إشكاليّة طبيعة الوحي بين اللفظيّة القرآنيّة والإلهام الكتابي: دراسة مقارنة في المفهوم والدّلالات

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

إشكاليّة طبيعة الوحي بين اللفظيّة القرآنيّة والإلهام الكتابي: دراسة مقارنة في المفهوم والدّلالات

The Nature of Revelation between Quranic Verbal Revelation and Biblical Inspiration: A Comparative Study of Concepts and Implications

Mohyideen Abdullah Kobrosli محيي الدين عبد الله قبرصلي*

تاريخ الإرسال:23-12-2025                                تاريخ القبول:7-1-2026

 الملخص                                                                              turnitin:1%

تتغيا هذه الدّراسة عقد مقارنة تحليليّة بين مفهومي الوحي الكتابي والوحي في الإسلام ، سواء في الماهيّة والمخرجات النّصيّة، أو في موثوقيّة النّصوص المنسوبة إلى كلٍّ منهما. وتستعرض الدّراسة واقع النّصوص الكتابيّة في الاتفاق والاختلاف حول قانونيتها بين اليهود والنّصارى، وكذلك بين الطوائف المسيحيّة نفسها، سيما ما يتعلق بإشكاليّة الأسفار القانونيّة الثانية (الأبوكريفا) .

وفي المقابل، يُبرز البحث النّموذج الإسلامي للوحي بقسميه: القرآن الكريم والحديث الشّريف؛ إذ ينعقد الإجماع على عصمة النّص القرآني وقطعيّة ثبوته كما بلّغه النبي ﷺ، في حين يخضع الحديث الشّريف لمنهج نقدي صارم يركّز على التّثبت من موثوقيّة النّاقل (السند والمتن)، لتمييز الصّحيح من غيره.

ويخلص البحث إلى أنّ النّص الكتابي، بحكم تدوينه وتداخل العنصر البشري فيه، يقترب وظيفيًّا من «الوحي بالمعنى» (الحديث الشّريف) في الإسلام. غير أنّ الفارق المنهجي يظهر في التّوثيق؛ إذ اعتمد التقليد الكتابي تاريخيًّا على «التّسليم الكنسي» في إقرار قانونيّة الأسفار، بينما خضع الحديث لنقد السند والمتن للتحقق من صحّة النّسبة، بخلاف القرآن الذي يتمتع بقطعيّة الثّبوت عند المسلمين..

الكلمات المفتاحيّة: مفهوم الوحي، الإلهام الكتابي، الأبوكريفا، الوحي بالمعنى، الحديث الشّريف، الموثوقيّة النّصيّة.

Abstract

This study presents an analytical comparison between the concepts of Biblical and Islamic revelation, examining their nature, textual outcomes, and reliability. It reviews the status of Biblical texts regarding the agreement and disagreement over their canonicity among Jews and Christians, as well as within Christian denominations, particularly concerning the Deuterocanonical books (Apocrypha).

In contrast, the research highlights the Islamic model of revelation, comprising the Holy Qur’an and the Noble Hadith. There is a consensus on the inerrancy and certain transmission of the Qur’an as conveyed by the Prophet (ﷺ), whereas the Hadith is subject to a rigorous critical methodology focused on the reliability of the transmitter (Isnad and Matn) to distinguish the authentic from the inauthentic.

The study concludes that the Biblical text—due to its mode of recording and human intervention—approaches the functional classification of “revelation by meaning” (Hadith) in Islam. However, a fundamental methodological difference exists in documentation: Biblical tradition historically relied on the “reception and delivery” of the written text without requiring a continuous chain of transmission, while the Islamic system of Isnad constituted the governing standard for verifying the attribution of the text to the source of revelation.

Keywords: Concept of Revelation, Biblical Inspiration, Apocrypha, Revelation by Meaning, The Noble Hadith, Textual Reliability

 

المقدمة        

يقوم كلٌّ من الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة على مرتكز جوهري، ألا وهو «الوحي»، الذي يُنظر إليه بوصفه الصّلة الرّابطة بين السّماء والأرض. غير أنّ هذا الاتفاق على أصل الوحي لا يمنع وجود تباين جوهري بين هذه الدّيانات في طبيعة الوحي وكيفيّة تجلّيه في النّص المقدس.

ففي حين يقرّر المفهوم الإسلامي أنّ القرآن الكريم موحى به من الله تعالى لفظًا ومعنى، من دون أي تدخل بشري في صياغته، يتجه المفهوم الكتابي، ولا سيما في التّفسيرات اللاهوتيّة المتأخرة للوحي كما وردت في وثائق المجمع الفاتيكاني الثّاني([i])، إلى فهم الوحي بوصفه «إلهامًا» تتشكّل فيه الكلمة الإلهيّة من خلال صياغة الكاتب البشري وفق ضوابط محددة وضمن سياقه الثّقافي والتّاريخي.

وبناءً على ذلك، يتبيّن بوضوح اختلاف الإسلام عن اليهوديّة والمسيحيّة في فهم الوحي؛ فبينما ينسب المسلمون نص القرآن لله بالكامل لفظًا ومعنى، يقرّ الفكر الكتابي -بدرجات متفاوتة بين طوائفه- بدور للعنصر البشري في صياغة النّصوص، ما يؤدي بالضرورة إلى اختلاف معايير التّحقق من صحّة هذه النّصوص وقداستها.

وبناءً على هذا الاختلاف في فهم الوحي، يبرز معيارٌ مهمٌّ للدراسة؛ وهو أنّ المنهج العلمي يمنع من مقارنة الكتاب المقدس بالقرآن مباشرة، لاختلاف طبيعة كلٍّ منهما. فالقرآن وحيٌ إلهي باللفظ والمعنى كما يعتقد المسلمون، أمّا الكتاب المقدس – وفق الفهم اللاهوتي الكاثوليكي السّائد، مع استثناء بعض الاتجاهات البروتستانتية المحافظة – فهو وحيٌ بالمعنى صيغ بعبارات بشريّة (بدافع من الروح القدس). ولذلك، فإنّ المقارنة الأدق هي موازنة “الكتاب المقدس” بما يشبهه طريقة التّدوين في علم رواية الحديث عند المسلمين، ألّا وهو “الحديث النّبوي”؛ إذ إنّ كليهما نصٌّ قابل للفحص والتّحقق العلمي، كلٌّ بحسب منهجه، مع اختلاف درجة القداسة في المنظومتين.

إشكاليّة البحث

تتمحور إشكاليّة هذا البحث حول اختلاف مفهوم الوحي بين الفهم الإسلامي والاجتهادات المسيحيّة في مقاربته، وعلاقته بالنّص المقدس. ففي الفهم الإسلامي، يُنظر إلى الوحي القرآني على أنّه تنزيل إلهي لفظًا ومعنى، كما بلّغه النّبي ﷺ، بما يقتضي عصمة النّص في مضمونه وصياغته من أي تدخل بشري.

وفي مقابل ذلك، يبرز التّساؤل حول كيفيّة تعريف الوحي في الفكر المسيحي، سواء في مفاهيمه التّقليديّة التي سادت حتى قرون متأخرة، والتي تقول بحرفيّة الوحي، أو في الصّياغات الكنسيّة المعاصرة السّائدة والتي تذهب إلى أن الوحي هو «إلهام» تشترك فيه الإرادة الإلهيّة مع الصّياغة البشريّة في تدوين الكتب المقدسة.

