الاختبار الوظيفي في القرآن الكريم: مقاربة مفهوميّة وتطبيقيّة في ضوء مصادر الإماميّة

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الاختبار الوظيفي في القرآن الكريم: مقاربة مفهوميّة وتطبيقيّة في ضوء مصادر الإماميّة

Functional testing in the Holy Qur’an: A conceptual and applied approach in light of Imami sources

Hussein Ali Jammoul حسين علي جمّول([1])

تاريخ الإرسال:16-12-2025                                تاريخ القبول:28-12-2025

المخلص                                                                              10%    turnit in:

تناول هذا البحث مفهوم الاختبار الوظيفي في القرآن الكريم من منظور إداري معاصر، مستعرضًا كيف يعالج القرآن الكريم- مستندًا إلى تفاسير الإماميّة- قضية التّمكين في المواقع القياديّة بوصفها عمليّة معقدة تنطلق من الاختبار والابتلاء قبل التّمكين.  يبيّن البحث أن الاختبار القرآني ليس مجرد ابتلاء روحي أو عقائدي، بل هو إطار متكامل يجمع بين البُعد القيمي، والسّلوكي، والعملي، ويهدف إلى فرز الصّادقين والمؤهلين لتحمّل المسؤوليّة، عن غيرهم.

وينتقد البحث ممارسات التّوظيف والإدارة الحديثة التي تُغفل هذه الأبعاد الحيويّة، معتمدةً على معايير شكليّة أو محسوبيّة. وبناءً على ذلك، يقترح البحث نموذجًا عمليًّا للاختبار الوظيفي مستلهمًا من السّنن الإلهيّة، يتضمن مراحل تقييم قيمي وسلوكي، واختبارات محاكاة عمليّة، وتقييم مجتمعي، ومدّة تمكين تدريجيّة.

ختامًا، يقدّم البحث توصيات واضحة لتطبيق هذا النّموذج في أقسام الموارد البشريّة داخل المؤسسات، مع التّركيز على تعزيز القيادة المتواضعة والقيميّة، وإدراج مؤشرات أخلاقيّة ضمن معايير الأداء، ما يُسهم في تحقيق تمكين قيادي عادل وفعّال مستند إلى القيم الإسلاميّة الأصيلة.

الكلمات المفتاحيّة: الاختبار الوظيفي؛ القيادة؛ التّمكين؛ السّنن الإلهية؛ القيم؛ الإماميّة؛ الموارد البشريّة.

Abstract

This study explores the concept of functional testing in the Holy Qur’an from a contemporary administrative perspective. Drawing on Imami (Shi’a) exegesis, the research examines how the Qur’an addresses the issue of empowerment in leadership positions as a complex process that begins with testing and trial before entrusting authority. The study argues that Qur’anic testing is not merely a spiritual or doctrinal challenge, but rather a comprehensive framework that integrates ethical, behavioral, and practical dimensions. Its aim is to distinguish those who are sincere and qualified to bear responsibility from those who are not.

Furthermore, the research critiques modern recruitment and management practices that neglect these vital dimensions, often relying instead on superficial or nepotistic criteria. In response, the study proposes a practical model of functional testing inspired by divine traditions. This model includes phases for ethical and behavioral evaluation, practical simulation tests, community-based assessments, and a gradual empowerment period.

In conclusion, the research offers clear recommendations for applying this model within human resource departments of institutions, emphasizing the promotion of humble and value-based leadership, integrating ethical indicators into performance criteria, and contributing to the realization of just and effective leadership empowerment rooted in authentic Islamic values.

Keywords: Functional testing; Leadership; Empowerment; Divine laws (Sunna); Values; Imami doctrine; Human resources.

مقدمة

يُعدّ الإنسان في التّصور القرآني محورًا أساسيًا في منظومة الخلق والاستخلاف، فقد خُلق مزوّدًا بالعقل والفطرة وحرية الاختيار، ليكون فاعلاً في إدارة الأرض وتحقيق العدالة والحق، من خلال منظومة ربانيّة متكاملة ترتكز على الهداية التّشريعيّة والوحي. يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، دلالةً على مكانة الإنسان في المشروع الإلهي الحضاري، لا كمجرد مخلوق، بل كفاعل مسؤول في التّاريخ. ومن هذا المنطلق، لم يُترك الإنسان هملًا، بل تعاقبت عليه الرّسالات الإلهيّة لتصحيح مساراته وتوجيهه نحو الكمال الإنساني والوظيفي.

غير أنّ هذا الدّور التمثيلي والاستخلافي، على الرّغم من أنّه تكريم، إلّا أنّه أيضًا تكليف، يتطلب مستوى عاليًا من النّقاء والقدرة والتّوازن بين الباطن والظاهر. فالانتماء الإيماني المجرد، أو الالتزام اللفظي بالشّعائر، لا يكفيان بمفردهما ليُمنح الإنسان مواقع القيادة أو التّمكين. بل تشترط السّنن الإلهيّة الخضوع لاختبار واقعي كاشف، يضع الإنسان في مواقف تُمتحن فيها نواياه، وتُكشف فيها سرائره، ويتجلّى فيها مدى استحقاقه للأمانة. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، وهي آية تختزل فلسفة الوجود الإنساني بوصفه اختبارًا دائمًا لاختيار الأصلح (الطباطبائي، 1997).

ومن خلال تتبع السّياقات القرآنيّة المتكررة، تتجلى قاعدة قرآنيّة منهجيّة مفادها: أنّ الاختبار شرط سابق على التّمكين. فالتّمكين ليس منحة تلقائيّة تُمنح على أساس القرابة أو الهويّة، بل نتيجة متدرجة تُمنح بعد اجتياز سلسلة من الابتلاءات المتنوعة. وتتجلّى هذه القاعدة في سيرة الأنبياء والرسل، إذ لم يكن نبيّ أو قائد يُمكنه الله إلّا بعد أن يمرّ بتجارب واختبارات مصيريّة. فإبراهيم عليه السّلام، لم يُعلن استحقاقه للإمامة إلّا بعد أن “أتمّ الكلمات”، فقال له ربه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124)، وهنا يأتي التّمكين كنتيجة مباشرة لاجتياز سلسلة من المهام والاختبارات (الفيض الكاشاني، 1427هـ، ج1، ص232).

وتظهر النّصوص التّفسيريّة الإماميّة أبعادًا روحيّة وعمليّة لهذه المفاهيم، تتجاوز الفهم الغيبي إلى الفهم الوظيفي. فالابتلاء، في تفسير الميزان للطبطبائي، ليس حالة عقابيّة، بل سنّة تكوينيّة وتربويّة شاملة، تهدف إلى بناء الشّخصيّة الإنسانيّة المؤهلة، وليس فقط إلى اختبارها. ويرى الطباطبائي (الطباطبائي، 1997) أنّ التّمحيص مثلًا هو عمليّة ربانيّة تتجاوز حدود التّجريب، إلى غاية تطهير الجماعة من الضّعف والمراوغة، وجعلها صالحة لحمل المسؤوليّة المجتمعيّة.

فيما يلي ملخص تحليلي علمي للفصول الأربعة التي تتناول أبعاد الكفاءة القياديّة في النّموذج القرآني، مع تضمين إشارات إلى الأدبيّات العلميّة المعاصرة، وتوثيق النتائج في ضوء الفهم النقدي لمتطلبات التّمكين القيادي:

الكفاءة العقليّة: البصيرة التحليلية كأساس لاتخاذ القرار

يشير النّموذج القرآني للقيادة إلى أن الكفاءة العقليّة شرط جوهري للتمكين، إذ يتجاوز التّقييم العقلي حدود الذّكاء المجرد ليصل إلى مهارات التدبّر، والتّحليل، وربط الوقائع ببعضها. هذه السّمات تمثل أساسًا لما يُعرف في الأدبيّات الحديثة بـ strategic foresight وsystems thinking، وهي من مقومات القيادة المهمّة في البيئات المعقدة (Northouse, 2019) . يظهر ذلك بوضوح في النّموذج القرآني ليوسف عليه السّلام الذي استخدم التحليل العملي، وربط المعطيات لتقديم خطة اقتصاديّة واقعية. هذا النّوع من الكفاءة يمكّن القائد من استباق الأحداث واتخاذ قرارات رشيدة، وهو ما يطابق ما وصفه Yukl (2013) بـ”القيادة المستندة إلى الرؤية التّحليليّة”.

الكفاءة الروحيّة: التّوازن النّفسي وضبط الذّات في المواقف الحرجة

الكفاءة الرّوحيّة في النّموذج القرآني تمثل بُعدًا فريدًا يغيب غالبًا عن نماذج القيادة الغربيّة. صفات مثل التّوكل، الرضا، والإخلاص، تشكّل حائطًا نفسيًّا يحمي القائد من الانهيار في المحن أو الغرور في النّجاح. هذه القيم تتلاقى مع مفاهيم emotional stability وauthentic leadership والتي تعدُّ أساسيّة في بناء شخصيّة قياديّة متزنة (George et al., 2007; Goleman, 2006). القائد الذي يتصف بالتّوازن الدّاخلي يكون أكثر قدرة على إدارة الأزمات من دون أن يفقد بوصلته الأخلاقيّة، كما هو الحال في سيرة الأنبياء القرآنيين الذين ربطوا التّمكين بالإخلاص لا بالهيمنة.

الكفاءة السّلوكيّة: القيم كمعيار للحكم والقرار

تركّز الكفاءة السّلوكيّة على أن سلوك القائد هو البرهان العملي على أهليته، وليس مجرد أقواله أو مؤهلاته. وتشمل هذه السّلوكيّات العدل، الصدق، النّزاهة، والرّحمة، وهي تتناغم مع مفاهيم ethical leadership وvalue-based governance في علم الإدارة (Bass & Bass, 2008) . هذه السّمات ليست مجرد أخلاقيّات مثاليّة، بل يمكن تحويلها إلى مؤشرات تقييم موضوعي داخل المؤسسات. على سبيل المثال، العدل يرتبط بنظم الحوكمة، والصدق يبني ثقافة الثقة المؤسسية، بينما النزاهة تحمي المؤسسة من الفساد الدّاخلي (Yukl, 2013).

