نقد نظريّة العلاقات الإنسانيّة في الإدارة (هاوثورن): دراسة تحليلية نقدية لتأثيراتها في الممارسات الإدارية المعاصرة
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
نقد نظريّة العلاقات الإنسانيّة في الإدارة (هاوثورن): دراسة تحليلية نقدية لتأثيراتها في الممارسات الإدارية المعاصرة
A Critical Analysis of the Human Relations Theory in Management (Hawthorne): A Critical Analytical Study of Its Implications for Contemporary Managerial Practices
Hussein Al-Cheikh Mustafa Al-Zein حسين الشّيخ مصطفى الزين)[1](
Superviseur: Dr Badia Sorourالمشرفة: دة. بادية سرور([2])
تاريخ الإرسال:24-1-2026 تاريخ القبول:4-2-2026
المستخلص turnitin:6%
تهدف هذه الدِّراسة إلى تقديم نقد استنباطي لنظريّة العلاقات الإنسانيّة في الإدارة المرتبطة بتجارب “هاوثورن”، من خلال تفكيك مبادئها التأسيسيّة، وتحليل افتراضاتها الجوهريّة، وتقويم مدى صلاحيتها التّفسيريّة والتّطبيقيّة في سياق الممارسات الإداريّة المعاصرة، وتنطلق الدِّراسة من إشكاليّة مركزيّة مفادها أنّ الأهمّيّة التّاريخيّة لنظريّة “هاوثورن” لا تستلزم بالضّرورة قابليتها للاستمرار كنموذج إداري صالح بذاته في ظل تعقّد المنظمات الحديثة، وتحوّل بيئات العمل، وتنامي متطلبات العدالة التّنظيميّة والحوكمة والاستدامة.
اعتمد الباحث في دراسته المنهج الاستنباطي التّحليلي، القائم على الانتقال المنهجي من المبادئ الهاوثورنيّة العامة إلى المعرفة الإداريّة المعاصرة، وذلك عبر بناء قياسات منطقيّة واضحة (مقدمة كبرى، مقدمة صغرى، نتيجة) لكل مبدأ رئيس من مبادئ نظريّة “هاوثورن”، وقد أظهر التّحليل أنّ النظريّة، على الرّغم من دورها التّأسيسي في نقل الفكر الإداري من المقاربة الميكانيكيّة إلى الاهتمام بالبعد الإنساني والاجتماعي للعمل، تعاني من حدود مفاهيميّة وبنيويّة عند إسقاطها على واقع المنظمات المعاصرة.
وتوصّلت الدِّراسة إلى أربع نتائج نقديّة رئيسة، تتمثل في: اختزال إدارة الإنسان في إدارة الاستجابة النّفسيّة بدل بناء القيمة التّنظيميّة المستدامة؛ والخلط بين الامتثال العاطفي المؤقت والالتزام المؤسسي طويل الأمد؛ وتحييد الصراع التّنظيمي ومعالجته علاقاتيًا بدل إدارته بنيويًا؛ وقابلية العلاقات الإنسانيّة للتشييء والتّحوّل إلى أداة أداتية تُفرغ الخطاب الإنساني من مضمونه القيمي، وبناءً على ذلك، تخلص الدِّراسة إلى أن الاستفادة المعاصرة من العلاقات الإنسانيّة تقتضي إعادة تأطيرها ضمن منظومة مؤسسية شاملة تدمج إنسانية العمل بالعدالة التّنظيميّة، والحوكمة، وإدارة الأداء، وإنتاج المعنى المهني.
الكلمات المفتاحيّة: نظريّة العلاقات الإنسانيّة؛ تجارب “هاوثورن”؛ النقد الاستنباطي؛ السّلوك التّنظيمي؛ الممارسات الإدارية المعاصرة؛ تشييء العلاقات الإنسانيّة؛ العدالة التّنظيميّة.
Abstract
This study aims to provide an in-depth deductive critique of the Human Relations Theory in management associated with the Hawthorne experiments, through deconstructing its foundational principles, analyzing its core assumptions, and assessing its explanatory and practical validity within the context of contemporary managerial practices، The study proceeds from a central problem that the historical significance of the Hawthorne Theory does not necessarily entail its continued viability as a self-sufficient managerial model in light of the increasing complexity of modern organizations, the transformation of work environments, and the growing demands for organizational justice, governance, and sustainability.
The study adopts a deductive analytical approach based on a systematic transition from the general Hawthorne principles to contemporary managerial knowledge, through the construction of clear logical inferences (major premise, minor premise, and conclusion) for each principal tenet of the Hawthorne Theory، The analysis demonstrates that, despite the theory’s foundational role in shifting managerial thought away from a purely mechanistic approach toward greater attention to the human and social dimensions of work, it suffers from conceptual and structural limitations when applied to the realities of contemporary organizations.
The study arrives at four main critical findings: the reduction of managing the human element to managing psychological responses rather than building sustainable organizational value; the conflation of temporary emotional compliance with long-term organizational commitment; the neutralization of organizational conflict through relational treatment instead of structural management; and the high susceptibility of human relations to reification and transformation into an instrumental tool that empties the humanistic discourse of its value-based content، Accordingly, the study concludes that the contemporary utilization of human relations requires their re-framing within a comprehensive institutional framework that integrates the humanization of work with organizational justice, governance, performance management, and the production of professional meaning.
Keywords: Human Relations Theory; Hawthorne Experiments; Deductive method; Organizational Behavior; Contemporary Management; Objectification of Human Relations; Organizational Justice.
1 المقدّمة
شهد الفكر الإداري منذ بدايات القرن العشرين تحولات بنيويّة عميقة في مقاربته للإنسان داخل المنظمة، وقد انتقلت الإدارة تدريجيًا من نموذج ميكانيكي يركّز على الضبط والكفاءة والإنتاجيّة، إلى نماذج أكثر تعقيدًا تسعى إلى فهم الأبعاد النّفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة للسّلوك التّنظيمي، وقد جاءت هذه التّحوّلات استجابةً لإخفاقات واضحة للمدرسة الكلاسيكيّة في تفسير ظواهر مثل انخفاض الرّضا الوظيفي، وارتفاع معدلات الغياب والدوران الوظيفي، وتنامي الصراع داخل مواقع العمل، على الرّغم من تحسن شروط العمل الماديّة.
في هذا السّياق، برزت نظريّة العلاقات الإنسانيّة، ولا سيما تلك المرتبطة بتجارب “هاوثورن”، بوصفها محاولة لإعادة إدخال “الإنسان” إلى قلب التّحليل الإداري، بعد أن همّشته المقاربات التّايلوريّة التي اختزلته في كونه عنصرًا إنتاجيًا قابلًا للقياس والضبط، وقد مثّلت أعمال “”إلتون مايو”” وفريقه منعطفًا فكريًا مهمًا، إذ أكدت أن السّلوك في العمل لا يتحدد بالعوامل الفيزيقيّة والحوافز الماديّة وحدها، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالعلاقات الاجتماعيّة، والانتماء، والتّفاعل الجماعي، وشعور العاملين بالاعتراف والاهتمام.
غير أنّ الأهمّيّة التّاريخيّة لنظريّة العلاقات الإنسانيّة لا تعني بالضرورة صلاحيتها كنموذج تفسيري وتطبيقي مكتمل في سياق الإدارة المعاصرة، فبيئات العمل اليوم تختلف جذريًا عن السِّياق الصِّناعي الذي نشأت فيه تجارب “هاوثورن”؛ إذ تتسم المنظمات الحديثة بالتّعقيد، والعولمة، والتّحوّل الرّقمي، وتنوع الهُويّات المهنيّة، وتنامي متطلبات الحوكمة والمساءلة، كما أن العلاقات الإنسانيّة نفسها لم تعد محصورة في فضاءات العمل الماديّة، بل باتت تُدار عبر وسائط رقميّة، وفرق افتراضيّة، وهياكل تنظيميّة مرنة.
من هنا، تطرح هذه الدِّراسة إشكاليّة مركزيّة مفادها:
إلى أي مدى يمكن لنظريّة العلاقات الإنسانيّة، في صيغتها الهاوثوريّة، أن تفسّر وتوجّه الممارسات الإداريّة المعاصرة؟ وما حدودها، وما الذي ينبغي إعادة تأطيره أو تجاوزه؟
وتسعى هذه الدِّراسة إلى معالجة هذه الإشكاليّة من خلال اعتماد المنهج الاستنباطي النّقدي، بالانطلاق من الفرضيات العامة التي قامت عليها نظريّة “هاوثورن”، ثم إخضاعها للتّحليل والمقارنة في ضوء ما تلاها من نظريات وممارسات إداريّة، وصولًا إلى تقديم قراءة نقديّة معمّقة تفضي إلى مخرجات معرفيّة قابلة للتوظيف في الإدارة المعاصرة من دون الوقوع في التّبسيط أو الرّفض الكلي.
