اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
الاتفاقيّات الإبراهيميّة بين خطاب التّعايش ومشاريع الهيمنة
دراسة نقديّة في توظيف الدّين والسياسة في إعادة تشكيل الشّرق الأوسط
The Abraham Accords Between the Rhetoric of Coexistence and Projects of Domination:
A Critical Study of the Use of Religion and Politics in Reshaping the Middle East
Abdullah Badawi عبد الله بدوي)[1])
تاريخ الإرسال:16-1-2026 تاريخ القبول:28-1-2026
الملخص turnitin:6%
يهدف هذا البحث إلى دراسة الاتفاقيّات الإبراهيميّة التي وُقّعت العام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدّول العربيّة، لا بوصفها اتفاقيات سياسيّة فحسب، بل كظاهرة ثقافيّة رمزيّة ذات بعدٍ ديني وفكري عميق، تسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم الهُويّة والدّين والسّلام في الخطاب العربي الرّسمي. ويكشف البحث، من خلال منهج تحليل الخطاب النقدي (Critical Discourse Analysis)، كيف جرى توظيف اللغة الدّينيّة في النّصوص السياسيّة والإعلاميّة لتبرير التّحالفات الجديدة، وتقديمها على أنّها امتداد لرسالة التّسامح الإبراهيمي.
كما يحاول البحث أن يجيب عن سؤال جوهري: هل تمثل الإبراهيميّة مشروعًا للحوار بين الحضارات والأديان، أم أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة الغربيّة والإسرائيليّة بغطاءٍ ديني؟
ويستند التّحليل إلى أدوات معرفيّة من نظريّة الهيمنة الثقافيّة لأنطونيو غرامشي، ونظريّة ما بعد الاستعمار لإدوارد سعيد، لفهم كيف تعمل الرّموز الدّينيّة في الخطاب السياسي كوسيلةٍ لإعادة بناء الشّرعيّة في زمن العولمة.
الكلمات المفتاحيّة: الاتفاقيّات الإبراهيميّة – تحليل الخطاب – حوار الأديان – الهيمنة الثقافيّة – الهُويّة – التّطبيع – السياسة الرّمزيّة.
Abstract
The Abraham Accords Between the Rhetoric of Coexistence and Projects of Domination: A Critical Study of the Use of Religion and Politics in Reshaping the Middle East
Abstract:
This paper aims to provide a comprehensive critical analysis of the Abraham Accords, signed in 2020 between Israel and several Arab nations, examining them not as mere diplomatic treaties but as a symbolic and religiously-infused discourse that redefines notions of identity, religion, and peace in the Arab world. Using Critical Discourse Analysis (CDA), the study explores how religious and cultural symbols have been employed to legitimize political normalization and power realignment. By combining Gramsci’s cultural hegemony theory and Edward Said’s postcolonial framework, the paper argues that the “Abrahamic” narrative represents a soft form of domination that instrumentalizes faith to shape collective consciousness in alignment with Western and Israeli geopolitical interests.
Keywords: Abraham Accords – Discourse Analysis – Cultural Hegemony – Political Religion – Normalization – Postcolonialism – Arab Identity.
المقدمة
منذ توقيع الاتفاقيّات الإبراهيميّة في سبتمبر 2020، دخل العالم العربي مرحلة جديدة من التّفاعل بين الدّين والسياسة، لم تعد فيها الرّموز الدّينيّة مجرد أدوات خطابيّة ثانويّة، بل أصبحت محورًا لبناء سرديّة سياسيّة كاملة تبرر تحولاتٍ كبرى في العلاقات الإقليميّة. فاللغة التي أحاطت بهذه الاتفاقيّات، المستندة إلى مفهوم “السّلام بين أبناء إبراهيم”، تُظهر كيف تُستعمل النّصوص المقدسة، والرّموز المشتركة لتوليد خطابٍ بديلٍ للهُويّة العربيّة والإسلاميّة، خطابٍ يقدّم “الإبراهيميّة” كإطارٍ روحي جامع بديل عن الانتماء القومي أو العقدي.
يأتي هذا البحث في سياقٍ معرفي تتداخل فيه الأسئلة الدّينيّة بالفكر السياسي المعاصر، خصوصًا بعد أن تحوّل “الخطاب الإبراهيمي” إلى أداة للقوّة النّاعمة (Soft Power) في السياسة الأمريكيّة والإسرائيليّة، تُستخدم لإعادة هندسة المشهد الدّيني والسياسي في المنطقة. (Nye, 2004) كما يُبرز هذا البحث أهمّيّة قراءة الاتفاقيّات الإبراهيميّة بوصفها نصًا ثقافيًا لا مجرد وثيقة سياسية، لأنّ اللغة التي تبرر بها هذه الاتفاقيّات تعبّر عن بنية فكرية تهدف إلى ترويض الدّين وتفريغه من قدرته على المقاومة.
