العقيدة والمصلحة: التّحالف الصهيوني – الغربي بين اللاهوت والسياسة الإمبرياليّة دراسة تحليليّة نقديّة في ضوء الأدبيّات الحديثة
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
العقيدة والمصلحة: التّحالف الصهيوني – الغربي بين اللاهوت والسياسة الإمبرياليّة
دراسة تحليليّة نقديّة في ضوء الأدبيّات الحديثة
Faith and Interest: The Zionist–Western Alliance between Theology and Imperial Politics (A Critical Analytical Study in Light of Recent Literature)
Abdullah Badawi عبد الله بدوي([1])
تاريخ الإرسال:23-12-2025 تاريخ القبول:7-1-2026
الملخّص turniin:6%
يُحلّل هذا البحث طبيعة التّحالف البنيوي بين العقيدة الصّهيونيّة والسياسات الإمبرياليّة الغربيّة، بوصفه تحالفًا نشأ من تفاعل تاريخي بين البعد اللاهوتي الموروث في الثقافة البروتستانتية الغربيّة، والمصلحة السياسيّة –الاستراتيجيّة التي تبنّتها القوى الاستعماريّة منذ أواخر القرن التّاسع عشر.
ينطلق البحث من فرضيّة أنّ دولة إسرائيل لم تكن مجرّد نتاج لحركة قوميّة يهوديّة، بل ثمرة لتقاطعٍ عميق بين الرّمزية الدّينيّة التّوراتيّة والهيمنة السياسيّة الإمبرياليّة التي مثّلها المشروع البريطاني ثم الأمريكي.
يقدّم البحث قراءة تحليليّة نقدية للأدبيات الحديثة التي تناولت هذه العلاقة (بين 2018 و2024)، مبرزًا كيف ركّزت الدّراسات السّابقة على أحد البعدين — العقيدة أو المصلحة — بينما تهدف هذه الدّراسة إلى دمج البعدين في إطار تفسيري تركيبي.
وتعتمد المنهج التّحليلي النقدي التّاريخي – التركيبي القائم على تتبّع النصوص اللاهوتيّة والفكريّة والسياسيّة، وتحليل الخطاب الغربي–الصهيوني ضمن مسارٍ تاريخي متصل. تُظهر النّتائج أنّ التّحالف الصّهيوني –الغربي ليس علاقة عابرة، بل بنية فكريّة–استراتيجيّة مستمرة أعادت إنتاج نفسها عبر الأيديولوجيا الدّينيّة والسياسيّة على السواء.
الكلمات المفتاحيّة: الصّهيونيّة، الإمبرياليّة الغربية، العقيدة والمصلحة، البروتستانتيّة السياسيّة، إسرائيل، الفكر اللاهوتي–السياسي.
Abstract
This study analyzes the structural alliance between Zionist theology and Western imperial politics as a historical interaction between the theological dimension rooted in Western Protestantism and the strategic interests of imperial powers since the late 19th century. It argues that the State of Israel emerged not merely as a Jewish national project but as the outcome of a deep intersection between religious symbolism and imperial geopolitics. Using a historical–critical analytical approach, the paper reviews and critiques recent academic works (2018–2024) that explored this relationship, identifying their gaps and offering an integrated framework that combines theology and strategy. The findings suggest that the Zionist–Western alliance remains a durable ideological–political structure that has adapted to modern geopolitical shifts while maintaining its theological legitimacy.
Keywords: Zionism, Western Imperialism, Theology and Politics, Christian Zionism, Israel, Protestant Ideology.
المقدمة
منذ تأسيس دولة إسرائيل العام 1948، ظلّ السؤال الجوهري في الدّراسات السياسيّة والفكريّة يتمحور حول طبيعة العلاقة بين الصّهيونيّة والغرب الإمبريالي: هل هي علاقة تحالفٍ مصلحيٍّ بحتٍ، أم شراكة أيديولوجيّة عميقة تستند إلى أساسٍ لاهوتيٍّ مشترك؟ لقد أظهرت الأدبيات الكلاسيكيّة – من تيودور هرتزل إلى عبد الوهاب المسيري – أنّ المشروع الصهيوني لم يكن مشروعًا قوميًا تقليديًا، بل مشروعًا ذا بنية رمزيّة مزدوجة تجمع بين الدين والسياسة، وبين الميثولوجيا والتخطيط الاستعماري. غير أنّ معظم الدّراسات اللاحقة تعاملت مع هذه العلاقة في إطارها الظاهري، مكتفية بتحليل التّحالف السياسي أو العسكري، من دون الغوص في جذوره الفكريّة–العقديّة التي تشكّل الإطار المعرفي للهيمنة الغربيّة على الشّرق الأوسط.
لقد مثّل القرن التّاسع عشر منعطفًا حاسمًا في هذا المسار، إذ شهد تلاقي المشروع الدّيني البروتستانتي في أوروبا مع السياسات الاستعماريّة لبريطانيا وفرنسا. وضمن هذا السّياق، تحوّل “وعد الرب” في الوعي الدّيني الغربي إلى ” سياسي” تمثّل لاحقًا في وعد بلفور (1917) الذي يُعدّ الوثيقة الأولى التي وحّدت بين اللاهوت والسياسة في صياغة مفهوم “الوطن القومي لليهود”.هذا التّلاقي التّاريخي أنتج ما يمكن تسميته بـ التّحالف العقدي–الإمبريالي الذي لا يزال يشكّل الإطار المرجعي للعلاقة بين إسرائيل والغرب حتى اليوم.
تأتي هذه الدّراسة لتقدّم معالجة علميّة نقديّة جديدة لهذه الإشكاليّة، من خلال توسيع الإطار التّفسيري ليشمل التّحليل اللاهوتي والسياسي في آن واحد، وتحديد الفجوة المعرفيّة التي أغفلتها الدّراسات السّابقة، وهي العلاقة الجدليّة بين الرّمزية الدّينيّة والمصلحة الاستراتيجيّة.
