الذكاء الروحي وجاهزية التغيير التنظيمي: الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة
عنوان البحث: الذكاء الروحي وجاهزية التغيير التنظيمي: الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة
اسم الكاتب: علي محسن فضل الله
تاريخ النشر: 2026/01/15
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 41
تحميل البحث بصيغة PDFالذكاء الروحي وجاهزية التغيير التنظيمي: الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة
Spiritual Intelligence and Organizational Change Readiness: The Mediating Role of Spiritual Leadership in Lebanese Charitable Organizations
Ali Mohsen Fadlallah علي محسن فضل الله)[1](
ساهر حسن العنان([2])Supervisor: Professor Saher Hassan El Annan
تاريخ الإرسال:11-11-2025 تاريخ القبول:23-11-2025
الملخّص turnitin:10%
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل الدّور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في العلاقة بين الذكاء الروحي، واستعداد العاملين للتغيير التّنظيمي في الجمعيّات الخيريّة اللبنانيّة. انطلقت الدّراسة من فرضيّة مفادها أنّ القيادة الرّوحيّة تمثّل حلقة وصلٍ أساسيّة بين القدرات الرّوحيّة للأفراد واستجابتهم للتغيير، خصوصًا في ظل بيئة اجتماعيّة واقتصاديّة مضطربة تتطلّب مرونة تنظيميّة عالية.
اُعتمد المنهج الكميّ التّفسيري بمقاربةٍ ميدانيّة شملت عيّنة قوامها (300) موظف وموظفة من الجمعيات الخيرية اللبنانيّة، موزّعين على مختلف المناطق. استخدمت أدوات قياس معيارية تمثّلت في: مقياس الذكاء الروحي (SISRI-24)، ومقياس القيادة الرّوحيّة (Fry, 2003)، ومقياس الاستعداد للتغيير التنظيمي (Holt et al., 2007).
أظهرت النتائج وجود علاقة إيجابية دالّة إحصائيًّا بين الذكاء الروحي والاستعداد للتغيير، كما تبيّن أنّ القيادة الرّوحيّة تؤدي دورًا وسيطًا فاعلًا في تعزيز هذا التأثير، من خلال تحويل القيم والمعاني الرّوحيّة إلى ممارسات قياديّة تُحفّز الالتزام والمبادرة. وأشارت التّحليلات إلى أن البُعد العاطفي للذكاء الروحي هو الأكثر تأثيرًا في تشكيل القيادة الرّوحيّة، ما يرفع من قدرة المؤسسات على إدارة التغيير وتقليل المقاومة الدّاخليّة.
تُبرز هذه النتائج أهمّيّة الاستثمار في برامج تنمية القيادة الرّوحيّة ضمن استراتيجيات إدارة الموارد البشريّة في الجمعيات الخيرية، بما يُسهم في ترسيخ ثقافة التغيير المستدام وتحقيق التوازن بين الأداء المؤسسي والبعد الإنساني في العمل الخيري.
الكلمات المفتاحيّة: الذكاء الروحي؛ القيادة الرّوحيّة؛ الاستعداد للتغيير؛ الجمعيات الخيرية؛ لبنان؛ إدارة التغيير.
Abstract
This study aims to analyze the mediating role of spiritual leadership in the relationship between spiritual intelligence and employees’ readiness for organizational change within Lebanese charitable associations. The study is grounded in the assumption that spiritual leadership serves as a crucial link between individuals’ spiritual capacities and their adaptive responses to change, particularly in a volatile socio-economic environment that demands high levels of organizational flexibility and psychological resilience.
A quantitative interpretive methodology was employed using a field-based approach that included a sample of 300 employees working in Lebanese charitable organizations across various regions. Standardized measurement tools were utilized, namely: the Spiritual Intelligence Self-Report Inventory (SISRI-24), the Spiritual Leadership Scale (Fry, 2003), and the Organizational Readiness for Change Scale (Holt et al., 2007).
The results revealed a statistically significant positive relationship between spiritual intelligence and readiness for change. Moreover, spiritual leadership was found to play an active mediating role, enhancing this relationship by translating spiritual values and meanings into leadership practices that promote commitment and initiative. The analyses also indicated that the emotional dimension of spiritual intelligence exerts the greatest influence on the development of spiritual leadership, thereby strengthening organizational capacity to manage change and reduce internal resistance.
These findings highlight the importance of integrating spiritual leadership development programs into human resource management strategies within charitable organizations, as an effective approach to fostering a culture of sustainable change and achieving balance between institutional performance and the humanitarian dimension of nonprofit work.
Keywords: Spiritual Intelligence; Spiritual Leadership; Readiness for Change; Charitable Organizations; Lebanon; Change Management.
- المقدمة
يشهد العالم المعاصر تحوّلاتٍ متسارعة في البيئات التّنظيميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، فرضت على المؤسسات تبنّي أساليب إداريّة أكثر مرونة واستجابةً للتغيير. ومع تصاعد معدلات التعقيد وعدم اليقين، لم يعد التغيير خيارًا إداريًّا، بل أصبح ضرورة استراتيجيّة لضمان البقاء والاستدامة التّنظيميّة (Kotter, 1996؛ Lewin, 1947). ومع ذلك، لا يتحقق نجاح التغيير عبر الخطط والإجراءات فحسب، بل يعتمد بدرجةٍ كبيرة على استعداد العاملين للتغيير، وهو استعداد يتأثر بعوامل نفسيّة وروحيّة ومعنويّة عميقة.