الكفاءة التّنفيذيّة: المهارة في تحويل المبادئ إلى واقع

أمّا الكفاءة التّنفيذيّة، فتُعبّر عن مدى قدرة القائد على التّحرك في الميدان وتطبيق المبادئ في مواقف حقيقيّة. تتجلى في الحذر، التّضحية، السرّية، والتّعاون، وهي تماثل في أدبيّات الإدارة مفاهيم مثل crisis leadership, operational resilience، وcollaborative management، (Northouse, 2019; Parmenter, 2015).، القائد في النّموذج القرآني لا يُقاس ببلاغته، بل بقدرته على إدارة المخاطر، ضبط المعلومات، وتحفيز الفريق على العمل التّشاركي. هذه المهارات تمثل “الاختبار الميداني” للقيادة، وهي ما يجعل التّمكين في القرآن مشروطاً بالأداء العملي لا بالتّوصية أو المحسوبيّة.

الدّراسات السّابقة: لقد حظي موضوع “الابتلاء” و”الاختبار” في القرآن الكريم باهتمام لافت في الأدبيات التّفسيريّة، خاصة في إطار التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، إلّا أنّ المقاربة المؤسسيّة والتّطبيقيّة لهذا المفهوم ظلت إلى حد كبير غائبة عن الدّراسات الأكاديميّة المعاصرة، سواء في الحقل الإسلامي أو في ميدان الإدارة والموارد البشريّة.

فعلى الصعيد الإسلامي، ركزت التّفاسير الكلاسيكيّة على البعد الروحي والعقائدي للاختبار، لا على أبعاده العمليّة أو المؤسسيّة. فالعلامة الطباطبائي (1997) في “الميزان في تفسير القرآن” قدّم رؤية فلسفيّة وعقائديّة شاملة للاختبار الإلهي، مشددًا على أنه ضرورة تكوينية في حياة الإنسان لتمييز أهل الصّدق من أهل النّفاق، كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾، إلّا أنّ هذا التّناول بقي في حدود التزكية الفرديّة والأخرويّة، من دون أن تُحوَّل إلى إطار معياري في سياسات التّمكين أو إدارة الكفاءات.

وبالمثل، تناول الفيض الكاشاني (1427هـ) في “تفسير الصافي” مفهوم الابتلاء والاختبار بوصفه سُنّة تهدف إلى إعداد الإنسان للتكامل المعنوي والسموّ الروحي، مشيرًا إلى أن الابتلاء “أسلوب رباني لتطهير الباطن لا للمعاقبة”، لكنه لم يربط هذا المنظور بقضايا التّمكين في نظم الحكم أو تنظيم الشأن العام. وركّزت تفاسير مثل “مجمع البيان” للطبرسي، و”نور الثقلين” للحويزي على الأبعاد البلاغيّة والغيبيّة للمصطلحات، من دون ربطها بالممارسات المؤسسيّة الحديثة.

في المقابل، قدّمت بعض الدّراسات الحديثة محاولة لرصد سنن الله في المجتمعات، كما في أطروحة “سنن الله في المجتمعات الإنسانيّة في القرآن الكريم” (اتحاد جامعات العالم الإسلامي، 2020)، إلّا أنّ الطابع العام بقي فلسفيًّا عامًّا، ولم يتعمق في بناء نموذج وظيفي قابل للتطبيق في سياق التّوظيف أو القيادة المؤسسيّة. بل حتى الدّراسات القرآنيّة الموضوعيّة التي عالجت “التّمكين”، مثل دراسة “التّمكين في القرآن الكريم: دراسة موضوعيّة” (مجلة الدّراسات القرآنيّة، 2020)، اقتصرت على تحليل دلالي وموضوعاتي، من دون تقديم نماذج تنفيذيّة، أو تفعيل للمفاهيم ضمن منهجيّة إداريّة معاصرة.

أمّا على الصّعيد الغربي، فقد هيمنت على حقل القيادة والإدارة دراسات قائمة على أسس نفسيّة وسلوكيّة واقتصاديّة، من دون ربط بالمرجعيات الدّينيّة أو الفلسفيّة الإسلاميّة. فقد ركز Northouse (2019) على النّظريّات القياديّة مثل القيادة التبادليّة والتّحويليّة والخادمة التي تقوم على مفاهيم الكفاءة والولاء والإلهام، لكنها لا تأخذ بالحسبان أبعاد “الابتلاء الوظيفي” كشرط جوهري في التّمكين. وناقش Owens & Hekman (2012) أدوار التّواضع والنيّة الأخلاقيّة في القيادة، إلّا أنّ منظوره ظلّ ضمن حدود التجريب النّفسي، ولم يستند إلى منظومة سننيّة ميتافيزيقيّة أو إيمانيّة كتلك التي يقدّمها القرآن الكريم.

تُبرز هذه القراءة المقارنة محدوديّة كل من النّموذج التّفسيري التّقليدي والنّموذج الإداري الوضعي. فالأول لم يُفعّل الرؤية القرآنيّة في بناء المؤسسات، والثاني تجاهل المرجعيّات الروحيّة بوصفها أدوات فرز وتأهيل. من هنا، تنبع أهمية هذا البحث في سدّ هذه الفجوة، عبر تقديم نموذج تطبيقي مستلهم من السّنن الإلهيّة في الاختبار والتّمكين، بما يوازن بين البُعد القيمي والبُعد الإداري الحديث.

الفجوة البحثيّة

تكمن الفجوة الرئيسة التي يسعى هذا البحث إلى معالجتها في غياب نموذج تطبيقي متكامل، يستند إلى السّنن الإلهية المقررة في القرآن الكريم لاختيار الأفراد وتمكينهم في المواقع القياديّة، وهو غياب يظهر جليًّا في الأدبيّات المعاصرة سواء في الدّراسات الإداريّة أو التّفسيريّة. فعلى الرّغم من وفرة الكتابات التي تتناول مفاهيم القيادة، الكفاءة، التّمكين، والتقييم، إلّا أنّ معظم هذه الدّراسات تقتصر على المعايير الشّكليّة التقنيّة المرتبطة بالأداء، الخبرة، والمؤهلات، مع تجاهل شبه كامل للأبعاد القيميّة والسّلوكيّة التي يضعها القرآن الكريم في صلب عمليّة التّمكين.

ويزداد هذا التّحدي خطورة في البيئات المجتمعيّة والمؤسسيّة التي تعاني من أزمات مزمنة في الثّقة العامة تجاه النُّخب الإداريّة والسياسيّة، وهي أزمات تعود في جزء كبير منها إلى تآكل المعايير الأخلاقيّة في اختيار القادة، وانتشار ثقافة المحسوبيّة، وغياب منظومة واضحة تُعلي من شأن القيم كالصدق، الأمانة، الصّبر، والعدل بوصفها محددات أساسيّة للاستحقاق القيادي. في مثل هذه البيئات، يصبح البحث عن نموذج أصيل وفعال، يقوم على التّمحيص والاختبار القيمي والسّلوكي قبل التّمكين، ضرورة ملحّة وليست مجرد ترفًا فكريًا.

لقد كشفت الفصول السّابقة في هذا البحث أنّ السّنن الإلهية – كما تظهر في قصص الأنبياء وتجاربهم – لا تقدّم مجرد سرد تاريخي أو وعظ أخلاقي، بل تؤسس لنموذج وظيفي دقيق قابل للتطبيق، يقوم على التدرّج في الابتلاء، والتكشّف التّدريجي للجوهر النّفسي والسّلوكي للمتقدّم، فلا يُمنح موقع القيادة إلّا بعد المرور بمحكّات حقيقيّة تتطلب الصبر، التّواضع، ضبط النّفس، وتحمل الأمانة. وهذه المقاربة لا نجد لها نظيرًا في نماذج التّوظيف الحديثة التي تفتقر إلى آليات كشف العمق الأخلاقي للشخص، وتعتمد غالبًا على اختبارات سريعة أو مقابلات شكليّة لا تضمن بالضرورة تحقق الجدارة القيميّة.

وعليه، فإنّ غياب هذا النّوع من النماذج يُمثّل فجوة مزدوجة: من جهة، هو قصور معرفي في الدّراسات المعاصرة عن استلهام القرآن كمصدر عملي لبناء السياسات المؤسسيّة؛ ومن جهة أخرى، هو فشل عملي في التّأسيس لثقافة تمكين مستدامة قائمة على المحاسبة الأخلاقيّة. ومن هنا تنبع ضرورة تقديم نموذج قرآني تطبيقي يُعيد الاعتبار لمنظومة الاختبار القيمي قبل التّمكين، ويعالج جذور أزمة الثقة في مؤسسات القيادة المعاصرة، عبر العودة إلى سنن الخلق والتّمحيص والاصطفاء كما أقرّها النّص الإلهي.

يسعى هذا البحث إلى سدّ الفجوة البحثية القائمة من خلال تقديم مقاربة منهجيّة شاملة لمفهوم “الاختبار الوظيفي” في القرآن الكريم، بوصفه ليس مجرد أداة عقديّة أو وعظيّة، بل آلية إلهيّة واعية ومقصودة لإعداد الأفراد وتمكينهم في المواقع الوظيفيّة والقياديّة. فبدلًا من الاقتصار على القراءة الرّوحيّة أو التّأمليّة للنصوص، يُقارب هذا البحث المفهوم من منظور وظيفي إداري، واضعًا نصب عينيه تحويل المبادئ القرآنيّة إلى نموذج تطبيقي صالح للاستخدام في مجالات الموارد البشريّة وصنع القرار المؤسسي، خاصة في البيئات التي تعاني من تدهور في منظومة القيم القياديّة.