2 الإطار النّظري
1.2.التّحوّل من الكلاسيكية إلى الإدارة الإنسانيّة، الأسس الفلسفيّة، المفاهيم والفرضيّات المركزيّة
1.1.2.التّحوّل من الإدارة الكلاسيكيّة إلى الإدارة الإنسانيّة
مثّلت الإدارة الكلاسيكيّة، كما تبلورت في أعمال “فريدريك تايلور وفايول وويبر”، محاولة علميّة لتنظيم العمل الصناعي على أسس عقلانيّة تهدف إلى تعظيم الكفاءة الإنتاجيّة، غير أنّ هذه المدرسة تعاملت مع الإنسان بوصفه “كائنًا اقتصاديًا” تحركه الحوافز الماديّة ويُضبط عبر القواعد والإجراءات، وهو ما أدى تدريجيًا إلى إغفال الأبعاد النّفسيّة والاجتماعيّة للعمل (Taylor, 1911; Fayol, 1949).
وقد أظهرت التّجربة الصّناعيّة أن هذا الاختزال لم يكن قادرًا على تفسير سلوك العاملين تفسيرًا كافيًا، الأمر الذي مهّد لظهور اتجاهات فكريّة جديدة سعت إلى تجاوز هذا القصور، وكان من أبرزها اتجاه العلاقات الإنسانيّة الذي أعاد الاعتبار للتفاعل الاجتماعي بوصفه عنصرًا مركزيًا في التّنظيم.
2.1.2.الأسس الفلسفية والاجتماعيّة لنظريّة العلاقات الإنسانيّة
لم تنشأ نظريّة العلاقات الإنسانيّة من فراغٍ معرفّي، بل تأثرت بجملة من التّحوّلات الفلسفيّة والاجتماعيّة التي شهدها الفكر الغربي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد تزامن صعودها مع تراجع النّزعة الوضعيّة الصارمة التي اختزلت الإنسان في سلوك قابل للقياس، وبروز اتجاهات جديدة في علم الاجتماع وعلم النّفس أكّدت مركزيّة الفعل الاجتماعي والمعنى الذّاتي في تفسير السّلوك الإنساني.
على المستوى السوسيولوجي، تأثرت نظريّة العلاقات الإنسانيّة بأعمال “إميل دوركهايم” التي أبرزت دور التّضامن الاجتماعي في حفظ تماسك الجماعات، وبأفكار “ماكس فيبر” حول الفعل الاجتماعي، إذ لا يمكن فهم السّلوك بمعزل عن المعاني التي يضفيها الأفراد على أفعالهم، وقد ساهم هذا التّحوّل في إعادة النظر في التّنظيم بوصفه بنية اجتماعيّة، لا مجرد آلة تقنيّة لإنتاج السّلع والخدمات (Weber, 1978).
أمّا على المستوى النّفسي، فقد تزامن صعود العلاقات الإنسانيّة مع تطور علم النّفس الاجتماعي، ولا سيما الدّراسات التي تناولت الجماعات الصّغيرة، والدّافعيّة، والحاجات النّفسيّة، وأسهمت هذه الدّراسات في زعزعة الافتراض التايلوري القائل بإنّ الحافز المادي هو المحرك الأساسي للسّلوك في العمل، لتُبرز بدله أهمّيّة حاجات الانتماء والتّقدير والاعتراف الاجتماعي (Maslow, 1954).
من هذا المنظور، يمكن القول إنّ نظريّة العلاقات الإنسانيّة مثّلت انتقالًا من عقلانيّة أداتيّة ضيقة إلى عقلانيّة اجتماعيّة أوسع، وإن كانت – كما سيتضح لاحقًا – لم تتحرر بالكامل من منطق الأداتية.
3.1.2.نظريّة “هاوثورن”: المفاهيم والفرضيّات المركزيّة
تقوم نظريّة العلاقات الإنسانيّة المرتبطة بتجارب “هاوثورن” على مجموعة من المفاهيم الأساسيّة التي شكّلت الإطار التّفسيري للسّلوك التّنظيمي في تلك المرحلة، ويأتي في مقدمتها مفهوم الإنسان الاجتماعي، الذي يفترض أن الفرد في بيئة العمل يتأثر بشدة بالعلاقات والتّفاعلات داخل الجماعة، وأنّ سلوكه لا يُفهم بمعزل عن السِّياق الاجتماعي الذي ينتمي إليه.
كما تحتل الجماعة غير الرّسمية موقعًا محوريًا في تفسير سلوك العاملين، وقد أظهرت تجارب “هاوثورن” أنّ الجماعات تطوّر معاييرها الخاصة للإنتاج والانضباط، وقد تفرضها على أفرادها بصورة أقوى من القواعد الرّسمية التي تضعها الإدارة، وقد أدّى هذا الاكتشاف إلى إعادة النّظر في مفهوم السّلطة التّنظيميّة، وانتقال الاهتمام من الهياكل الرّسمية إلى الشبكات الاجتماعيّة غير المرئيّة داخل المنظمة (Roethlisberger & Dickson, 1939).
وتفترض النّظريّة كذلك وجود علاقة إيجابيّة بين الرضا الوظيفي وتحسن الأداء، انطلاقًا من أن المناخ الاجتماعي الدّاعم، والقيادة المتفهمة، وشعور العاملين بالاهتمام، تؤدي إلى تعزيز التعاون والالتزام، غير أنّ هذا الافتراض، رغم جاذبيته، سيخضع لاحقًا لنقد واسع بسبب تبسيطه المفرط لطبيعة العلاقة بين الرّضا والإنتاجيّة.
2.2.نظريّة العلاقات الإنسانيّة في الفكر الإداري
1.2.2.الإنسان في التّنظيم: من الكائن الاقتصادي إلى الكائن الاجتماعي
شكّلت نظريّة العلاقات الإنسانيّة قطيعة جزئيّة مع التّصوّر الكلاسيكي للإنسان في التّنظيم بوصفه كائنًا اقتصاديًا يسعى إلى تعظيم منفعته الماديّة، فقد أكدت أنّ الإنسان يحمل معه إلى العمل شبكة من الحاجات النّفسيّة والاجتماعيّة، وأنّ تجاهل هذه الحاجات يؤدي إلى سلوكيّات سلبيّة مثل الانسحاب، والمقاومة، وضعف الالتزام.
وقد أسهم هذا التّحوّل في إعادة صياغة دور الإدارة، من مجرد وظيفة تخطيط ورقابة، إلى وظيفة اجتماعيّة تتطلب فهمًا للسّلوك الإنساني، ومهارات في التّواصل، وبناء الثّقة، وإدارة الجماعات، ومن هنا بدأت تتبلور فكرة “الإدارة الإنسانيّة” التي ترى في القائد عنصرًا اجتماعيًا مؤثرًا، لا مجرد منفّذ للقواعد (Likert, 1967).
غير أنّ هذا التّحوّل، على الرّغم من أهميته، ظل محكومًا بسؤال جوهري: هل يُنظر إلى الإنسان بوصفه غاية في ذاته داخل التّنظيم، أم بوصفه وسيلة لتحقيق أهداف التّنظيم؟
2.2.2.التّنظيم الرّسمي والتّنظيم غير الرّسمي
أبرزت نظريّة العلاقات الإنسانيّة التمييز بين التّنظيم الرّسمي، الذي يقوم على القواعد والهياكل والسّلطات المحددة، والتّنظيم غير الرّسمي، الذي ينبثق تلقائيًا من التّفاعلات اليوميّة بين العاملين، وقد عدَّ هذا الاكتشاف أحد إسهامات “هاوثورن” المهمّة، لأنّه كشف “الوجه الخفي” للتنظيم، الذي لا يظهر في المخططات التّنظيميّة لكنّه يؤثر بعمق في السّلوك والأداء.
وقد طوّر “تشيستر بارنارد” هذا الفهم حين عدَّ المنظمة نظام تعاون، لا يقوم إلّا إذا قَبِل الأفراد الأوامر بوصفها مشروعة، وهو ما يجعل الاتصال والقبول الاجتماعي شرطين أساسيين لفعالية السلطة التّنظيميّة (Barnard, 1938).
3.2.النظريات الإدارية المعاصرة وموقفها من العلاقات الإنسانيّة
لم ترفض النظريات الإدارية المعاصرة الإرث الذي قدّمته نظريّة العلاقات الإنسانيّة، لكنها أعادت إدماجه ضمن نماذج أكثر شمولًا، ففي علم السّلوك التّنظيمي، أصبحت العلاقات الإنسانيّة أحد المتغيرات المؤثرة في الأداء، إلى جانب الدّافعيّة، والقيادة، والثّقافة التّنظيميّة، وتصميم العمل، ولم تعد تُفهم بوصفها علاجًا شاملًا لمشكلات التّنظيم، بل عنصرًا ضمن منظومة معقدة من العوامل المتداخلة (Robbins & Judge, 2017).
كما أعادت نظريّة النّظم النّظر في العلاقات الإنسانيّة بوصفها جزءًا من شبكة تفاعلات داخليّة وخارجيّة، ما قيّد صلاحيّة الطرح “الهاوثوري” الذي ركّز على الجماعة داخل موقع العمل بمعزل عن البيئة الأوسع (Katz & Kahn, 1978).