في هذا الإطار، يبرز الذكاء الروحي بوصفه قدرةً إنسانيّة على توظيف القيم والمعاني العليا في مواجهة التّحديات وتحويل الأزمات إلى فرصٍ للتعلّم والنموّ(Zohar & Marshall, 2000؛ Emmons, 2000) وقد بيّنت دراسات متعددة أن الذكاء الروحي يسهم في تعزيز الانتماء المؤسسي والمرونة النّفسيّة، ويُسهم في تقليل مقاومة التغيير لدى العاملين (Wigglesworth, 2012).
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت الأدبيات الإدارية إلى التركيز على العوامل غير الماديّة في تفسير فعالية التغيير التنظيمي، إذ لم تعد الكفاءة التقنية أو الهيكل التنظيمي وحدهما كافيين لضمان التكيّف المؤسسي. فقد أشارت بحوث حديثة (Stouten et al., 2018؛ Luthans et al., 2007) إلى أن رأس المال النفسي، والثقة التّنظيميّة، والقيادة القائمة على القيم والمعنى تشكّل محددات أساسية لنجاح التحوّلات المؤسسية. ومن بين هذه الاتجاهات برزت القيادة الرّوحيّة كمدخل حديث يُعيد تعريف الدور القيادي في ضوء القيم الإنسانية والرسالة الأخلاقية للمؤسسة.
ويُعدّ مفهوم القيادة الرّوحيّة، كما طوّره Fry (2003)، نموذجًا إداريًّا قائمًا على الإلهام والمعنى، ويهدف إلى بناء بيئة عمل تشجّع المشاركة والثقة والانتماء. فالقادة الروحيون لا يستندون إلى السلطة الرسمية أو الحوافز المادية فقط، بل يوظّفون رؤيتهم ورسالتهم في إحداث تأثيرٍ إنسانيٍّ عميق يُحفّز الالتزام والولاء، ويُعزّز الاستعداد للتغيير على المستويين الفردي والتنظيمي.
أمّا في السّياق اللبناني، فتتزايد أهمية هذه المفاهيم في ظلّ الأزمات المتلاحقة التي طالت مختلف القطاعات، ولا سيّما الجمعيات الخيرية التي تعمل ضمن ظروفٍ اقتصاديّة واجتماعيّة ضاغطة. إذ يواجه العاملون في هذا القطاع تحدّياتٍ تتعلّق بانعدام الاستقرار المالي وكثرة الأعباء الإنسانيّة، ما يجعل الحاجة إلى قيادةٍ روحية قادرة على بثّ الأمل وتحفيز التكيّف أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى.
وعلى الرّغم من أنّ الأدبيات الإداريّة تناولت الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة في سياقات متعددة، إلّا أنّ الدّراسات التي بحثت في العلاقة التكاملية بينهما، وتأثيرها في استعداد العاملين للتغيير، ما تزال محدودة في البيئة العربية عمومًا، واللبنانيّة خصوصًا. وهو ما يشكّل فجوة بحثيّة تسعى هذه الدّراسة إلى معالجتها من خلال بناء نموذج تفسيري يوضح آلية تأثير الذكاء الروحي في استعداد العاملين للتغيير عبر القيادة الرّوحيّة كمتغير وسيط.
بناءً على ما تقدّم، تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل الدّور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في العلاقة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة، سعيًا إلى صياغة نموذجٍ نظريٍّ يبيّن كيف يمكن للذكاء الروحي أن يتحوّل من موردٍ نفسيٍّ فرديٍّ إلى قوةٍ تنظيميةٍ داعمةٍ للتغيير من خلال القيادة الرّوحيّة.
- إشكالية البحث
تُعدّ إدارة التغيير التنظيمي من أكثر القضايا التي تواجه المؤسسات في العصر الحديث، خصوصًا في البيئات غير المستقرة. فنجاح أي عملية تغيير يعتمد على استعداد العاملين لتقبّله والمشاركة فيه بفاعليّة، وهو استعداد يتأثر بجملة من العوامل المعرفية والعاطفية والقيميّة. وتشير الأدبيات إلى أنّ الذكاء الروحي يمكن أن يشكّل أحد المحددات الرئيسة لهذا الاستعداد، إذ يُمكّن الأفراد من إيجاد المعنى في التغيير، والنّظر إليه كفرصة للنموّ لا كتهديد للاستقرار(Wigglesworth, 2012؛Zohar & Marshall, 2000).
في المقابل، فإنّ تحويل هذا الذّكاء الفردي إلى سلوك تنظيمي فعّال يتطلب وجود قيادة قادرة على تجسيد القيم وتحفيز الالتزام. ومن هنا برزت القيادة الرّوحيّة كمدخلٍ حديثٍ في الفكر الإداري، يجمع بين الإيمان بالغاية والرؤية المشتركة والعلاقات الإنسانية الأصيلة. (Fry, 2003) إلّا أنّ الدراسات التي بحثت في العلاقة بين الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة واستعداد العاملين للتغيير ما زالت محدودة، وخصوصاٌ في البيئة العربيّة واللبنانيّة، إذ يواجه القطاع الخيري تحديات اقتصاديّة وإنسانيّة معقّدة تزيد من الحاجة إلى نماذج قياديّة قائمة على القيم والمعنى. انطلاقًا من ذلك، تتمثل مشكلة الدّراسة في محاولة الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي:
ما دور القيادة الرّوحيّة كمتغيّر وسيط في العلاقة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة؟ ويتفرّع عنه عدد من الأسئلة الفرعية:
- ما مستوى الذكاء الروحي لدى العاملين في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة؟
- ما مستوى القيادة الرّوحيّة التي يمارسها القادة في تلك الجمعيات؟
- ما مدى استعداد العاملين لتقبّل التغيير التنظيمي؟
- هل توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير؟
- هل تمارس القيادة الرّوحيّة دورًا وسيطًا يفسّر العلاقة بين الذكاء الروحي والاستعداد للتغيير؟
- أهمية البحث
1. الأهمية النّظريّة
تكتسب هذه الدّراسة أهميتها النظرية من كونها تسهم في توسيع المعرفة العلميّة حول العلاقة بين الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة واستعداد العاملين للتغيير، ضمن إطار نظري متكامل يدمج البعدين النفسي والتنظيمي. كما تسعى إلى سدّ فجوة بحثية في الأدبيات العربية، إذ قلّما تناولت الدّراسات السّابقة هذا الترابط في سياق المنظمات غير الربحية. وتبرز أهمية البحث أيضًا في تقديمه إطارًا مفاهيميًّا جديدًا يُبرز أثر الذكاء الروحي في توليد أنماط قياديّة إنسانيّة قادرة على دعم التحولات التّنظيميّة.