ويعمل البحث على معالجة الإشكاليّات المطروحة عبر ثلاث مستويات مترابطة: أولًا، المفاهيم الأساسية وتفكيكها وتحليلها والتي تقوم عليها منظومة الاختبار في القرآن الكريم، كـ”الابتلاء”، و”التّمحيص”، و”الاصطفاء”، و”الفتنة”، و”الاختبار”، وإبراز وظائفها وتكاملها ضمن سياق الإعداد القيادي. ثانيًا، يقوم بتوضيح الفروق الدّقيقة بين الاختبار كآلية تربويّة وتمهيد للتمكين، وبين العقوبة كأثر لفشل الإنسان في تحقيق غايات السّلوك القيمي، وهو تمييز جوهري يفتقر إليه الكثير من الطرح التّربوي والإداري المعاصر. وثالثًا، يقدّم البحث نموذجًا وظيفيًّا قرآنيًّا يستند إلى تحليل تجارب أنبياء وقادة مذكورين في القرآن (مثل طالوت، يوسف، موسى، وإبراهيم)، بهدف استنباط معايير موضوعيّذة وقيميّة يمكن دمجها في سياسات التّوظيف الحديثة.

بهذا التوجه، يسد البحث فجوتين معرفيتين وعملانيتين: الأولى تتمثل في غياب قراءة مؤسسيّة للسّنن الإلهيّة في التّمكين، والثانية في عجز النّماذج المعاصرة عن صياغة معايير اختبار أخلاقي وسلوكي ضمن نظم الموارد البشريّة. كما يقدّم بديلاً واقعيًّا للنّماذج الشّكليّة التي تهيمن على ثقافة التّوظيف اليوم، وذلك من خلال العودة إلى النص القرآني كمصدر للضبط المفاهيمي والتّنظيمي، مع مراعاة سياقات التّطبيق المؤسسي.

علاوة على ذلك، يُبرز البحث أهمّيّة التّفسير الإمامي كمصدر معرفي عميق لتأويل المفاهيم القرآنيّة من زاوية تربويّة ووظيفيّة، الأمر الذي يثري الفهم ويتيح بناء نموذج نقدي مقارن بين المرجعيّة القرآنيّة من جهة، والنماذج الغربية الحديثة من جهة أخرى، كما سيتم في القسم المنهجي من الدّراسة.

الإشكالية

  • هل تُعدّ الاختبارات – بمفهومها القرآني – مشروعة ومتكاملة مع فلسفة الخِلقة ومقاصد الشّريعة؟
  • ما حدود قدرة الإنسان على تجاوز هذه الابتلاءات؟ وهل تؤهّله فعلًا لنيل القيادة والتّمكين؟
  • ما هي الآيات التي تناولت هذا المفهوم؟ وما أبرز السّمات التي جعلها القرآن ميدانًا للاختبار؟
  • وكيف يمكن ترجمة هذا النّموذج الرباني إلى نظم توظيف مؤسسيّة حديثة تُزاوج بين الكفاءة والقيم؟

للإجابة على هذه الأسئلة، يأتي هذا البحث ليقدّم مقاربة وظيفيّة للاختبار في ضوء النصوص القرآنيّة وتفسير المدرسة الإماميّة، مع تفكيك المفاهيم المرتبطة به (كالتّمحيص، الفتنة، الاصطفاء)، وربطها بمبادئ الاختيار والتّعيين في المؤسسات المعاصرة. ويعتمد البحث على المنهج التّحليلي الموضوعي، مع الاستفادة من أدوات التفسير المقارن والنقد البنيوي، لصياغة إطار وظيفي قابل للتطبيق يربط بين النص القرآني ومتطلبات نظم التوظيف الحديثة.

أهمية البحث: تنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى إعادة الاعتبار للنصّ القرآني، ليس فقط كمصدر تشريعي وروحي، وإنما كمصدر إداري وتنظيمي قادر على تقديم نماذج عمليّة فعّالة وعادلة في إدارة شؤون المجتمعات، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلّق بقضايا التوظيف والتّمكين القيادي. فقد بيّنت الدّراسات في مجال القيادة الأخلاقيّة أنّ القيم مثل: النّزاهة والصّدق والتّواضع تشكّل أساسًا لقادة فعّالين، وأن دمج هذه القيم في نظم التّوظيف يُعزز مصداقيّة المؤسسات (Brown, Treviño, & Harrison, 2005; Greenleaf, 2002). إلّا أنّ النّموذج الذي نُعتمده، المستند إلى السّنن الإلهيّة في الابتلاء والاختبار والتّمحيص، يُضيف بُعدًا تنظيميًّا ومقياسيًّا، وليس مجرد إطار نظري عام.

يتجلى دور هذا البحث بصورة خاصة في السّياق الإسلامي، إذ تشهد العديد من المؤسسات تضاؤلًا في الثّقة بسبب تفشي التّوظيف المبني على العلاقات والمحسوبيّات، من دون مراعاة للمعايير القيميّة. وتشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ غياب القيم الأخلاقيّة في التّعيين يؤدي إلى تراجع في الأداء التّنظيمي وتفتت في الثقافة المؤسسيّة( Cappelli, 2008; عطية, 2021 (. وفي هذا الصدد، يُكسب البحث أهمّيّة عمليّة لما يقدّمه من إطار مبني على “الاختبار قبل التّمكين”، يضمن أن تتوافق السّلطة لا مع الولاء أو النّفوذ، بل مع الكفاءة الأخلاقيّة والتّصرف الصحيح تحت الضغط.

ويشكل هذا البحث جسرًا معرفيًّا بين الدّراسات الدّينيّة والفكر الإداري الحديث، من خلال تطبيق مفاهيم قرآنيّة أساسيّة (البلاء، التّمحيص، الاصطفاء) في سياق الموارد البشريّة، فيترجمها إلى أدوات عمليّة قابلة للقياس. لقد أبرزت المراجع الإسلاميّة مثل تفسير الميزان (الطباطبائي، 1997) الرؤية الوظيفيّة للاختبارات القرآنيّة، مؤكداً أنّ هذا المنظور يمكن تحويله إلى آليّات قياس موضوعيّة، أي ما تسعى إليه هذه الدّراسة تطبيقًا. وفي الوقت نفسه، تتكامل هذه الرؤية مع المفاهيم الإداريّة الغربيّة حول القيادة الخادمة (Greenleaf, 2002) وأهمية الكفاءة تحت الضغط (Owens & Hekman, 2012).

ويقدّم البحث مساهمة علميّة نوعيّة من خلال تحليل تفاسير المدرسة الإماميّة حسب المنهج المقارن، فيربط بين الطرح النّصي–اللغوي والطرح الوظيفي–الإداري. على سبيل المثال، يبرز الطباطبائي (1997) أنّ الابتلاء القرآني ليس عقابًا، بل طريقة لإظهار الجدارة، وهو ما يتماشى مع مفاهيم القيادة الأخلاقيّة التي نراها عند العديد من المفكرين الغربيين. لذا، فإنّ هذا البحث لا يُعزّز المعرفة النّظريّة فقط، بل يطرح تصورًا عمليًّا للتحكُّم بقيادة المؤسسات وفق أسس قرآنيّة تُسهم في بناء أنظمة أكثر نزاهة واستدامة.

أهداف البحث

  • تقديم تحليل مفهومي دقيق لمصطلحات الابتلاء، الاختبار، الفتنة، التّمحيص، الاصطفاء.
  • تبيان الفروقات الدّقيقة بين الاختبار والعقاب في السّياق القرآني.
  • بناء نموذج وظيفي قرآني يمكن اعتماده كأساس في سياسات التّوظيف والتّمكين.

وسيتبع هذا القسم بمنهجيّة تحليليّة نقديّة مقارنة، تجمع بين تحليل النّصوص القرآنيّة وفق تفاسير الإماميّة، ومقارنتها بالنّماذج المعاصرة في الإدارة والموارد البشريّة.

منهجيّة البحث: اعتمد هذا البحث على منهجيّة تحليليّة نقديّة مقارنة، تهدف إلى بناء نموذج وظيفي مستمد من المفاهيم القرآنيّة، مع قابليّة التّطبيق في بيئات العمل المعاصرة. يتّسم هذا النّهج بالجمع بين التأصيل المفاهيمي للنّصوص الدّينيّة من جهة، والتّحليل المقارن مع النّظريات الإداريّة الحديثة من جهة أخرى، وهو ما يضفي على الدّراسة طابعًا تكامليًّا بين البعد الروحي والأخلاقي، والبعد التّنظيمي والوظيفي.

في المرحلة الأولى، استُخدم المنهج التّحليلي المفاهيمي لاستقراء المفردات، والمصطلحات القرآنيّة المرتبطة بمفهوم “الاختبار الوظيفي” مثل: الابتلاء، الفتنة، التّمحيص، الاصطفاء، والتّمكين. وقد حُلِّلت لغويًّا عبر الرّجوع إلى المعاجم العربيّة الأساسيّة، واستنباط دلالاتها في سياقاتها القرآنيّة المتعددة. هذا التحليل أتاح التّمييز بين المفاهيم وشرح العلاقة التّطوريّة التي تنسجها النّصوص بين مراحل الاختبار والتّمكين.

أمّا المرحلة الثانية من التحليل، فتمثلت في استخدام منهج تحليل المضمون الكيفي لتفاسير المدرسة الإماميّة، لما لها من خصوصية في إبراز الأبعاد النّفسيّة والسّلوكيّة للنصوص. اختيرت أربعة مصادر تفسيريّة أساسيّة (الميزان، الصافي، نور الثقلين، الكافي) لكونها تقدم قراءة تأمليّة وتربويّة للنص القرآني، تتماشى مع هدف البحث في تحويل المفاهيم إلى أدوات تنظيميّة. وقد مكّن هذا التّحليل من استخراج أنماط متكررة وأطر مفاهيميّة ذات بعد وظيفي، وُظِّفت لاحقًا في بناء النّموذج المقترح.