1.3.2.علم السّلوك التّنظيمي وإعادة تأطير العلاقات الإنسانيّة
يُعدّ علم السّلوك التّنظيمي الامتداد العلمي الأكثر نضجًا لنظريّة العلاقات الإنسانيّة، إذ انتقل من الطرح الانطباعي الذي ميّز مدرسة “هاوثورن” إلى بناء نماذج تفسيريّة أكثر تركيبًا تستند إلى علم النّفس وعلم الاجتماع والاقتصاد السّلوكي، ففي هذا الحقل، لم تعد العلاقات الإنسانيّة تُفهم بوصفها عاملًا مستقلًا قادرًا بذاته على تفسير الأداء، بل كمتغير وسيط يتفاعل مع متغيرات أخرى مثل الدّافعيّة، والقيادة، والعدالة التّنظيميّة، والثّقافة المؤسسيّة، وتصميم العمل (Robbins & Judge, 2017).
وقد أسهم هذا التّحوّل في تقليص النّزعة التّبسيطيّة التي تبعت الطرح “الهاوثوري”، وقد أظهرت الدّراسات التّجريبيّة أنّ العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة، قد تؤدي إلى تحسين الرضا الوظيفي من دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على الأداء، إذا لم تُدعّم ببنى تنظيميّة عادلة وأهداف واضحة ونظم تقييم شفافة، وعليه، أعاد السّلوك التّنظيمي صياغة العلاقة بين الإنسان والتّنظيم ضمن إطار احتمالي مشروط بالسّياق، لا علاقة سببية مباشرة كما افترضت مدرسة العلاقات الإنسانيّة.
2.3.2.نظريّة النّظم وحدود الطرح “الهاوثوري”
قدّمت نظريّة النّظم منظورًا مختلفًا جذريًا للتنظيم، بوصفه نظامًا مفتوحًا يتفاعل باستمرار مع بيئته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتكنولوجيّة، ووفق هذا المنظور، تُفهم العلاقات الإنسانيّة لا بوصفها نتاجًا لتفاعلات داخليّة فحسب، بل كجزء من شبكة معقّدة من العلاقات التي تمتد إلى خارج حدود المنظمة (Katz & Kahn, 1978).
ويكشف هذا الطرح أحد أوجه القصور البنيويّة في نظريّة “هاوثورن”، التي ركّزت على الجماعة داخل المصنع أو موقع العمل، وأغفلت إلى حدّ كبير تأثير العوامل البيئيّة الأوسع، مثل السّوق، والتكنولوجيا، والثقافة المجتمعيّة، ومن هنا، فإن العلاقات الإنسانيّة، في السّياق المعاصر، لا يمكن إدارتها بمعزل عن هذه المتغيرات، وهو ما يتطلب نماذج أكثر شمولًا من تلك التي قدّمتها مدرسة العلاقات الإنسانيّة.
3.3.2.إدارة الموارد البشريّة الاستراتيجيّة: من العلاقات إلى القيمة
مثّل التّحوّل نحو إدارة الموارد البشريّة الاستراتيجيّة نقطة فاصلة في إعادة تعريف موقع العلاقات الإنسانيّة داخل المنظمة، فلم تعد العلاقات هدفًا بحد ذاتها، بل أُدرجت ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق الميزة التنافسيّة، من خلال إدارة الأداء، وتطوير رأس المال البشري، وبناء الالتزام التّنظيمي، وتحقيق الاستدامة (Dessler, 2020).
وفي هذا الإطار، يُعاد تقييم العلاقات الإنسانيّة من زاوية إسهامها في خلق القيمة، لا من زاوية أثرها النّفسي فقط، ويُظهر هذا التّحوّل أنّ الإدارة المعاصرة تميل إلى “عقلنة” العلاقات الإنسانيّة وربطها بمؤشرات قابلة للقياس، وهو ما سيمثل لاحقًا أحد محاور النّقد الاستنباطي المتعلق بتشييء العلاقات.
4.3.2.القيادة المعاصرة وإعادة تعريف البعد الإنساني
قدّمت نظريات القيادة المعاصرة، ولا سيما القيادة التحويلية والقيادة الخادمة، تصورًا أكثر تعقيدًا للعلاقات الإنسانيّة، حيث لم يعد القائد مجرد ميسّر للعلاقات الاجتماعيّة، بل فاعلًا في بناء المعنى، وتحفيز الالتزام القيمي، وتمكين الأفراد من تجاوز مصالحهم الفردية لصالح أهداف أوسع (Bass & Avolio, 1994).
غير أن هذا الطرح، رغم تطوره، لم يخرج بالكامل من الإشكال الذي طرحته مدرسة “هاوثورن”، والمتعلق بحدود التداخل بين البعد الإنساني والبعد الأداتي في القيادة، وهو ما سيظهر جليًا في النقد الاستنباطي.
3 مراجعة الأدبيّات
1.3.الدّراسات التي تناولت نظريّة “هاوثورن” بالتأييد أو الوصف
1.1.3.الأدبيّات التّأسيسيّة المؤيدة لنظريّة العلاقات الإنسانيّة
تركّز الأدبيّات التّأسيسيّة لنظريّة العلاقات الإنسانيّة على إبراز التّحوّل الذي أحدثته تجارب “هاوثورن” في الفكر الإداري، فقد رأى “إلتون مايو” أن مشكلات الإنتاج ليست في جوهرها تقنيّة، بل اجتماعيّة ونفسيّة، وأن تجاهل هذه الأبعاد يؤدي إلى اغتراب العاملين وفشل الإدارة في تحقيق التعاون (Mayo, 1933).
كما أكدت أعمال “روثليسبيرغر وديكسون” أنّ الجماعات غير الرّسميّة تمارس تأثيرًا حاسمًا في تحديد معايير السّلوك والإنتاج، وأنّ فهم هذه الجماعات شرط أساسي للإدارة الفعّالة (Roethlisberger & Dickson, 1939)، وقد أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ العلاقات الإنسانيّة كاتجاه فكري بديل عن الإدارة العلميّة.
2.1.3.الأدبيّات المنهجيّة النّاقدة لتجارب “هاوثورن”
في مقابل ذلك، ظهرت دراسات لاحقة شكّكت في الأسس المنهجيّة لتجارب “هاوثورن”، حاسبة أنّ ما عُرف بـ«تأثير “هاوثورن”» قد يكون ناتجًا عن تصميم التجربة ذاته، لا عن المتغيرات الاجتماعيّة المدروسة، فقد أشار “أدير” إلى أنّ مجرد علم المشاركين بأنّهم تحت الملاحظة قد يغيّر سلوكهم، بصرف النّظر عن طبيعة التّدخل الإداري (Adair, 1984).
كما أكدت أدبيّات التّصميم التّجريبي أن تعميم نتائج دراسات ميدانيّة محدودة السّياق يواجه إشكالات تتعلق بالصّلاحيّة الدّاخليّة والخارجيّة، وهو ما يحدّ من قدرة نظريّة “هاوثورن” على تقديم قوانين عامة للسلوك التّنظيمي (Campbell & Stanley, 1963).
3.1.3.الأدبيّات النّظريّة التي تجاوزت الطرح “الهاوثوري”
أسهمت نظريات الدّافعيّة في تجاوز بعض افتراضات العلاقات الإنسانيّة، من خلال التّمييز بين الرّضا والتّحفيز، وإظهار أنّ تحسين العلاقات لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسين الأداء، فقد بيّن “هيرزبيرغ” أنّ عوامل الرضا تختلف عن عوامل التّحفيز، وأنّ العلاقات الاجتماعيّة تقع غالبًا ضمن “عوامل الوقاية” لا “عوامل الدّافعيّة” (Herzberg, 1966).
كما أظهرت نظريّة التوقع لـ”فرووم” أن السّلوك في العمل تحكمه حسابات عقلانية تتعلق بتوقعات الأفراد للعوائد، وهو ما يقلّص مركزية العلاقات الاجتماعيّة بوصفها محددًا وحيدًا للسلوك (Vroom, 1964).
4.3.1. الأدبيّات النّقديّة والمؤسسية المعاصرة
تناولت الأدبيّات النّقديّة المعاصرة العلاقات الإنسانيّة من زاوية السّلطة والضبط، عادّة أنّها قد تُستخدم كآلية “تحكم ناعم” تُعيد إنتاج الامتثال من دون معالجة الاختلالات البنيويّة في توزيع السّلطة والموارد، وقد مثّلت أعمال “برافيرمان” و”ألفيسون” و”ويلموت” منعطفًا مهمًا في هذا الاتجاه، إذ ربطت بين الخطاب الإنساني والإدارة المعياريّة للهُويّة والمعنى داخل التّنظيم (Braverman, 1974; Alvesson & Willmott, 2012).
وفي السِّياق العربي، تناول عدد من الباحثين إشكاليّة استيراد نظريات العلاقات الإنسانيّة من دون مراعاة الخصوصيات الثقافيّة والتّنظيميّة، مشيرين إلى أنّ التّركيز على البعد الاجتماعي، قد يتحول إلى غطاء لتجاهل مشكلات العدالة والكفاءة والحوكمة.
5.1.3.الأدبيّات العربيّة في العلاقات الإنسانيّة: العرض وحدود المعالجة
تناولت الأدبيّات الإداريّة العربيّة نظريّة العلاقات الإنسانيّة في إطار الاهتمام المتزايد بالسّلوك التّنظيمي وإدارة الموارد البشريّة، وغالبًا ما عُرضت هذه النظريّة بوصفها انتقالًا إيجابيًا من الإدارة الكلاسيكيّة إلى إدارة أكثر إنسانيّة، فقد ركّز عدد من الباحثين العرب على إبراز دور العلاقات الإنسانيّة في تحسين الرّضا الوظيفي، وتعزيز التعاون، وتخفيف الصّراع داخل المنظمات (عبد الباقي، 2004؛ العزاوي، 2010).