إشكاليّة البحث: تتمحور إشكاليّة هذا البحث حول التّساؤل المركزي الآتي:
كيف تشكّل التّحالف الصهيوني–الغربي بوصفه تقاطعًا استراتيجيًا بين العقيدة والمصلحة، وما هي آلياته الفكريّة والسياسيّة التي سمحت بتحوّله من مشروع لاهوتي إلى نظام هيمنة إمبرياليّة؟
ومن هذا التساؤل تتفرّع أسئلة فرعيّة:
- ما الجذور الفكريّة واللاهوتية للعقيدة الصّهيونيّة في السّياق البروتستانتي الغربي؟
- كيف تحوّلت العقيدة الدّينيّة إلى أداة سياسية في المشروع الإمبريالي البريطاني ثم الأمريكي؟
- ما طبيعة الفجوة التي أغفلتها الأدبيات السّابقة، وكيف يمكن للإطار النّقدي–التّحليلي الحالي أن يقدّم تفسيرًا تركيبيًا جديدًا لهذه العلاقة؟
أهميّة البحث
تنبع أهمية هذا البحث من أنّه يُعيد قراءة التّحالف الغربي–الإسرائيلي في ضوء التّحولات الفكريّة الحديثة التي تشهدها الدّراسات السياسيّة والدّينيّة. فبينما ركّزت معظم الدّراسات على تحليل “الدّعم الغربي لإسرائيل” كظاهرة سياسيّة، فإنّ هذه الدّراسة ترى أنّ هذا الدّعم يستند إلى بنية رمزيّة–عقديّة متجذّرة في الفكر الدّيني الغربي. تُبرز الدّراسة أن فهم الصّراع العربي–الإسرائيلي، أو السياسات الأمريكيّة في الشّرق الأوسط، لا يمكن أن يكون مكتملًا من دون إدراك الأساس اللاهوتي الذي يمنح هذه السّياسات “شرعيّة أخلاقيّة ودينيّة” في الوعي الغربي. كما تكتسب أهمّيتها من كونها تسدّ الفجوة المعرفيّة بين التّحليل العقدي والتّحليل السياسي، مقدّمةً منظورًا تركيبيًا جديدًا يربط بين الفكر الدّيني والسياسة الدّوليّة ضمن إطارٍ نقديٍّ متماسك.
فرضيّة البحث: ينطلق البحث من فرضيّة أساسيّة مفادها أن التّحالف الصّهيوني–الغربي لم يكن تحالفًا سياسيًا أو مصلحيًا فقط، بل تحالف عقدي–إمبريالي ذو بنية فكريّة مزدوجة. فالعقيدة منحت المشروع الصهيوني شرعيته الرّمزية، والمصلحة السياسيّة وفّرت له أدوات التّمكين والدّيمومة. ومن هنا، فإنّ قيام دولة إسرائيل لم يكن حادثًا سياسيًا معزولًا، بل نتيجة لتّفاعل تاريخي بين اللاهوت البروتستانتي الغربي والمصالح الاستعمارية البريطانيّة والأمريكيّة.
أهداف البحث
- تحليل الجذور اللاهوتيّة والفكريّة التي ربطت الصّهيونيّة بالمسيحيّة البروتستانتيّة الغربيّة.
- كشف آليات التّحالف الإمبريالي–الصّهيوني منذ القرن التّاسع عشر حتى اليوم.
- تحليل الأدبيّات الحديثة (2018–2024) التي تناولت الموضوع، وتحديد موقع هذه الدّراسة ضمنها.
- تقديم إطار تفسيري نقدي–تركيبي يدمج بين التّحليل اللاهوتي والسياسي.
- بيان أثر هذا التّحالف في تشكيل السياسات الغربية المعاصرة تجاه الشرق الأوسط.
حدود الدّراسة
- الحدود الزّمانيّة: تمتد من العام 1896 (صدور كتاب الدولة اليهوديّة لهرتزل) حتى العام 2024 (التّحولات الحديثة في الفكر السّياسي الغربي).
- الحدود المكانيّة: تتركّز على فلسطين التّاريخيّة، والمراكز السياسيّة في بريطانيا والولايات المتحدة.
- الحدود الموضوعيّة: تقتصر على تحليل العلاقة بين العقيدة الصّهيونيّة والسياسات الإمبرياليّة، من دون تناول تفصيلي للصّراع العربي–الإسرائيلي الميداني.
منهج الدّراسة: يستند البحث إلى المنهج التّحليلي النّقدي التّاريخي–التّركيبي الذي يجمع بين التّحليل التّاريخي للأحداث والنّصوص، والنقد الفكري للخطابات اللاهوتية والسياسيّة. فهو لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى إلى تفسيرها ضمن بنية فكريّة شاملة تجمع بين الرّمزي والدّلالي والسّياسي.
كما يستخدم المنهج المقارن بين الخطاب الدّيني البروتستانتي الغربي والخطاب الصّهيوني السياسي، لتحديد أوجه التّشابه والتّكامل بينهما في إنتاج الهيمنة الغربيّة على الشّرق. ويركّز هذا المنهج على الربط الجدلي بين الفكرة والمصلحة، بين العقيدة كمنظومة رمزية تمنح الشّرعيّة، والمصلحة كأداة تنفيذيّة للهيمنة.