بناءً على هذا التباين في المفهوم، يطرح البحث الأسئلة الآتية:

  1. ما الفروق الجوهريّة بين مفهوم «الوحي اللفظي» في الإسلام ومفهوم «الإلهام» في المسيحيّة في الطبيعة والوظيفة؟
  2. كيف أثّر الاعتراف بدور الكاتب البشري في صياغة النّص الكتابي على معايير الموثوقية، وعلى اختلاف الطوائف حول قانونية الأسفار، ولا سيما من خلال نموذج الأسفار القانونية الثانية (الأبوكريفا)؟
  3. هل يمكن، من حيث التحليل العلمي والمنهجي، أساس النّص الكتابي – في بنيته التّكوينيّة – أقرب وظيفيًّا إلى الحديث الشّريف في الإسلام منه إلى القرآن الكريم؟ وما أثر ذلك على منهجيّة المقارنة بين النّصوص المقدسة؟

أهمية البحث:

تبرز أهمية هذا البحث في معالجة إشكاليّة طبيعة الوحي، وأثرها في معايير قبول النّص في إطار مقارن، إذ تتجاوز الخلاف العقائدي بين الأديان إلى طريقة التّعامل مع النّص المقدس ذاته. إذ إنّ اختلاف التّصور حول الوحي بين الإسلام، والتّقليد الكتابي سيؤدي حتمًا إلى تباين حول مفهوم بنية النّص، وآليات توثيقه، وحدود نقده أو التّسليم به. وتتجلى أهمّيّة الدّراسة في نقل المقارنة من مستوى التّقرير اللاهوتي إلى مستوى التّحليل المنهجي، من خلال مساءلة مفاهيم العصمة، والتدوين، والإسناد، وبيان أثرها في تصنيف النّصوص الدّينيّة ووظيفتها. كما تسهم المقاربة بين النّص الكتابي والحديث النّبوي في فتح أفق بحثي جديد في الدّراسات المقارنة، يراعي الفروق المنهجيّة من دون الخلط بينها وبين خصوصيّة النّص القرآني.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الدّراسة لا تهدف إلى عقد مقارنة عقديّة بين النّصوص المقدسة من حيث الإيمان أو الحجيّة الدّينيّة، وإنّما تنطلق من مقاربة منهجيّة تحليليّة تركز على طبيعة الوحي وأثرها في آليات التّدوين والتوثيق. وعليه، فإنّ المقارنة الواردة في هذا البحث تُعنى بطبيعة النّص وطرق نقله، من دون المساس بخصوصيّة كلّ نص داخل منظومته العقدية الخاصة..

فرضيات البحث:

وينطلق هذا البحث من فرضيتين:

الفرضيّة الأولى: أنّ مفهوم “الوحي اللفظي” في الإسلام يُكسب النّص القرآني حصانة ضد التّدخل البشري، ما يجعل “عصمة اللفظ” الضمانة الأساسيّة لحفظ النّص ومرجعيته المطلقة.

الفرضيّة الثانية: أنّ مفهوم “الإلهام” الكتابي -القائم على الشّراكة بين الروح القدس والكاتب كما قرر المجمع الفاتيكاني الثاني- يؤدي بالضّرورة إلى “أنسنة النّص”، فيجعله في طبيعته التّكوينيّة أقرب إلى “الحديث النبوي” وظيفيًّا في المفهوم الإسلامي، إذ يُعدُّ المعنى من الله واللفظ من النّبي؛ وهذا ما أخضعه فعليًّا لمعايير “النّقد والتّمحيص” (القبول والرد) عبر التّاريخ الكنسي، كما تجلى في اختلاف الطوائف حول قانونيّة الأسفار (الأبوكريفا)، وموقف البروتستانت النقدي من قانونيّة الأسفار الزائدة في التّرجمة السبعينيّة، ما يضع النّص الكتابي في دائرة “الرّواية الاجتهاديّة” لا “الوحي القطعي”.

وتُعدّ إشكاليّة الأسفار القانونيّة الثانية (الأبوكريفا) نموذجًا تطبيقيًّا واضحًا لهذا الخلاف؛ إذ يكشف الجدل التّاريخي والكنسي حول قانونيتها، أثرًا مباشرًا لفهم الوحي القائم على الإلهام لا الإملاء. ويعكس اختلاف الطوائف المسيحيّة في قبول هذه الأسفار أو رفضها أن تحديد ما يُعدّ «كلامًا مقدّسًا» قد تأثر – في جانب منه – بالاجتهاد البشري وبالسّلطة الكنسيّة. وهو ما يعزّز فرضيّة البحث القائلة بأن النّص الكتابي خضع، في مسار تدوينه واعتماده، لمعايير التّقييم، بخلاف النّص القرآني الذي استقر ثبوته بالتواتر اللفظي القطعي.

أهداف البحث:

  1. توضيح الفارق الجوهري بين مفهوم “الوحي اللفظي” في الإسلام، وبين مفهوم “الإلهام” في التّقليد الكتابي القائم على الشّراكة بين الله والكاتب.
  2. تتبع التّطور التّاريخي لمفهوم الوحي عند اليهود والنّصارى، وكيف تأثرت عمليّة التّدوين بالرؤى اللاهوتيّة والفلسفيّة المختلفة.
  3. بيان أثر “العنصر البشري” في صياغة الكتاب المقدس، وكيف أدى هذا الدّور إلى ظهور إشكالات في قانونية الأسفار (الأبوكريفا) واختلاف الطوائف حولها.
  4. إثبات “التّقارب الوظيفي” بين النّص الكتابي والحديث النبوي، بوصفهما يمثلان (وحي المعنى) الذي يخضع لمعايير التّوثيق والتّمحيص، بخلاف النّص القرآني.

الدّراسات السّابقة:

تناولت عدد من الدّراسات مفهوم الوحي في الدّيانتين اليهوديّة والمسيحيّة، وتنوعت بين دراسات نقديّة وفق المرجعيّة الإسلاميّة، وأخرى لاهوتية صادرة من داخل التّقليد المسيحي، وثالثة مقارنة. ومن أبرز هذه الدّراسات التي وقف عليها الباحث:

أولاً: الدّراسات الإسلاميّة النقديّة والمقارنة:

  1. ابن حزم الأندلسي – “الفصل في الملل والأهواء والنحل”:

تناول مفهوم الوحي عند أهل الكتاب، وتوسع في نقد نصوصهم وبيان ما طرأ عليها من تغيير واضطراب، مستندًا إلى الأدلة العقلية والنّصية.

  1. ابن قيم الجوزية – “هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنّصارى”:

خصص فصولًا لنقاش مفهوم النّبوة والوحي عند أهل الكتاب، وقام بتحليل نصوصهم لبيان الاضطراب في نسبة الكلام إلى الله، والخلط بين كلام الأنبياء والمؤرخين.

  1. أحمد عبد الوهاب – “الوحي والملائكة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام”:

وهي دراسة مقارنة حديثة مخصصة لموضوع الوحي والملائكة في الدّيانات الثلاث، استعرضت المفهوم والمصادر والمآلات العقديّة لكلّ ديانة.

  1. فهمي نور الدّين العاملي – “الوحي في الأديان الثلاثة: الإسلام واليهوديّة والمسيحيّة”:

وهو بحث كلامي موسّع، ركّز فيه المؤلف على الجانب العقائدي لإثبات إمكان الوحي عقلًا وضرورته ووقوعه، والرد على الشّبهات الماديّة والفلسفيّة المثارة حول ظاهرة الوحي في الأديان الثلاثة.