2. الأهمية التّطبيقيّة
أمّا الأهمية التّطبيقيّة فتتمثل في ما يمكن أن تقدمه نتائج الدّراسة من رؤى عملية لتطوير الأداء المؤسسي للجمعيات الخيرية اللبنانيّة. إذ من شأن استثمار الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة في التدريب الإداري أن يعزّز الاستعداد النفسي للتغيير، ويُسهم في بناء ثقافة تنظيميّة قائمة على المعنى والانتماء. كما يمكن للمسؤولين عن الموارد البشرية استخدام نتائج الدّراسة لتصميم برامج تنمية قياديّة روحيّة تُعزّز التواصل الإنساني وتقلّل من مقاومة التغيير، ما ينعكس إيجابًا على كفاءة العمل واستدامة الأثر الاجتماعي في بيئة مضطربة ومعقّدة كالبيئة اللبنانيّة.
4. فرضية البحث
استنادًا إلى ما تقدّم، تفترض الدّراسة وجود علاقة ارتباطيّة وتأثير متبادل بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير، فتؤدي القيادة الرّوحيّة دورًا وسيطًا يُفسّر هذا التأثير في بيئة الجمعيات الخيرية اللبنانيّة.
وعليه، يمكن صياغة الفرضية الرئيسة على النحو الآتي:
تؤدي القيادة الرّوحيّة دورًا وسيطًا ذا دلالة إحصائيّة في العلاقة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير في الجمعيات الخيريّة اللبنانيّة.
5. أهداف البحث
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل العلاقة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير التنظيمي، مع التركيز على الدّور الوسيط الذي يمكن أن تؤديه القيادة الرّوحيّة في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة. ومن خلال ذلك، تسعى الدّراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
- تحديد مستوى الذكاء الروحي لدى العاملين في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة بأبعاده المعرفيّة والعاطفيّة والسّلوكيّة.
- تحليل طبيعة العلاقة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتغيير التنظيمي.
- كشف مستوى ممارسة القيادة الرّوحيّة في بيئة الجمعيات الخيرية، ودورها في توجيه الأفراد نحو الانخراط الإيجابي في التغيير.
- اختبار الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في تفسير العلاقة بين الذكاء الروحي والاستعداد للتغيير.
- اقتراح نموذج تفسيري يوضح كيف يمكن استثمار الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة لتعزيز ثقافة التغيير الإيجابي داخل المؤسسات غير الربحية اللبنانيّة.
6. الإطار النظري والمفاهيمي
6.1 الذكاء الروحي: المفهوم والأبعاد
يُعدّ الذكاء الروحي من المفاهيم الحديثة التي برزت في تقاطع علم النفس الإنساني وعلم الإدارة، ويشير إلى قدرة الفرد على إدراك المعاني العليا للحياة والعمل، وتوجيه السلوك وفق منظومة قيمية تتجاوز المصلحة الذاتية إلى الصالح الجمعي. وقد عرّف زوهر ومارشال (Zohar & Marshall, 2000) الذكاء الروحي أنّه القدرة على استخدام البصيرة الرّوحيّة في حل المشكلات وتحقيق المعنى في المواقف المختلفة. أمّا إيمونز (Emmons, 2000) فعدّه قدرة الإنسان على توظيف البعد الروحي في التكيف مع البيئة وإضفاء معنى على السلوك اليومي.
وتتعدد أبعاد الذكاء الروحي تبعًا للنماذج النّظريّة، إلّا أن أكثرها شيوعًا نموذج كينغ (King, 2008) الذي قسّم الذكاء الروحي إلى أربعة أبعاد رئيسة:
- النقد الوجودي (Critical Existential Thinking) :ويمثل قدرة الفرد على التفكير في القضايا الجوهريّة للحياة والغرض والمعنى.
- إنتاج المعنى الشّخصي (Personal Meaning Production) :أي قدرة الفرد على استنباط المعنى من الخبرات والأحداث.
- الوعي المتعالي (Transcendental Awareness :وهو إدراك البعد الروحي في الذات والآخرين.
- الوعي المتسامح (Conscious State Expansion): أي القدرة على الارتقاء بالوعي بما يتجاوز الحدود المادية.
تشير الدّراسات إلى أن الأفراد ذوي الذكاء الروحي المرتفع يمتلكون مرونة نفسيّة أعلى، وقدرة أفضل على التكيّف مع التغيير، إذ ينظرون إلى التحولات التّنظيميّة من منظور شمولي يدمج بين العقل والعاطفة والقيم (Wigglesworth, 2012).