غير أن مراجعة هذه الأدبيّات تكشف أنّ المعالجة العربيّة غلب عليها الطابع التعليمي–الوصفي، وقد جرى التّركيز على شرح مفاهيم العلاقات الإنسانيّة وتطبيقاتها العامة، من دون التّوسع في نقد افتراضاتها النّظريّة أو مساءلة حدودها المنهجيّة، كما أنّ معظم هذه الكتابات اعتمدت على النّقل عن المراجع الغربيّة، مع إسقاط مباشر على الواقع العربي، من دون تحليل كافٍ للفروق الثقافيّة والتّنظيميّة (الحراحشة، 2016).
وفي السِّياق نفسه، تناولت بعض المؤلفات العربيّة الحديثة العلاقات الإنسانيّة ضمن إطار إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية، لكنّها بقيت حبيسة المنظور الأداتي الذي يربط العلاقات الإنسانيّة بتحسين الأداء فقط، من دون التّطرق إلى إشكاليّة تشييء العلاقات أو دورها في إعادة إنتاج أنماط السّيطرة التّنظيميّة (الأكلبي والمبيضين، 2018).
2.3.تطور النقد الموجَّه لنظريّة “هاوثورن” على مراحل
يمتاز النقد الموجَّه لنظريّة العلاقات الإنسانيّة، ولا سيما في صيغتها “الهاوثورية”، بأنّه لم يكن نقدًا لحظيًا أو أحادي الاتجاه، بل تطوّر تدريجيًا مع تطور الفكر الإداري والعلوم الاجتماعيّة، وانتقل من مساءلة المنهج إلى تفكيك الافتراضات، ثم إلى نقد البنى السّلطويّة والمعنى، وصولًا إلى إعادة التّقييم المعاصر.
1.2.3. المرحلة الأولى: النّقد المنهجي وصلاحيّة الاستدلال
تركّز النقد المبكر لتجارب “هاوثورن” على المنهجيّة التّجريبيّة التي استُخدمت في استخلاص النّتائج، فقد لاحظ باحثون لاحقون أنّ التّجارب لم تكن مضبوطة بما يكفي لعزل المتغيرات، وأن التغييرات المتزامنة في الإشراف، وفترات الراحة، والتفاعل الاجتماعي، جعلت من الصّعب الجزم بأن التّحسن في الإنتاجية يعود إلى عامل اجتماعي بعينه (Campbell & Stanley, 1963).
كما طُرحت إشكالية ما عُرف لاحقًا بـ«تأثير “هاوثورن”»، إذ عُدَّ أنّ مجرد علم العاملين بأنهم تحت الملاحظة قد يؤدي إلى تغيير سلوكهم، بصرف النّظر عن طبيعة التّدخل الإداري، وقد ذهب “أدير” إلى أنّ هذا التأثير قد يكون أثرًا منهجيًا أكثر منه قانونًا اجتماعيًا عامًا، ما يحدّ من قيمة التّعميم النّظري لنتائج “هاوثورن” (Adair, 1984).
ويمثل هذا النّقد أول محاولة لتقييد الطموح التّفسيري لنظريّة العلاقات الإنسانيّة، من دون إنكار دورها التّأسيسي.
2.2.3.المرحلة الثانية: النّقد النّظري وافتراضات الإنسان الاجتماعي
انتقل النقد لاحقًا من المنهج إلى مضمون النظريّة نفسها، ولا سيما افتراضها المركزي القائل إنّ الإنسان في العمل كائن اجتماعي تسوده النّزعة إلى التّعاون، وأنّ تحسين العلاقات يؤدي تلقائيًا إلى تحسين الأداء، وقد رأت نظريات الدّافعيّة اللاحقة أن هذا الافتراض ينطوي على تبسيط مفرط لطبيعة السّلوك الإنساني.
فقد ميّز “هيرزبيرغ” بين عوامل الرضا وعوامل التّحفيز، معتبرًا أن العلاقات الاجتماعيّة قد تمنع السخط، لكنها لا تُنتج بالضرورة أداءً مرتفعًا أو دافعيّة داخليّة قويّة (Herzberg, 1966)، كما أكدت نظريّة التوقع أن الأفراد يتخذون قراراتهم في العمل بناءً على حسابات عقلانيّة تتعلق بتوقع العائد واحتماليّة تحقيقه، لا على العلاقات الاجتماعيّة وحدها (Vroom, 1964).
وأدّى هذا النّقد إلى إعادة النّظر في العلاقة الخطيّة بين الرّضا والإنتاجيّة التي افترضتها مدرسة العلاقات الإنسانيّة.
3.2.3.المرحلة الثالثة: النّقد المؤسسي والسّلطوي
مع صعود المقاربات النّقديّة في علم الاجتماع والتّنظيم، برز اتجاه جديد قرأ نظريّة العلاقات الإنسانيّة بوصفها خطابًا إداريًا قد يُستخدم لإعادة إنتاج السّيطرة داخل التّنظيم بوسائل ناعمة، ففي هذا السِّياق، عدَّ “برافيرمان” أنّ التّحوّل من الرّقابة الصّارمة إلى الاهتمام بالعلاقات لا يعني بالضّرورة تحرّر العامل، بل قد يمثل انتقالًا من السّيطرة المباشرة إلى السّيطرة المعياريّة (Braverman, 1974).
وطوّر “ألفيسون” و”ويلموت” هذا الطرح من خلال تحليل دور الثقافة التّنظيميّة والاتصال الدّاخلي في تشكيل هوية العاملين ومعانيهم، عادِّين أنّ الخطاب الإنساني قد يُوظَّف لإنتاج الامتثال من داخل الفرد، لا عبر الإكراه الخارجي (Alvesson & Willmott, 2012).
ويمثل هذا الاتجاه النّقدي نقطة تحول مفصليّة، إذ نقل النقاش من سؤال «هل العلاقات الإنسانيّة فعّالة؟» إلى سؤال «كيف تُستخدم العلاقات الإنسانيّة؟ ولصالح من؟».
4.2.3.المرحلة الرابعة: النّقد المعاصر وحدود الملاءمة السّياقيّة
في ظل التّحوّلات الرّقميّة والعولمة، أعيد تقييم نظريّة العلاقات الإنسانيّة من زاوية الملاءمة السّياقيّة، فقد أصبحت بيئات العمل أكثر تعقيدًا، وتراجعت الجماعات المستقرة لصالح فرق افتراضيّة ومؤقتة، وتغيرت أنماط التواصل والانتماء، وفي هذا السياق، لم تعد الأدوات التّقليديّة للعلاقات الإنسانيّة قادرة على تحقيق الأثر نفسه الذي حققته في مصانع ثلاثينيات القرن الماضي (Daft, 2018).
كما أظهرت إدارة الموارد البشريّة الحديثة أنّ العلاقات الإنسانيّة لا يمكن فصلها عن أنظمة الأداء، والحوكمة، والامتثال، وهو ما قيد الطرح “الهاوثوري” وأعاد إدماجه ضمن منظومات أكثر عقلانيّة (Dessler, 2020).
3.3.تحديد فجوة البحث:
على الرّغم من وفرة الدّراسات التي تناولت نظريّة “هاوثورن”، سواء بالعرض أو النّقد، تكشف مراجعة الأدبيّات فجوة معرفيّة واضحة يمكن تحديدها في النّقاط الآتية:
- تركّز معظم الانتقادات على الجوانب المنهجيّة أو السّلطويّة، من دون تقديم نقد استنباطي تركيبي يربط بين العلاقات الإنسانيّة، والقِيمة التّنظيميّة، والمعنى المهني في الإدارة المعاصرة.
- تعالج الدّراسات غالبًا العلاقات الإنسانيّة إمّا بوصفها قيمة إنسانية مطلقة، أو أداة ضبط سلطوي، من دون تحليل التّحوّل التدريجي لها إلى مورد إداري واضح يُدار بمنطق الأداء.
- ندرَت الدّراسات التي تناولت نظريّة “هاوثورن” من منظور الفجوة بين الاستجابة النّفسيّة قصيرة المدى والقيمة التّنظيميّة طويلة المدى.
- تفتقر الأدبيّات العربيّة على وجه الخصوص إلى قراءات نقديّة معمّقة تعيد تأطير نظريّة العلاقات الإنسانيّة ضمن السِّياق الإداري المعاصر، بدل الاكتفاء بنقلها أو تلخيصها.
ومن هنا، تأتي هذه الدِّراسة لتسدّ هذه الفجوة من خلال تقديم قراءة استنباطية نقدية معمّقة لنظريّة “هاوثورن”، تتجاوز العرض التاريخي والنقد التقليدي، وتسعى إلى إعادة تشغيل مفاهيم العلاقات الإنسانيّة ضمن إطار يوازن بين الإنسان، والقيمة، والعدالة، والمعنى في التّنظيمات الحديثة.