ثانيًا: الدّراسات المسيحيّة:

  1. دائرة المعارف الكتابيّة:

موسوعة لاهوتية أعدّها مجموعة من علماء اللاهوت المسيحيين، تناولت بالتفصيل عقيدة “الوحي والإلهام”، وعرّفت الوحي أنّه تأثير الروح القدس على الكتّاب، مؤكدة أنّه لا يعني “الإملاء الحرفي” (كما في الإسلام) بل هو إلهام موجّه يعكس شخصيّة الكاتب وثقافته وبيئته.

  1. بولس فغالي – “مقدمات في الكتاب المقدس”:

عرض المفهوم الكاثوليكي للوحي، مشيرًا إلى “الشراكة” بين الله والإنسان في تدوين النّص، إذ إنّ الله هو المصدر، والإنسان هو الكاتب الفعلي تحت تأثير الروح القدس، ما يبرر وجود البصمة البشريّة في النّص.

  1. يوسف رياض – “وحي الكتاب المقدس”:

قدم شرحًا لمفهوم الوحي عند المسيحيين البروتستانت، وحاول تقديم تفسير لاهوتي دفاعي للإشكاليّات النّصيّة والعلميّة الواردة في الكتاب المقدس.

التّعقيب على الدّراسات السّابقة وموقع الدّراسة الحاليّة:

على الرّغم من أهمّيّة الدّراسات السّابقة، يُلاحظ الباحث أن معظمها انحصر في الإطار الجدلي؛ إذ ركّزت الكتابات الإسلاميّة على إبراز البعد البشري في النّص الكتابي ضمن سياق نقدي، في حين انشغلت الدّراسات المسيحيّة الصادرة من داخل المنظومة الكنسيّة بتفسير حضور العنصر البشري في الوحي وتبريره، وفق التّعريف الذي أقرّه المجمع الفاتيكاني الثاني، وما تلاه من شروح وتفسيرات صادرة عن عدد من علماء الدين المسيحيين المعاصرين.

أمّا هذه الدّراسة، فتسلك مسارًا تحليليًّا مغايرًا؛ إذ لا تتخذ النقد غايةً لها، وإنما تسعى إلى تحديد طبيعة النّص الكتابي وتصنيفه في نشأته وتدوينه، لتخلص المقارنة إلى أنّ هذا النّص – في التكوين والوظيفة – يقترب من الحديث النّبوي أكثر من قربه للقرآن الكريم.

وتنطلق هذه الدّراسة من الخلفيّة الإسلاميّة، مع الإفادة – حيث يلزم – من نتائج النقاشات المسيحيّة الدّاخليّة في تحرير طبيعة النّص الكتابي.

 منهجية البحث:

للإجابة عن هذه الإشكاليّات والفرضيات سيعتمد البحث على منهج مركب وصفي تحليلي مقارن:

  • المنهج الوصفي: لاستقراء مفهوم الوحي في مصادر الإسلام والمسيحيّة، ورصد تطوّره التاريخي في الإطار المسيحي خاصةً، وعرض أبرز المقاربات العقديّة المرتبطة به.
  • المنهج التّليلي: لتفكيك العلاقة بين فهم الوحي بوصفه “إلهامًا” وبين “أنسنة النّص”، عبر تحليل الشّواهد التي تبرز أثر العنصر البشري في التدوين.
  • المنهج المقارن: للموازنة بين النّموذج الإسلامي (الوحي اللفظي) والنّموذج الكتابي (الشّراكة البشريّة)، وبيان أثر ذلك على الموثوقيّة، ومقارنة النّص الكتابي بالحديث النّبوي في طريقة نقله وتدوينه.

حدود البحث:

تقتصر هذه الدّراسة على المقارنة بين الفهم الإسلامي للوحي، بشقّيه: الوحي اللفظي في القرآن الكريم، والوحي بالمعنى في السُنّة الّنبويّة، وبين الفهم المسيحي الكاثوليكي المعاصر كما تقرّره وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني وما تلاها من دراسات كتابيّة نقديّة، وذلك في طبيعة الوحي وأثرها في بنية النّص وآليات تدوينه وتوثيقه.

ولا تهدف الدّراسة إلى عرض الاتجاهات المسيحيّة المتعلقة بمفهوم الوحي جميعها، كما لا تتوسع في مناقشة التّيارات البروتستانتيّة المحافظة التي تقول بحرفيّة الوحي اللفظي؛ نظرًا لاختلاف هذا الطرح عن المقاربات النّقديّة المعتمدة في الدّراسات الكتابيّة الحديثة. وعليه، ينصبُّ التحليل على الإطار الكنسي الذي يقرُّ بدور العنصر البشري في صياغة النّص، بوصفه الأنموذج الأنسب للمقارنة المنهجيّة مع مفهوم «الوحي بالمعنى» في الإسلام.

كما لا تتناول الدّراسة الإطار اليهودي إلّا بقدر ما يخدم الخلفيّة التّاريخيّة لتطور مفهوم الوحي الكتابي، من دون الخوض في تفاصيله العقديّة.

 

 

 

المبحث الأول: مفهوم الوحي في الإسلام

أولًا: الوحي لغةً:

تدور مادة (و ح ي) لغةً على معاني: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، والسرعة([ii]). وفصّلها الفراهيدي بأن (وَحَى) تأتي بمعنى: كَتَبَ، و(أوحى الله): بَعَث وألهَم، و(أوحى) زكريا: أشار، و(وحيتُ إليه): كلّمته خفيةً([iii]). وأرجعها ابن فارس إلى أصلٍ واحد هو: “إلقاء عِلْم في إخفاء أو غيره”، شاملاً الإشارة والكتابة([iv]). والخلاصة: هو إعلامٌ خفيٌّ سريع بإلقاء علمٍ إلى الغير.

ثانيًا: تعريف الوحي في الاصطلاح الإسلامي

تعددت تعريفات علماء المسلمين للوحي، ومن ذلك ما ذكره الإمام البخاري، وقد عرّف الوحي أنّه تبليغ الله تعالى رسالته إلى من يصطفيه من عباده بواسطة بعض ملائكته، وهو جبريل عليه السّلام، كما يُطلق الوحي أحيانًا على الشّيء الموحى به، وعلى الإلهام والقذف في القلب، سواء في اليقظة أو المنام“([v]).

وعرّفه ابن حجر العسقلاني أنّه الإعلام بالشّرع، وقد يطلق الوحي ويراد به المـُوحى، أي كلام الله المنزل على النّبي ﷺ([vi]). وعرّفه العيني أنّه كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه”([vii]).

وفي ذات السّياق التّأصيلي لحرفيّة النّص القرآني من خارج مدرسة أهل السُنّة، يقرر الشيخ محمد رضا المظفر الموقف العقدي لمدرسة الإماميّة بعبارات حاسمة بقوله: «نعتقد: أنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزَّل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم فيه تبيان كل شيء… لا يعتريه التّبديل والتّغيير والتّحريف. وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزَّل على النّبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلّهم على غير هدى؛ فإنّه كلام الله الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ»([viii]).

ويدلّ هذا على أنّ القول بحرفيّة الوحي القرآني وعصمته بلفظه ومعناه يمثّل أصلًا مشتركًا في الفكر الإسلامي، ولا يقتصر على مدرسة دون أخرى.