الدّراسات السّابقة الحديثة والتّحليل النّقدي المقارن (2018–2024)
يُعدّ هذا الجزء من البحث الركيزة الأساسية التي تُمكّن من تحديد موقع هذه الدّراسة في الأدبيات الحديثة التي تناولت العلاقة بين الصّهيونيّة والإمبرياليّة الغربيّة، وتوضيح الفجوة العلميّة التي جاءت دراستنا لسدّها. ويستعرض هذا القسم خمس دراسات أكاديميّة حديثة، ثلاث منها أجنبيّة واثنتان عربية، تمثّل الاتجاهات الفكريّة السّائدة خلال العقد الأخير، وقد حُلِّلت ونقدها وفق المنهج المقارن التّحليلي في: الإشكاليّة، المنهج، النّتائج، والنّقص المنهجي الذي لم تعالجه كل دراسة، ما أتاح استخلاص الثغرة العلميّة (الفجوة) التي تعالجها دراستنا الحاليّة وهي كالآتي:
دراسة سابيق مصطفى([1]) (2024)
تناول الباحث الإندونيسي موضوع الصّهيونيّة من زاوية أيديولوجيّة، عادًا أنّ الصّهيونيّة لم تعد حركة قوميّة، بل تحوّلت إلى أيديولوجيّة دولة تبرّر الاحتلال وتعيد إنتاجه من خلال سرديّة “الحق الإلهي” و”الاختيار الرباني”. اعتمد مصطفى على المنهج التّحليلي–النصي، فقد قام بتحليل الخطابات السياسيّة الإسرائيليّة والقوانين الدّاخليّة مثل قانون الدّولة القوميّة اليهوديّة (2018)، ليبرهن أنّ الفكر الصّهيوني لا يزال يشكّل الإطار المرجعي للمجتمع الإسرائيلي، على الرّغم من تحوّلاته السياسيّة. خلص الباحث إلى أنّ الصّهيونيّة اليوم تمثل نموذجًا من الاستعمار الحديث المغلّف بالخطاب الدّيني، وأنّها أعادت تعريف “الأمن القومي” و”السيادة” بمرجعيّة توراتيّة تتجاوز القوانين الدّوليّة. إلّا أنّ الدّراسة، على عمقها في تحليل البنية الأيديولوجيّة، أغفلت السّياق الإمبريالي الغربي الذي سمح باستمرار هذه الأيديولوجيّة، وقد تعامل مصطفى مع الصّهيونيّة كظاهرة فكرية داخليّة، من دون ربطها بالمصالح الاستعماريّة البريطانيّة والأمريكيّة التي وفّرت لها الحماية والدّعم منذ نشأتها. لقد جاءت دراستنا لتتجاوز هذا القصور من خلال تحليل الصّهيونيّة كـ – منظومة عقديّة – إمبرياليّة متكاملة، وليست مجرد أيديولوجيّة محليّة، وذلك بربط نشأتها بالمناخ الفكري البروتستانتي الغربي، الذي وفّر الغطاء الرّمزي لمشروعها السياسي. ومن ثمّ، فإن دراستنا تقدّم منظورًا تركيبيًا يدمج بين التّحليل الأيديولوجي الدّاخلي والتّحليل البنيوي الخارجي، موضحةً أن إسرائيل لم تُنشأ كفكرة دينيّة فحسب، بل كمشروع استراتيجي إمبريالي وظِّف في خدمة الهيمنة الغربيّة في الشّرق الأوسط. تناولت هذه الدّراسة موضوع الصّهيونيّة المسيحيّة بوصفها الإطار اللاهوتي العميق الذي يفسّر الدّعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، معتمدة على المنهج التّاريخي – التّحليلي، وقد قامت بمقارنة النّصوص الإنجيليّة والتّفاسير البروتستانتيّة مع الخطاب السياسي الأمريكي الحديث.
دراسة سيرفيت دوغان & محمود آيدين([2]) (2024)
يرى الباحثان أن الصّهيونيّة المسيحيّة التي نشأت في القرن التاسع عشر، أعادت تفسير العهد القديم على نحوٍ يجعل من “عودة اليهود إلى فلسطين” شرطًا دينيًا لعودة المسيح. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الاعتقاد إلى إيديولوجيا سياسية تُوجّه سياسات الولايات المتحدة الخارجيّة، وتجعل من حماية إسرائيل “واجبًا مقدسًا” ووسيلة لتحقيق إرادة إلهية.
وأظهرت الدّراسة أنّ الرؤساء الأمريكيين، مثل ترومان وريغان وبوش الابن، استخدموا تعبيرات لاهوتية صريحة في تبرير التّحالف مع إسرائيل، حاسبين أنّها “معجزة تاريخيّة” و”تحقّقًا للوعد الإلهي”.
كما بيّن الباحثان أنّ اللوبيات الدّينيّة الإنجيليّة أسهمت في تمويل الحملات الانتخابيّة ودعم التّشريعات الموالية لإسرائيل، ما جعل العقيدة الدّينيّة تتحوّل إلى أداة ضغط سياسي داخل النّظام الأمريكي نفسه.
وعلى الرّغم من أهمّيّة هذا التّحليل، إلّا أنّ الدّراسة توقفت عند حدود التّحالف الأمريكي الحديث، من دون الرّجوع إلى الجذور التّاريخيّة للصّهيونيّة المسيحيّة في الفكر البروتستانتي البريطاني الذي مهّد لهذا التّحالف.
وهنا جاءت دراستنا لتوسّع الإطار الزّمني والجغرافي، مبرزةً أن التّحالف اللاهوتي–السياسي بين الغرب وإسرائيل لم يبدأ في واشنطن القرن العشرين، بل في لندن القرن التّاسع عشر، حين التقت المصالح الاستعماريّة البريطانيّة مع العقيدة البروتستانتيّة التي رأت في “عودة اليهود إلى صهيون” وسيلة دينيّة لتحقيق مشروع الهيمنة الغربيّة.