إشكالية البحث: ينطلق هذا البحث من سؤالٍ مركزي:
هل تمثل الاتفاقيّات الإبراهيميّة نموذجًا لحوار الأديان وتعايش الحضارات، أم أنّها مشروع رمزي يُعاد من خلاله إنتاج الهيمنة السياسيّة والثقافيّة الغربيّة والإسرائيليّة على المنطقة العربيّة؟
ومن هذا السؤال تتفرع مجموعة من التّساؤلات:
- ما طبيعة الخطاب الدّيني والسياسي الذي يرافق الاتفاقيّات الإبراهيميّة؟
- كيف تُستخدم الرّموز الإبراهيميّة لتبرير التّحالفات الجديدة في الشّرق الأوسط؟
- ما أثر هذا الخطاب في الوعي الجمعي العربي والإسلامي؟
- هل يمكن عدُّ المشروع الإبراهيمي إعادة صياغةٍ للهُويّة العربيّة على أسسٍ جديدة تتجاوز الانتماء القومي والدّيني؟
أهمية البحث: تنبع أهمية هذا البحث من أنّه يتناول ظاهرة معاصرة لم تُدرس بعد بعمقٍ نقدي كافٍ، تجمع بين الخطاب السياسي والرّمز الدّيني والإنتاج الإعلامي.
فعلى الصّعيد النّظري، يسهم البحث في تطوير المقاربة العربيّة لتحليل الخطاب السياسي الدّيني في ضوء النظريات الحديثة في علم اللغة النّقدي والسيميولوجيا الثقافيّة.
أمّا على الصّعيد العملي، فإنّه يساعد في فهم آليات “التّطبيع الرّمزي” التي تسبق التّطبيع السياسي، وكيف تُعاد صياغة المفاهيم الدّينيّة الكبرى لتصبح أدواتٍ للتّسويق السياسي بدل أن تكون أطرًا للقيم الإيمانيّة.
كما أنّ هذه الدّراسة تسدّ فجوة معرفيّة في الدّراسات العربيّة، إذ ركزت معظم الكتابات السّابقة على الجوانب الجيوسياسيّة من دون تفكيك البنية اللغويّة والدّلاليّة للخطاب الإبراهيمي. (Said, 1993)
فرضيات البحث
- الاتفاقيّات الإبراهيميّة تمثل تحولًا في الخطاب الدّيني العربي نحو تبني مفردات عالميّة تُخفي خلفها نزعة تبريريّة سياسيّة.
- الخطاب الإبراهيمي يُعيد تعريف مفاهيم “الهُويّة” و”السّلام” و”العدو” ضمن منظومة رمزيّة تخدم أهداف الهيمنة.
- المشروع الإبراهيمي يهدف إلى نزع القداسة عن الهُويّة الإسلاميّة، واستبدالها بهويةٍ كونيّة تخضع لمنطق السّوق والعولمة.
- الرّموز الدّينيّة في الاتفاقيّات تُستخدم لتفكيك الانتماء العقائدي، وتحويل الدّين إلى سلعةٍ ثقافية قابلة للتّداول الإعلامي.
أهداف البحث
- تحليل البنية اللغويّة والرّمزيّة للخطاب السياسي المرتبط بالاتفاقيّات الإبراهيميّة.
- كشف العلاقة بين الدّين والسياسة والهيمنة في الخطاب المعاصر.
- دراسة أثر الإبراهيميّة في تشكيل وعيٍ جديد للهُويّة العربيّة والإسلاميّة.
- تقديم رؤية نقديّة عربيّة تُعيد قراءة المفاهيم الدّينيّة بعيدًا من التّوظيف السياسي والإعلامي.
الدراسات السابقة
الدّراسة الأولى: Rohulia, K. (2023) (Rohulia، 2023)
The Impact of the Abraham Accords on the Geopolitical Dynamics of the Middle East
الأهداف: دراسة أثر الاتفاقيّات على بنية التّحالفات الإقليميّة، وكيف ساهمت في دمج إسرائيل في البيئة السياسيّة العربيّة.
المنهجيّة: المنهج التّحليلي الجيوسياسي المقارن.
النتائج: كشفت أنّ الاتفاقيّات أوجدت واقعًا جيوسياسيًا جديدًا أعاد تشكيل النظام الإقليمي على أسس أمنيّة واقتصاديّة جديدة.
الفجوة البحثيّة: لم تتناول الدّراسة البعد الثقافي أو الخطاب الرّمزي الدّيني الذي رافق الاتفاقيّات، واكتفت بالتّحليل السياسي البحت.
الدّراسة الثانية: دراسة مروان الحسيني، (2023) (الحسيني، 2023)
– السّلام الإبراهيمي ومفهوم الهُويّة الجديدة: دراسة في التّحوّل الثّقافي العربي
الأهداف: دراسة الكيفيّة التي أعاد بها الإعلام العربي الرسمي صياغة مفهوم الهُويّة في ضوء”البيت الإبراهيمي”.
المنهجيّة: المنهج التّحليلي السّيميائي.
النتائج: بيّنت أن الخطاب الإعلامي يستخدم مفردات التّسامح، والتّعايش لإعادة تشكيل الوعي الجمعي نحو قبول إسرائيل كشريك حضاري.
الفجوة: غياب التّحليل النّقدي لعلاقة هذا التّحوّل بالهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة.
الدّراسة الثالثة: دراسة عبدالله الشمري، (2024) (الشمري، 2024)
– الاتفاقيّات الإبراهيميّة: قراءة في توظيف الخطاب الدّيني في العلاقات الدّوليّة
الأهداف: دراسة الخطاب الدّيني الرّسمي الذي رافق توقيع الاتفاقيّات وتحليل توظيف المفاهيم الإسلاميّة فيه.
المنهجية: تحليل الخطاب السياسي (Political Discourse Analysis).