وإلى جانب الوحي اللفظي، يقرّ المسلمون بوجود وحي بالمعنى، وهو ما يتمثل في السُنّة النّبويّة. وبالتالي فإنّ المُوحى به عند المسلمين نوعان: القرآن الكريم، والسُنّة النّبويّة، إذ بيّن الجويني – كما نقله السّيوطي – أنّ الوحي ينقسم إلى قسمين: قسم أُوحي بالمعنى من دون الالتزام باللفظ، وهو السُنّة، وقسم أُوحي باللفظ والمعنى معًا، وهو القرآن الكريم، ولذلك جازت رواية السُنّة بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى في القرآن؛ لأنّ المقصود منه التّعبّد بلفظه والإعجاز به، مع ضمان حفظه من التّبديل والتّحريف. وقد نقل السيوطي عن ابن أبي حاتم، عن الزّهري، أنّ الوحي ما يُلقيه الله في قلب نبيّه فيتكلّم به ويبلّغه للناس، ومنه ما يُكتب ويُتعبَّد بتلاوته، ومنه ما يُبلَّغ بيانًا من دون أمر بكتابته، وهو تأكيد لما قرّره الجويني في التفريق بين الوحيين([ix]).

وبناءً على هذا التّفريق في الطبيعة بين “وحي اللفظ” و”وحي المعنى”، تفاوتت درجات الثبوت؛ فالقرآن الكريم نُقل كلّه بالتّواتر القطعي الذي لا يقبل الشّك، أمّا السُنّة النّبويّة (الوحي بالمعنى) فقد خضعت لقواعد التثبت البشري للتأكد من سلامة النقل. لذا قسّم علماء الحديث الأخبار المنسوبة للنبي ﷺ إلى: متواتر يفيد العلم اليقيني، وآحاد يفيد الظن، ثم قسّموا الآحاد بحسب درجة الموثوقيّة إلى: مقبول (الصّحيح والحسن)، ومردود (الضّعيـف بأنواعه والموضوع أو المكذوب). وقد جاء هذا التّصنيف تعبيرًا عن إدراك المحدثين لاحتمال أن يتطرق إلى الوحي بالمعنى شيء من الوهم أو الخطأ من جهة الناقل البشري، ما استدعى وضع منهج منضبط لتمييز الوحي الصحيح من غيره([x]).

وتحقيقًا لهذا المعيار الصّارم في “وحي اللفظ” (القرآن)، لم يكتفِ العلماء بصحة السّند فحسب، بل اشترطوا التّواتر وموافقة الرّسم؛ ولذلك عدّوا “القراءة الشّاذة” مما خرج عن كونه قرآنًا لافتقادها ركن التواتر، وإن صح سندها. قال ابن الجزري في بيان أركان القراءة المقبولة: “كل قراءة وافقت العربيّة ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانيّة ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصّحيحة… ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة”([xi]). وهذا الفرز الدّقيق يُخرج كل ما لم يثبت قطعيًّا من دائرة النّص القرآني المعصوم، ليبقى القرآن محفوظًا بلفظه كما أُنزل.

إذًا فالقرآن لفظًا ومعنى من عند الله، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾  (النجم: ٣ – 4)، وفسّر الإمام الطبري هذه الآية فقال: “وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه (إن هو إلّا وحي يوحى) يقول: ما هذا القرآن إلّا وحي من الله يوحيه إليه.”([xii])، وفسر القرطبي هذه الآية قائلًا: “أَيْ مَا يَخْرُجُ نُطْقُهُ عَنْ رَأْيِهِ، إِنَّمَا هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.([xiii])

وهكذا يتضح في التّصور الإسلامي أنّ القرآن الكريم هو الوحي الذي أُنزل على محمد ﷺ، محفوظًا بلفظه ومعناه، وقد دُوِّن في حياة النّبي ﷺ وحُفظ في عهده. وفي المقابل، يعتمد التّقليد الكتابي عند أهل الكتاب على النّصوص المدوّنة بوصفها الوعاء الرئيس للوحي، وفي المقابل، يعتمد التّقليد الكتابي على النّصوص المدوّنة بوصفها الوعاء الرئيس لنقل الوحي، وهو ما يفتح مجالًا للبحث في كيفيّة فهم هذا الوحي وطبيعة تلقيه وتدوينه، وهي المسائل التي سيجري تناولها عند الحديث عن مفهوم الوحي في اليهودية والمسيحيّة.

المبحث الثاني – مفهوم الوحي وتجلياته في الفكر اليهودي

أولًا: مفهوم الوحي عند اليهود:

انطلاقًا من التّصوير الوارد في سفر التّثنية (الإصحاح 18: 17–18)، يُنقل أنَّ بني إسرائيل، حين اجتمعوا عند جبل حوريب، طلبوا من موسى عليه السلام ألا يخاطبهم الربُّ مباشرة بسبب هول المشهد، فاستجاب الله تعالى لطلبهم وقال: ﴿قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِه﴾ِ.

ويتأسس الفهم اليهودي للوحي، انطلاقًا من هذا النّص وأمثاله، على أنّ الوحي فعلٌ إلهي يأتي فيه وضع كلام الله في فم النّبي ليبلّغه إلى النّاس، من دون أن يتكلم من تلقاء نفسه، وهو ما شكّل الأساس الذي قامت عليه سلطة النّص المقدّس والتّقليد الدّيني في الفكر اليهودي.

ويتأسس الفهم اليهودي للوحي على هذا النّص وأمثاله، بوصفه الوحي فعلًا إلهيًّا يأتي فيه وضع كلام الله في فم النّبيِّ، ليقوم بتبليغه إلى الناس دون أن يتكلَّم من نفسه، وذلك لنقل رسالة أو تعليم إلهي إلى البشر. ويُعد هذا المفهوم أساسًا مركزيًّا في اليهوديّة، إذ تقوم سلطة الكتاب المقدس والتّقليد الحاخامي على الوحي الإلهي، وبخاصة الحدث المفصلي في جبل سيناء، وقد نزلت التّوراة على موسى ونُقلت الشّرائع إلى بني إسرائيل.

أمّا الوحي النبوي اللاحق فتنوع بين الدّعوة لطاعة الشّريعة، والتّحذير من التّقصير، والتّعزية في الأزمات. وقد جُمعت هذه النّصوص الموحاة في كتابات تطورت لاحقًا إلى ما يُعرف بالكتاب المقدس.

وبحلول مدّة الهيكل الثاني (القرن الخامس ق.م) ساد الاعتقاد بانقطاع الوحي، لتحلَّ مكانه تفسيرات الحكماء للنصوص. فانتقلت السّلطة من الأنبياء إلى المفسِّرين، ومن الوحي الجديد إلى النّصوص القانونيّة. ومع ذلك، اعتقدت بعض الفرق – كجماعة قمران – بإمكانيّة وجود وحي تأويلي يُرشد فهم النّصوص، وهو ما تباين قَبوله في تيارات اليهوديّة عبر العصور([xiv]).

