنف ذاته، شاهدة على أسلوب إجرامي سيظل أثره حاضرًا في الذّاكرة الجماعيّة، فيتحوّل الإنسان المصاب إلى دليل حيّ على جريمة لا تنتهي بانفجارها، بل تمتد آثارها ألمًا دائمًا في الزّمن والوجدان، ووصمة عار جديدة في جبين المجتمع الدّولي الصّامت إزاء ما يُمارس من فنون التّوحش الإسرائيلي، فيُقابَل الابتكار في وسائل القتل بصمتٍ مريب، ويُترك الإنسان الأعزل وحيدًا في مواجهة تقنيات الإهلاك، وكأنّ القيم التي قام عليها القانون الدّولي تُفرَّغ من مضمونها أمام هذا الصّمت المتواطئ  .

الهوامش



  [1]محاميّة منتسبة لنقابة المحامين في بيروت- حاصلة على شهادة الدّكتوراه في القانون الدولي العام من الجامعة الإسلاميّة في بيروت

Lawyer member of the Beirut Bar Association, holding a PHD in Public International Law from the Islamic University of Beirut, E-MAIL: lawyer.rashahakim@gmail.com

[2]  – د. علي قهوجي، القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي، بيروت، 2001، ص 130- 132.

[3] – د. خليل عبد الفتاح الوريكات، جرائم القتل أمام المحكمة الجنائية الدولية، دار الخليج للنشر والتّوزيع، عمّان / الأردن، 2016، ص 31-32.

[4] – د. حسين عبيد، الجريمة الدولية رقم 1، دار النهضة العربية، القاهرة / مصر، 1999، ص263.

[5] – بشار الحلبي، لم ينته البوسنيون من دفن موتاهم بعد 22 عامًا من مجزرة سربرنيتشا، مقال منشور بتاريخ 1/1/2017، للاطلاع على النص كامل موقع FRANCE 24: https://www.france24.com/ar/20170711

[6] انظر: B. METOU, «Le tribunal penal international pour le Rwanda cesse son activité vingt ans après sa création », Sentinelle-droit international (11/1/2016): http://www.sentinelle-droit-international.f– د. علي قهوجي، القانون الدولي الجنائي، منشورات الحلبي، بيروت، 2001، ص 130- 132.

7 – د. خليل عبد الفتاح الوريكات، جرائم القتل أمام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، دار الخليج للنشر والتوزيع، عمّان / الأردن، 2016، ص 31-32.

8 – د. حسين عبيد، الجريمة الدّوليّة رقم 1، دار النّهضة العربيّة، القاهرة / مصر، 1999، ص263.

9 – بشار الحلبي، لم ينته البوسنيون من دفن موتاهم بعد 22 عامًا من مجزرة سربرنيتشا، مقال منشور بتاريخ 1/1/2017، للاطلاع على النص كامل موقع FRANCE 24: https://www.france24.com/ar/20170711

10 انظر: B. METOU, «Le tribunal penal international pour le Rwanda cesse son activité vingt ans après sa création

11– نادية شعبان، جريمة إبادة الجنس البشري في إطار المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، جامعة عبد الرحم مير، الجزائر، ص42.

12 – د. سمير عالية، القانون الدولي الجنائي، نظام المحكمة الجنائية الدّوليّة، منشورات الحلبي، بيروت، 2022، ص 129.

13 – د. كامل السعيد، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دار الثّقافة للنشر والتّوزيع، عمان / الأردن، 2002، ص280.

14 – د. محمود نجيب حسني، دروس في القانون الجنائي الدّولي، دار النهضة العربية للنّشر والتّوزيع، القاهرة / مصر، 1960، ص176.

15 – ينظر: يوسف الأغا، ” حزب الله: التاريخ الأيديولوجي والسياسي 1978-2008 “، ترجمة نادين نصر الله، إصدار “دراسات انظر: عراقيّة”، بغداد / العراق، 2008.