4 منهجيّة البحث
تعتمد هذه الدِّراسة المنهج الاستنباطي النقدي بوصفه الإطار المنهجي الأنسب لطبيعة الإشكاليّة المدروسة، ويقوم هذا المنهج على الانتقال من الفرضيّات الكليّة التي قامت عليها نظريّة العلاقات الإنسانيّة إلى تحليل تطبيقاتها ونتائجها في ضوء النّظريات والممارسات اللاحقة، وصولًا إلى استخلاص استنتاجات نقديّة ذات قيمة تفسيريّة؛ وهذا المنهج هو أﺳﻠﻮب استدلال منطقي ينتقل من العام إلى الخاص، ويبدأ المنهج بمقدمة عامة (نظريّة، مبدأ، افتراض) تُعدُّ صحيحة، ثم يربطها بمقدمة خاصة (حالة معينة، ظاهرة، معلومة) ليُستخلص نتيجة حتميّة بالضرورة المنطقيّة (Simon, 1947)
1.4. مبررات اختيار المنهج
يُعد المنهج الاستنباطي مناسبًا لأنّ الدِّراسة لا تهدف إلى اختبار فرضيّات ميدانية جديدة، بل إلى إعادة تقييم نظريّة قائمة وتحليل حدودها المفاهيميّة والتّطبيقيّة، كما يسمح هذا المنهج بدمج التّحليل النّظري مع النقد المقارن، وهو ما يتوافق مع طبيعة البحث في العلوم الإداريّة النّظريّة (Sekaran & Bougie, 2016).
2.4.أدوات البحث ومصادر جمع البيانات
بما أنّ هذا البحث نظري، فإنّ مصادر المعلومات ستكون مكتبيّة وأكاديميّة بالدّرجة الأولى، وستشمل:
- المصادر الأوليّة: كتابات “إلتون مايو” الأصيلة، وتقارير تجارب “هاوثورن”.
- المصادر الثانويّة: كتب ومقالات ومجلات ورسائل الدكتوراه في: السّلوك التّنظيمي، وإدارة الموارد البشرية، أضف الدّراسات النّقديّة المعاصرة ومصادر إلكترونية موثوقة من قواعد البيانات الأكاديميّة.
3.4.حدود الدِّراسة المنهجيّة
تقتصر الدِّراسة على التّحليل النّظري، ولا تتناول دراسات ميدانيّة أو إحصائيّة، كما تركز على الإطار العام للإدارة من دون تخصيص قطاعي، بهدف الحفاظ على الطابع التّحليلي للمقال.
4.4.الخطوات التّفصيليّة لتّطبيق المنهج الاستنباطي”
لتطبيق المنهج الاستنباطي على نقد نظريّة “هاوثورن”، سيتبع الباحث هيكل القياس المنطقي على النحو الآتي لكل نقطة نقديّة:
- مقدمة كبرى: تمثل هذه المقدمة المبدأ العام والافتراض الجوهري المستخلص من نظريّة “هاوثورن” وقد صِيغت بناءً على التّحليل المفصل لأعمال “هاوثورن” الأصليّة والأدبيّات التي تناولت نظريته.
- مقدمة صغرى: وتمثل حقيقة او مبدأ خاص أو نظريّة معاصرة راسخة من الأدبيّات الحديثة التي تصف واقع المنظمات المعاصرة أو تكشف تعقيدات السّلوك البشري في مجال العلاقات الإنسانيّة والإدارة والسّلوك التّنظيمي وعلم النّفس.
- النتيجة: هي الاستنتاج الحتمي الذي يُستخلص منطقيًا من العلاقة بين المقدمة الكبرى والمقدمة الصّغرى، وتُظهر النّتيجة أوجه القصور، أو التّناقض، أو عدم الصلاحيّة، لنظريّة “هاوثورن” في السِّياق المعاصر، بالإضافة الى استنباط الآثار السّلبيّة المترتبة على ذلك.
ستُطبَّق هذه العمليّة الاستنباطيّة بشكل منهجي على كل مبدأ رئيسي من مبادئ نظريّة “هاوثورن” ضمن الجزء التّحليلي للبحث وفق الخطوات المتبعة الآتية:
- تحديد المبدأ “الهاوثورني” المراد نقده.
- تأصيل المبدأ “الهاوثورني” (مقدمة كبرى): شرح عميق للمبدأ كما صاغه “هاوثورن” والسِّياق الذي نشأ به.
- تقديم معرفة معاصرة ذات الصّلة (المقدمة الصغرى): عرض النّظريات، الأبحاث، المفاهيم الحديثة التي تتعارض أو تتكامل مع المبدأ “الهاوثورني”.
- الاستنتاج المنطقي والنّقد (النّتيجة): بناء على التّعارض، يُستخلص النّقد المنطقي، وتحديد أوجه القصور، واستنباط الآثار السّلبيّة.
- المناقشة والتّداعيات: تحليل للنتائج المستنبطة وتأثيرها.
5. النّقد الاستنباطي لنظريّة “هاوثورن”
ينطلق هذا القسم من مسلّمة منهجيّة مفادها أنّ قيمة أي نظريّة إداريّة لا تُقاس فقط بقدرتها على تفسير ظواهر سياقها التاريخي، بل بمرونتها المفاهيميّة، وقابليتها لإعادة التّأطير في سياقات لاحقة، وانطلاقًا من هذا المبدأ، تقدّم الدِّراسة نقدًا استنباطيًا معمّقًا لنظريّة العلاقات الإنسانيّة في صيغتها “الهاوثورية”، يتجاوز النّقد التقليدي إلى مساءلة المنطق الكامن خلف توظيفها الإداري.
1.1.5.النّقد الاستنباطي لمبدأ تحسين المناخ الاجتماعي مقابل بناء القيمة التّنظيميّة المستدامة:
1.1.1.5.المقدمة الكبرى – أولويّة المناخ الاجتماعي في تفسير الأداء
يرتكز المبدأ الهاوثورني على افتراض أن تحسين العلاقات والاهتمام الاجتماعي–الإشرافي داخل الجماعة يؤدي بذاته إلى رفع الأداء والإنتاجيّة، فتُظهر الأدبيّات التّأسيسيّة لتجارب هوثورن أنّ العامل الاجتماعي—المتمثل في الاهتمام، ونمط الإشراف، وتماسك الجماعة غير الرّسميّة—يُعدّ عاملًا حاسمًا في تفسير تحسّن الأداء، حتى في غياب تغيّر ملموس في الشروط الفيزيقيّة للعمل، وقد خلصت أعمال مايو، وكذلك تقرير روثليسبيرغر وديكسون، إلى أنّ الاعتراف والانتباه الإداريين يؤثران مباشرة في السّلوك الإنتاجي عبر رفع الروح المعنويّة والانتماء الجماعي (Mayo, 1933؛ Roethlisberger & Dickson, 1939).
2.1.1.5.المقدمة الصغرى – القيمة المستدامة مشروطة بالمواءمة الاستراتيجيّة
تؤكد المعرفة المعاصرة في الإدارة الاستراتيجيّة، ونظريّة الموارد أنّ الأداء المستدام لا ينتج عن تحسينات علاقاتيّة قصيرة الأمد، بل عن مواءمة منهجيّة بين رأس المال البشري، والاستراتيجيّة، والهيكل، والثقافة، ونظم الحوكمة، بما يحوّل العلاقات إلى قدرات تنظيميّة مولِّدة للقيمة على المدى الطويل (Porter, 1985؛ Barney, 1991؛ Dessler, 2020).
3.1.1.5.النتيجة – قصور التّفسير الهاوثورني عن ضمان الاستدامة
يستلزم الجمع بين المقدمتين الاستنتاج بأنّ نظريّة هوثورن، وإن نجحت في تفسير تحسّنٍ وظيفي آني عبر المناخ الاجتماعي، فإنّها تعجز عن ضمان بناء قيمة تنظيميّة مستدامة، ما يحدّ من صلاحيتها كنموذج إداري شامل في السِّياق المعاصر، ويؤدي هذا القصور إلى استبدال إصلاحات بنيويّة (الحوكمة، تصميم العمل، إدارة القدرات) بتدخلات علاقاتيّة ظرفيّة، فتتحقق مكاسب قصيرة الأجل تتلاشى سريعًا، مع ارتفاع كلفة الدّوران الوظيفي وضعف الاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري.
2.1.5.النّقد الاستنباطي لمبدأ الامتثال العاطفي مقابل الالتزام المؤسسي المستدام:
1.2.1.5.المقدمة الكبرى – الرضا والانتماء كرافعة للالتزام
يفترض المبدأ الهاوثورني أنّ الرضا والانتماء النّاتجين عن تحسين العلاقات يقودان تلقائيًا إلى الالتزام والأداء، فتفترض أعمال هوثورن أنّ تعزيز التّماسك الاجتماعي والاهتمام يرفع المعنويّات ويقود إلى انضباط جماعي وأداء أفضل، وأنّ الجماعة غير الرّسميّة تُشكّل سلوك الفرد وتوجّهه نحو الالتزام (Mayo, 1933؛ Roethlisberger & Dickson, 1939).