ثانيًّا:  ثنائيّة الوحي (المكتوب والشّفهي) وسلطة الاجتهاد:

يشير التّلمود إلى أنَّ الوحي في الفكر اليهودي لم يقتصر على التّوراة المكتوبة، بل يوجد إلى جانبه “شريعة شفوية”. ففي التّلمود البابلي (مناحوت 29ب) يصور النّص مشهدًا رمزيًّا، إذ يصور موسى وكأنّه يحضر مجلس الحاخام “عقيبا بن يوسف” الذي ولد بعد أجيال من موسى، فيجد موسى نفسه عاجزًا عن فهم الشّروحات المعقدة التي يستنبطها عقيبا من توراة موسى نفسه! ومع ذلك، تطمئن نفس موسى حين يسمع عقيبا يُرجع هذه الاستنباطات العقليّة إلى أصل واحد: «وعندما وصلوا إلى مسألة معيّنة وقال له تلاميذه: يا معلمنا، من أين لك هذا؟ قال لهم: هذه شريعة سُلّمت لموسى من سيناء. فارتاحت نفس موسى»([xv]).

وهذا الموقف يستند إلى قاعدة أصوليّة راسخة صرح بها التلمود المقدسي (بيئاه 2: 6)، وقد تقرر حرفيًّا: «حتى ما سيستنبطه تلميذ ذكي في المستقبل أمام معلمه، قيل لموسى في سيناء»([xvi]). فجعلوا كل اجتهاد عقلي لاحق جزءًا أصيلًا من الوحي الأول، وكأنّه ثيل لموسى في سيناء.

ثالثًا: الرابي “إليعازر” والوحي خارج التوراة «ليست هي في السّماء»

وردت عبارة «ليست هي في السّماء» في نصٍّ توراتي (تثنية 30: 12)، جاء في سياق بيان قرب الشّريعة الموسويّة ووضوحها «لأَنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ. لَيْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَصْعَدُ لأَجْلِنَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا فَنَعْمَلَ بِهَا؟» (سفر التثنية 30: 11–12) ؛ إلّا أنّ الفكر الحاخامي أخرج هذا النّص من سياقه ليعطي للحاخامات سلطة حصرية في الشريعة.

وقد تأصل هذا الفكر استنادًا للقصة التّلموديّة الشّهيرة المعروفة بـ “فرن أخناي”، فقد اختلف الفقهاء مع الحاخام أو الرابي “إليعازر”، فأيّدت المعجزة والصّوت السّماوي رأي إليعازر “ما لكم وللرابي إليعازر؟ فإن الهالاخاه (الشريعة) تجري وفق قوله في كل مكان.” (Bava Metzia, 59b). ومع ذلك، رفض الفقهاء الانصياع للصوت السماوي واحتجوا قائلين: “ليست هي في السّماء!”، أي أن التّوراة قُدمت للبشر في سيناء، ولم يعد للسّماء حق التدخل في تفسيرها([xvii]).

وبناءً على هذا الموقف الذي غلّب رأي الجماعة على الصّوت السّماوي، يشير الباحث ماهر أمير إلى تحول خطير؛ إذ أصبح الوحي في اليهودية مسارًا مزدوجًا، وقد مُنح العنصر البشري (الحاخامات) حقّ الحسم في مراد الله، حتى لو خالف ذلك المعنى الظاهر أو الصّوت الإلهي المباشر. وهذا أدّى إلى إشكاليتين جوهريتين:

  1. عدم ثبات النّص المقدس: فقد أصبح النّص قابلًا للزيادة والتّوسع المستمر عبر العصور تحت غطاء “الوحي المستمر”.
  2. اختلاط الإلهي بالبشري: لم يعد هناك حد فاصل واضح بين ما قاله الله في سيناء، وبين ما استنبطه الحاخامات بذكائهم البشري.

وبذلك تحولت المرجعيّة العليا من “الوحي المعصوم” إلى “الاجتهاد البشري”، وهو الأساس الذي بُنيت عليه سلطة الأحبار المطلقة في التّحليل والتحريم من دون الله ([xviii]).

المبحث الثالث: مفهوم الوحي عند النّصارى:

أولاً: تعريف الوحي وطبيعته في المسيحيّة

في المفهوم المسيحي الوحي هو قوة إلهية تحل على الكائن البشري ليكشف له حقائق غيبيّة، وقد كان التّعبير عن الوحي في الكتاب بتعابير مختلفة مثل:”حلَّ عليه روح الله”(سفر عدد 24: 2) أو “كانت عليه يد الرب” (سفر الملوك الثاني 3: 15) . والركيزة الأساسيّة في مفهوم الوحي أنه لا يلغي الوعي البشري ولا يطمس شخصيّة النّبي ليحوّله إلى مجرد “آلة تسجيل” صماء؛ بل خلال الوحي يبقى النّبي في كامل إدراكه، فيستطيع أن يصف ما حدث وصفًا دقيقًا، مستخدمًا ملكاته ومواهبه التي أعدها الله له لصياغة الرّسالة الإلهيّة وتدوينها بأمانة([xix]).

ثانيًا: غاية الوحي ومصدره كما يقررها الكتاب المقدس

إنّ الغاية من الوحي في المفهوم المسيحي تتحدد في أمرين:

1 – كشف الحقائق الغيبيّة والمستقبليّة التي لا تُدرَك بالعقل المجرد (التنبؤ).

2 – عصمة الكاتب أثناء تدوينه لحوادث تاريخيّة معروفة.

وهذا يبدو واضحًا في رسالة بطرس الثانية “أُنَاسَ اللهِ الْقِدِّيسِينَ تَكَلَّمُوا مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ”(2 بطرس 1: 21)؛ إذ يظهر النّص أن الوحي لا يُفقِد المتكلم أو الكاتب شيئًا من شخصيته، وإنما يؤثّر فيه الروح القدس، فيستعمل ما لدى الإنسان من القوى والصفات وفق الإرشاد الإلهي، بما يضمن سلامة النّص من الخطأ([xx]).

كما  نجد هذا التأكيد أيضًا في رسالة بولس الأولى إلى كنيسة تسالونيكي: «تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ» (1 تسالونيكي 2: 13)؛ وفي رسالته إلى أهل غلاطية أكد بولس أن مصدر الإنجيل ليس تعليم إنسان، بل «بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطيّة 1: 11–12).“([xxi])

ثالثًا:  حضور “الجانب البشري” وإشكال الأخطاء الكتابية

على الرّغم مما سبق عرضه، إلّا أنّ الجانب المسيحي نفسه يشهد خلافًا داخليًّا حول طبيعة نصّ الكتاب المقدّس، هل هو كلام الله حرفيًّا  أم أنه دُوِّنَ بعبارات ومفهوم الذين كتبوه؟

(إنَّ الرأي الذي كان مسيطرًا إلى ما قبل منتصف القرن التّاسع عشر هو الاعتقاد بأنّ الله قد أوحى بالكلمات نفسها للكُتَّاب الذين استخدمهم لكي يسجلوا- من دون أدنى احتمال لوجود خطأ-إعلانه عن نفسه … وقد أيَّد المصلحون الإنجيليون في القرنين السّادس عشر والسّابع عشر هذا الرأي)([xxii]).