وبذلك تُكمل دراستنا الحلقة المفقودة في دراسة دوغان وأيدن، من خلال إعادة دمج المسار اللاهوتي الأوروبي بالمصلحة الإمبرياليّة الأمريكيّة في تفسير وحدة المشروع الصهيوني–الغربي.
دراسة ران أوكاشي([3]) (2018)
تقدم منظورًا نقديًا مقارنًا بين المشروع الصهيوني والمشاريع الاستيطانيّة الأوروبيّة الأخرى في كندا وجنوب أفريقيا وأستراليا. اعتمد الباحث على المنهج النقدي الكولونيالي، مركّزًا على مفهوم “الاستعمار الإحلالي” الذي يقوم على طرد السكان الأصليين وإحلال جماعة مهاجرة مدعومة أيديولوجيًا-محلّهم.
ويرى أوكاشي أنّ إسرائيل ليست “استثناءً تاريخيًا”، بل استمرار لنموذج الاستعمار الغربي الحديث، وقد أدَّت بريطانيا دور الرّاعي السياسي والفكري لهذا النّموذج.
أظهرت الدّراسة كيف استخدمت الصّهيونيّة مفاهيم مثل “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، لتبرير نفي الفلسطينيين، وكيف شكّل الدّعم الإمبريالي الغربي المظلة الحامية لهذا المشروع منذ الانتداب البريطاني حتى يومنا هذا. كما أوضح الباحث أن البنية القانونيّة والاقتصاديّة لإسرائيل تعكس إرثًا كولونياليًا بريطانيًا–أوروبيًا أكثر مما تعكس خصوصية دينية يهوديّة.
وعلى الرّغم من دقة التّحليل البنيوي، فإنّ الدّراسة تركّز على البعد المادي–الاستيطاني من دون الالتفات إلى الأساس العقدي الذي منح الصّهيونيّة شرعيّة أخلاقيّة في الوعي الغربي. فأوكاشي يعالج الصّهيونيّة كمنظومة استعمارية “علمانيّة” متكاملة، متجاهلًا أنّ الخطاب الصّهيوني استمدّ قوّته الأولى من الأسطورة الدّينيّة التي تبنّتها الكنائس البروتستانتيّة الأوروبيّة.
وهنا تتميّز الدّراسة الحاليّة بكونها تُقدّم إطارًا تفسيريًّا تركيبيًا يجمع بين التّحليل المادي– الاستعماري والتّحليل الرّمزي–الدّيني، عادّةً أن “العقيدة والمصلحة” عنصران متكاملان لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر.
فالصّهيونيّة لم تكن استيطانًا فقط، بل رسالة دينيّة مُستعمِرة منحت الغرب مبررًا لتمديد سلطته الرّمزيّة والسياسيّة في الشّرق.
دراسة منال أبو زيد([4]) (2024)
تناولت تطور الأيديولوجيّة الصّهيونيّة في السياق المعاصر، مركّزة على مرحلة ما بعد “الربيع العربي”. اعتمدت على المنهج الوصفي–التّحليلي، محلّلة الخطاب السياسي الإسرائيلي والغربي في ضوء التّحولات الإقليميّة الكبرى.
خلصت الدّراسة إلى أنّ الأيديولوجيّة الصّهيونيّة لم تضعف بعد قيام الدولة، بل أُعيد توظيفها سياسيًا لتواكب النّظام الإقليمي الجديد. فإسرائيل لم تعد مجرد “كيان محمي غربيًا”، بل أصبحت “أداة استراتيجيّة” في منظومة الأمن الغربي، خصوصًا في مواجهة ما يُسمّى بـ “الإرهاب الإسلامي”. وبيّنت أبو زيد أنّ إسرائيل أعادت تعريف نفسها كشريك أمني للولايات المتحدة وأوروبا، مستفيدةً من التّغيرات في أولويات السياسة الغربيّة بعد 2011.
وعلى الرّغم من القيمة التّحليلية للدراسة في تفسير التّحولات السياسيّة الراهنة، إلّا أنّها تعاني من قصورٍ بنيويٍّ يتمثل في غياب الأساس التّاريخي والفكري الذي يربط الصّهيونيّة بعقيدة الغرب اللاهوتية.
فالباحثة تفسّر التّحالف الغربي–الإسرائيلي كتحالفٍ أمني–سياسي فحسب، من دون النّظر إلى جذوره في البنية الرّمزية–الدّينيّة التي جعلت إسرائيل تمثل “الاستثناء المقدس” في الوعي الغربي.
وهنا تُبرز دراستنا الحاليّة مساهمتها النّوعيّة في إعادة ربط الحاضر بالماضي، إذ توضّح أن استمراريّة التّحالف ليست ناتجة عن مصالح آنية، بل عن بنية عقديّة–إمبرياليّة تشكّلت منذ القرن التّاسع عشر، وأعادت إنتاج نفسها في القرن الحادي والعشرين.
دراسة أشرف بدر([5]) (2023)
تناول الباحث العلاقة بين الاستشراق والصّهيونيّة من منظورٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ، محللًا كيف ساهمت الصور النّمطيّة التي أنتجها الاستشراق الغربي في تهيئة الأرضيّة الفكريّة لتبرير المشروع الصّهيوني.
اعتمد بدر على المنهج النّقدي–الخطابي في دراسة النّصوص الاستشراقيّة الغربيّة، وتتبّع انتقالها من مرحلة “التّفوق الحضاري” إلى مرحلة “الإسلاموفوبيا السياسيّة” بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
يرى بدر أنّ الصّهيونيّة تمثل الامتداد العملي للاستشراق، إذ إنّها تجسيد مادي لفكرة “التّحضر الأوروبي” في الشّرق. ويبيّن أن إسرائيل تحوّلت في المخيال الغربي إلى “لخط الأمامي في الحرب على الإرهاب الإسلامي”، ما منحها شرعيّة جديدة داخل الخطاب الثّقافي الغربي.