16 – جان بول أكاسييو هو عمدة بلدة TABA لعام 1994 في رواندا، أدين خلال الإبادة الجماعية بحكم صادر عن المحكمة الجنائية الدولية عام بالسجن المؤبد 1998، يُنظر موسوعة الهولوكوست على الموقع: http://www.encyclopedia.ushm

17– انظر تقرير منشور بتاريخ 19 أيلول 2024 على موقع أخبار الأمم المتحدة بعنوان” خبراء أمميون: انفجار أجهزة البيجر انتهاك مرعب للقانون الدولي ويتطلب تحقيقًا مستقلًا وسريعًا“، على الرابط: http:// www.news.un.org/AR/story/2024/09/1134661

18 -انظر تقرير منشور في 19 سبتمبر 2024 في صحيفة Lorient Today news، بعنوان:

 “Israeli front company behind Hezbollah’s explosive pagers, NYT Says، على الرابط: https://today.lorientlejour.com/article/1427653/israeli-front-company-behind-hezbollahs-explosive-pagers-nyt-says.html

19 انظر تقرير منشور في 10 نوفمبر 2024 على موقع MEMO   بعنوان ” Israeli prime minister admits responsibility for mass pager explosions in Lebanon” ، على الرابط : https://www.middleeastmonitor.com/20241110-israeli-prime-minister-admits-responsibility-for-mass-pager-explosions-in-lebanon/?amp

20-يمكن مشاهدة المقابلة كاملة على الرابط موقع CBS NEWS المنشورة بتاريخ 22 ديسمبر 2024، على الرابط: https://www.cbsnews.com/amp/news/israel-former-mossad-agents-detail-explosive-pagers-hezbollah-terrorists-plot-60-minutes-transcript/

21 – يراجع حكم محكمة يوغسلافيا الجنائيّة الدّوليّة في القضية المنشور على الموقع بعنوان: Prosecutor v. Jean-Paul Akayesu, Case No. ICTR-96-4-T, Trial paras. 498–523 ،  المنشور على الرابط: https://www.refworld.org/jurisprudence/caselaw/ictr/1998/en/19275

22 – راديسلاف كرستيتش هو قائد صربي، وجهت له المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السّابقة لائحة اتهام بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعيّة وأدين بحكم صادر عن المحكمة في العام 1998 وحكم عليه بالسّجن 46 عامًا، خفضت استئنافًا الى 35 عامًا، يراجع حكم محكمة يوغسلافيا الجنائيّة الدّوليّة: https://www.icty.org/en/case/krstic

المراجـــع:

أ- الكتب:

1-  يوسف الأغا، ” حزب الله: التّاريخ الأيديولوجي والسياسي 1978-2008 “، ترجمة نادين نصر الله، إصدار “دراسات انظر: عراقيّة”، بغداد / العراق، 2008.

2-  د. كامل السّعيد، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دار الثّقافة للنشر والتوزيع، عمان / الأردن، 2002.

3-  د. خليل عبد الفتاح الوريكات، جرائم القتل أمام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، دار الخليج للنشر والتوزيع، عمّان / الأردن، 2016.

4-  د. محمود نجيب حسني، دروس في القانون الجنائي الدولي، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة / مصر، 1960.

5-  نادية شعبان، جريمة إبادة الجنس البشري في إطار المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، جامعة عبد الرحم ميرا، الجزائر،2013.

6-  د. سمير عالية، القانون الدّولي الجنائي، نظام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، منشورات الحلبي، بيروت، 2022.

7-  د. حسين عبيد، الجريمة الدّوليّة رقم 1، دار النّهضة العربيّة، القاهرة / مصر، 1999.

8-  د. علي قهوجي، القانون الدّولي الجنائي، منشورات الحلبي، بيروت، 2001.

ب- الاتفاقيّات الدّوليّة:

1-اتفاقيّة الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها لعام 1948.

2 -ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

ج- المواقع الإلكترونيّة:

1-  موقع فرانس 24 الإخباري: www.france24.com

2-  موقع منصة أخبار القانون الدولي www.sentinelle-droit-international.com

3-  موقع موسوعة الهولوكوست: www.encyclopedia.ushmm.org

4-  موقع أخبار الأمم المتحدة: www.news.un.org

5-  موقع أخبار لوريان لوجور الفرنسيّة: www.lorientlejour.com

6-  موقع منصة إخبارية MEMO : www.middleeastmonitor.com

7-  موقع إخباري أميركي  www.cbsnews.com

8-  موقع قاعدة بيانات قانونيّة وبحثيّة تابعة للمفوضيّة السّامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) : www.refworld.org

9-  الموقع الرسمي للمحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السابقة: www.icty.org

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.