وفي المرحلة الثالثة، طُبِّق المنهج المقارن من خلال مضاهاة النّموذج القرآني بنظريات الإدارة الحديثة، خصوصًا تلك المتعلقة بالقيادة التّحويليّة، والتّعاقب الوظيفي، وإدارة الأداء، ونماذج القيم المؤسسيّة. ركزت المقارنة على عناصر مثل أدوات الاختبار، المعايير المستخدمة، مدة التّمكين، وأهداف القيادة. وأظهرت النّتائج تميز النّموذج القرآني بترابط سلوكي-قيمي لا يظهر بوضوح في النّماذج الغربيّة التي تميل إلى التقييم الكميّ أو التّقني.

وقد استعانت الدّراسة بأربع شخصيات قرآنيّة (طالوت، يوسف، موسى، إبراهيم) كدراسات حالة نصيّة تمثّل مراحل متنوعة من “الاختبار قبل التّمكين”. و أُثبِتتْ من خلالها الفرضيّة الأساسيّة للدّراسة، وهي أن التّمكين لا يُمنح مباشرة، بل يُكتسب عبر مسارات امتحانيّة تكشف الاستحقاق الأخلاقي والوظيفي.

ولتعزيز الجانب التّطبيقي، صمّم الباحث جدول مقارنة بين خصائص النّموذج القرآني والنّموذج الإداري الحديث، مبيّنًا تفوّق الأول في دمج البُعد الأخلاقي في آليات التّقييم والتوظيف. واستُخدِم التّحليل التّركيبي للسّياقات القرآنيّة المتنوعة، من أجل فهم كيفيّة بناء المفاهيم ضمن جملها وسياقاتها الوظيفيّة، ما عزز من واقعية الاستفادة منها في النُّظم الإداريّة.

وأخيرًا، شمل التّحليل استنباط مبادئ تنظيميّة وظيفيّة مستمدة من القرآن والتّفاسير الإماميّة، مثل مبدأ “التّمحيص قبل التّمكين”، و”الاختبار السّلوكي تحت الضغط”، و”ربط التّمكين بالجدارة الخُلقيّة لا فقط التّقنيّة”. وبُرِّر اعتماد المدرسة الإماميّة في التفسير لكونها تمنح بعدًّا تكامليًّا عقليًّا وأخلاقيًّا ينسجم مع أهداف الدّراسة في بناء نموذج مؤسسي عادل ومتماسك.

نتائج الدّراسة: كشفت الدّراسة من خلال التّحليل المقارن للنّصوص القرآنيّة ونماذج التّمكين القيادي في ضوء تفاسير الإماميّة، عن نموذج وظيفي رباعي المراحل يمكن اعتماده كإطار لتقييم وتوظيف الأفراد في المناصب القياديّة. ويقوم هذا النّموذج على الدمج بين المعايير القيميّة والسّلوكيّة والعمليّة والاجتماعيّة، مستندًا إلى الأدلة القرآنيّة التي أثبتت أن التّمكين لا يُمنح دون اجتياز مراحل اختبار متعددة ومتدرجة.

المرحلة الأولى:  التقييم القيمي والسّلوكي

تركّز هذه المرحلة على فحص البنية الأخلاقيّة للمرشّح، وذلك عبر أدوات مثل المقابلات الأخلاقيّة، مراجعة سلوكيات سابقة، واختبارات موقفية تُظهر مدى صدقه وثباته. يُستدل على هذه المرحلة بقول يوسف عليه السّلام: ﴿إني حفيظ عليم﴾ (يوسف: 55)، وقد عرّف بنفسه عبر صفات أخلاقيّة وسلوكيّة تُؤهّله للقيادة.

المرحلة الثانية: اختبار الضّغوط العمليّة

تهدف هذه المرحلة إلى وضع المرشّح في ظروف مشابهة للواقع لمعرفة مدى استقراره واتزانه تحت الضّغط. وقد ورد في قصة طالوت نموذج عملي لهذه المرحلة، حين ابتلي الجيش باختبار الشّرب من النهر ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 249)، ما سمح بتمييز القادرين على الاستمرار.

المرحلة الثالثة: التّقييم المجتمعي والتّغذية الراجعة

في هذه المرحلة، يُرجع إلى التّقييم الأخلاقي للمرشّح من بيئته وزملائه، وهي أداة مهمة لفحص السمعة والسّلوك. وتُستشهد هذه المرحلة بقصة يوسف عليه السّلام مع نساء القصر، إذ قال لهن الملك: ﴿ما خطبكنّ﴾ (يوسف: 51)، لتكون شهادة الجماعة مدخلًا للتبرئة والتّمكين.

المرحلة الرابعة: الاختبار التّدريجي والتّأهيل

تُركّز هذه المرحلة على مراقبة الأداء الفعلي من خلال مدّة تعيين مؤقتة، وتقييم دوري تحت إشراف مباشر. وقد تجسّد هذا النّموذج في حياة موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: ﴿وفتناك فتوناً﴾ (طه: 40)، وقد خضع لسلسلة من المحن والأحداث المتدرجة التي صقلت مهاراته قبل التّمكين.

تُظهر هذه النّتائج تكامل النّموذج القرآني المقترح مع المعايير الحديثة في تقييم الموارد البشريّة، فتُستبدل النّماذج الشّكليّة باختبارات حقيقيّة تُعلي من القيمة والصّدق والاستعداد الوظيفي. ويمكن لهذا النّموذج أن يكون مرجعيّة لإعادة هيكلة أنظمة التّوظيف في المؤسسات ذات الطابع القيمي أو الدّيني، بما يضمن تحقيق الكفاءة والاستقامة في آن معًا.

الاجابة عن تساؤلات الدّراسة

1.هل تُعدّ الاختبارات – بمفهومها القرآني – مشروعة ومتكاملة مع فلسفة الخِلقة ومقاصد الشريعة؟

نعم، يُمكن القول إنّ الاختبارات، كما وردت في القرآن الكريم، تُشكّل جزءًا جوهريًّا من فلسفة الخِلقة ومنسجمة بعمق مع مقاصد الشّريعة الإسلاميّة. فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في مقام الاستخلاف والتّكليف، وقد زوّده بالعقل والإرادة والقدرة على التّمييز بين الخير والشر. ولأنّ مجرّد الانتماء العقائدي أو الإيماني لا يكشف كفاءة الإنسان لتحمّل الأمانة، اقتضت السّنن الإلهيّة أن يكون الابتلاء وسيلةً ضروريّة لإظهار الحقيقة الباطنية عبر الفعل لا القول، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ (الملك: 2). ومن هنا، فإنّ الاختبار – بمفهومه التربوي والسلوكي – لا يُنافي الرحمة الإلهية، بل ينسجم مع المقاصد العليا للشريعة في التّمحيص والتّمكين والتزكية، ويضمن تحقق العدل الإلهي في الاصطفاء والقيادة.

. 2 ما حدود قدرة الإنسان على تجاوز هذه الابتلاءات؟ وهل تؤهّله فعلاً لنيل القيادة والتّمكين؟

القدرة على تجاوز الابتلاءات تختلف باختلاف الأشخاص وسعة إيمانهم وثباتهم السّلوكي. غير أنّ القرآن الكريم يُبرز في نماذجه القياديّة أنّ النّجاح في الاختبار لا يتطلب العصمة، بل يقتضي الصّدق، الصّبر، التعلّم من المحن، واستحضار الهدف الرّسالي. فموسى (ع) مثلًا، خاض محطات متعددة من الاختبار والتأديب الإلهي – القتل غير المقصود، الفرار، العمل لدى شعيب – حتى بلغ النّضج القيادي، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ (طه: 40). وهذا يدل على أن التّمكين ليس لحظة بل مسار منضبط بالتربية والابتلاء. كذلك يوسف (ع) انتقل من محنة السّجن والظلم إلى قيادة دولة بأكملها، ما يدلّ أنّ الصّبر والالتزام القيمي هما المفتاح الحقيقي لنيل التّمكين. بالتالي، فالفرد الذي يجتاز محطات الاختبار بنجاح يصبح مستحقًا فعليًا لا شكليًا للقيادة.

. 3 ما هي الآيات التي تناولت هذا المفهوم؟ وما أبرز السّمات التي جعلها القرآن ميداناً للاختبار؟

تناول القرآن مفهوم الاختبار في مواضع كثيرة، نذكر منها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ (البقرة: 155)، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (آل عمران: 154). أمّا السّمات التي جعلت من هذه الآيات ميدانًا للاختبار، فتشمل: الواقعيّة (اختبارات في ظروف الحياة اليوميّة)، التّدرج (اختبارات فرديّة ثم جماعيّة)، الشّمول (تشمل النّفس، المال، المنصب، العلاقات)، ووضوح المعيار (الصّبر، الأمانة، الصّدق). وقد استخدم القرآن مصطلحات مختلفة مثل: الفتنة، الابتلاء، التّمحيص، الاصطفاء، ليُبرز أبعاد الاختبار وجوانبه المختلفة.