النتائج: أظهرت الدّراسة أنّ المؤسسات الدّينيّة في الخليج أعادت تأويل النّصوص الشّرعيّة لخدمة أجندات سياسيّة.
الفجوة: لم تربط الدّراسة التّحليل اللغوي بالسّياق الثقافي للهيمنة.
الدّراسة الرابعة: (Monshipouri, 2025)
Monshipouri, M., Dorraj, M., & Fields, J. (2025)
– The Gaza War and the Future of the Abraham Accords
الأهداف: تحليل تأثير حرب غزة 2023 على استمرار الاتفاقيّات الإبراهيميّة.
المنهجيّة: المنهج الوصفي المقارن.
النّتائج: توصلت إلى أنّ الحرب كشفت هشاشة الخطاب الإبراهيمي أمام الواقع السياسي والعسكري.
الفجوة: ركزت على السياسة الواقعيّة، ولم تُحلّل الدّلالات الأيديولوجيّة أو اللغويّة للخطاب.
الدّراسة الخامسة: (العزاوي، 2025)
رشا العزاوي، (2025) – الاتفاقيّات الإبراهيميّة بين السياسة والرّمز: دراسة نقديّة في الخطاب العربي الرسمي
الأهداف: دراسة اللغة الرّمزيّة المستخدمة في الإعلام العربي الرّسمي بعد الاتفاقيّات.
المنهجيّة: تحليل الخطاب النقدي وفق نموذج فيركلاف.
النتائج: بيّنت أنّ الخطاب الرسمي يسعى إلى تطبيع القيم قبل العلاقات، من خلال دمج مفردات الإيمان بالسّلام مع مفاهيم التنمية والتّعاون.
الفجوة: لم تتناول الجذور اللاهوتيّة للمفهوم ولا الأبعاد الأيديولوجيّة في توظيفه.
الفصل الأول: الخلفيّة الفكريّة والدّينيّة لمفهوم الإبراهيميّة من الجذور اللاهوتيّة إلى التّوظيف السياسي المعاصر
منذ فجر التّاريخ الإيماني للإنسان، كان اسم إبراهيم عليه السّلام يمثل أحد الرّموز الجامعة المهمّة في الوعي الدّيني الإنساني، إذ اجتمعت الدّيانات السّماويّة الثلاث على الاعتراف بمكانته، وإن اختلفت في تحديد جوهر رسالته ودوره في مسيرة الخلاص البشري. فقد عدَّه اليهود الأب المؤسس لشعب الله المختار الذي بدأ معه عهد الأرض والميراث الموعود في سفر التكوين (The Holy Bible)، بينما نظرت إليه المسيحيّة بوصفه نموذجًا للإيمان المخلِّص الذي يبرِّر الإنسان بالإيمان لا بالعمل، كما ورد في رسالة بولس إلى أهل رومية (The Holy Bible). أمّا الإسلام، فقد قدم إبراهيم بوصفه إمام الموحّدين الذي لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل حنيفًا مسلمًا خالصًا لله، كما نصّ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾ (آل عمران: 67).
هذه المركزية الإبراهيميّة في الوعي الدّيني جعلت من شخصيّة إبراهيم رمزًا عابرًا للحدود الطائفيّة، ولكنّها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام تأويلات متعددة للرمز عبر التاريخ، تحوّلت لاحقًا إلى مشروعات فكريّة وسياسية تسعى إلى إعادة إنتاج هذه الرّمزيّة في سياقات جديدة.
- الجذور اللاهوتية لفكرة الإبراهيميّة: يمكن القول إنّ البدايات الأولى لفكرة “الإبراهيميّة” كمفهومٍ دينيٍّ جامع ظهرت في الفكر الغربي الحديث خلال القرن التّاسع عشر، مع محاولات اللاهوت المقارن إبراز ما هو مشترك بين الدّيانات الإبراهيميّة الثلاث. وقد تأثرت هذه الفكرة بالروح الإنسانيّة لعصر الأنوار التي رأت في الدّين أداةً أخلاقيّة للتّقريب بين الشّعوب بدلًا من كونه منظومة اعتقاديّة حصريّة(Spinoza, 1951).
في هذا السّياق ظهرت أعمال مثل كتاب The History of God للمفكرة البريطانيّة كارين أرمسترونغ التي دافعت عن فكرة وحدة التّجربة الإيمانيّة عند الأنبياء الإبراهيميين، معتبرةً أنّ جميع الدّيانات التّوحيديّة تنبع من “شوقٍ إنساني واحد إلى الألوهية” (Armstrong, 1996). كما طوّر اللاهوت الكاثوليكي، خصوصًا بعد مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، مفهوم “الدّيانات الشّقيقة” في الوثيقة الشّهيرة Nostra Aetate التي أكدت احترام الأديان غير المسيحيّة، ولا سيما الإسلام واليّهوديّة، بوصفها امتدادًا للعهد الإبراهيمي (II, 1965)
غير أنّ هذه النزعة التّوفيقيّة التي بدت في ظاهرها تعبيرًا عن التّسامح، كانت في جوهرها – كما يشير الباحث جون إسبوزيتو John Esposito – محاولة لتأسيس “لاهوتٍ عالمي جديد” يخفف من حدة الصراعات الدّينيّة عبر توحيد مرجعياتها تحت سقفٍ واحد (Esposito, 2003) ومع مرور الوقت، تحوّلت الإبراهيميّة من مفهومٍ لاهوتي إلى إطارٍ أيديولوجي يُراد من خلاله صياغة خطاب ديني يتوافق مع قيم العولمة الليبرالية الحديثة.