2.2.1.5.المقدمة الصّغرى – التّمييز بين الامتثال والالتزام
تُبيّن أدبيّات العدالة التّنظيميّة ونماذج الالتزام أنّ الالتزام المستدام يتأسس على عدالة إجرائيّة وتوزيعيّة وتفاعليّة، ووضوح الأدوار، وموثوقيّة النّظام، وليس على تحسّن المزاج أو العلاقات وحدها؛ كما تميّز هذه الأدبيّات بين استجابة عاطفيّة مؤقتة والتزام مؤسسي متعدد الأبعاد (Greenberg, 1990؛ Meyer & Allen, 1997).
3.2.1.5.النّتيجة – خلط مفاهيمي يفضي إلى سياسات مضلِّلة
بناءً على ذلك، تُنتج نظريّة هوثورن امتثالًا عاطفيًا قصير الأمد أكثر مما تُنتج التزامًا مؤسسيًا مستدامًا، ما يجعل سياساتها غير كافية لضمان أثر طويل الأجل، ويظهر الأثر السّلبي حين تتضخم برامج “المناخ/الرفاه” من دون إصلاح العدالة البنيويّة، فتتآكل الثّقة ويتصاعد الإحباط والسّخريّة التّنظيميّة، على الرّغم من ارتفاع مؤشرات الرّضا السّطحي.
3.1.5.النّقد الاستنباطي لمبدأ تحييد الصراع عبر العلاقات مقابل إدارته بنيويًا:
1.3.1.5.المقدمة الكبرى – الصراع كخلل علاقاتي قابل للاحتواء (مبدأ هاوثورن)
ينظر المبدأ الهاوثورني إلى التّوترات بوصفها خللًا علاقاتيًا يُعالج بتحسين التّواصل والمناخ الاجتماعي، فتُفسِّر تحليلات هوثورن التوترات داخل العمل بوصفها مشكلات علاقات أو إشراف، وتفترض أنّ تحسين المناخ والاتصال كفيل باحتوائها عبر الانسجام الجماعي (Mayo, 1933؛ Roethlisberger & Dickson, 1939).
2.3.1.5.المقدمة الصغرى – الصراع ظاهرة بنيويّة تُدار مؤسسيًا
تقرّر المقاربات السوسيولوجيّة والتّنظيميّة أنّ الصّراع ظاهرة طبيعيّة ناتجة عن تضارب المصالح وتوزيع الموارد والسّلطة، وقد يكون وظيفيًا إذا أُدير بآليات مؤسسيّة (حوكمة، تفاوض، تظلّم)، ضمن منظور النظم المفتوحة (Coser, 1956؛ Katz & Kahn, 1978؛ Robbins & Judge, 2017).
3.3.1.5.النّتيجة – تحييد الصراع يكرّس اختلالاته
يستلزم الجمع بين المقدمتين أنّ نظريّة هوثورن تُحيّد الصراع بدل إدارته بنيويًا، فتنتج انسجامًا شكليًا يخفي الاختلالات ويعيد إنتاجها، وينتج عن ذلك مقاومة صامتة، وقرارات أقلّ جودة بسبب كبت التعارض المشروع، وتفاقم التوتر حين تُستخدم العلاقات لإسكات المطالب البنيويّة بدل معالجتها.
4.1.5.النّقد الاستنباطي لمبدأ أداتية العلاقات وتشييئها مقابل حماية المعنى والثقة:
1.4.1.5.المقدمة الكبرى – العلاقات كأداة إداريّة لتحسين الأداء
يُشرعن توظيف هوثورن العلاقات الإنسانيّة كوسيلة إدارية لرفع الأداء والانضباط، فيضع الطرح الهاوثورني العلاقات والاهتمام والإشراف في قلب تحسين الانضباط والإنتاجيّة، بما يجعل العلاقات وسيلة مؤثرة لتوجيه السّلوك والامتثال (Mayo, 1933؛ Roethlisberger & Dickson, 1939).
2.4.1.5.المقدمة الصغرى – مخاطر الأداتيّة وتقويض العقلانيّة التّواصليّة
تُظهر المقاربات النّقديّة أنّ إخضاع القيم الإنسانيّة لمنطق الأداتيّة، والكفاءة يقوّض المعنى والثّقة ويحوّل الخطاب الإنساني إلى تقنية ضبط ناعم؛ ويؤكد منظور الفعل التواصلي وخطابات الإدارة النّقديّة هذا الخطر (Habermas, 1984؛ Braverman, 1974؛ Alvesson & Willmott, 2012).
3.4.1.5.النتيجة – قابليّة عالية للانزلاق الأداتي وتآكل الثقة
بناءً عليه، تُعدّ نظريّة هوثورن -في منطق توظيفها- عالية القابليّة لتشييء العلاقات الإنسانيّة وتحويلها إلى أداة أداتية، بما يفرغ “الإنسانيّة” من مضمونها الأخلاقي، فتظهر التّداعيات في تآكل الثقة والعقد النّفسيّة، وتصاعد السخرية التّنظيميّة، وانخفاض المعنى المهني؛ ويغدو التّواصل الداخلي إدارة انطباعات لا إدارة كرامة.
6.النّتائج، التّوصيات والمساهمة العلميّة
1.6.النتائج
أسفرت الدِّراسة، اعتمادًا على المنهج الاستنباطي التّحليلي، عن مجموعة من النتائج المترابطة التي تُبيّن حدود نظريّة العلاقات الإنسانيّة المرتبطة بتجارب “هاوثورن” عند إسقاطها على واقع المنظمات المعاصرة، ويمكن تلخيص النتائج الرئيسة على النحو الآتي:
1.1.6.محدوديّة الصلاحيّة التّفسيريّة لنظريّة “هاوثورن” في بناء القيمة التّنظيميّة المستدامة
أظهرت النّتائج أن المبدأ “الهاوثورني” القائل بأولوية تحسين المناخ الاجتماعي في رفع الأداء يفسّر تحسّنات وظيفية آنية، لكنّه لا يقدّم إطارًا كافيًا لبناء قيمة تنظيميّة طويلة الأمد، فالمنظمات المعاصرة تتطلب مواءمة استراتيجيّة ومؤسسيّة تتجاوز التأثيرات النّفسيّة المباشرة، وهو ما تعجز عنه نظريّة “هاوثورن” في صيغتها الأصليّة.
2.1.6.إنتاج امتثال عاطفي مؤقت بدل التزام مؤسسي مستدام
بيّنت النّتائج أن نظريّة العلاقات الإنسانيّة تميل إلى الخلط بين الرضا والانتماء من جهة، والالتزام المؤسسي من جهة أخرى، ويؤدي هذا الخلط إلى سياسات إداريّة تعزّز الامتثال العاطفي قصير الأجل من دون ترسيخ التزام قائم على العدالة التّنظيميّة والحوكمة، ما يفسّر هشاشة آثارها على المدى البعيد.
3.1.6.تحييد الصّراع التّنظيمي وإعادة إنتاج الاختلالات البنيويّة
كشفت الدِّراسة أنّ معالجة الصراع وفق المنطق الهاوثورني -بوصفه خللًا علاقاتيًا- تؤدي إلى تهدئة ظاهريّة تخفي جذورها البنيويّة المرتبطة بالسّلطة وتوزيع الموارد، وتترتب على ذلك آثار سلبيّة تتمثل في كبت التّعارض المشروع، وضعف جودة القرار، وتحوّل الصّراع إلى مقاومة صامتة داخل التّنظيم.
4.1.6.قابليّة عالية لتشييء العلاقات الإنسانيّة والانزلاق الأداتي
خلصت النتائج إلى أن توظيف العلاقات الإنسانيّة كوسيلة إداريّة لتحسين الأداء يجعلها عرضة للأداتية، بما يفرغ الخطاب الإنساني من مضمونه الأخلاقي، ويؤدي هذا الانزلاق إلى تآكل الثقة التّنظيميّة، وتقويض المعنى المهني، وتحويل التواصل الدّاخلي إلى أداة ضبط ناعم بدل كونه فضاءً للتفاعل القيمي.
5.1.6.الطابع المرحلي الانتقالي لنظريّة “هاوثورن” في تطور الفكر الإداري
تُظهر النتائج أن نظريّة العلاقات الإنسانيّة تمثل مرحلة تأسيسية مهمة في الانتقال من المقاربة الميكانيكيّة إلى الاهتمام بالبعد الإنساني، لكنها لا ترقى إلى نموذج إداري متكامل صالح بذاته لإدارة تعقيدات المنظمات المعاصرة، ما يستلزم إعادة إدماج بعدها الإنساني ضمن أطر مؤسسية وقيميّة أوسع.
لذا فالنّتائج تؤكد مجتمعة أنّ قوة نظريّة “هاوثورن” تكمن في بعدها التّاريخي التّحويلي، بينما يكمن قصورها في محدوديّة افتراضاتها عند التّعامل مع التّعقيد المؤسسي الحديث، وعليه، فإنّ الاستفادة المعاصرة من العلاقات الإنسانيّة تقتضي تجاوز منطقها الأصلي، ودمجها ضمن منظومة متكاملة تشمل العدالة التّنظيميّة، والحوكمة، وإدارة الأداء، وإنتاج المعنى المهني.