. 4 وكيف يمكن ترجمة هذا النّموذج الرّباني إلى نظم توظيف مؤسسيّة حديثة تُزاوج بين الكفاءة والقيم؟

يُقدّم النّموذج القرآني للاختبار الوظيفي رؤية تنظيميّة متكاملة يمكن ترجمتها إلى سياسات توظيف معاصرة تعتمد على أربع مراحل: التقييم القيمي (الصّدق، الأمانة)، اختبار الضغوط (مواقف واقعيّة)، التقييم المجتمعي (السّمعة، الخبرة)، ثم التّمكين المرحلي (مدّة تعيين تجريبيّة). ويمكن دمج هذه المراحل في نظم الموارد البشريّة الحديثة من خلال أدوات معاصرة مثل تقييم الذكاء الأخلاقي، استبيانات الميول السّلوكيّة، التّوصيات المهنيّة المدقّقة، والتّجربة المهنيّة المحدودة بمرحلة متابعة وتغذية راجعة. كما يمكن للمؤسسات ذات المرجعيّة الدّينيّة أو الرّساليّة تبنّي هذا النّموذج كإطار أخلاقي وتربوي يعزّز من شرعيّة السّلطة ويعيد الثقة في جدارة القيادة.

مناقشة النتائج : بناءً على نتائج البحث التي استُخلِصت من تحليل المفهوم القرآني للاختبار الوظيفي، ومن خلال النّماذج القرآنيّة (طالوت، يوسف، موسى، إبراهيم، ومحمد عليهم السلام)، يمكن مناقشة النتائج بشكل مقارن مع الدّراسات الحديثة في القيادة الإسلاميّة والموارد البشريّة التي تناولت الأبعاد الأخلاقيّة، القيميّة، والسّلوكيّة في اختيار وتمكين القادة. إليك عرضًا تحليليًّا ومقارنًا تفصيليًّا يربط بين نتائج البحث والدّراسات المرجعية:

مشروعيّة الاختبار في فلسفة الخِلقة والقيادة: تؤكد نتائج الدراسة بوضوح أنّ الاختبار الوظيفي في القرآن الكريم هو ركيزة وجوديّة وتكوينيّة، لا يمكن فصلها عن فلسفة الخِلقة والاستخلاف، إذ حيث لا يمكن تحقيق التّمكين إلّا بعد إثبات الجدارة من خلال الاختبار الأخلاقي والسّلوكي. فوفقًا لمنطق السّنن الإلهيّة، الاختبار ليس حدثًا عارضًا، بل شرطًا لازمًا للانتقال من حالة البلاء إلى حالة الاصطفاء. وهذا ما عبّر عنه القرآن في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53].

وقد عكست هذه الرؤية نتائج دراستك التي حلّلت نماذج الأنبياء الذين خضعوا لاختبارات متعددة قبل نيلهم مناصب القيادة والتّمكين، مثل طالوت، يوسف، موسى، وإبراهيم عليهم السلام. كل نموذج من هذه النّماذج مرّ بسلسلة من الابتلاءات العمليّة (الزّهد، الجهاد، الصّبر، النّزاهة) التي مثّلت ميدانًا لفرزهم وتمييزهم من غيرهم، ثم جاء التّمكين كنتيجة لاجتيازهم النّاجح للاختبار. هذه الخلاصة تتوافق مع ما ذهب إليه Ahmad & Ogunsola (2011)  في دراستهم عن القيادة الإسلاميّة، إذ يؤكد الباحثان أنّ القيادة في الإسلام لا تُبنى على الهيبة أو العلاقات أو الوراثة، بل على “التزكية العمليّة” عبر مواقف الحياة، ما يمنح الشّرعيّة الأخلاقيّة للقيادة ويؤسس للثقة المجتمعية فيها.

وبنظرة مقارنة، فإنّ هذه الرؤية تُخالف المنظور الإداري الغربي التّقليدي الذي يُركّز غالبًا على الأداء، الكفاءة، والمخرجات، من دون مراعاة السّياقات القيميّة أو الأخلاقيّة السّابقة للتمكين. وهنا تأتي أهمّيّة ما طرحه Sarnoto (2024) الذي انتقد أنظمة القيادة العلمانيّة ووصفها بـ”المجتزأة”، لأنها تفصل المهارات عن المواقف الأخلاقيّة، بينما القرآن الكريم – كما يشير – يقدم نموذجًا متكاملًا يُزاوج بين الكفاءة الظاهرة والاستحقاق القيمي.

وتدعم نتائج هذه الدّراسة ما طرحه Ali et al.  (2024) الذين أشاروا في نموذجهم لإدارة الموارد البشريّة الإسلاميّة إلى أنّ المؤسسات الإسلاميّة تحتاج إلى إعادة بناء معايير الاختيار، والتّعيين وفقًا لمنهجيّة قرآنيّة تقوم على الاختبار السّلوكي والرّوحي قبل التّمكين. هذا ينسجم مع استنتاج دراستك التي طرحت نموذجًا وظيفيًّا من خمس مراحل تبدأ بالابتلاء وتنتهي بالاصطفاء، مؤكدة أنّ التّمكين ليس مكافأة، بل نتيجة طبيعيّة لمن اجتاز الاختبار بصدق وثبات.

وقد تجلت هذه الحقيقة في تحليل سيرة يوسف عليه السلام، وقد مثّل السّجن والفتنة اختبارًا طويل المدى قبل أن ينال منصب الوزارة. لم يكن التّمكين اعتباطيًّا، بل مشروطًا بصفات جوهريّة مثل الأمانة، العفة، الحِكمة، والقدرة على الإدارة، كما وصفه الملك: ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: 54]، وهي عناصر أوضحتها دراستك بوصفها معايير قرآنيّة لفرز القادة الحقيقيين.

من الاختبار إلى التّمكين: مراحل متكاملة

تُظهر نتائج هذه الدّراسة أن مفهوم “الاختبار” في القرآن الكريم لا يُختزل في مجرد محنة أو تحدٍ فردي، بل يُشكّل مسارًا بنيويًّا متكاملًا، يسبق أي حالة تمكين أو اصطفاء. هذا المسار يبدأ بـ”الابتلاء” كمرحلة كشف، يليه “الاختبار” كوسيلة قياس، ثم “الفتنة” كميدان تصفية، و”التّمحيص” كأداة تحليل، ليصل أخيرًا إلى “الاصطفاء” كنتيجة نهائيّة لمن اجتاز كل ذلك بنجاح.

وقد فسّرت الدّراسة هذا التسلسل على ضوء نماذج قرآنيّة حيّة مثل طالوت ويوسف وإبراهيم، لتؤكد أنّ التّمكين لا يمنح عشوائيًّا ولا يُستحق بالولاء أو الانتماء، بل يُبنى على مراحل مطردة من التّجربة الذاتيّة، والنّضج القيمي، والنّجاح العملي. وقد رُصد هذا المنطق الإلهي بوضوح في سورة يوسف، حيث بدأ النّبي بالسّجن والظلم، ثم أُتيح له ميدان الإصلاح الاقتصادي، فأثبت قدرته الأخلاقيّة والإداريّة معًا، ثم أُصطفي لمنصب القيادة في مصر.

هذا التّصوّر يتقاطع بعمق مع ما طرحه Manzoor (2023)  في إطار القيادة الابتكاريّة الإسلاميّة، إذ شدد على أن القائد الإسلامي لا يولد قائدًا، بل يُصنع خلال مسيرة طويلة من التّجربة الوجدانيّة والعمليّة. وأكّد أن المحن تؤدي دورًا تربويًّا في بلورة البصيرة القياديّة، إذ لا تظهر القيم الحقيقيّة إلّا في زمن الشّدة، لا في زمن الرخاء. ويضيف أنّ القائد الذي لم يُختبر في ميدان الحياة، تبقى قيادته ناقصة أو شكليّة. هذه الرؤية تعزز جوهر النّموذج القرآني الذي تبنّته الدّراسة والذي عدَّ أنّ الاختبار هو المرحلة التّكوينيّة الجوهرية في صناعة القائد، لا مجرد عامل ظرفي.

وقد دعمت هذه الرؤية أيضًا نتائج دراسة Egel & Fry (2017)  حول القيادة الرّوحيّة التي أشارت إلى أن القادة الرّوحيين (ومنهم القادة في الإسلام) يجب أن يمروا بـ”مواقف تأسيسيّة” تؤدي إلى ما يسمونه بـ”التّحول القيمي”، وهي لحظات حرجة في حياة الفرد تبرز فيها قوته الدّاخليّة وتُعيد تشكيل رؤيته لذاته والآخرين. وهذا يتطابق مع مفهوم “التّمحيص” في القرآن، الذي عدّته دراستك مرحلة تصفية دقيقة تكشف عمق الإيمان وجوهر النّية.

علاوة على ذلك، فإنّ الطّرح الذي قدمه Ali et al. (2024)  حول نموذج الموارد البشريّة الإسلامي يشير إلى أنّ الاختيار المؤسسي للقادة يجب أن يمر بمراحل تقويم أخلاقي وسلوكي، لا فقط فني أو إداري، وهو ما تدعمه بجلاء مراحل النّموذج القرآني الذي فصلته هذه الدراسة، من الابتلاء إلى الاصطفاء. إذ لا يُكتفى بالسّيرة الذّاتيّة أو المؤهلات الشّكليّة، بل تُعتمد تجربة الحياة العمليّة والقدرة على الصبر والمواجهة بوصفها أدلة على الجدارة القيادية.

العلاقة بين الثقة، القيم، والاختيار المؤسسي: تشير نتائج الدّراسة بوضوح إلى أنّ الاختبار الوظيفي القرآني لا يُعد مجرد أداة للتمييز بين الأفراد، بل يُشكّل آلية تأسيسيّة لبناء الثقة بين القائد والمجتمع. في النّموذج القرآني، لا يُقدَّم القائد على أساس الانتساب الطبقي، أو الولاء الشّخصي، أو الإنجاز الظاهري، بل يُمتحَن في ميادين حقيقيّة تكشف جوهر شخصيته، لا عن صورته الخطابيّة. فالعبرة ليست بما يقوله القائد عن نفسه، بل بما أظهرته مواقفه من صبر، وأمانة، وعدل، وزهد عن المصالح الشّخصيّة، وهي القيم التي ربطها القرآن مباشرة بتمكين الأنبياء والرّسل والقادة.