- 2. من اللاهوت إلى الفلسفة: الإبراهيميّة كفكرة إنسانيّة: في النّصف الثاني من القرن العشرين، بدأت الفكرة الإبراهيميّة تُطرح خارج الإطار الكنسي؛ لتصبح جزءًا من النّقاشات الفلسفيّة حول الدّين والعقل والعالمية. فقد رأى المفكر الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas أنّ المجتمعات الحديثة تحتاج إلى “عقلٍ تواصلي” يسمح بتفاعل الأديان على أساسٍ أخلاقي، وهو ما يشكل نوعًا من “الإيمان ما بعد الميتافيزيقي” الذي يذكّر بالإيمان الإبراهيمي الجامع(Habermas, 2008)
وفي المقابل، انتقد الفيلسوف إيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas هذا الطرح، عادًّا أنّ استدعاء إبراهيم في الفكر الغربي الحديث يكون غالبًا لأسباب سياسيّة وأخلاقيّة، إذ يُستخدم رمز الطّاعة الإبراهيميّة لتبرير الطّاعة السياسيّة للسلطة الحديثة، كما في قصة “تضحية إسحاق” التي تحولت إلى استعارة فلسفيّة للخضوع للنظام العالمي (Levinas, 1998)
وبذلك، أصبحت الإبراهيميّة تمثل رمزًا مزدوجًا: فهي من جهة تعبير عن الإيمان المشترك بالله الواحد، ومن جهة أخرى أداة فكريّة لإعادة تعريف الدّين وفق المفاهيم الغربيّة للإنسان والعقل والأخلاق.
- 3. التّوظيف السياسي للإبراهيميّة في القرن الحادي والعشرين
بدأ التّحوّل الحاسم في مسار الإبراهيميّة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حين استخدمت الولايات المتحدة خطاب “الديانات الإبراهيميّة” لتصحيح صورتها لدى العالم الإسلامي، عبر إطلاق مبادرات للحوار بين الأديان تهدف إلى مكافحة “التّطرف الدّيني”. وقد تأسست في تلك المرحلة مؤسسات عديدة مثل “مركز التّفاهم الإبراهيمي” في واشنطن و”منتدى القيم المشتركة” في الإمارات التي قدمت الإبراهيميّة كجسرٍ للتواصل بين المسلمين واليهود والمسيحيين (Tolerance, 2019)
لكنّ هذا التوجه لم يكن بريئًا، إذ ارتبط مباشرة بمفهوم القوّة النّاعمة (Soft Power) كما حدده جوزيف ناي Joseph Nye والذي يقوم على التأثير الثّقافي والرّمزي بدلًا من الإكراه العسكري. فالإبراهيميّة أصبحت أداة دبلوماسيّة رمزية تهدف إلى إعادة بناء العلاقات بين الشّرق والغرب على أسسٍ ثقافيّة ودينيّة جديدة.
وفي هذا الإطار، صاغت الإدارة الأمريكيّة في عهد الرئيس دونالد ترامب Donald Trump مشروع “الصفقة الإبراهيميّة” الذي تُوج بتوقيع الاتفاقيّات الإبراهيميّة العام 2020 بين إسرائيل وكلٍّ من الإمارات والبحرين والسّودان والمغرب، وقد رُوِّج لها بوصفها تجسيدًا لقيم التّسامح بين “أبناء إبراهيم” (Trump, 2020)
وتُظهر الوثائق الرّسميّة أنّ الخطاب الأمريكي اعتمد لغةً دينية واضحة، إذ نصّ البيان التّأسيسي على أنّ الاتفاق “يستلهم روح الإيمان المشترك بإبراهيم”، ما يعكس رغبة في إعادة تعريف الشّرق الأوسط ضمن هُويّة دينيّة جديدة تتجاوز الانتماءات التّقليديّة (Abraham Accords Declaration, 2020)
- الإبراهيميّة في الخطاب العربي المعاصر: في السّياق العربي، تبنّت بعض الدّول الخليجيّة المفهوم الإبراهيمي كجزءٍ من سياسات القوّة النّاعمة الدّينيّة. فقد أُنشئ في أبو ظبي “بيت العائلة الإبراهيميّة” الذي يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا في مبنى واحد، ليُقدَّم نموذجًا رمزيًا للتّعايش بين الأديان (Office, 2021) كما بدأت بعض المناهج التّعليميّة والإعلاميّة تتحدث عن “القيم الإبراهيميّة المشتركة” مثل السّلام والتّسامح والانفتاح، في محاولة لإعادة صياغة الخطاب الدّيني المحلي بما يتوافق مع الرؤية السياسيّة الجديدة.
ويرى الباحث عبد الله الشمّري أنّ هذا التّحوّل يعكس “تأميمًا للخطاب الدّيني”، أي تحويل الدّين إلى أداةٍ في يد السّلطة لتوجيه الوعي الشّعبي، فيُعاد تعريف المفاهيم الدّينيّة الكبرى – كالجهاد والولاء والبراء – لتصبح مفاهيم إنسانيّة عامة. وهذا ما يجعل المشروع الإبراهيمي خطرًا رمزيًا أكثر من كونه خطرًا سياسيًا، لأنّه يعمل على تفكيك منظومة المعاني الدّينيّة التي تشكل أساس الهُويّة الإسلاميّة.