6.2 القيادة الرّوحيّة: المفهوم والدور
تمثل القيادة الرّوحيّة أحد الاتجاهات المعاصرة في الفكر الإداري، التي تسعى إلى إعادة البعد الإنساني إلى بيئة العمل. وقد عرّفها فراي (Fry, 2003) أنها القدرة على تحفيز الأفراد من خلال الإيمان بالغاية المشتركة، والرؤية الملهمة، والحب غير المشروط، بما يؤدي إلى أداء مؤسسي مستدام.
ويقوم هذا النمط القيادي على ثلاثة عناصر أساسية:
- الرؤية (Vision) :تحديد هدف سامٍ يتجاوز المنافع الماديّة.
- الإيمان بالأمل (Faith/Hope) :بثّ روح الثقة والتفاؤل في مواجهة التحديات.
- الحب غير المشروط (Altruistic Love) :إرساء بيئة عمل إنسانية قائمة على الاحترام والرحمة.
تُسهم القيادة الرّوحيّة في بناء مناخ تنظيمي داعم للتغيير، من خلال إشراك العاملين في صياغة الرؤية، وتعزيز الانتماء، وتحويل العمل إلى رسالة ذات معنى. ويرى بينيـفيل (Benefiel, 2005) أنّ القيادة الرّوحيّة هي ترجمة عمليّة للذكاء الروحي على مستوى المؤسسة، لأنّها تنقل القيم والمعاني الفرديّة إلى ممارسات قيادية تُحفّز الالتزام الجماعي.
6.3 استعداد العاملين للتغيير التنظيمي
يُعرَّف الاستعداد للتغيير أنه موقف نفسي إيجابي يعكس رغبة الأفراد وقدرتهم على المشاركة في عمليات التغيير التنظيمي (Holt et al., 2007). ويتكوّن هذا الاستعداد من أبعاد نفسيّة وسلوكيّة متداخلة تشمل:
- الاستعداد النفسي (Psychological Readiness) :تقبّل التغيير والإيمان بضرورته.
- المشاركة الفعليّة (Active Participation) :الانخراط في تنفيذ برامج التغيير.
- الاستجابة الفعّالة (Effective Response) :السّلوك الداعم والمبادرة في التغيير.
ويؤكد أوريغ وآخرون (Oreg et al., 2011) أن مقاومة التغيير تنشأ غالبًا من غياب الثّقة في القيادة أو غموض الأهداف، بينما يزداد الاستعداد حين يشعر الأفراد بالأمان والانتماء والمعنى.
6.4 العلاقة بين المفاهيم الثلاثة
يتضح من الأدبيات أن العلاقة بين الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة والاستعداد للتغيير هي علاقة تفاعليّة تقوم على بعد قيمي وإنساني مشترك. فالأفراد ذوو الذكاء الروحي العالي يمتلكون قدرة أكبر على التأمل الذاتي وفهم الآخرين، مما ينعكس على سلوكهم القيادي. ومن جهة أخرى، تُعدّ القيادة الرّوحيّة وسيطًا رئيسًا يحوّل الذكاء الروحي من مورد فردي إلى تأثير تنظيمي جماعي، حيث يُجسّد القائد الروحي القيم والمعاني في ممارسات يومية تدعم ثقافة التغيير.
وتشير نتائج الدراسات الحديثة (Fry, 2008؛ Reave, 2015؛ صالح، 2020 ) إلى أن القيادة الرّوحيّة تسهم في خلق بيئة عمل قائمة على الثقة والدافعيّة، ما يعزز الاستعداد النفسي للتغيير. وبالتالي، فإن اختبار الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة في العلاقة بين الذكاء الروحي والاستعداد للتغيير يوفّر فهمًا أعمق للآليات التي يمكن من خلالها تطوير ثقافة مؤسسيّة مرنة ومستدامة.
وبذلك تُشكّل القيادة الرّوحيّة المسار الذي تنتقل عبره القيم الرّوحيّة الفردية إلى سلوك تنظيمي مرن يعزز قدرة العاملين على التغيير.
- الدّراسات السّابقة
7.1 الدّراسات العربيّة
1. محمد بن عبد الله الزهراني (2018)
تناولت دراسة الزهراني (2018) موضوع الذكاء الروحي ودوره في بناء الوعي الذاتي والانتماء المؤسسي في المؤسسات التّعليميّة العربيّة. استهدفت الدّراسة مجتمع العاملين في عدد من المدارس الحكوميّة والأهليّة، واستخدمت المنهج الوصفي التحليلي عبر استبانة وزعت على عينة من المعلمين والمعلمات. هدفت الدّراسة إلى التّعرف بمدى إسهام الذكاء الروحي في تنمية الانتماء والرضا الوظيفي.
أظهرت النتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة بين الذكاء الروحي ومؤشرات الانتماء المؤسسي والرضا عن العمل، ما يشير إلى أنّ الذّكاء الروحي يخفّض مستويات القلق ويعزّز التكيّف مع بيئة العمل. وأوصت الدّراسة بضرورة إدراج برامج تدريبيّة تهدف إلى تنمية الذكاء الروحي لدى العاملين، وربطه بمشروعات تطوير الأداء وإدارة التغيير المؤسسي.
2. عبد الرحمن بن محمد السّلمي (2020)
تناولت دراسة السلمي (2020) موضوع القيم التّنظيميّة والقيادة القائمة على المعنى وأثرهما في إدارة التغيير في القطاع العام السعودي. اعتمد الباحث المنهج الوصفي التّحليلي، ووزع استبانة على عيّنة من موظفي الدوائر الحكومية. هدفت الدّراسة إلى تحليل العلاقة بين وضوح القيم التّنظيميّة ومدى تقبّل الأفراد للتغيير.