وعلى الرّغم من تميّز الدّراسة في تحليل البنية الرّمزية–الثّقافيّة للعلاقة بين الغرب والصّهيونيّة، إلّا أنّها تغفل الأبعاد الاستراتيجيّة والسياسيّة العميقة لهذه العلاقة. فهي تفسّرها كمجرّد استمرار للهيمنة الثقافيّة الغربيّة، بينما تتعامل دراستنا مع هذه الهيمنة بوصفها نظامًا متكاملًا للسيطرة السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة. وبذلك، تضيف دراستنا البعد الذي غاب عن تحليل بدر، من خلال كشف آليات التّحالف المادي والرّمزي الذي جعل من الصّهيونيّة أداة فكرية ووظيفية في المشروع الإمبريالي الغربي([6]).
الخلاصة التّحليليّة والفجوة البحثيّة التي تسدّها هذه الدّراسة
تكشف المقارنة النقدية بين هذه الدّراسات الخمس تعدّد المقاربات الفكريّة، لكنها تُبرز أيضًا فجوة معرفيّة مركزية تتمثل في غياب الإطار التّفسيري الشّامل الذي يجمع بين التّحليل اللاهوتي والسياسي في تفسير التّحالف الصهيوني – الغربي.
فقد ركّزت دراسة سابيق مصطفى على الأيديولوجيّة الدّاخليّة لإسرائيل، ودرستا دوغان وأيدن على البعد اللاهوتي الأمريكي، بينما ركّز أوكاشي على الجانب الاستعماري المادي، وانشغلت أبو زيد بالتّحولات السياسيّة الحديثة، وأخيرًا تناول بدر البعد الثقافي–الرّمزي. ومع أهمية هذه الزوايا الجزئيّة، إلّا أنّ أيًّا منها لم يقدّم تفسيرًا تركيبيًا يجمع بين العقيدة (الرمز) والمصلحة (الوظيفة) ضمن بنية واحدة متكاملة.
تأتي هذه الدّراسة لتسدّ الفجوة المهمة من خلال بناء منظور نقدي تركيبي يوضح أنّ التّحالف الصهيوني – الغربي ليس نتاجًا عرضيًا، بل نظام فكري – إمبريالي متكامل يستمد مشروعيته من اللاهوت ويُترجم نفسه سياسيًا في الإمبرياليّة الحديثة. وهكذا تميّزت هذه الدّراسة بقدرتها على دمج الحقول الثلاثة (الدّين، الفكر السّياسي، العلاقات الدّوليّة) في قراءة واحدة متماسكة تفسّر استمرار التّحالف حتى اليوم.
الفصل الأول: العقائد الصّهيونيّة والجذور الفكريّة للمشروع السياسي
تتأسس الصّهيونيّة بوصفها مشروعًا عقديًا – سياسيًا على تفاعلٍ عميق بين اللاهوت اليهودي والقراءات البروتستانتية للعهد القديم في الغرب منذ القرن السّادس عشر. فقد وجدت الصّهيونيّة في الفكر البروتستانتي الإنجليزي – خصوصًا في التّيار “المشيخي التّطهيري” – مهدًا فكريًا شرّع لفكرة “العودة إلى صهيون.([7])
لقد تبنّت بريطانيا، بوصفها القوة الإمبرياليّة الأولى، الخطاب اللاهوتي الذي ربط خلاص اليهود بخلاص البشريّة، وعدَّت تحقيق الوعد التوراتي خطوة نحو بناء “مملكة الرّب على الأرض”. هذا الخطاب الديني سُيِّس تدريجيًا عبر كتابات اللورد شافتسبري ووزير الخارجيّة اللورد بالمرستون، اللذين رأيا في إعادة اليهود إلى فلسطين مشروعًا يخدم التّوازن الاستراتيجي لبريطانيا في الشّرق([8]).
من هنا تحوّل المفهوم اللاهوتي إلى مشروع سياسي، إذ اندمجت الأسطورة الدّينيّة بالمصلحة الإمبرياليّة. فقد مثّل “وعد بلفور” (1917) التتويج العملي لهذا الاندماج، وقد عبّر نصّه عن قناعة بريطانية عميقة بأنّ إقامة وطن قومي لليهود ليست فقط عملًا إنسانيًا، بل تحقيقٌ للوعد الإلهي. إنّ هذه اللحظة التّاريخيّة مثّلت ولادة ما يمكن تسميته بـ التّحالف اللاهوتي–الإمبريالي، وهو الإطار الذي جعل من العقيدة الصّهيونيّة جزءًا من الخطاب السياسي الغربي. وقد تأثر الرواد الأوائل للصهيونيّة مثل تيودور هرتزل وماكس نوردو وحاييم وايزمن بهذا المناخ الغربي، إذ أدركوا أنّ نجاح المشروع الصهيوني لا يقوم على القدرات الذاتيّة لليهود، بل على التّحالف مع القوة الإمبرياليّة الأوروبيّة. ومن ثمّ، تحوّل الفكر الصهيوني إلى حركة سياسيّة عالميّة تمتلك قدرة فريدة على دمج الأسطورة الدّينيّة بالمشروع الاستعماري.
وبتحليل خطاب هرتزل في كتابه الدولة اليهوديّة (1896) نجد أن المفهوم الديني للعودة إلى صهيون أُعيد صياغته بلغة سياسية–مدنيّة، فقد أصبح “التّحقق الدّيني” مشروعًا قابلًا للتّنفيذ بوسائل دبلوماسيّة واستعماريّة.