أمّا الباحثة رشا العزاوي فترى أنّ الخطاب الإعلامي العربي الرسمي أعاد إنتاج الرّموز الإيمانيّة ضمن لغة التنمية والاقتصاد، فربط بين “السّلام الإبراهيمي” و”الازدهار الاقتصادي”، ما جعل الدّين جزءًا من الخطاب النيوليبرالي للعولمة.
- التناقض بين المفهوم القرآني والمفهوم السياسي للإبراهيميّة: يُظهر التّحليل المقارن بين النّصوص الدّينيّة والبيانات السياسيّة وجود فجوة جوهرية بين الإبراهيميّة القرآنية والإبراهيميّة المعاصرة. فالإبراهيميّة في القرآن تقوم على التّوحيد الخالص ورفض الشّرك، وهي دعوة إلى تحرر الإنسان من التبعية للطغيان، كما في قوله تعالى:﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾ (الأنعام: 79).
أمّا الإبراهيميّة الحديثة، فهي تقوم على الاختزال الدّيني والسّياسي، إذ تساوي بين العقائد المختلفة وتتعامل مع الدّين بوصفه رمزًا ثقافيًا لا عقيدةً موجهة. وهذا التّحوّل يعكس، وفق تحليل عبد الوهاب المسيري (2002)، عمليّة “علمنة للدين” أي نزع القداسة عن المفاهيم الإيمانيّة، وتحويلها إلى أدواتٍ في يد السّلطة (الوهاب م.، 2002)
- البنيّة الرّمزيّة للإبراهيميّة المعاصرة: من منظور تحليل الخطاب النّقدي، يمكن القول إنّ الإبراهيميّة في صورتها السياسيّة تمثل بنية رمزيّة متكاملة تتكون من ثلاثة مستويات:
- المستوى اللغوي: إذ تُستخدم المفردات الدّينيّة مثل “البيت الإبراهيمي”، “أبناء إبراهيم”، “السّلام الإبراهيمي” في سياقاتٍ سياسية، ما يمنح الخطاب شرعيةً رمزيّة.
- المستوى الثقافي: إذ تُعاد صياغة الهُويّة الدّينيّة ضمن مفاهيم العولمة والإنسانيّة والازدهار.
- المستوى الأيديولوجي: إذ تُستخدم هذه الرّموز لتبرير إعادة رسم التّحالفات الإقليميّة، وإضفاء طابعٍ أخلاقي على السياسات الواقعيّة.
وبذلك، يتحول الدّين من مصدرٍ للقيم إلى مخزون رمزي قابل للاستثمار السياسي والإعلامي، وهو ما يشير إليه فيركلاف Fairclough (2010) بأنّ الخطاب الحديث يمارس السّيطرة من خلال “إدارة المعنى” لا من خلال الإكراه المباشر (Fairclough, Critical Discourse Analysis: The Critical Study of language, 2010)
الخلاصة التّحليليّة للفصل: إنّ الإبراهيميّة، كما تكشفها هذه القراءة التّاريخيّة والفكريّة، ليست مفهومًا دينيًّا بقدر ما هي إطارٌ رمزي للهيمنة الثقافيّة والسياسيّة.
فهي توظّف التّراث الدّيني المشترك بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة لإعادة تشكيل العلاقات الدّوليّة وفق رؤيةٍ غربيّة–إسرائيليّة جديدة للعالم، تُقدّم السّلام على أنّه بديلٌ عن العدالة، والتّسامح بديلًا عن المقاومة.
وهكذا فإنّ “الإبراهيميّة الجديدة” تمثل، في جوهرها، علمنة للرمز الدّيني وتدجينًا له ضمن منظومة القيم الليبراليّة، بما يخدم إعادة إنتاج السّيطرة على العالم العربي والإسلامي لا تحريره.
الفصل الثاني: تحليل الخطاب السياسي والدّيني في نصوص الاتفاقيّات الإبراهيميّة
بين الرّمز الدّيني والوظيفة السياسيّة: من يقرأ نصوص الاتفاقيّات الإبراهيميّة لا يملك إلّا أن يلحظ الكمّ الهائل من المفردات ذات الطابع الدّيني، والرّوحي التي تتخلل خطابها الرسمي والإعلامي، حتى ليبدو أن السياسة هنا تتوارى خلف لافتةٍ من البلاغة الإيمانيّة الهادئة. فبدلًا من أن يُقدَّم التّطبيع بوصفه إجراءً سياسيًا مصلحيًا، يُقدَّم على أنّه فعلٌ إيماني نابع من قيم السّلام الإبراهيمي، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في لغة العلاقات الدّوليّة في الشّرق الأوسط.
تبدأ الوثيقة التأسيسيّة للاتفاقيات بعبارة ذات دلالة رمزيّة عميقة: “مستوحاة من الإيمان المشترك بإبراهيم، أب الأنبياء، ومن الرّغبة في تعزيز التّفاهم والتّسامح بين الدّيانات الثلاث”. هذه العبارة تبدو للوهلة الأولى دعوةً للتّعايش، لكنّها في جوهرها – كما تكشف أدوات تحليل الخطاب النقدي (CDA) – تمثل محاولة لإضفاء الشّرعيّة الأخلاقيّة على فعلٍ سياسي ذي أبعاد استراتيجيّة.