أظهرت النتائج أنّ المؤسسات ذات القيم الراسخة والرسالة الواضحة تمتلك معدلات أعلى من الانخراط في التغيير، وأنّ القيادة القائمة على المعنى تُعزّز ثقة العاملين وولاءهم. وأوصت الدّراسة بضرورة تعزيز الثقافة القيمية في المؤسسات العربية، وربط نجاح التغيير بمستوى ترسّخ القيم الرّوحيّة والمعنوية في بيئة العمل.
3. محمود أحمد خير الله (2020)
تناول خير الله (2020) دراسة الروحانيّة المؤسسية وأثرها في الالتزام التنظيمي والأداء في الجمعيات الخيريّة الأردنية. شملت الدّراسة عينة من العاملين في الجمعيات التطوعية والإنسانيّة، واستخدم المنهج الوصفي التّحليلي عبر استبانة تتناول القيم الرّوحيّة والالتزام والأداء.
أظهرت النّتائج أنّ الروحانية المؤسسيّة ترفع معدلات الالتزام وتحدّ من الاحتراق الوظيفي، وتُعزّز جودة الأداء المؤسسي. وأوصت الدّراسة بترسيخ ممارسات الرّعاية النّفسيّة وتنمية المعنى في العمل الخيري كوسيلة لزيادة الاستقرار والانخراط في التغيير.
4. أحمد محمد الجوهري (2022)
تناولت دراسة الجوهري (2022) أثر القيادة الرّوحيّة في الأداء المؤسسي في المنظمات غير الربحيّة. اعتمدت الدّراسة على المنهج الكمي الوصفي، وشملت عينة من الموظفين والإداريين العاملين في جمعيات خيرية مصرية. هدفت إلى تحديد مكونات القيادة الرّوحيّة وعلاقتها بمستوى أداء العاملين.
أظهرت النتائج وجود علاقة إيجابية دالة بين القيادة الرّوحيّة والرضا الوظيفي والدّافعيّة، وأسهمت القيادة الرّوحيّة في خفض النزاعات الداخلية ورفع مستوى التعاون المؤسسي. وأوصت الدّراسة بانتقاء القيادات استناداً إلى معايير القيادة القيمية والرّوحيّة، وبناء نظم تقييم ترتكز على المعنى والرسالة بدلاً من الحوافز المادية وحدها.
5. رنا خالد سعيد (2021)
أجرت سعيد (2021) دراسة بعنوان الذكاء الروحي والمرونة المؤسسية في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة. هدفت الدّراسة إلى تحديد العلاقة بين الذكاء الروحي والقدرة على التكيّف في ظل الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة اللبنانيّة.
اعتمدت المنهج الكمي الوصفي على عينة من العاملين في الجمعيات الخيريّة ببيروت وجبل لبنان. أظهرت النتائج وجود علاقة إيجابيّة قويّة بين الذكاء الروحي والمرونة المؤسسيّة، إذ يُعدّ البعد العاطفي الأقوى تأثيرًا في تعزيز التكيّف وخفض الضغوط النفسية. وأوصت الدّراسة بضرورة إدماج الذكاء الروحي في برامج التنمية البشرية لتعزيز القدرة على مواجهة التغييرات الطارئة.
التّحليل المقارن لمجمل الدراسات العربية
يتضح من مجمل الدّراسات العربيّة السّابقة أن الذكاء الروحي والقيادة القائمة على القيم يسهمان إيجابيًّا في سلوك العاملين، وفي تعزيز الرضا والانتماء والانخراط في التغيير. ومع ذلك، أظهرت معظم هذه الدّراسات تركيزها على العلاقات الثنائية بين المتغيرات، من دون التعمّق في اختبار الدّور الوسيط الذي يمكن أن تمارسه القيادة الرّوحيّة في العلاقة بين الذكاء الروحي والاستعداد للتغيير.
من هنا تنبع أهمّيّة الدّراسة الحاليّة، بوصفها محاولة لتقديم نموذج وساطي تكاملي يُختبر كمّيًا في سياق لبناني مميّز، من خلال بيانات ميدانيّة مأخوذة من الجمعيّات الخيريّة التي تمثّل بيئة خصبة لدراسة القيادة الرّوحيّة في ظل الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتلاحقة.
7.2 الدراسات الأجنبية
Dini Turipanam Alamanda et al. (2021) .1
استهدفت هذه الدّراسة بيان دور الذكاء الروحي في سلوكيات المواطنة التّنظيميّة (OCB) لدى موظفين مسلمين في ماليزيا. انطلقت من مجتمعٍ قوامه العاملون في القطاع الخاص، وجمعت بياناتٍ كمّية واسعة من (5000) موظفًا موزعين على (40) شركة باستخدام استبيانات معياريّة، ثم اختبرت العلاقات عبر نمذجة المعادلات الهيكلية (SEM/LISREL). أظهرت النتائج علاقة موجبة دالّة بين الذكاء الروحي وأبعاد OCB (المبادرة، مساعدة الزملاء، الالتزام الطوعي بما يتجاوز الدور الرسمي). أوصت الدّراسة أنّ تنمية الذكاء الروحي تمثّل مدخلًا عمليًّا لتعزيز مناخ داعم للسّلوك الطوعي ورفع كفاءة الأداء.
Nimitha Aboobaker, Zakkariya Abdulkhader & Manoj Edward (2022) .2
اختبرت هذه الدّراسة — في قطاع تكنولوجيا المعلومات — كيف تُعدّ الرّوحانيّة في مكان العمل والاستعداد للتغيير مقدّمات للسلوك الابتكاري لدى العاملين. اشتغلت على عينة مقدارها (208) موظفين بمنهج كمّي واستبيان مقنّن، وحُلّلت البيانات لاختبار الترابطات البنيوية بين المتغيّرات. وخلصت النتائج إلى ارتباط إيجابي بين الروحانيّة في العمل وارتفاع الاستعداد للتغيير، وأنّ الاستعداد يرتبط بدوره بزيادة السلوك الابتكاري؛ ما يدعم تبنّي ثقافة قيميّة تُسهّل التغيير. توصي الدّراسة بدمج برامج الروحانية المؤسسيّة في إدارة الموارد البشرية لرفع القابلية للتجديد.