6.2.المساهمة العلميّة للدّراسة
تتجلّى المساهمة العلميّة لهذه الدِّراسة في تقديم معالجة نقدية استنباطيّة متكاملة لنظريّة العلاقات الإنسانيّة المرتبطة بتجارب “هاوثورن”، تتجاوز الطرح الوصفي أو النّقد الجزئي الشائع في الأدبيّات الإدارية، لتؤسس قراءة تحليليّة أعمق تمسّ البنية الافتراضيّة للنظريّة وحدودها المفاهيميّة في السياق المعاصر، ويمكن تحديد أوجه هذه المساهمة على النحو الآتي:
1.2.6.تطوير إطار نقدي استنباطي منضبط في دراسة النظريات الإدارية
تسهم الدِّراسة في إثراء المنهجيّة البحثية في حقل الإدارة من خلال توظيف المنهج الاستنباطي توظيفًا صريحًا ومنهجيًا، قائمًا على بناء قياسات منطقية واضحة (مقدمة كبرى، مقدمة صغرى، نتيجة)، بدل الاكتفاء بالمقاربات الوصفية أو المقارنات العامة، ويُعدّ هذا التوظيف إضافة منهجية تفتح أفقًا أوسع لنقد النظريات الإدارية من منظور معرفي صارم.
2.2.6.إعادة تأصيل مبادئ “هاوثورن” بوصفها افتراضات تاريخيّة لا مسلّمات معاصرة
قدّمت الدِّراسة إعادة قراءة لمبادئ “هاوثورن” الأساسية، ليس بوصفها حقائق تنظيميّة ثابتة، بل كافتراضات نشأت في سياق صناعي وتاريخي محدّد، وبذلك تسهم الدِّراسة في تفكيك النزعة التّعميميّة التي رافقت توظيف نظريّة العلاقات الإنسانيّة، وتعيد وضعها في إطارها الزمني والمعرفي الصحيح.
3.2.6.التّمييز المفاهيمي بين الامتثال العاطفي والالتزام المؤسسي المستدام
من الإسهامات المركزية للدّراسة بلورة تمييز تحليلي دقيق بين الامتثال الناتج عن تحسين المناخ الاجتماعي، والالتزام المؤسسي القائم على العدالة والحوكمة والبنى التّنظيميّة، ويُعدّ هذا التّمييز إضافة نوعية تسهم في تصحيح كثير من الممارسات الإدارية التي تخلط بين الرضا المؤقت والاستدامة التّنظيميّة.
4.2.6.الكشف عن أثر تحييد الصراع التّنظيمي في إعادة إنتاج الاختلالات البنيويّة
تسهم الدِّراسة في نقل النقاش حول الصراع التّنظيمي من مستوى المعالجة العلاقاتية إلى مستوى التحليل البنيوي، مبيّنة أن تحييد الصراع -كما في الطرح الهاوثورني- لا يؤدي إلى حلّه، بل إلى إعادة إنتاجه بأشكال كامنة أكثر تعقيدًا، ويضيف هذا الطرح بعدًا نقديًا مهمًا إلى دراسات السّلوك التّنظيمي والإدارة.
5.2.6.تطوير مفهوم تشييء العلاقات الإنسانيّة في الممارسة الإداريّة المعاصرة
تقدّم الدِّراسة إسهامًا نظريًا أصيلًا من خلال الكشف عن قابلية العلاقات الإنسانيّة، في منطق “هاوثورن” وتوظيفه المعاصر، للتحول إلى أدوات أداتية تخضع لمنطق الكفاءة والضبط، ويُعدّ هذا المفهوم إضافة نقدية تسهم في فهم الآثار الأخلاقيّة والتّنظيميّة العميقة للخطاب الإنساني حين يُفرغ من مضمونه القيمي.
6.2.6.إعادة طرح سؤال الإنسان في الإدارة المعاصرة
تتجاوز الدِّراسة حدود نقد نظريّة بعينها لتعيد طرح سؤال جوهري في الفكر الإداري: هل يُنظر إلى الإنسان بوصفه شريكًا في إنتاج القيمة والمعنى، أم مجرد مورد تُدار استجاباته لتحقيق الأداء؟ وتمثل هذه الإعادة صياغة إسهامٍ فكريٍّ يربط الإدارة بالنقاشات الأوسع حول الأخلاق، والحوكمة، والاستدامة.
وبذلك، لا تقتصر المساهمة العلميّة للدراسة على نقد نظريّة العلاقات الإنسانيّة لـ”هاوثورن”، بل تمتد إلى تطوير أدوات تحليليّة، ومفاهيم نقدية تسهم في إعادة توجيه البحث والممارسة الإدارية نحو مقاربات أكثر توازنًا بين إنسانيّة العمل ومتطلبات التّنظيم المعاصر.
3.6.التّوصيات
1.3.6.توصيات للممارسة الإداريّة
في ضوء النّتائج التي خلصت إليها الدِّراسة، وبناءً على النقد الاستنباطي لمبادئ نظريّة العلاقات الإنسانيّة (هاوثورن)، تُقدَّم التوصيات الآتية لتحسين الممارسات الإدارية المعاصرة:
1.1.3.6.دمج البعد الإنساني ضمن إطار مؤسسي قائم على القيمة
توصي الدِّراسة بألّا يُدار البعد الإنساني بوصفه أداة علاقاتيّة ظرفيّة، بل جزءًا من منظومة مؤسسية متكاملة تربط العلاقات بالاستراتيجية، والحوكمة، وإدارة الأداء، بما يضمن تحويل التّفاعل الإنساني إلى قدرات تنظيميّة مستدامة.
2.1.3.6.التّمييز العملي بين الامتثال العاطفي والالتزام المؤسسي
ينبغي على الإدارات تجنّب الخلط بين مؤشرات الرضا والمناخ الاجتماعي من جهة، ومؤشرات الالتزام طويل الأمد من جهة أخرى، واعتماد سياسات تُعزّز العدالة التّنظيميّة، ووضوح الأدوار، وتكافؤ الفرص بوصفها شروطًا للالتزام المستدام.
3.1.3.6.إدارة الصراع بوصفه ظاهرة بنيويّة لا خللًا علاقاتيًا
توصي الدِّراسة بتطوير آليات مؤسسية لإدارة الصراع (مسارات تظلّم، تفاوض داخلي، شفافية قرار)، بدل الاكتفاء بتحسين العلاقات أو احتواء التوترات اجتماعيًا، بما يحسّن جودة القرار ويعزّز التعلّم التّنظيمي.
4.1.3.6.تفادي أداتية العلاقات الإنسانيّة وحماية المعنى المهني
تحذّر الدِّراسة من تحويل العلاقات الإنسانيّة إلى أدوات ضبط أو مؤشرات أداء صرفه، وتوصي بإعادة تعريفها كقيمة أخلاقيّة وتنظيميّة تُصان عبر سياسات مشاركة حقيقية، واحترام الكرامة المهنيّة، وبناء الثقة.
5.1.3.6.مواءمة الخطاب الإنساني مع متطلبات الحوكمة الرّشيدة
تؤكد الدِّراسة ضرورة اتساق الخطاب الإنساني مع ممارسات حوكمة شفافة وقابلة للمساءلة، منعًا لتحوّله إلى غطاء رمزي يُضعف الثقة ويقوّض العقد النّفسي بين العاملين والمؤسسة.
2.3.6.توصيات للبحث المستقبلي
استنادًا إلى حدود الدِّراسة وطابعها التّحليلي-الاستنباطي، تقترح الدِّراسة مسارات بحثية مستقبلية من شأنها تعميق الفهم النظري والتطبيقي للعلاقات الإنسانيّة في الإدارة:
1.2.3.6.دراسات ميدانية حول تشييء العلاقات الإنسانيّة
إجراء بحوث تطبيقية تقيس أثر توظيف العلاقات الإنسانيّة كأداة إداريّة على الثقة التّنظيميّة، والمعنى المهني، والالتزام طويل الأمد في قطاعات مختلفة.
2.2.3.6.تحليل تفاعلي بين العدالة التّنظيميّة والخطاب الإنساني
دراسة العلاقة بين مستويات العدالة التّنظيميّة وفعاليّة سياسات العلاقات الإنسانيّة، لاختبار ما إذا كان الخطاب الإنساني قادرًا على تعويض اختلالات العدالة أم يفقد أثره في ظلها.
3.2.3.6.العلاقات الإنسانيّة في سياقات العمل الرقمية والهجينة
بحث صلاحية افتراضات هوثورن في بيئات العمل عن بُعد والفرق الافتراضية، حيث تتغيّر أنماط التفاعل والانتماء والرقابة.
4.2.3.6.مقارنات نقدية مع نماذج القيادة المعاصرة
إجراء مقارنات استنباطية بين العلاقات الإنسانيّة ونماذج القيادة التحويلية والخادمة، لبيان حدود كل نموذج في تحقيق التوازن بين الأداء والإنسانيّة.
5.2.3.6.تطوير أطر نظريّة بديلة لإدارة الإنسان في التّنظيم
تشجيع بناء نماذج إداريّة تتجاوز ثنائيّة “الميكانيكي/الإنساني”، وتدمج الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقية في إطار واحد لإدارة الإنسان بوصفه شريكًا في إنتاج القيمة والمعنى.
كما ويؤكد الباحث في توصياته على أن تجاوز محدوديات الطرح الهاوثورني لا يُرفض البعد الإنساني، بل بإعادة إدماجه ضمن بنى مؤسسيّة عادلة وقابلة للمساءلة، وبفتح مسارات بحثيّة تُعيد صياغة موقع الإنسان في الإدارة المعاصرة.