يُظهر تحليل الخطاب أنّ اللغة هنا ليست بريئة، بل تُستخدم كأداة لإنتاج القبول السياسي عبر الإيحاء الأخلاقي. فالإيمان المشترك يُستدعى لا بوصفه حقيقة دينيّة، بل كرمزٍ رمزي يُنتزع من سياقه العقدي ليُعاد توظيفه في بناء سرديّة جديدة عن “سلامٍ مقدس” بين شعوب المنطقة. وهكذا يكون الانتقال من خطاب المقاومة والعدالة إلى خطابٍ مفعمٍ بالروحانيّة المصطنعة التي تُغطي على جوهر الصّراع.
- البنية اللغوية للخطاب الإبراهيمي
من الناحية اللغويّة، تتسم نصوص الاتفاقيّات والإعلانات الرّسميّة باستخدام ما يسميه فيركلاف Fairclough “اللغة التوافقيّة”، وهي لغة تهدف إلى طمس الحدود بين المتناقضات من خلال مفردات جامعة مثل الاحترام، الإخاء، الإيمان المشترك، التّعاون الحضاري. وهذه المفردات تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تُحدث تأثيرًا نفسيًا إيجابيًا على المتلقي العربي والمسلم، ومن جهة أخرى تخلق إطارًا لغويًا يُشرعن العلاقات الجديدة مع إسرائيل بوصفها أمرًا طبيعيًا.
وقد لاحظت دراسة الحسيني (2023) أنّ الخطاب الإعلامي العربي الرسمي بعد توقيع الاتفاقيّات تبنّى مفردات مثل السّلام الإبراهيمي، البيت الإبراهيمي، المستقبل المشترك في محاولة لتكوين وعي لغوي جديد يقبل التحالفات الجديدة. (مروان، 2023)
أمّا التّحليل النّصي للبيانات الرّسميّة، فيكشف أنّ كل فقرة تقريبًا تبدأ بتعبيرٍ إنساني إيجابي وتنتهي بقرارٍ سياسي واقعي، مثل: “انطلاقًا من قيم التفاهم المتوارثة عن إبراهيم، اتفق الطرفان على تعزيز التّعاون الأمني والاقتصادي”. وهنا تتجسد براعة الخطاب في تحويل المفاهيم الدّينيّة إلى جسرٍ يربط الأخلاق بالسياسة، ما يجعل الاعتراض على الاتفاقيّات يبدو وكأنّه اعتراض على قيمٍ إنسانيّة لا على سياساتٍ دوليّة.
- الخطاب الإعلامي: من الرّمز إلى الصّورة
يلعب الإعلام الرسمي والخاص دورًا محوريًا في تثبيت الرّموز الإبراهيميّة في الوعي الجمعي. فبدلًا من النِّقاش السياسي المباشر، يُقدَّم المشروع عبر صورٍ وأيقوناتٍ دينيّة، كعرض المسجد والكنيس والكنيسة في لقطةٍ واحدة ضمن “بيت (Office، 2021)العائلة الإبراهيميّة” في أبو ظبي، أو عبر الأغاني المصوّرة التي تتغنى بالسّلام بين الأديان.
وقد لاحظت العزاوي أنّ هذا التّحوّل في الصّورة الإعلاميّة لا يهدف إلى التّنوير الدّيني، بل إلى “إعادة برمجة الوجدان العربي” من خلال الإيحاء البصري المستمر بأنّ الدّين لا يتناقض مع إسرائيل بل يجتمع معها في قيمٍ عليا.
إنّ تكرار هذه الصور، وفقًا لتحليل فان دايك Van Dijk (2008)، يخلق ما يُعرف بـ “الذاكرة البصريّة الجمعية”، أي أن الرّمز البصري يتحوّل إلى حقيقة إدراكيّة راسخة حتى لو لم تعكس الواقع المادي (Van Dijk, 2008) وهكذا يتأسس ما يمكن تسميته بـ التّطبيع البصري الذي يسبق التّطبيع السياسي.
- البنية الجدليّة للخطاب
الخطاب الإبراهيمي لا يقوم على النفي المباشر للصراع، بل على إعادة تعريفه. فهو لا يقول إنّ الصّراع غير موجود، بل يعيد تفسيره بوصفه سوءَ فهم تاريخي يمكن تجاوزه بالإيمان المشترك. وهذه البنية الجدليّة المموّهة هي التي تجعل الخطاب يبدو عقلانيًا وإنسانيًا في الظاهر، لكنه يحمل في العمق نزعة لتفريغ المقاومة من معناها الأخلاقي.
فعندما تُستبدل مفردة “الاحتلال” بمفردة “النّزاع”، وتُستبدل “العدالة” بـ “السّلام”، فإنّ اللغة تمارس دورًا سياسيًا بامتياز. وهي نفس التّقنيّة التي تحدث عنها إدوارد سعيد حين وصفها بأنها “استراتيجيّة لغوية تهدف إلى إلغاء التاريخ عبر إعادة كتابة السردية من جديد”.
- الدّين كوسيط للهيمنة السياسيّة
يُظهر تحليل المضمون في الخطابات الرّسميّة الصّادرة عن وزارة الخارجيّة الأمريكيّة، ووسائل الإعلام الإسرائيليّة أن الدّين يُستخدم كوسيطٍ رمزي لتخفيف حدة الهيمنة. فبدلًا من الحديث عن “التفوق العسكري” أو “التّحالف الأمني”، يُستخدم خطاب “لقيم المشتركة لأبناء إبراهيم”، ليُبرَّر التفوق من خلال لغة أخلاقيّة.