هكذا تحوّل اللاهوت إلى أداة استراتيجيّة؛ لم يعد الوعد الإلهي وعدًا غيبيًا، بل خطة سياسيّة تخدم المصالح الغربيّة واليهوديّة في آنٍ واحد. تؤكد هذه الرؤية أنّ المشروع الصهيوني لم يكن استجابة لاضطهاد اليهود كما يصوّره الخطاب الرسمي، بل جزء من استراتيجيّة استعماريّة بريطانيّة–أوروبيّة تهدف إلى إعادة توزيع النّفوذ في المشرق العربي بعد انهيار الدّولة العثمانيّة. وقد وفّرت الصّهيونيّة لبريطانيا نموذجًا “أخلاقيًا” للاستعمار، إذ صُوّر الاحتلال بوصفه تحقيقًا لنبوة لا غزوًا، وهو ما جعل الفكر الإمبريالي يجد في الصّهيونيّة تجسيدًا عمليًا لمهمته “التّحضيريّة المقدسة”([9]).
الفصل الثاني: المصالح الإمبرياليّة الغربية والوظيفة الاستراتيجيّة لإسرائيل
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تراجع الإمبراطوريات الأوروبية التقليديّة، انتقلت الوظيفة الاستراتيجيّة لإسرائيل إلى الولايات المتحدة التي ورثت الإرث الإمبريالي البريطاني. في هذا السّياق، لم تكن إسرائيل مجرد حليف سياسي، بل ركيزة في البنية الأمنيّة الأمريكيّة في الشرق الأوسط. وقد أدركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، من ترومان إلى بايدن، أن الحفاظ على إسرائيل يعني الحفاظ على الامتداد الغربي في المنطقة.
إنّ دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات انتخابيّة أو لوبيات ضغط، بل هو نتاج بنية فكرية – دينيّة مشتركة. فالفكر البروتستانتي الأمريكي أعاد إنتاج المقولات الصّهيونيّة القديمة، مثل “شعب الله المختار” و”الأرض الموعودة”، في إطار قومي أمريكي يعدُّ نفسه استمرارًا للعهد الإلهي، ويُسقط على إسرائيل صورة “الأمة المتجددة”. من هنا تتجلّى العلاقة البنيويّة بين اللاهوت البروتستانتي الأمريكي والسياسة الإمبرياليّة الحديثة: كلاهما يستمد شرعيته من سرديّة الخلاص، وكلاهما يبرّر الهيمنة بوصفها إرادة إلهية أو واجبًا حضاريًا([10]). وقد ساهمت الحرب الباردة في ترسيخ هذا التّحالف، إذ استخدمت واشنطن إسرائيل كـ “قاعدة متقدمة” لمواجهة النّفوذ السّوفييتي. ومنذ العام 1967، أصبحت إسرائيل أداة رئيسة في ضبط التوازن الإقليمي وضمان أمن النفط والممرات البحرية. إلا أنّ الدّعم الأمريكي تجاوز البعد الاستراتيجي إلى البعد الرّمزي–الثقافي، وقد عُدَّت إسرائيل “تجسيدًا للقيم الغربيّة في وسطٍ شرقي معادٍ”، وهو خطاب رسّخ في الوعي الأمريكي–الأوروبي أنّ الدّفاع عن إسرائيل دفاع عن “العالم المتحضّر”.
من خلال هذه البنية الأيديولوجيّة، تحوّلت إسرائيل إلى وظيفة إمبرياليّة متعددة الأبعاد: فهي قاعدة عسكريّة، ومخبر استخباراتي، ونموذج أيديولوجي يُستخدم لتبرير التّدخلات الغربيّة في المنطقة.
وفي المقابل، منحت إسرائيل الغرب غطاءً أخلاقيًا لتدخّلاته تحت شعار “نشر الديمقراطيّة” و”مكافحة الإرهاب”، ما يعيد إنتاج الاستعمار بصيغ جديدة تحت مسميات إنسانيّة. تؤكد دراستنا أنّ هذا التّحالف ليس تحالفًا متكافئًا، بل علاقة وظيفيّة غير متوازنة، إذ تؤدي إسرائيل الدّور الذي حدّدته لها الإمبرياليّة الغربيّة: حماية مصالحها وتأمين حضورها الرّمزي في الشّرق. وبذلك أصبحت إسرائيل رمزًا ومؤسسة للهيمنة الغربيّة، تجمع بين القداسة الدّينيّة والمصلحة الجيوسياسيّة في نموذج واحد من “الاستعمار المقدّس([11])“.
الفصل الثالث: إعادة إنتاج التّحالف العقدي–الإمبريالي بعد قيام الدولة
بعد إعلان قيام إسرائيل العام 1948، لم يتراجع التّحالف العقدي– الإمبريالي، بل أُعيد إنتاجه بأشكال جديدة تتلاءم مع التّحولات العالمية. ففي الولايات المتحدة، اكتسبت الصّهيونيّة المسيحيّة زخمًا هائلًا، إذ رأت الكنائس الإنجيليّة في إسرائيل “علامة نبويّة” على اقتراب عودة المسيح. وقد اندمج هذا الاعتقاد بالخطاب السياسي ليكوّن ما يُعرف اليوم بـ”اللاهوت السياسي الأمريكي” الذي يمنح القرارات السياسيّة طابعًا دينيًا واضحًا([12]).
وعلى المستوى الدولي، أصبحت إسرائيل جزءًا من البنيّة الرّمزية للعالم الغربي، فهي “الآخر” الذي يبرّر وحدة الغرب في مواجهة الشرق. كما تحوّل الخطاب الصهيوني نفسه إلى أداة للهيمنة الثقافية، إذ روّجت إسرائيل لصورتها كـ”ضحية دائمة”، و”واحة ديمقراطية”، وهي سرديات غذّاها الإعلام الغربي لترسيخ شرعيتها الأخلاقية. إن استمرار هذا التّحالف عبر العقود يبرهن على أن العلاقة بين الصّهيونيّة والإمبرياليّة ليست علاقة ظرفيّة، بل بنية فكرية متجددة قادرة على التكيّف مع السياقات السياسيّة المختلفة.