هذه المقاربة تتلاقى بشكل كبير مع ما توصّلت إليه دراسة Rahman et al. (2013)، التي أثبتت – عبر دراسة ميدانيّة شملت مؤسسات تعتمد على مبادئ الموارد البشريّة الإسلاميّة – أنّ الثّقة التّنظيميّة ترتفع بشكل ملحوظ في البيئات التي تُمارس فيها قيم الشورى، والعدالة، والشّفافيّة، والأمانة. فقد تبيّن أن الموظفين يثقون بقياداتهم عندما يشعرون أن آليات الترقية والاختيار لا تعتمد على المحسوبيّات أو الاعتبارات الشّكليّة، بل على معايير حقيقيّة قابلة للرصد. وهذا بالضبط ما يقدمه الاختبار القرآني، بوصفه نموذجًا عمليًا لكشف الجدارة القياديّة.

يتجلى جوهر هذا الربط بين الاختبار والثقة المؤسسيّة في نموذج طالوت، وقد اعترض بنو إسرائيل على اختياره للملك بدعوى أنّه “ليس له سعة من المال”، فجاء الرد الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247). وفي المقابل، أظهر طالوت سلوكًا متواضعًا، وموقفًا مبدئيًّا في اختبار النهر، حيث أثبت انضباطًا أخلاقيًّا وقدرة على التمييز بين الملتزمين والمتخاذلين. هذه الصّفات كانت أساسًا لبناء ثقة الجيش به، على الرّغم من الاعتراض الأولي.

وبالمثل، فإن النّموذج النبوي ليوسف عليه السلام يُجسد هذه المعادلة الدقيقة. فعلى الرّغم من أنّه لم يطلب المنصب مباشرة، إلّا أنّه عندما عرضه، قال: ﴿اجعلني على خَزَائن الأرضِ إني حفِيظ عليم﴾ (يوسف: 55)، فربط بين معرفته بالأمانة والحفظ، أي القدرة على تحمل المسؤوليّة من دون خيانة أو طمع، وهو ما جعله يُمكَّن في الأرض لاحقًا. هذا الربط بين القيم والثقة والمؤسسيّة يُقدِّم درسًا معاصرًا في كيفيّة اختيار الكفاءات لا فقط بالكفاءة التقنيّة، بل بالكفاءة القيميّة التي تولّد ثقة حقيقيّة في نفوس النّاس.

وتتفق هذه النّتائج مع ما أشار إليه Ali et al.  (2024) في دراستهم حول الموارد البشريّة الإسلاميّة، وقد أكدوا أنّ غياب القيم في عمليّة التّوظيف يخلق فجوة ثقة مزمنة بين الإدارة والموظفين، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الدّوران الوظيفي، وانخفاض الانتماء المؤسسي. وخلصوا إلى أنّ الحل يكمن في إدراج آليات اختبار سلوكيّة وأخلاقيّة في نظم التوظيف، وهو ما ينسجم مع المقترح الذي قدمته هذه الدّراسة من نموذج وظيفي قرآني متكامل.

التّطبيق المؤسسي للنموذج القرآني: تقدّم هذه الدراسة نموذجًا وظيفيًّا قرآنيًّا متكاملًا للتوظيف والتّمكين، يقوم على خمس مراحل متعاقبة: الابتلاء، الاختبار، الفتنة، التّمحيص، الاصطفاء، وقد طُوِّر هذا النّموذج انطلاقًا من تحليل النصوص القرآنيّة وتجارب الأنبياء (طالوت، يوسف، إبراهيم، محمد)، بهدف تقديم بديل قيمي للنّماذج المؤسسيّة الحاليّة التي تُغفل البعد الأخلاقي.

وقد أظهرت النتائج أنّ هذه المراحل ليست طارئة أو استثنائيّة، بل تُشكّل سنّة إلهية تهدف إلى فرز القادة الحقيقيين من خلال اختبارات عمليّة تعكس صفاتهم الجوهريّة. هذا الطرح يجد توافقًا كبيرًا مع ما طرحه Abbasi et al.  (2010) في دراستهم حول النّموذج الإسلامي للإدارة، وقد أكدوا أنّ القيادة في الإسلام تقوم على أساس “التّكليف لا التّشريف”، وأنّ القادة لا يُختارون فقط على أساس الكفاءة التّقنيّة بل وفقًا لمعايير تتعلق بالأمانة، والتّقوى، والعدالة، وهي ذات المبادئ التي ظهرت في النّموذج المستند إلى القرآن.

ومن جهة أخرى، فإنّ نموذج Egel & Fry (2017)  حول “القيادة الرّوحيّة” يعزّز ما توصلت إليه الدّراسة في تمحورها حول النّية الخالصة، والنّزاهة، والرؤية الأخلاقيّة كمرتكزات للتمكين. فقد أشارا إلى أنّ القيادة التي تنبع من قيم روحيّة عليا تكون أكثر استدامة وشرعيّة في نظر العاملين، وهو ما يبرّر دعوة الدّراسة إلى أن تبدأ مسارات التّوظيف بـ”تمحيص داخلي” يُظهر طبيعة المرشّح لا مجرد مؤهلاته.

وتدعم دراسة Manzoor (2023)  حول القيادة الإسلاميّة الابتكاريّة هذا التّوجه من خلال تأكيده أنّ القادة الفاعلين هم من مرّوا بمسارات من المحن والتّأمل والبناء الذاتي، لا من كان اختيارهم استنادًا إلى اعتبارات شكليّة أو بيروقراطيّة. وقد وصف القيادة الإسلاميّة أنّها عمليّة “تحوّل نفسي ومعرفي”، تتشكّل من خلال التّحديات، وليس فقط في ظل الظروف المثاليّة.

وفي السّياق نفسه، تقترح دراسة Ruhullah & Ushama (2024) حول القيادة التّوحيديّة نمطًا إداريًّا معاصرًا قائمًا على مزاوجة القيم الإسلاميّة الكونيّة (كالعدالة، الأمانة، المصلحة العامة) مع النّظم الحديثة للحوكمة والإدارة، ما يدعم التّوجه الذي تبنّته الدّراسة الحاليّة بخصوص إمكانيّة تحويل النّموذج القرآني إلى دليل مؤسسي لتوظيف القادة والعاملين في بيئات تُراعي الكفاءة والأخلاق في آنٍ واحد.

من الناحية الإجرائيّة، تتطابق دعوة Fauzi (2016)  إلى “دمج القيم التربويّة النّبويّة في إعداد القادة التّربويين” مع النّموذج المقترح في هذه الدّراسة، لا سيما وأنها تؤكد أنّ القائد لا يُبنى من خلال التدريب التقني فقط، بل عبر مراحل من التّهذيب النّفسي، والتّفاعل مع المجتمع، وتحمل المسؤوليات تدريجيًّا، وهو جوهر مسار التّمحيص القرآني.

أمّا من منظور ثقة الموظفين والمؤسسات، فقد أكدت دراسة Rahman et al. (2013) على أن ممارسات الموارد البشريّة المستندة إلى مبادئ إسلامية (مثل الأمانة، الشورى، احترام الإنسان) ترتبط إيجابيًّا بمستوى الثقة داخل المؤسسة، وهي نتيجة تُعزّز طرح هذه الدّراسة بأنّ معيار الاختبار في القرآن ليس فقط أداة انتقاء، بل آلية لبناء شرعيّة أخلاقيّة وثقة اجتماعيّة بين القادة والمؤسسات.

التكامل بين القيم الكونيّة والقيادة القرآنيّة: تُبرز نتائج هذا البحث أنّ النّموذج القرآني للاختبار الوظيفي لا يقف في تضاد مع معايير الكفاءة الإداريّة أو المهنية المعتمدة في المؤسسات المعاصرة، بل يسعى إلى تكميلها وتعزيزها بإطار قيمي وأخلاقي متين. فالفكرة الجوهريّة التي ينطلق منها البحث تتمثل في أن الكفاءة من دون قيم تُنتج قيادة وظيفيّة قد تكون فعّالة على المدى القصير، لكنها تفشل في بناء الثقة المؤسسيّة أو في إرساء العدالة، في حين أنّ الجمع بين الكفاءة والاختبار القيمي يُمكّن من اختيار قادة يُمثلون توازنًا بين الإنجاز والمبادئ.

وهذا التوجه يُعيدنا إلى ما طرحته دراسة Ruhullah & Ushama (2024) في سياق “القيادة التّوحيديّة”، وقد دعا الباحثان إلى تطوير نموذج قيادي يستند إلى دمج القيم الإسلاميّة الكونية مثل الأمانة، العدل، المسؤوليّة، والإحسان مع مفاهيم الحوكمة الحديثة كالمساءلة والشّفافيّة. فالنّموذج التوحيدي الذي اقترحاه يُشبه النّموذج القرآني الذي تعرضه الدراسة في كون الاختبار الأخلاقي والسّلوكي هو الأساس الأول للتمكين، لا مجرد الشّهادات أو الإنجازات الظاهريّة. وتؤكد الدّراسة الحاليّة هذه الرؤية من خلال تتبع مسار تمكين الأنبياء في القرآن، كطالوت ويوسف وموسى عليهم السلام الذين اختبِروا قبل منحهم سلطة القيادة.

وفي السّياق ذاته، تنسجم نتائج هذا البحث مع ما قدّمه Egel & Fry (2017)  حول نموذج “القيادة الروحية”، الذي يركّز على الخدمة والإخلاص والمسؤوليّة أمام الله والناس، بوصفها معايير جوهريّة تمنح القائد الشّرعيّة الأخلاقيّة والاستحقاق الوظيفي. لقد رأى الباحثان أنّ القائد الروحي لا يُقاس فقط بقدرته على اتخاذ القرار أو إدارة الموارد، بل بعمق علاقته بالقيم العليا، وبمدى قدرته على إلهام الآخرين وممارسة تأثير إيجابي نابع من التّواضع والنّزاهة. وهو ما يتطابق مع المفهوم القرآني الذي يعرضه هذا البحث، إذ إنّ القائد لا يُمكّن إلّا بعد اجتيازه مراحل متعاقبة من التّمحيص القيمي والتزكية الأخلاقيّة.