وفي هذا السّياق، يشير الشّمري (2024) إلى أنّ المؤسسات الدّينيّة في بعض الدّول العربيّة أدَّت دورًا في تسويغ التّحالفات من خلال فتاوى، أو خطبٍ تُعيد تفسير مفاهيم الولاء والبراء، والجهاد لتتلاءم مع منطق “السّلام الإبراهيمي”.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الدّين والسياسة في الخطاب الإبراهيمي؛ فالدّين لم يعد مصدرًا للشرعيّة، بل أصبح أداة لإنتاج الشّرعيّة السياسيّة ضمن منظومة من الرّموز والمفردات المصمّمة بدقة.
- الازدواج الدّلالي في الخطاب
يتسم الخطاب الإبراهيمي بما يمكن تسميته بـ الازدواج الدّلالي: فهو خطاب تسامح في اللفظ، لكنّه خطاب سيطرة في البنية. فعندما يتحدث عن “السّلام الدائم”، يقصد الاستقرار السياسي للنّظام القائم، لا العدالة للشّعوب. وعندما يدعو إلى “احترام العقائد”، يقصد تحييدها عن السياسة العامة.
وهذا ما يسميه غرامشي Gramsci (1971) بـ “الهيمنة الأخلاقيّة”، أي جعل الطبقات أو الشّعوب تتبنى رؤية السلطة للعالم بوصفها حقيقة أخلاقيّة.
وبالتالي، يمكن القول إنّ الخطاب الإبراهيمي يمارس هيمنة ناعمة عبر اللغة، تحوّل الإيمان من طاقةٍ للتحرر إلى طاقةٍ للانضباط السياسي.
الفصل الثالث: الإبراهيميّة كأداة للهيمنة الثقافيّة
قراءة في الأبعاد الأيديولوجية للمشروع
إذا كانت المرحلة السّابقة قد تناولت تحليل الخطاب في مستواه اللغوي والسّياسي، فإنّ هذا الفصل يتناول الإبراهيميّة بوصفها بنية أيديولوجيّة متكاملة، تسعى إلى إعادة إنتاج النّظام الرّمزي للعالم العربي والإسلامي بما يخدم النّظام الدّولي الجديد.
من النّاحية النّظريّة، يمكن فهم المشروع الإبراهيمي في ضوء مفهوم الهيمنة الثّقافيّة لأنطونيو غرامشي Gramsci الذي يرى أنّ السّيطرة لا تُمارَس بالقوة المباشرة، بل من خلال جعل القيم والأفكار السّائدة تُقبَل طوعًا من المجتمع بوصفها “طبيعيّة” (Gramsci, 1971) وهنا تتجلى خطورة المشروع الإبراهيمي، لأنّه لا يفرض فكرته من الخارج، بل يُقنع بها من الدّاخل عبر خطابٍ يتكلم بلغة الدّين ذاته.
- من الدّين إلى الأيديولوجيا
الإبراهيميّة الحديثة تُقدَّم كفكرة روحانيّة توحِّد البشر على أساسٍ قيمي مشترك، لكنّها في جوهرها تمثل تحولًا للدّين إلى أيديولوجيا سياسيّة. فحين يُستدعى إبراهيم عليه السّلام في خطابٍ سياسي لتبرير تحالفٍ اقتصادي أو عسكري، يتحول الرّمز الدّيني إلى أداةٍ للهيمنة. وهذا التّحوّل ليس جديدًا؛ فقد استخدم الاستعمار الأوروبي في القرن التّاسع عشر الخطاب الدّيني لتبرير “الرسالة الحضاريّة” في إفريقيا وآسيا، واليوم يُعاد إنتاج الفكرة ذاتها في ثوبٍ جديد تحت عنوان “السّلام الإبراهيمي” (Huntington, 1996)
ويشير عبد الرّحمن الحاج (2024) إلى أنّ هذا النمط من التّوظيف يُفرغ الدّين من بعده التّحرري، ويحوّله إلى “دين مروَّض” يخدم السّلطة ويمنحها شرعيّة أخلاقيّة (الرحمن، 2024) وهكذا تُحوّل الإبراهيميّة الإيمان إلى سلعة رمزيّة في سوق العولمة، تُستخدم لتسويق النّظام الدّولي بوصفه قدرًا أخلاقيًا.
- الاقتصاد الرّمزي والهيمنة النّاعمة
إنَّ أحد أكثر جوانب المشروع الإبراهيمي خفاءً هو تداخله مع الاقتصاد العالمي. فالاتفاقيّات لم تقتصر على السّلام السياسي، بل شملت مشاريع اقتصاديّة مشتركة، وصندوقًا استثماريًا باسم “صندوق إبراهيم”، وهي تسمية تحمل دلالتها الرّمزيّة الواضحة (Economy, 2022)
وهذا ما يسميه بيير بورديو Pierre Bourdieu”الاقتصاد الرّمزي”، أي استخدام القيم الثقافيّة والدّينيّة كمصدرٍ للرأسمال المعنوي الذي يُستثمر سياسيًا واقتصاديًا (Bourdieu, 1990)
وهكذا يصبح الدّين في المشروع الإبراهيمي جزءًا من الاقتصاد السياسي للعولمة، فتُستخدم القِيم الرّوحيّة لتجميل الرأسماليّة النيوليبراليّة التي تسعى إلى دمج إسرائيل اقتصاديًا في المنطقة بوصفها مركزًا للابتكار والتكنولوجيا.