ففي مرحلة الحرب الباردة، برّر التّحالف بذرائع أيديولوجية (مناهضة الشّيوعيّة)، وفي مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، أعيد تأطيره في خطاب “مكافحة الإرهاب الإسلامي”، ما يدل على أنّ الخطاب اللاهوتي–السياسي الغربي يمتلك قدرة استثنائية على إعادة تدوير رموزه بما يخدم الهيمنة الدّائمة.
تؤكد دراستنا أنّ هذا التّحالف لم يكن تحالف مصالح سياسيّة فحسب، بل تحالف هويّة وثقافة، إذ ترى الإمبرياليّة الغربيّة في إسرائيل صورةً رمزيّة لذاتها — الدّولة التي وُلدت من رحم الأسطورة، وتحمل رسالةً “تحضيرية” للعالم. وبالتالي فإنّ “التّحالف الصهيوني – الغربي” هو في جوهره تعبير عن هويّة الغرب الدّينيّة والسياسيّة أكثر مما هو مجرد اتفاق سياسي.
المناقشة العامة
تكشف الفصول السّابقة أن العلاقة بين العقيدة الصّهيونيّة والمصالح الإمبرياليّة الغربيّة، يمكن فهمها فقط ضمن إطار البنية التّفاعليّة بين الفكر والوظيفة.
فالعقيدة منحت المصلحة غطاءً أخلاقيًا، والمصلحة وفّرت للعقيدة أدوات تحقيقها. إنّ ما يميز هذا التّحالف هو أنه يتجدّد عبر الزمن دون أن يفقد رمزيته الأصلية، إذ ظلّ “الاختيار الإلهي” و”الرّسالة الحضاريّة” محورين ثابتين في الخطاب السياسي الغربي تجاه إسرائيل.
كما أنّ هذا التّحالف تجاوز البعد السياسي إلى البعد الرّمزي واللاهوتي، إذ أصبحت إسرائيل المرآة اللاهوتيّة التي يرى الغرب نفسه من خلالها.
وهنا تتبدّى خطورة هذا الارتباط، لأنّه يجعل من نقد إسرائيل نقدًا “للقيم الغربية نفسها”، وهو ما يفسّر الحماية المطلقة التي تحظى بها إسرائيل في المؤسسات الدّوليّة. تقدّم هذه الدّراسة مقاربة تركيبيّة تُعيد تفسير هذه العلاقة من خلال مفهوم “التّحالف العقدي–الإمبريالي” الذي يُبرز أنّ اللاهوت والسياسة في الغرب الحديث ليسا مجالين منفصلين، بل بنية واحدة تُعيد إنتاج الهيمنة في ثوبٍ ديني – حضاري.
النتائج
- التّحالف الصهيوني–الغربي تحالف بنيوي وليس ظرفيًا، يقوم على تفاعلٍ دائم بين العقيدة والمصلحة، ولا يمكن فهم سياسات الغرب تجاه إسرائيل بمعزل عن هذا الإطار.
- العقيدة البروتستانتية الغربيّة مثّلت الحاضنة اللاهوتيّة التي شرعنت المشروع الصّهيوني منذ القرن التّاسع عشر.
- الإمبرياليّة البريطانيّة وفّرت الأرضيّة السياسيّة والمادية للمشروع، بينما الإمبرياليّة الأمريكيّة ورثت الإطار الرّمزي والسياسي نفسه بعد الحرب العالميّة الثانية.
- إسرائيل ليست مشروعًا دينيًا فحسب، بل أداة استراتيجيّة للهيمنة الغربيّة، جمعت بين القداسة والوظيفة السياسيّة.
- الأدبيات الحديثة أغفلت هذا التداخل، إذ تناولت العقيدة أو المصلحة كلٌّ على حدة، بينما قدّمت دراستنا إطارًا تركيبيًا موحّدًا يجمع بينهما.
- استمرار هذا التّحالف عبر قرنٍ ونصف يدلّ على أنه جزء من بنية الهوية الغربية الحديثة، وليس مجرد تحالف مصالح عابرة.
- من منظور نقدي، تُظهر الدّراسة أن هذا التّحالف هو شكل حديث من الاستعمار الرّمزي الذي يستخدم الدين كغطاء للسيطرة السياسيّة والاقتصاديّة.
التّوصيات والمقترحات المستقبليّة
- تعميق الدّراسات البينيّة بين اللاهوت والسياسة في تحليل الصّراعات الدّوليّة.
- تشجيع الباحثين العرب على دراسة البعد اللاهوتي في الفكر الغربي لفهم السياسات الإمبرياليّة الحديثة.
- إدخال مفهوم “التّحالف العقدي–الإمبريالي” ضمن دراسات العلاقات الدّوليّة لتفسير الأنماط غير التّقليديّة للتحالفات.
- توجيه دراسات مقارنة بين الصّهيونيّة والمشاريع الاستعماريّة الأخرى التي استخدمت الدّين كأداة للهيمنة.
- العمل على تطوير خطاب عربي نقدي يفكك الأساطير اللاهوتيّة التي تبرّر المشروع الصهيوني في الوعي الغربي.
الخاتمة
يتبيّن من مجمل التّحليل أن التّحالف الصهيوني – الغربي ليس مجرّد توافق سياسي أو تحالف مصالح، بل تحالف بنيوي متجذر في الوعي الغربي يجمع بين اللاهوت والسياسة، بين الأسطورة والإستراتيجيّة.