7.الخاتمة
تُظهر المعالجة النّقديّة التي قدّمتها هذه الدِّراسة أنّ نظريّة العلاقات الإنسانيّة، في صيغتها الماوثورنية المرتبطة بتجارب “هاوثورن”، مثّلت لحظة مفصليّة في تطور الفكر الإداري، حين أعادت الاعتبار للبعد الإنساني في العمل بعد هيمنة طويلة للمنطق الميكانيكي والإنتاجي الصرف، غير أن القيمة التّاريخيّة لهذا التّحوّل لا تكفي وحدها لتبرير استمرار توظيف النّظريّة بوصفها إطارًا تفسيريًا أو توجيهيًا صالحًا بذاته للممارسات الإدارية المعاصرة.
فقد بيّنت الدِّراسة أن قدرة نظريّة العلاقات الإنسانيّة على تفسير السّلوك التّنظيمي وتوجيه الإدارة تظل قدرة جزئية ومشروطة بالسياق، إذ تنجح في الإضاءة على أهمية التفاعل الاجتماعي والانتماء والاعتراف، لكنها تعجز عن استيعاب التعقيد البنيوي الذي يميز المنظمات المعاصرة، إذ تتداخل اعتبارات الأداء، والحوكمة، والعدالة التّنظيميّة، والتّحوّل الرّقمي، وتعدد الهُويّات المهنيّة، وفي هذا الإطار، يتضح أن الاعتماد على العلاقات الإنسانيّة بوصفها مدخلًا تفسيريًا شاملًا يفضي إلى تبسيط مفرط، وقد يتحول إلى عائق معرفي إذا استُخدم بديلاً عن مقاربات أكثر تركيبًا.
كما كشفت الدِّراسة أن أحد أهم حدود الصيغة الماوثورنية يتمثل في انتقالها الضمني من إنسانية العمل إلى أداتية العلاقات؛ إذ إن كثيرًا من تطبيقاتها الإدارية المعاصرة لا تسعى إلى ترسيخ الإنسان بوصفه غاية تنظيميّة، بل إلى إدارة استجاباته النّفسيّة والعاطفية بما يخدم أهداف الأداء والكفاءة، وبهذا المعنى، لا تعود العلاقات الإنسانيّة قيمة في ذاتها، بل موردًا إداريًا مُشيّأ، ما يفرغ الخطاب الإنساني من مضمونه القيمي ويحوّله إلى أداة ضبط ناعم.
وانطلاقًا من ذلك، يخلص الباحث في دراسته إلى أن ما ينبغي إعادة تأطيره في نظريّة العلاقات الإنسانيّة ليس مجرد أدواتها التّطبيقيّة، بل منطلقاتها المفاهيميّة، فالعلاقات الإنسانيّة لا يمكن أن تؤدي دورًا بنّاءً في الإدارة المعاصرة ما لم تُدمج ضمن إطار أوسع يوازن بين البعد الإنساني، والقيمة التّنظيميّة، والمعنى المهني، والعدالة المؤسسيّة، أما ما ينبغي تجاوزه، فهو الافتراض القائل بكفاية تحسين المناخ الاجتماعي وحده لتحقيق الفعالية التّنظيميّة، أو إمكانيّة استبدال البنى المؤسسيّة الصلبة بخطاب إنساني معزول عن ممارسات عادلة وشفافة.
وعليه، لا تدعو هذه الدِّراسة إلى رفض نظريّة العلاقات الإنسانيّة أو إقصائها من الفكر الإداري، بقدر ما تدعو إلى تحريرها من اختزالها الماوثورني، وإعادة تشغيل عناصرها الإيجابية ضمن نماذج إدارية نقدية أكثر نضجًا، ترى في الإنسان ليس مجرد موضوع للتأثير أو التحفيز، بل فاعلًا منتجًا للقيمة والمعنى معًا، وبهذا الفهم، تصبح العلاقات الإنسانيّة عنصرًا مكمّلًا لا بديلًا، وجزءًا من رؤية إدارية أخلاقية واستراتيجية، قادرة على الاستجابة لتحديات المنظمات المعاصرة دون الوقوع في فخ الأداتية أو الحنين النظري إلى نماذج تجاوزها الواقع.
4.1 المصادر والمراجع العربية
- الأكلبي، عائض بن شافي، والمبيضين، صفوان محمد، (2018)، التخطيط الاستراتيجي في الموارد البشرية، عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
- عبد الباقي، صلاح الدين محمد، (2015)، السّلوك التّنظيمي: مدخل معاصر لإدارة السّلوك الإنساني في المنظمات (الطبعة الثالثة)، القاهرة: الدار الجامعية.
- الحراحشة، محمد عبد الله، (2016)، إدارة الموارد البشرية المعاصرة، عمّان: دار صفاء للنشر والتوزيع.
- العزاوي، قاسم نايف، (2014)، الإدارة بين النظريّة والتطبيق، عمّان: دار اليازوري العلميّة للنشر والتوزيع.
- الطائي، حميد عبد النبي، والعلّاق، بشير عباس، (2012)، السّلوك التّنظيمي في منظمات الأعمال، عمّان: دار اليازوري العلميّة للنشر والتوزيع.
- الشماع، خليل محمد حسن، (2010)، نظريات التّنظيم والإدارة، عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
4.2 المصادر والمراجع الأجنبيّة
- Adair, J، G، (1984)، The Hawthorne effect: A reconsideration of the methodological artifact، Journal of Applied Psychology, 69(2), 334–345.https://doi.org/10.1037/0021-9010.69.2.334
- Alvesson, M., & Willmott, H، (2012)، Making Sense of Management: A Critical Introduction (2nd ed.)، London: SAGE Publications.
- Barnard, C، I، (1938)، The Functions of the Executive، Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Barney, J، B، (1991)، Firm resources and sustained competitive advantage، Journal of Management, 17(1), 99–120، https://doi.org/10.1177/014920639101700108
- Bass, B، , & Avolio, B، J، (1994)، Improving Organizational Effectiveness through Transformational Leadership، Thousand Oaks, CA: SAGE Publications.
- Braverman, H، (1974)، Labor and Monopoly Capital: The Degradation of Work in the Twentieth Century، New York: Monthly Review Press.
- Campbell, D، , & Stanley, J، C، (1963)، Experimental and Quasi-Experimental Designs for Research، Boston: Houghton Mifflin.
- Coser, L، A، (1956)، The Functions of Social Conflict، New York: Free Press.
- Daft, R، L، (2018)، Management (13th ed.)، Boston: Cengage Learning.
- Dessler, G، (2020)، Human Resource Management (16th ed.)، Boston: Pearson Education.
- Greenberg, J، (1990)، Organizational justice: Yesterday, today, and tomorrow، Journal of Management , 16(2) , 399–432 ، https://doi.org/10.1177/014920639001600208
- Habermas, J، (1984)، The Theory of Communicative Action (Vol، 1, Trans، T، McCarthy)، Boston: Beacon Press.
- Herzberg, F، (1966)، Work and the Nature of Man، Cleveland, OH: World Publishing Company.
- Katz, D., & Kahn, R، L، (1978)، The Social Psychology of Organizations (2nd ed.)، New York: Wiley.
- Likert, R، (1967)، The Human Organization: Its Management and Value، New York: McGraw-Hill،
- Mayo, E، (1933)، The Human Problems of an Industrial Civilization، New York: Macmillan.
- Meyer, J، , & Allen, N، J، (1997)، Commitment in the Workplace: Theory, Research, and Application، Thousand Oaks, CA: SAGE Publications.
- Porter, M، E، (1985)، Competitive Advantage: Creating and Sustaining Superior Performance، New York: Free Press.
- Robbins, S، , & Judge, T، A، (2017)، Organizational Behavior (17th ed.)، Harlow, UK: Pearson Education.
- Roethlisberger, F، , & Dickson, W، J، (1939)، Management and the Worker، Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Sekaran, U., & Bougie, R، (2016)، Research Methods for Business: A Skill-Building Approach (7th ed.)، Chichester, UK: Wiley.
- Taylor, F، W، (1911)، The Principles of Scientific Management، New York: Harper & Brothers،
- Vroom, V، H، (1964)، Work and Motivation، New York: Wiley.
- Weber, M، (1978)، Economy and Society (G، Roth & C، Wittich, Eds.)، Berkeley: University of California Press.
- Maslow, A، H، (1954)، Motivation and Personality، New York: Harper & Row.
- Fayol, H، (1949)، General and Industrial Management (Trans، C، Storrs).London: Pitman Publishing.
[1] – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة-طهران-إيران- كلّيّة إدارة الأعمال-قسم اتخاذ القرارات
PhD student at Azad Islamic University, Tehran, Iran, Faculty of Business Administration, Department of Decision Making .E-mail. husseinalzein313@gmail.com
[2] – أستاذ مساعد في الجامعات اللبنانيّة- بيروت- لبنان- كلّية إدارة الأعمال- والموارد البشريّة.
Assistant Professor at Lebanese Universities – Beirut – Lebanon – Faculty of Business Administration and Human Resources.E-mail. badiasrour@hotmail.fr