إلا أن هذا التفسير واجه إشكالات نصية وتاريخية في عدد من أسفار العهد القديم، فينقل لنا البروفسور الأب  بولس فغالي في كتابه “مقدمات في الكتاب المقدس” بعض هذه الصّعوبات، فسفر أستير مثلًا لم يجد فيه اليهود أي عنصر ديني، حتى إنّه لم يُذْكَر فيه اسم الله، وكاد أن يخرج من لائحة الكتب المقدسة، ولكن التّرجمة اليونانيّة أضافت بعض المعاني الدّينيّة مثل بعض الصّلوات التي جعلت أستير ومردخاي يتكلان على الله بدلًا من الخداع والحيلة. وكذلك كاد نشيد الأنشاد أن يُستبعد بسبب طابعه العاطفي القوي وتصويره لعلاقة الحب الزّوجي، لولا إخضاعه لتفسير رمزي ذي بعد روحي، ففُسِّر العريس بالله والعروس بالشّعب المختار.. كما تضمّن سفر حزقيال أوصافًا رمزيّة جريئة حين صور أورشليم كعروس، إلى جانب إشكالات تتعلق بالتّوفيق بين شريعة موسى والتّفاصيل الواردة في الفصول (40–48) الخاصة بالهيكل وطقوسه. فتصدّى لإشكاليّات سفر حزقيال بعض الحاخامات، ومنهم حنانيا بن حزقيا، ما أسهم في تثبيت قانونيّة السّفر وعدم استبعاده.([xxiii]).

رابعًا: اتجاهات لاهوتيّة في معالجة الإشكال (الرّمزيّة والدّيناميكيّة)

أمام التّحديات التي فرضها وجود “العنصر البشري” في النّص، برزت اتجاهات لاهوتيّة حاولت تقديم حلول تفسيريّة تحافظ على قدسيّة الكتاب وتستوعب بشريته في آن واحد:

  1. التّفسير الرّمزي (تجاوز الحرفيّة):

اعتمدت مدرسة الإسكندرية (التي يتبع لها التّقليد الأرثوذكسي) التفسير الرمزي منهجًا أساسيًّا متأثرةً بالفيلسوف اليهودي فيلو الإسكندري (20 ق.م – 50م)؛ الممثل الأكبر للثقافة اليهوديّة الهيلينيّة الذي كان له أثر كبير في فكر آباء الكنيسة كالقديس إكليمندس السكندري والعلامة أوريجانوس([xxiv]).

ولقد استعار فيلو التّفسير الرّمزي من اليونانيين، وقد كانوا بحاجة للتّفسير الرّمزي لفهم أعمال الشّعراء القدامى مثل الإلياذة والأوديسة لهوميروس، إذ كان السّائد عندهم أنّ هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النّص اللغوي، وأنّ الكلمات ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة([xxv]). .

وقد تأثر الفكر المسيحي المبكر بهذا المنهج، إذ يرى المؤرخون أن لفيلو أثرًا كبيرًا في فكر آباء الكنيسة مثل إكليمندس السّكندري والعلامة أوريجانوس([xxvi]).

وبهذا المنهج أمكن تجاوز «عثرة الحرف» للوصول إلى المعنى الروحي العميق. ولم يقف هذا التّجاوز عند حدود التّفسير الرّمزي للنّص، بل تطوّر عند بعض الكنائس إلى تصور أوسع لطبيعة الوحي ذاتها، ولمكانة الكنيسة في فهمه وتأويله.

  1. المفهوم “الكنسي” للوحي:

بينما تميل المدرسة البروتستانتيّة بالعموم إلى الإيمان بحرفيّة نص الكتاب المقدس، يرى التّقليد الأرثوذكسي والكاثوليكي أنّ الكتاب المقدس يُعدّ «سرًّا» لا يُفهم فهمًا صحيحًا إلّا داخل الكنيسة. وفي هذا السّياق، يحاول الأنبا أثناسيوس (مطران بني سويف) أن يقرّب طبيعة هذا السرّ بتشبيه فيزيائي معاصر، حاسبًا أنّ الوحي «طاقة وليس شكلًا»، ويشبّهه بالتّيار الكهربائي الذي يسري في الأسلاك، فكما أن الكهرباء هي الطاقة الحيّة، والمصباح هو الوعاء الذي يحدد شكلها، كذلك الوحي قوة تملأ فكر الرّسول فيعبّر عنها بلغة البشر، بينما يظلّ الروح القدس هو القوة الفاعلة والضّابطة لهذا التعبير([xxvii]).

وعلى ضوء هذا الفهم لطبيعة الوحي، يرى القديس كيرلس الكبير أنّ كُتّاب الوحي لم يكونوا أدوات صامتة يُملى عليها النّص، بل كانوا فاعلين وواعين أثناء عمليّة التدوين. غير أنّ النّص الكتابي، وإن كان موحًى به، لم يُقدَّم بوصفه خطابًا مباشرًا وشفافًا، بل يظهر في مواضع متعددة كخطاب رمزي أقرب إلى اللغز، لا ينكشف معناه إلّا بحضور الرّوح القدس. وبناءً على هذا التّصور، يصرّ كيرلس على أن فهم الكتاب المقدس لا يتحقق إلا داخل الكنيسة، إذ يحضر الرّوح القدس بوصفه الوسيط الضروري لكشف معاني النّص([xxviii]).

 

  1. الطرح البروتستانتي في تفسير طبيعة الوحي:

يمثّل اللاهوتي الألماني كارل جوتليب بافندر اتجاهًا تفسيريًّا داخل الفكر البروتستانتي، حاول من خلاله معالجة الإشكالات المرتبطة بطبيعة الوحي والنّص الكتابي. فقد ذهب إلى أنّ الأنبياء والحواريين، وإن كانوا بشرًا، إلّا أنّهم «معصومون في التّبليغ والتّحرير»، وأنّ ما يظهر من اختلافات في النّص لا يعود إلى خلل في الوحي ذاته، بل إلى «نقصان فهم القارئ» ([xxix]). أي أنّ الرّوح القدس أوحى بالمعنى، وترك للكتّاب صياغته بأساليبهم الخاصة.

وهذا الطرح يندرج ضمن المحاولات البروتستانتيّة الدّفاعيّة للتّوفيق بين قدسيّة النّص من جهة، ووجود البصمة البشريّة في تدوينه من جهة أخرى.

  1. وجهة نظر المدرسة الّتقليديّة المحافظة:

إلّا أنّ هذه الحلول التّوفيقيّة واجهت تحفظات من التيار اللاهوتي المحافظ الذي يرى ضرورة الحفاظ على عصمة الكتاب كـ “وحدة واحدة”. ويمثل ألكسندر كارسون هذا التّيار بقوله: «يجب ألّا ينطق الكتاب المقدس بكذبة فلسفيّة، ولا بكذبة تاريخيّة، أكثر من الكذبة الدّينيّة. فإذا كذب في موضوع ما، فمن سيصدقه في موضوع آخر!»([xxx]). ويعبّر هذا الموقف عن رفضٍ واضح لأيّ تفريق منهجي بين المعنى الإلهي والصياغة البشريّة، لما قد يترتب عليه من تقويض شامل لمفهوم العصمة النّصية.

 

رابعًا: الأسفار القانونية الثانيّة (الأبوكريفا) نموذجًا لإشكاليّة تدوين الوحي

تُشكل قضية “الأبوكريفا” أحد أبرز الأدلة التّطبيقيّة على تباين مفهوم الوحي بين الإسلام والتّقليد الكتابي. فبينما يتفق المسلمون قاطبةً على مصحف واحد على الرّغم من تنوع مذاهبهم، نجد أنّ “الأسفار المقدسة” غير متفق عليها بين الفرق المسيحيّة؛ فبينما يبلغ عدد أسفار العهد القديم عند البروتستانت 39 سفرًا، يصل عند الكاثوليك إلى 46 سفرًا. وهذا الاختلاف ليس مجرد خلاف طائفي، بل هو نتاج مباشر لمفهوم “الوحي بالمعنى” الذي يمنح الكنيسة سلطة الحسم في قانونية النّص.