لقد كشفت هذه الدّراسة أنّ قيام دولة إسرائيل واستمرارها حتى اليوم إنما هو نتاج لتقاطعٍ تاريخيٍّ معقّدٍ بين عقيدة تَعِد بالخلاص ومصلحةٍ تسعى للهيمنة، وأن هذا التقاطع لا يزال يُنتج ذاته عبر الخطاب السياسي الغربي المعاصر. وهكذا تكون الدّراسة قدّمت إسهامًا علميًا في سدّ الفجوة المعرفية القائمة بين التّحليل الديني والتّحليل السياسي، وفتحت أفقًا جديدًا لفهم العلاقة بين العقيدة والمصلحة في سياق الإمبرياليّة الحديثة.
المصادر والمراجع
العربية
- بو زيد، منال. “الأيديولوجيّة الصهيونيّة في ظل المتغيرات السياسيّة الإقليميّة المعاصرة”. المجلة العربيّة للدّراسات السياسيّة، المجلد 3، العدد 9، 2024، ص. 150. المركز العربي للبحوث والدّراسات، القاهرة.
- بدر، أشرف. “الصّهيونيّة والغرب: من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا”. مجلة سياسات عربيّة، العدد 60، 2023، ص. 15. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة.
الأجنبيّة
- Doğan, Servet, and Mahmut Aydın. “Christian Zionism and Its Impact on USA Politics.” Jurnal CMES, vol. 17, no. 1, 2024, p. 12. Universitas Sebelas Maret, https://doi.org/10.20961/cmes.17.1.53724.
- Herzl, Theodor. The Jewish State: An Attempt at a Modern Solution to the Jewish Question. Vienna: Breitenstein Verlag, 1896, p. 86.
- Khalidi, Rashid. The Hundred Years’ War on Palestine: A History of Settler Colonialism and Resistance, 1917–2017. New York: Metropolitan Books, 2020, p. 120.
- Mearsheimer, John, and Stephen Walt. The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007, p. 210.
- Okashi, Ran. “Zionism, Imperialism, and Authenticity in Israel/Palestine: A Critical Analysis.” Journal of Holy Land and Palestine Studies, vol. 17, no. 2, 2018, p. 205. Edinburgh University Press, https://doi.org/10.3366/hlps.2018.0191.
- Pappé, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld Publications, 2006, p. 82.
- Sabiq, Mustafa. “Revisiting Zionism as a State Ideology of Israel: A Critical Examination of the Israel–Palestine Conflict.” Jurnal CMES, vol. 17, no. 1, 2024, p. 23. Universitas Sebelas Maret, https://doi.org/10.20961/cmes.17.1.53721.
- Shlaim, Avi. Israel and Palestine: Reassessments, Reviews, and Refutations. London: Verso, 2010, p. 416.
- Spector, Stephen. Evangelicals and Israel: The Story of American Christian Zionism. New York: Oxford University Press, 2009, p. 145.
الهوامش
1- باحث في الفكر الديني والسياسي والدّراسات التاريخيّة المعاصرة.
Researcher in religious and political thought and contemporary historical studies .E-mail: abdallah.badawi@net.usj.edu.lb
[1] – Sabiq, Mustafa. “Revisiting Zionism as a State Ideology of Israel: A Critical Examination of the Israel–Palestine Conflict.” Jurnal CMES, vol. 17, no. 1, 2024, p. 23. Universitas Sebelas Maret, https://doi.org/10.20961/cmes.17.1.53721.
[2] – Doğan, Servet, and Mahmut Aydın. “Christian Zionism and Its Impact on USA Politics.” Jurnal CMES, vol. 17, no. 1, 2024, p. 12. Universitas Sebelas Maret, https://doi.org/10.20961/cmes.17.1.53724.
[3] – Okashi, Ran. “Zionism, Imperialism, and Authenticity in Israel/Palestine: A Critical Analysis.” Journal of Holy Land and Palestine Studies , Vol. 17, No. 2, 2018, p. 205. Edinburgh University Press.https://doi.org/10.3366/hlps.2018.0191
-[4] أبو زيد، منال. “الأيديولوجية الصهيونية في ظل المتغيرات السياسية الإقليمية المعاصرة”. المجلة العربية للدراسات السياسية، المجلد 3، العدد 9، 2024، ص ص. 150. المركز العربي للبحوث والدراسات، القاهرة.
[5] – بدر، أشرف. “الصهيونيّة والغرب: من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا”. مجلة سياسات عربيّة، العدد 60، 2023، ص. 15. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدّوحة.
[6] – الإمبرياليّة هي مصطلح يشير إلى سياسة أو ممارسة الهيمنة أو السّيطرة على دول أو شعوب أخرى، سواء أكان ذلك من خلال القوة العسكريّة أو الاقتصاديّة أو السياسيّة. تهدف الإمبرياليّة عادة إلى توسيع نفوذ الدّولة المسيطرة على مناطق أو شعوب أخرى، وغالبًا ما تتضمن استغلال الموارد الطبيعيّة أو البشريّة لتلبية مصالح الدّولة المسيطرة.
[7] – Herzl, Theodor. The Jewish State: An Attempt at a Modern Solution to the Jewish Question . p: 86,Vienna: Breitenstein Verlag, 1896.
[8] – Shlaim, Avi. Israel and Palestine: Reassessments, Reviews, and Refutations .p:416, London: Verso Publishing House, 2010.
[9] – Khalidi, Rashid. The Hundred Years’ War on Palestine: The Story of Settler Colonialism and Resistance 1917-2017 . p:120, New York: Metropolitan Books, 2020.
[10] – Mearsheimer, John, and Stephen Walt. The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy .p:210, New York: Farrar, Strauss and Giroux, 2007.
[11] – Pappe, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine . p:82, Oxford: Oneworld Publishing House, 2006.
[12] – Spector, Stephen. Evangelicals and Israel: The Story of American Christian Zionism,p:145 . New York: Oxford University Press, 2009.