ومن الزاوية التّطبيقيّة، تُسهم نتائج الدّراسة في سدّ فجوة معرفيّة وتنظيميّة بين النّظريّة الدّينيّة والممارسة المؤسسيّة. فهي لا تكتفي ببيان الأخلاقيّات المطلوبة في القائد، بل تقدم نموذجًا متكاملًا قابلًا للتفعيل الإداري، من خلال خمس مراحل قرآنيّة (ابتلاء – اختبار – فتنة – تمحيص – اصطفاء) يمكن تحويلها إلى أدوات تقييم موضوعي في نظم التّوظيف الحديثة، مع الحفاظ على روح الشّفافيّة والعدالة المؤسسيّة.

وعليه، يُمكن القول إنّ هذا النّموذج يُقدّم إجابة معاصرة لتحديات التوظيف في بيئات تعاني من الفساد، المحسوبيّات، وضعف المعايير القيميّة. كما يمنح المؤسسات الإسلاميّة – وغير الإسلاميّة – إطارًا يستند إلى نصوص دينية مقدسة ومعترف بها، ما يُعزّز من قبوله الشّعبي والمهني، ويُساهم في بناء مؤسسات ذات شرعيّة مجتمعيّة وقيميّة في آنٍ واحد.

أسفرت مناقشة نتائج الدّراسة عن عدد من النقاط الجوهريّة التي تسلط الضوء على الأبعاد المفاهيميّة والتّطبيقيّة لمفهوم الاختبار الوظيفي في القرآن الكريم:

 أولاً: تبيّن أنّ الاختبار ليس مجرد حالة فرديّة عابرة أو محنة روحيّة، بل هو إطار مؤسسي متكامل يُستخدم لفرز الأفراد المؤهلين للقيادة والتّمكين، بناءً على معايير تجمع بين الكفاءة التقنيّة والاستحقاق القيمي.

ثانياً: أظهرت النّتائج أن المراحل الخمس التي تقترحها الدرّاسة (ابتلاء – اختبار – فتنة – تمحيص – اصطفاء) تشكّل مسارًا واضحًا لإعداد القادة، يتسق مع العديد من النماذج المطروحة في الأدبيّات الإسلاميّة المعاصرة مثل القيادة التّوحيديّة (Ruhullah & Ushama, 2024) والقيادة الروحيّة (Egel & Fry, 2017)، كما يتقاطع مع النّظريّات الإداريّة الحديثة في التّدرج في المسؤوليّة، وتمكين الأفراد على أساس أخلاقي.

ثالثاً: تؤكد الدّراسة أنّ الثقة المؤسسيّة تُبنى على نتائج الاختبار، لا على الانتماء أو العلاقات، وهو ما يُعزز العدالة ويُقلل من ظواهر الفساد والمحسوبيّات في التوظيف. كما أن الاعتماد على النّص القرآني كمصدر تأسيسي يُعيد الاعتبار للشرعيّة الدّينيّة كمصدر من مصادر التشريع الإداري، خاصة في البيئات التي تسعى إلى بناء نظم مؤسسيّة نزيهة.

رابعاً: أثبتت المقارنة بين النّماذج القرآنيّة ونظريات القيادة الإسلاميّة المعاصرة أن هناك إمكانات حقيقيّة لتطبيق هذا النّموذج ضمن نظم الموارد البشريّة، خاصة إذا دُمِجت أدوات التّقييم السّلوكي والقيمي في عمليّات التّوظيف، إلى جانب الاختبارات المهاريّة.

وأخيرًا، يمكن القول إنّ الدّراسة قدّمت نموذجًا أصيلًا ومتجددًا في آنٍ معًا، وقد مزجت بين المرجعيّة القرآنيّة والاعتبارات الإداريّة الحديثة، ما يفتح الباب أمام مشروعات بحثية وتطبيقيّة مستقبليّة لإعادة بناء سياسات التّوظيف وفق هذا النّسق القيمي الشّامل.

الاستنتاج: أظهرت نتائج الدّراسة أنّ مفهوم “الاختبار الوظيفي” في القرآن الكريم لا يُعد مجرد ابتلاء فردي بل يُمثّل منظومة متكاملة من القيم والمعايير التي تؤهل الأفراد لتحمل المسؤوليّة والتّمكين القيادي. وقد أظهرت النماذج القرآنيّة المدروسة – مثل أنبياء الله طالوت، وموسى، ويوسف، وإبراهيم عليهم السلام، والنّبي محمد صلى الله عليه وآله – أنّ اجتياز هذه الاختبارات كان شرطًا أساسيًّا لنيل مناصب التّمكين، وأن هذه الاختبارات لم تقتصر على الجانب المعرفي أو التقني، بل شملت الجوانب السّلوكيّة والنّفسيّة والروحية، ما يعكس تكامليّة المفهوم.

لقد دلّت الإجابة على أسئلة البحث أنّ الاختبارات القرآنيّة مشروعة ومتكاملة مع فلسفة الخِلقة، إذ تُعدّ تمهيدًا ضروريًا لاختيار من يستحق القيادة من غيره، بعيدًا من الانتماء الشّكلي أو الادّعاء النظري. وأظهرت الدّراسة أنّ هذه الاختبارات تساهم في بناء الثّقة بين المجتمع والقائد، عبر كشف صفاته الأصيلة، كالصّبر، والتّقوى، والعدل، وهي صفات لا تُختبر في المقابلات الوظيفيّة التقليديّة، ما يعزز مصداقيّة التّمكين.

وتوصّلت الدّراسة إلى أنّ هذا النّموذج الربّاني قابل للترجمة إلى إطار مؤسسي في نظم التوظيف المعاصرة، عبر تصميم مراحل تقييم تتبع التسلسل القرآني: الابتلاء، الاختبار، الفتنة، التّمحيص، والاصطفاء. وقد ثبت من المقارنة مع الدّراسات الحديثة في القيادة الإسلاميّة أنّ هناك انسجامًا كبيرًا بين النّموذج القرآني ومبادئ الإدارة الأخلاقيّة، إلّا أنّ النّموذج المقترح يتفرد بجذوره التكوينيّة المستندة إلى الوحي، وليس فقط إلى الخبرات البشريّة.

بناءً على هذه النّتائج، توصي الدّراسة بضرورة إعادة النّظر في سياسات التوظيف والتّمكين في المؤسسات الإسلاميّة، لتشمل معايير قرآنية قَيَميّة إلى جانب الكفاءة الفنية، وبتطوير أدوات قياس تفاعليّة لاختبار الأفراد ضمن بيئات حقيقيّة تعكس أمانتهم، صبرهم، واستعدادهم لتحمّل المسؤوليّة، قبل منحهم مناصب القيادة.

إنّ خلاصة هذه النتائج لا تكتفي بإثبات صلاحيّة النّموذج القرآني، بل تدعو إلى تبنّيه كنموذج معياري يمكن أن يرفد الحقول الإداريّة الحديثة بمنظور أخلاقي وروحي قادر على إعادة الثقة بالقيادات والنُّخب، وبناء مؤسسات أكثر عدلًا وإنصافًا واستحقاقًا.

الخاتمة العامة والتوصيات النهائيّة

الخاتمة: لقد سعى هذا البحث إلى تقديم قراءة جديدة لمفهوم “الاختبار الوظيفي” في القرآن الكريم، بوصفه ليس مجرّد سنة إلهيّة مرتبطة بالعقيدة والسّلوك الفردي، بل نموذجًا إداريًّا وقيميًّا بالغ الاتساع والعمق، يمكن اعتماده كإطار عملي لإعادة هندسة سياسات التّوظيف والتّمكين في مؤسسات الدولة والمجتمع.

أظهر البحث من خلال تتبّع المفاهيم الأساسيّة مثل: الابتلاء، التّمحيص، الاصطفاء، الفتنة أنّ القرآن الكريم لا يمنح منصبًا، ولا يُمكّن أحدًا، إلّا بعد اجتيازه اختبارات مركّبة تمسّ عمق النّوايا، وصلابة الأخلاق، وصدق الإرادة، وكفاءة العقل والسّلوك. وهذا ما تجلّى بوضوح في النّماذج القرآنيّة من مثل أنبياء الله طالوت، يوسف، موسى، إبراهيم عليهم السلام، ومحمد صلّ الله عليه وآله.

وقد بيّنا أن الأنظمة المعاصرة في التوظيف، على الرّغم من تقدّمها الفني، لا تزال تعاني من قصور قيمي خطير، يتمثّل في الاعتماد على المؤهلات الظاهريّة، وإغفال الأبعاد الأخلاقيّة والنّفسيّة، أو الوقوع في المحسوبيّة والانحياز السّياسي.

ومن هنا، قدم البحث إطارًا قرآنيًّا وظيفيًّا مقترحًا، يتكوّن من أربع مراحل لاجتياز التّمكين، يشمل: التقييم القيمي، المحاكاة العمليّة، التّقييم المجتمعي، والتّأهيل التّدريجي، واقترح آليات عمليّة لتطبيق هذا النّموذج في بيئة الموارد البشريّة الحديثة، عبر:

  • إنشاء وحدات خاصة بالاختبار التّمكيني.
  • ربط التّمكين بسلاسل التعاقب الوظيفي.
  • إدخال الإخلاص والاستقامة ضمن مؤشرات الأداء.
  • وتعزيز ثقافة القيادة المتواضعة كنموذج للتمكين النزيه.