1 –  تعريف الأبوكريفا ودلالاتها المنهجيّة

تعود كلمة “أبوكريفا” (Apocrypha) إلى أصل يوناني بمعنى “المخفي” أو “السرّي”([xxxi]). وقد استُخدم هذا المصطلح في السّياق الكنسي للدّلالة على الأسفار التي اختلفت الطوائف المسيحيّة في قانونيتها؛ فبينما ترفضها بعض الطوائف، ولا سيما البروتستانت، بوصفها غير قانونيّة أو مشكوكًا في مصدرها، تقبلها طوائف أخرى، كالكاثوليك والأرثوذكس، بوصفها “أسفارًا قانونيّة ثانية”.

وتبرز الدلالة المنهجيّة لهذا الخلاف في كونه يكشف حضور الاجتهاد البشري في تحديد نطاق النّص المقدس وحدود قبوله داخل التّقليد الكتابي، وهو ما ينعكس على مفهوم قدسيّة النّص وآليات التّعامل معه.

2 – أسباب الخلاف حول قانونيّة الأسفار

يعود أصل النّزاع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وتعمَّق مع ظهور “الترجمة السبعينيّة” اليونانيّة التي تضمنت أسفارًا لم تكن موجودة في الأصل العبري (التّناخ). وقد تسلمت المسيحيّة هذا الخلاف من اليهود، فبينما قبلت الكنائس التّقليديّة (الكاثوليك والأرثوذكس) هذه الأسفار بناءً على “التسليم الكنسي”، رفضها البروتستانت في القرن السادس عشر لعدة حجج، أبرزها:

  • عدم وجودها في التّوراة العبرانيّة (لغة الوحي الأصليّة عند اليهود).
  • عدم اقتباس المسيح وتلاميذه منها صراحةً.
  • وجود دلائل على أنّها نتاج كُتّاب “غير ملهمين”؛ لما ورد فيها من تناقضات أو قصص عدَّها المنتقدون غير لائقة بقدسية الوحي([xxxii]).

3 –  الأبوكريفا والحديث الشّريف (رؤية مقارنة)

إنّ هذا الجدل التّاريخي حول «قانونيّة الأسفار» يُظهر أن النّص الكتابي، في التعامل معه، يُقارب بوصفه روايةً تخضع لقواعد القبول والرد وفق اجتهاد السّلطة الدّينيّة. فرفض البروتستانت لبعض الأسفار بدعوى وجود تناقضات أو إشكالات فيها، يشبه – في الآلية – منهج المحدثين في ردّ الحديث الذي لا يثبت أو يخالف الأصول.

ويعزّز هذا ما تذهب إليه الدّراسة من أنّ الكتاب المقدس يندرج ضمن ما يمكن تسميته «الوحي بالمعنى»، إذ يُنسب المعنى إلى المصدر الإلهي، بينما تقوم عمليّة التّدوين في التّصور الكنسي على حضور دور الكاتب البشري في صياغة النّص، وقد انعكس ذلك تاريخيًّا في نقاشات «قانونيّة» بعض الأسفار، كما في مسألة الأسفار القانونيّة الثانية. ويختلف هذا عن النّص القرآني الذي استقر ثبوته عبر التواتر اللفظي القطعي، فلم يكن محلّ اجتهاد في تحديد ما يدخل في متنه أو يخرج منه.

خامسًا: الصياغة الكنسيّة المعاصرة

أمام هذا الجدل بين “الواقع النّصي البشري” وبين “ضرورة العصمة”، اضطرت الكنيسة الكاثوليكيّة في القرن العشرين إلى حسم الموقف بصياغة رسمية جديدة.

 يشير الأب جاك ماسون إلى أنّ الحراك النّقدي في الغرب فجّر تساؤلات جوهريّة حول دور الإنسان في تدوين الوحي، وطُرح السؤال حول كيفيّة التّمييز بين كلام الله وكلام البشر. وقد أدى هذا المسار إلى تبني صياغات جديدة (كما في المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أشرنا إليه سابقًا) التي حاولت إيجاد نوع من التّوازن عبر مفهوم “الشّراكة في التأليف”([xxxiii]).

وبناءً على هذه المعطيات اللاهوتيّة، يخلص الباحث إلى أنّ الوحي الكتابي -بإقرار لاهوتييه كالفاتيكان وكيرلس- هو وحيٌ (بالمعنى) صِيغَ بلغة بشريّة وظروف تاريخيّة محددة. وهذا ما يضع النّص الكتابي، من الناحية الوظيفيّة والتّكوينيّة، في مرتبة أقرب إلى مفهوم (الحديث النّبوي) في الإسلام منه إلى (القرآن الكريم)؛ إذ يُنسب “أصل المعنى” في كليهما لله و”صياغة اللفظ” للبشر. ومع ذلك، يبرز فارق جوهري في (منهجيّة التوثيق)؛ فبينما يخضع الحديث الشّريف لقواعد صارمة في علم الرجال والجرح والتّعديل للتثبت من صحة النّسبة، اعتمد النّص الكتابي تاريخيًّا على “التّسليم الكنسي” والتّقليد المتوارث، وهو ما يفسر قبول الكنيسة لآليات النقد النّصي المعاصرة للتعامل مع العنصر البشري في النّص.

وعلى هذا الأساس، يتضح أن مفهوم الوحي لا يقتصر على كونه قضيّة عقديّة مجردة، بل ينعكس مباشرة على ثبوت النّص المقدس ودرجة القطع في نسبته إلى مصدره الإلهي، وهو ما يشكل المحور الرئيس الذي تدور حوله هذه الدراسة في مقاربتها المقارنة بين النّموذجين الإسلامي والكتابي.

خلاصة البحث:

خلصت الدّراسة من خلال العرض والمقارنة إلى النتائج الآتية:

  1. أن الفارق الجوهري بين الإسلام والمسيحيّة لا يكمن في أصل الوحي في كونه صادرًا عن مصدر إلهي، بل في طبيعته؛ إذ يقوم الوحي القرآني في الفهم الإسلامي على التّنزيل الإلهي لفظًا ومعنى على الرّسول، بما يقتضي عصمته في الصّياغة والمضمون، في حين يُفهم الوحي الكتابي في التّقليد المسيحي الشائع على أنه إلهام يكون من خلاله إشراك الكاتب البشري في صياغة النّص وفق حدود معينة.
  2. أن النّص الكتابي، في ضوء طبيعة تدوينه، وإقرار التقليد الكنسي بدور الكاتب البشري في صياغته، هو أقرب منهجيًّا – في آليات النقل والتدوين – من مباحث علم أصول الحديث ورواية السُنّة النّبوية في الإسلام، وهو ما يجعل منهج دراسته مختلفًا عن منهج مقاربة النّص القرآني، الذي ينفرد في العقيدة الإسلاميّة بكونه نصًّا معصومًا، أوحي بلفظه ومعناه، ولم يتدخل النبي ﷺ ولا البشر في صياغة نظمه.
  3. أن اختلاف الطوائف المسيحيّة حول قانونيّة بعض الأسفار، ولا سيما الأسفار القانونيّة الثانية (الأبوكريفا)، وقبولهم لآليات النقد النّصي، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الإلهام الذي لا يشترط الحرفية اللفظيّة، وهو ما أتاح تاريخيًّا إمكان نزع الصفة القانونية عن بعض النّصوص داخل التقليد المسيحي، بخلاف النموذج القرآني الذي استقر ثبوته بالتواتر اللفظي القطعي.