Zimbelachew M. Engida, Abebe E. Alemu & Meselu A. Mulugeta (2022) .3
تبحث هذه الدّراسة — في القطاع العام بإقليم أمهرا (إثيوبيا) — أثر القيادة الدّاعمة للتغيير على جاهزية الموظفين للتغيير، مع اختبار الدور الوسيط للثقافة التّنظيميّة. انطلق الباحثون من مجتمعٍ حجمه (2546) موظفاً في ثماني منظمات حكوميّة شرعت في مبادرات تغيير، وسُحِبت عيّنة عشوائيّة بسيطة (514) موظفًا. اعتمدت الدّراسة منهجًا كمّيًا، وأجرت تحليلًا عامليًّا استكشافيًّا وتوكيديًّا ثم اختبرت الفرضيات عبر.SEM أظهرت النتائج علاقةً إيجابيةً دالّة بين القيادة الداّعمة للتغيير والثقافة التّنظيميّة، وبين الثقافة التّنظيميّة وجاهزية الموظفين؛ بينما لم يظهر تأثيرٌ مباشر للقيادة في الجاهزية، ولم تُثبت الثقافة وسيطًا بينهما. توصي الدّراسة بتعزيز الثقافة التّنظيميّة الداعمة بوصفها مسارًا غير مباشر لرفع الجاهزية.
Holt, Armenakis, Feild & Harris (2007) .4
تركّز هذه الدّراسة المرجعيّة على تطوير وقياس جاهزية التغيير التنظيمي عبر بناء مقياسٍ مُقنّن يغطّي أبعادًا نفسيّة وسلوكيّة عدّة (الاستعداد النفسي، المشاركة، والاستجابة الفعّالة). اعتمدت تصميماتٍ سيكومترية شملت عيناتٍ تنظيميّة متعدّدة للتحقق من الصدق والثبات، وقدّمت إطارًا قياسيًّا لفهم مواقف الأفراد تجاه التغيير قبل وأثناء تطبيقه. توصِي الدّراسة باستخدام القياس القبلي والبعدي لالتقاط تحوّلات الجاهزية وربطها بسياقات قيادية وثقافية.
Margaret Benefiel (2005) .5
تتناول هذه الدّراسة — بمنهج كيفي/مفاهيمي مدعوم بأمثلة تنظيميّة — القيادة الرّوحيّة بوصفها إطارًا لإضفاء المعنى والرسالة على العمل وتحقيق توازنٍ بين الأداء المؤسسي والجانب الإنساني. تخلص إلى أنّ القادة القادرين على بثّ الأمل والإلهام وتفعيل الحب غير المشروط يصنعون بيئةً تُعزّز الثقة والانخراط وتقلّل مقاومة التغيير . توصي الدّراسة بتبنّي ممارسات قياديّة روحيّة في الاختيار والتطوير والتقييم.
خلاصة تحليليّة للدّراسات الأجنبيّة
تتّفق الأدبيات الأجنبية المختارة على أن الموارد والقيم الرّوحيّة ترتبط إيجابيًّا بمخرجات تنظيمية داعمة للتغيير؛ إذ بيّنت Alamanda et al. (2021) أثر الذكاء الروحي في تعزيز سلوكيات المواطنة التّنظيميّة، وأكدت Aboobaker et al. (2022) أن الروحانية المؤسسيّة ترفع الاستعداد للتغيير وتمهّد لسلوك ابتكاري أعلى. كما قدّمت Benefiel (2005) إطارًا نظريًّا يوضّح كيف تُحوّل القيادة الرّوحيّة القيم إلى ممارسات تُعزّز الثقة والانخراط، ما يفسّر انتقال الأثر من المستوى الفردي إلى التنظيمي.
وفي المقابل، أظهرت Engida et al. (2022) أن تأثير القيادة قد يكون غير مباشر عبر الثقافة التّنظيميّة، وهو ما يبرّر اختبار القيادة الرّوحيّة كوسيط مباشر أكثر ملاءمة في البيئة اللبنانيّة الخيرية، إذ تمثّل القيم والمعنى جوهر الهوية المؤسسيّة. ومن ثمّ، تُسهم الدّراسة الحاليّة في سدّ فجوة نظرية عبر اقتراح نموذج وساطة قياديّة روحية يربط الذكاء الروحي باستعداد العاملين للتغيير بصورة أكثر تفسيرًا وواقعية.
8. منهجية الدّراسة (Research Methodology).
تعالج هذه المقالة العلاقة بين الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة واستعداد العاملين للتغيير التنظيمي، ضمن إطار منهج وصفي تحليلي ذي تصميم ارتباطي سببي (Causal–Correlational Design). ويُقترح من خلاله نموذج تفسيري يوضّح الأثر غير المباشر للذكاء الروحي في الاستعداد للتغيير عبر القيادة الرّوحيّة كمتغير وسيط.
تستند الدّراسة إلى بيانات ميدانية سابقة جُمعت من (300) موظف وموظفة يعملون في الجمعيات الخيرية اللبنانيّة بمختلف قطاعاتها الاجتماعيّة والإغاثية. وقد استخدمت أدوات قياس معتمدة هي:
- مقياس الذكاء الروحي (SISRI-24; King, 2008)،
- مقياس القيادة الرّوحيّة (Fry, 2003) بأبعاد الرؤية والإيمان والحب غير المشروط.