إنّ إعادة الاعتبار لهذا المنهج الإلهي، في ظل ما يشهده العالم من أزمات قيادة، وتفكك أخلاقي، وتعيينات كارثية في مواقع القرار، يمثّل خيارًا لا ترفًا: إنه خيار النّجاة الإداريّة والأخلاقيّة معًا.

التّوصيات النهائيّة

  1. إصلاح نظم التّوظيف في المؤسسات الإسلاميّة والعالميّة عبر اعتماد مبدأ “الاختبار قبل التّمكين”، وجعله سياسة داخليّة مكتوبة ومعتمدة.
  2. تضمين البعد القيمي – لا سيما الإخلاص، الصبر، الأمانة – ضمن معايير التّقييم الوظيفي والقيادي.
  3. استحداث وحدات “اختبار تمكيني” في إدارات الموارد البشريّة، تتكامل مع لجان التّعاقب وتقييم الأداء.
  4. الاستفادة من النّماذج القرآنيّة في التّدريب القيادي، وجعل قصص الأنبياء عليهم السّلام ومواقفهم من الابتلاء والتّمكين مادة تدريبيّة إداريّة لا دينيّة فقط.
  5. تشجيع البحوث التّداخليّة بين علوم القرآن والإدارة الحديثة، وإطلاق ما يُسمى بـ “الإدارة القرآنيّة” كحقل معرفي مستقل.
  6. تطبيق هذا النّموذج في مؤسسات حقيقيّة تجريبيّة عبر مشروع ريادي نموذجي، يتولّى اختبار النّموذج، وقياس أثره على العدالة المؤسسيّة، وأداء القادة.

المصادر والمراجع العربيّة

  1. القرآن الكريم.
  2. أبو حسين أحمد بن فارس بن زكريا. (1999). معجم مقاييس اللّغة. دار الجبل.
  3. ابن منظور، محمد بن مكرم. (2003). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
  4. أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور). (2003). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
  5. اتحاد جامعات العالم الإسلامي. (2020). سُنن الله في المجتمعات الإنسانية في القرآن الكريم – أطروحة دكتوراه، قسم التفسير.
  6. الحلي، نجم الدين. (2006). تمهيد القواعد (تحقيق: السيد علي الحسيني). قم: جامعة المصطفى العالمية.
  7. الحويزي، عبد علي. (1415هـ). تفسير نور الثقلين. قم: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر.
  8. الشريف الرضي. (1998). نهج البلاغة (تحقيق: صبحي الصالح). بيروت: دار المعرفة.
  9. الشاذلي، محمد عبد العزيز. (2019). إدارة الموارد البشريّة الاستراتيجية: مدخل معاصر. القاهرة: دار الفكر الجامعي.
  10. الشرقاوي، أحمد السيد. (2018). إدارة الموارد البشريّة: المدخل الاستراتيجي والتطبيقي. القاهرة: دار الفكر العربي.
  11. السبحاني، جعفر. (2007). الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل (الطبعة الثانية). قم: مركز النشر الإسلامي.
  12. الطباطبائي، محمد حسين. (1997). تفسير الميزان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  13. الطبرسي، أحمد بن علي. (1406هـ). مجمع البيان في تفسير القرآن (الطبعة الأولى). بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  14. العدوي، عبد العزيز محمد. (2020). قيادة المواهب والتخطيط للتعاقب الوظيفي في المنظمات الذكية. عمّان: دار صفاء للنشر والتوزيع.
  15. عطية، أحمد حسن. (2021). إدارة المواهب والتعاقب الوظيفي: مدخل تكاملي لبناء القيادات المؤسسية. عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
  16. عبيدات، ذوقان، العدوان، عبد الرحمن، وعبد السميع، محمد. (2007). البحث العلمي: مفهومه وأدواته وأساليبه (ط. 5). عمّان: دار الفكر.
  17. المطهري، مرتضى. (1992). العدل الإلهي (الطبعة الرابعة). بيروت: مؤسسة الصدر.
  18. الفضلي، عبد الهادي. (2001). القيادة الإدارية عند الإمام علي عليه السلام. النجف: مكتبة العلمين.
  19. الفيض الكاشاني، محمد محسن. (1415هـ). تفسير الصافي. طهران: مكتبة الصدوق.
  20. الكليني، محمد بن يعقوب. (1407هـ). الكافي (تحقيق: علي أكبر الغفاري). طهران: دار الكتب الإسلاميّة.
  21. مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي. (2014). القيادة في الإسلام: دراسة قرآنية روائية. بيروت: مركز الحضارة.
  22. مجلة الدّراسات القرآنيّة. (2020). التّمكين في القرآن الكريم: دراسة موضوعية. مجلة الدّراسات القرآنيّة، (9)، 55–80.
  23. مجلة علوم القرآن والتفسير. (2021). الاختبار الإلهي في القرآن: دراسة تحليلية. مجلة علوم القرآن والتفسير، (22)، 97–123.
  24. مصباح اليزدي، محمد تقي. (2010). سنن التّاريخ في القرآن الكريم. قم: مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث

المراجع الاجنبية

  1. Abbasi, A. S., Rehman, K. U., & Bibi, A. (2010). Islamic management model. African Journal of Business Management, 4(9), 1873–1882.
  2. Ahmad, K., & Ogunsola, O. K. (2011). An empirical assessment of Islamic leadership principles. International Journal of Commerce and Management, 21(3), 291–318. https://doi.org/10.1108/10569211111165325
  3. Ali, M. A., Shirazi, S. Z., Arshad, S. A., & Kemal, M. U. (2024). Assessment of human resource management framework from Islamic paradigm: Proposition of an Islamic model of human resource management. Bulletin of Business and Economics (BBE), 13(1).
  4. Bass, B. M., & Bass, R. (2008). The Bass Handbook of Leadership: Theory, Research, and Managerial Applications. Free Press.
  5. Brown, M. E., Treviño, L. K., & Harrison, D. A. (2005). Ethical leadership: A social learning perspective for construct development and testing. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 97(2), 117–134. https://doi.org/10.1016/j.obhdp.2005.03.002
  6. Brown, M. E., Treviño, L. K., & Harrison, D. A. (2005). Ethical leadership: A social learning perspective for construct development and testing. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 97(2), 117–134.
  7. Cappelli, P. (2008). Talent on Demand: Managing Talent in an Age of Uncertainty. Boston, MA: Harvard Business Press.
  8. Cappelli, P. (2008). Talent on demand: Managing talent in an age of uncertainty. Boston, MA: Harvard Business Press.
  9. Egel, E., & Fry, L. W. (2017). Spiritual leadership as a model for Islamic leadership. Public Integrity, 19(1), 77–95. https://doi.org/10.1080/10999922.2016.1200407
  10. Fauzi, A. (2016). Transformation of values in developing leadership prophetic Islamic education. In 2nd ICET: Improving the Quality of Education and Training Through Strengthening Networking (pp. 1196–1204).
  11. George, B., Sims, P., McLean, A. N., & Mayer, D. (2007). Discovering your authentic leadership. Harvard Business Review, 85(2), 129–138.
  12. Goleman, D. (2006). Emotional Intelligence: Why It Can Matter More Than IQ. Bantam.
  13. Goleman, D., Boyatzis, R., & McKee, A. (2013). Primal leadership: Unleashing the power of emotional intelligence (10th anniversary ed.). Harvard Business Review Press.
  14. Greenleaf, R. K. (2002). Servant Leadership: A Journey into the Nature of Legitimate Power and Greatness (25th Anniversary Ed.). New York: Paulist Press.
  15. Greenleaf, R. K. (2002). Servant leadership: A journey into the nature of legitimate power and greatness (25th anniversary ed.). Mahwah, NJ: Paulist Press.
  16. Manzoor, S. (2023). The model of visionary and innovative Islamic leadership. Society, 11(1), 41–51.
  17. Northouse, P. G. (2019). Leadership: Theory and Practice (8th ed.). SAGE Publications.
  18. Northouse, P. G. (2019). Leadership: Theory and practice (8th ed.). Sage Publications.
  19. Owens, B. P., & Hekman, D. R. (2012). Modeling how to grow: An inductive examination of humble leader behaviors, contingencies, and outcomes. Academy of Management Journal, 55(4), 787–818. https://doi.org/10.5465/amj.2010.0441
  20. Owens, B. P., & Hekman, D. R. (2012). Modeling how to grow: An inductive examination of humble leader behaviors, contingencies, and outcomes. Academy of Management Journal, 55(4), 787–818.
  21. Parmenter, D. (2015). Key Performance Indicators: Developing, Implementing, and Using Winning KPIs. Wiley.
  22. Parmenter, D. (2015). Key performance indicators: Developing, implementing, and using winning KPIs (3rd ed.). Hoboken, NJ: John Wiley & Sons.
  23. Rahman, N. M. N. A., Alias, M. A., Shahid, S., Hamid, M. A., & Alam, S. S. (2013). Relationship between Islamic human resources management (IHRM) practices and trust: An empirical study. Journal of Industrial Engineering and Management (JIEM), 6(4), 1105–1123. https://doi.org/10.3926/jiem.654
  24. Ruhullah, M. E., & Ushama, T. (2024). Tawhidic leadership in the modern world: Bridging Islamic governance with universal values for peace and integrity. Al-Shajarah: Journal of the International Institute of Islamic Thought and Civilisation (ISTAC), 29(2).
  25. Sarnoto, A. Z. (2024). Exploring leadership theory in the Qur’an. (Publication details incomplete — please update journal name or source if available).
  26. Yukl, G. (2013). Leadership in Organizations (8th ed.). Pearson Education.

 


-طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع العلوم والبحوث – طهران ، قسم إدارة الموارد البشريّة[1]

PhD student at Islamic Azad University – Science and Research Branch – Tehran, Department of Human Resource Management . Email: hp.jammoul@gmail.com

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.