*  طالب دكتوراه في قسم الدّراسات الإسلاميّة، كلية الدّعوة الجامعيّة – بيروت – لبنان.

. PhD Candidate, Department of Islamic Studies University College of Da’wah – Beirut – Lebanon. E-mail: mohyodeen@gmail.com

المصادر والمراجع

– القرآن الكريم

[i]-المجمع الفاتيكاني الثاني (1965م)، دستور عقائدي في الوحي الإلهي (رقم 11)، https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_const_19651118_dei-verbum_ar.html (تاريخ الدخول: 17/12/2025).

[ii]– الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (1995م)، مختار الصحاح، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون. ص740. ابن منظور، محمد بن مكرم (1996م)، لسان العرب، بيروت: دار صادر. ج15، ص239-240.

[iii]– انظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد (د.ت)، العين، القاهرة: دار الهلال. ج3، ص320؛ ابن دريد، أبو بكر محمد بن حسين (1987م)، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين. ج1، ص575؛ الزمخشري، جار الله محمود بن عمرو (1998م)، أساس البلاغة، بيروت: دار الكتب العلمية. ج2، ص324.

[iv]– انظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد (د.ت)، العين، القاهرة: دار الهلال. ج3، ص320؛ ابن دريد، أبو بكر محمد بن حسين (1987م)، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين. ج1، ص575؛ الزمخشري، جار الله محمود بن عمرو (1998م)، أساس البلاغة، بيروت: دار الكتب العلمية. ج2، ص324.

[v]– البخاري، محمد بن إسماعيل (1422هـ)، الجامع المسند الصحيح المختصر (صحيح البخاري)، بيروت: دار طوق النجاة. ج1، ص6.

[vi]– العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (1379هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار المعرفة. ج1، ص14-15.

[vii]– العيني، بدر الدين أبو محمد (د.ت)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية. ج1، ص14.

[viii]– المظفر، محمد رضا (1422هـ.ق)، عقائد الإمامية، بيروت: منشورات الأهلية، ص 62.

[ix]– السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (1974م)، الدر المنثور، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ج1، ص159-160.

[x]– انظر للتوسع في تقسيمات الحديث: ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن (1986م)، مقدمة ابن الصلاح (معرفة أنواع علوم الحديث)، تحقيق: نور الدين عتر، بيروت: دار الفكر، ص 11 وما بعدها..

[xi]– ابن الجزري، محمد بن محمد (د.ت)، النشر في القراءات العشر، تحقيق: علي محمد الضباع، بيروت: المطبعة التجارية الكبرى (تصوير دار الكتاب العلمية)، ج1، ص9..

[xii]– الطبري، محمد بن جرير، (2000م)، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج22، ص 497.

[xiii]– القرطبي، محمد بن أحمد، (1964م)، الجامع لأحكام القرآن، القاهرة، دار الكتب المصرية، ج17، ص 85.

[xiv]– النص مترجم بتصرف عن:   Benjamin Sommer, Revelation, Oxford Bibliographies DOI: 10.1093/obo/9780199840731-0098

[xv]– مترجم بتصرف عن: Babylonian Talmud, Menachot 29b

[xvi]– Jerusalem Talmud, Pe’ah 2:6 (17a).. وللتوسع في عقيدة نسبة الاجتهادات اللاحقة لموسى عليه السلام، انظر: Urbach, Ephraim (1979), The Sages: Their Concepts and Beliefs, Vol. 1, p. 306. وانظر في العربية: ظاظا، حسن (1971)، الفكر الديني الإسرائيلي، ص 78.

[xvii]القصة واردة في:  Babylonian Talmud, Baba Metzia 59b. ولتحليل دلالة هذه القصة في ترسيخ سلطة الفقهاء على حساب الوحي المباشر، انظر:  Urbach, Ephraim, The Sages, Vol. 1, p. 306.

[xviii]– للاطلاع على تفاصيل حادثة الحاخام إليعازر وتحليل دلالاتها العقدية، انظر: أمير، ماهر (2025)، “وقالت اليهود عزير ابن الله: أليعازر بن هركانوس”، مدونة باحث، (تاريخ الدخول: 21/12/2025)، الرابط: https://maher-ameer.blogspot.com/2025/12/blog-post_3.html?m=0

[xix]– حبيب، صموئيل وآخرون (د.ت)، دائرة المعارف الكتابية، القاهرة: دار الثقافة. (مادة: نبوة)، ج8، ص15.

[xx]– بوست، جورج (1894م)، قاموس الكتاب المقدس، بيروت: المطبعة الأمريكانية. ج1، ص611.

[xxi]– عيواص، إغناطيوس زكا الأول (2025)، “الكتاب المقدس”، موقع دائرة الدراسات السريانية. (تاريخ الدخول: 08/6/2025)

الكتاب المقدس

([xxii]) عبد النور، منيس وآخرون، (د.ت)، دائرة المعارف الكتابية، القاهرة، دار الثقافة، مادة: الكتاب المقدس – الوحي، ج6، ص 324.

([xxiii]) الفغالي، بولس وآخرون (2002م)، مقدّمات في الكتاب المقدس، بيروت: الرابطة الكتابية. ص21.

([xxiv]) انظر: رستم، أسد (1990م)، آباء الكنيسة ، جونيه (لبنان): المكتبة البولسية، ص106. وانظر: فرج، عبد المسيح، موسوعة آباء الكنيسة ، ج1، ص9 وما بعدها.

([xxv])  إبراهيم، جورج عوض (2007م)، “تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى”، دورية مركز دراسات الآباء ، السنة التاسعة، العدد 17، ص 81.

([xxvi]) عبد المسيح، عادل (2006م)، موسوعة آباء الكنيسة ، ط2، القاهرة: دار الثقافة، ص 5.

([xxvii]) يعقوب، حلمي القمص (2025)، كتاب أسئلة حول صحة الكتاب المقدس – خرافة إنجيل برنابا ، متاح على: (St-Takla.org)، تاريخ الدخول: 1/9/2025.

([xxviii]) فهمي، جورج (2025)، مدخل إلى علم الآبائيات ، متاح على الموقع الإلكتروني: (St-Takla.org)، تاريخ الدخول: 17/12/2025.

([xxix]) الهندي، رحمة الله (1404هـ)، إظهار الحق، تحقيق: محمد أحمد ملكاوي، ط 1، القاهرة: دار الحديث، ج 1، ص 39-42.

([xxx]) Carson, Alexander (1830), Theories of Inspiration of the Rev. Daniel Wilson… Proved to be Erroneous , Edinburgh: W. Whyte and Co., p. 26

([xxxi])  عبد الملك، بطرس وآخرون (2005م)، قاموس الكتاب المقدس، القاهرة: مكتبة العائلة، ط 14، ص 18.

([xxxii])  مجموعة من العلماء البروتستانت  ، كتاب مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، ص 370-375.

([xxxiii]) ماسون، جاك (2025)، “الوحي، والإلهام، والحقيقة في الكتاب المقدس”، متاح على: (https://www.cvxegypt.com/node/1427)، تاريخ الدخول: 30/9/2025.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.