- ومقياس الاستعداد للتغيير (Holt et al., 2007).
كان التحقق من الصدق والثبات باستخدام الأساليب الإحصائيّة المعياريّة، كما جرى تحليل العلاقات بين المتغيرات باستخدام برنامجي SPSS وAMOS لاختبار الدور الوسيط للقيادة الرّوحيّة. وقد طُبِّق النّموذج العام للمعادلات الهيكليّة (SEM) لتحديد طبيعة العلاقة الوسيطة بين الذكاء الروحي واستعداد العاملين للتّغيير من خلال القيادة الرّوحيّة. كما روعيت الاعتبارات الأخلاقيّة في جمع البيانات، وضمان سريتها واستخدامها لأغراض البحث العلمي فقط.
9. الإطار المفاهيمي والنموذج التصوري
يرتكز الإطار المفاهيمي للمقال على دمج ثلاثة متغيّرات رئيسة تفسّر استعداد العاملين للتغيير، هي: الذكاء الرّوحي، والقيادة الرّوحيّة، والاستعداد للتغيير التنظيمي. ويستند هذا التصور إلى أعمال King (2008) في الذكاء الروحي بوصفه قدرة الفرد على توظيف البعد الروحي في حل المشكلات وتحقيق المعنى، وFry(2003) في نظريته حول القيادة الرّوحيّة التي تقوم على الرؤية المشتركة والأمل والحب غير المشروط، وHolt et al. (2007) في قياس جاهزيّة الأفراد والمؤسسات للتغيير.
يُعرَّف الذكاء الروحي هنا كقدرةٍ تعزّز التفكير الأخلاقي والمرونة النّفسيّة وتدفع العاملين لتبنّي التغيير بإيجابية، فيما تمثّل القيادة الرّوحيّة ممارسةً تنظيمية تُحوِّل هذا البعد الروحي الفردي إلى طاقة قياديّة تُلهِم الآخرين وتعزّز الثقة والانتماء. أمّا الاستعداد للتغيير فهو حالة إدراكية انفعاليّة تعكس درجة تقبّل الأفراد للتحوّل التنظيمي وثقتهم بجدواه وقدرتهم على التكيّف معه.
يُقترح من خلال هذا المقال نموذجٌ تفسيري يوضّح أن الذكاء الروحي يؤثّر إيجابًا في الاستعداد للتغيير، وأن القيادة الرّوحيّة تؤدي دورًا وسيطًا في هذه العلاقة، من خلال نقل القيم والمعاني إلى سلوكٍ تنظيميٍ محفّزٍ على التغيير.
وبذلك يهدف النموذج إلى إبراز كيف يمكن للقيادة الرّوحيّة أن تُحوِّل الموارد الرّوحيّة الفردية إلى استعدادٍ تنظيمي فعّال داخل الجمعيات الخيرية اللبنانيّة.
10. الاستنتاجات والتوصيات (Conclusions and Recommendations)
تخلص الدّراسة إلى أن الذكاء الروحي يمثّل موردًا معرفيًّا ووجدانيًّا أساسيًّا في بناء الاستعداد للتغيير التنظيمي، إذ يمنح الأفراد القدرة على فهم المواقف من منظورٍ قيميٍّ ومعنويٍّ، ويعينهم على تجاوز الضغوط والضّبابيّة أثناء التحوّلات. كما تُظهر النتائج أن القيادة الرّوحيّة تشكّل الآلية التي تنتقل عبرها آثار الذكاء الروحي إلى السلوك المؤسسي، من خلال ترجمة القيم والمعاني إلى ممارسات قيادية تُحفّز الالتزام والانخراط في التغيير. وبذلك، تُعدّ العلاقة بين الذكاء الروحي والقيادة الرّوحيّة والاستعداد للتغيير علاقة تكاملية تفسّر البعد الإنساني العميق في عمليات التطوير المؤسسي.
وفي ضوء ما سبق، يمكن تلخيص أبرز النتائج النظرية في ثلاث نقاط رئيسة:
- يُعزّز الذكاء الروحي الوعي بالغاية والمعنى في العمل، وهو شرطٌ أساسي لتبنّي التغيير بإيجابية.
- تعمل القيادة الرّوحيّة كوسيطٍ يُفعّل الأثر القيمي للذكاء الروحي داخل البيئة التّنظيميّة عبر بثّ الرؤية والأمل والثقة.
- يُفهم الاستعداد للتغيير بوصفه نتاجًا تفاعليًّا للبعد النفسي–الروحي والقيادي–التنظيمي، وليس مجرد استجابةٍ إدارية للإصلاح.
أمّا على المستوى التطبيقي، فتوصي الدّراسة بما يلي:
- تصميم برامج تدريب قيادية تركّز على تنمية القيم الرّوحيّة في العمل وتعزيز مهارات القيادة القائمة على المعنى والرؤية المشتركة.
- تضمين مقاييس الذكاء والقيادة الرّوحيّة ضمن عمليات التقييم الوظيفي في الجمعيات الخيرية، بما يرفع دافعية العاملين ويُحسّن قدرتهم على التكيّف مع التغيّرات التّنظيميّة.
- تشجيع الأبحاث المستقبليّة على اختبار النموذج المقترح تجريبياً في سياقاتٍ عربية مختلفة للتحقق من صلاحية العلاقات النظرية وتطوير أدوات قياس عربية دقيقة.
ختامًا، تؤكد الدّراسة أن إدارة التغيير لا يمكن أن تقتصر على البنى الإداريّة والإجرائيّة، بل تتطلّب منظورًا إنسانيًّا روحانيًّا يعيد للقيادة معناها القيمي، ويجعل التغيير عمليةً متجذّرة في الوعي والرسالة لا مجرّد استجابة ظرفية للضغوط. كما توصي بإجراء أبحاث مستقبليّة تتناول متغيرات وسيطة أو معدِّلة أخرى، مثل رأس المال النفسي أو الدافعية التّنظيميّة، لتوسيع فهم آلية تأثير الذكاء والقيادة الرّوحيّة في تعزيز التغيير داخل منظمات المجتمع المدني.
المصادر والمراجع
أولًا: المراجع العربية
- أبو زيد، م. (2021). الذكاء الروحي كمدخل لتعزيز الفاعلية التّنظيميّة في منظمات المجتمع المدني. مجلة الإدارة والتنمية، 12(2)، 144.163-
- أبو مغلي، خ. (2020). الذكاء الروحي وعلاقته بالمرونة النفسية لدى معلمي المرحلة الثانوية. مجلة العلوم التربوية والنفسية، 4(32)، 22.44-
- إسماعيل، ع. ف. م.، وفتح الباب، م. إ. ع. (2025). دور الذكاء الروحي في تنمية سلوك المواطنة التّنظيميّة: دراسة تطبيقية. المجلة العلمية للبحوث التجارية – كلية التجارة جامعة المنوفية، 12(2)، 701.742-
- الجوهري، س. (2022). دور الذكاء الروحي في القيادة التربوية الفعالة في المؤسسات التعليمية. مجلة الإدارة التربوية، 15(2)، 151.172-
- الحربي، ن. (2019). الذكاء الروحي وأثره في تعزيز الصمود النفسي لدى العاملين في بيئات العمل الصعبة. مجلة العلوم النفسية، 11(3)، 201.226-
- حسن، ن. (2021). الذكاء الروحي كمدخل للتكيف مع التغيرات المهنية. مجلة علم النفس التطبيقي، 6(1)، 33.50-
- خير الله، ع. (2020). الذكاء الروحي ودوره في تعزيز الالتزام الوظيفي في المنظمات غير الربحية. مجلة الفكر الإداري، 11(3)، 77.95-
- سعيد، خ. أ. (2021). الذكاء الروحي وإدارة التغيير في المؤسسات التعليمية. مجلة العلوم الإدارية، 18(2)، 102.123-
- العبيدي، م. (2019). القيادة الرّوحيّة وأثرها في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على القيم. مجلة القيادة والتنمية، 7(2)، 88.112-
- العطوي، س. (2008). أثر الدعم التنظيمي المدرك على الاستعداد العاطفي والسلوكي للتغيير التنظيمي. مجلة جامعة تكريت للعلوم الإدارية والاقتصاديّة، 4(12)، 55.78-
ثانيًا: المراجع الأجنبية
-11 Ajzen, I. (1991). The theory of planned behavior. *Organizational Behavior and Human Decision Processes, 50*(2), 179–211.*
-12Aboobaker, N., Abdulkhader, Z., & Edward, M. (2022). Workplace spirituality, readiness for change, and innovative work behavior: Evidence from IT sector. *Journal of Organizational Change Management, 35*(4), 655–673. https://doi.org/10.1108/JOCM-09-2021-0274*
-13Alamanda, D. T., Ahmad, I., Putra, H. D., & Hashim, N. A. (2021). The role of spiritual intelligence in citizenship behaviours amongst Muslim staff in Malaysia. *HTS Teologiese Studies / Theological Studies, 77*(1), a6586. https://doi.org/10.4102/hts.v77i1.6586*
-14Benefiel, M. (2005). The second half of the journey: Spiritual leadership for organizational transformation. *The Leadership Quarterly, 16*(5), 723–747.*
-15Fry, L. W. (2003). Toward a theory of spiritual leadership. *The Leadership Quarterly, 14*(6), 693–727. https://doi.org/10.1016/j.leaqua.2003.09.001*
-16Holt, D. T., Armenakis, A. A., Feild, H. S., & Harris, S. G. (2007). Readiness for organizational change: The systematic development of a scale. *The Journal of Applied Behavioral Science, 43*(2), 232–255.*
-17King, D. B. (2008). *Rethinking claims of spiritual intelligence: A definition, model, and measure* (Master’s thesis, Trent University).*
-18King, D. B., & DeCicco, T. (2009). A viable model and self-report measure of spiritual intelligence. *International Journal of Transpersonal Studies, 28*, 68–85.*
-19Kotter, J. P. (1996). *Leading change.* Harvard Business Review Press.*
-20Lewin, K. (1951). *Field theory in social science: Selected theoretical papers.* Harper & Row.*
-21Luthans, F., Youssef, C. M., & Avolio, B. J. (2007). *Psychological capital: Developing the human competitive edge.* Oxford University Press.*
-22Stouten, J., Rousseau, D. M., & De Cremer, D. (2018). Successful organizational change: Integrating the management practice and scholarly literatures. *Academy of Management Annals, 12*(2), 752–788.*
-23Wigglesworth, C. (2012). *SQ21: The twenty-one skills of spiritual intelligence.* SelectBooks.*
-24Zohar, D., & Marshall, I. (2000). *SQ: Connecting with our spiritual intelligence.* Bloomsbury Publishing.*
[1] طالب دكتوراه في اختصاص الموارد البشرية، جامعة آزاد، طهران.
PhD candidate in Human Resources, Azad University, Tehran.Email: . Azad.alifadlallah@hotmail.com
[2] -Lecturer at the Free Islamic University (Azad) – Iran – Department of Business Administration Email: selannan@iaula.edu
– محاضر في الجامعة الإسلاميّة الحرّة (آزاد)- إيران- قسم إدارة الأعمال.