- التناقض الأخلاقي في الخطاب الإبراهيمي
يُظهر الواقع العملي أنّ الخطاب الإبراهيمي يعاني تناقضًا بنيويًا بين لغته الأخلاقيّة وسلوكيّاته السياسيّة. فبينما يتحدث عن التّسامح والاحترام، تُواصل إسرائيل سياساتها العدوانيّة ضد الفلسطينيين، ويستمر الاحتلال من دون مساءلة.
وقد لاحظ مونشيبوري Monshipuri أنّ حرب غزة العام 2023 مثّلت اختبارًا حقيقيًا لخطاب الإبراهيميّة، إذ فشلت الدّول الموقعة في ترجمة قيم “الّرحمة الإبراهيميّة” إلى موقفٍ أخلاقي تجاه المأساة الإنسانيّة. وهذا التّناقض يكشف أنّ المشروع لا يقوم على أخلاقٍ دينيّة حقيقيّة، بل على أيديولوجيا مصلحيّة مغلّفة بالرّمز الدّيني.
- إعادة تعريف الهُويّة
تسعى الإبراهيميّة إلى إعادة تعريف الانتماء الدّيني من داخل الإسلام نفسه، فلا يكون المسلم جزءًا من أمةٍ ذات رسالة، بل عضوًا في “عائلة إنسانيّة إبراهيميّة كبرى”.
ويرى المسيري (2002) أنّ مثل هذه المشاريع تمثل”تفكيكًا للهويات الصلبة” التي تُقاوم الهيمنة، لأنّ السّيطرة لا تكتمل إلّا عندما تُمحى الفوارق الرّمزيّة بين السّيد والتابع (الوهاب ا.، 2002)
فالمشروع الإبراهيمي، من هذه الزاوية، ليس سوى خطوة في مسارٍ طويل نحو علمنة الوعي العربي والإسلامي عبر تسويقه تحت لافتة الوحدة الرّوحيّة.
- الأيديولوجيا في ثوب الحوار
إنّ أخطر ما يميز المشروع الإبراهيمي هو قدرته على التّخفي داخل خطاب الحوار. فهو لا يفرض ذاته كبديل، بل كإطارٍ للحوار نفسه. أي أن “الحوار” هنا ليس وسيلةً للتّفاهم، بل أداة لإعادة صياغة شروط التفكير. فمن يدخل في الحوار الإبراهيمي، يدخل مسبقًا في منظومة مفاهيم تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض.
وهذا ما يسميه هابرماس Habermas “إعادة هندسة المجال التّداولي”، أي التّحكّم في اللغة التي يُدار بها النّقاش.
وهكذا يتحول الحوار من أداة تواصل إلى وسيلة ضبطٍ فكري، تُعيد إنتاج الهيمنة تحت شعار “التفاهم”.الخلاصة التحليلية للفصلين
إنّ الخطاب الإبراهيمي في بعديه السياسي والثقافي يمثل نموذجًا متكاملًا لـ الهيمنة الرّمزيّة التي تجمع بين الدّين والاقتصاد والإعلام ضمن مشروعٍ واحدٍ يهدف إلى إعادة بناء الوعي العربي. فهو مشروعٌ يستخدم الدّين لا لتوحيد البشر على الحق، بل لتوحيدهم تحت سلطةٍ رمزيةٍ واحدة تُعرّف نفسها بوصفها “مركز الأخلاق” في العالم.
وإذا كانت الإبراهيميّة القرآنيّة دعوة للتوحيد والحريّة، فإن الإبراهيميّة السياسيّة الحديثة هي دعوةٌ للطاعة والامتثال.
الفصل الرابع: النتائج العامة والتّوصيات
نحو بناء مقاربة عربيّة نقدية لفهم الإبراهيميّة السياسيّة
بعد تحليل الإطار الفكري واللاهوتي لمفهوم الإبراهيميّة في الفصل الأول، واستعراض البنية الخطابيّة في نصوص الاتفاقيّات في الفصل الثاني، ودراسة الأبعاد الأيديولوجيّة والثقافيّة في الفصل الثالث، يمكن الوصول إلى مجموعة من النتائج العامة التي تلخص الموقف النقدي من هذه الظاهرة في ضوء التحليل العلمي واللغوي والدّيني.
الخاتمة: إنّ هذا البحث الذي سعى إلى قراءة الاتفاقيّات الإبراهيميّة من خلال عدسة تحليل الخطاب النّقدي، والمنهج المقارن بين الدّين والسياسة، قد بيّن أنّ هذه الاتفاقيّات تمثل تحولًا عميقًا في استخدام الدّين داخل العلاقات الدّوليّة المعاصرة. فلم يعد الدّين يُستدعى بوصفه منظومة قيميّة أخلاقيّة مستقلة، بل أصبح جزءًا من منظومة الهيمنة الرّمزيّة التي تُستخدم لإنتاج القبول السياسي.
لقد أظهرت الدّراسة أنّ الإبراهيميّة الحديثة تختلف جوهريًا عن الإبراهيميّة القرآنيّة. فالأولى مشروعٌ رمزي سياسي يهدف إلى دمج المنطقة العربيّة في النّظام العالمي الجديد عبر لغةٍ دينيّة مسالمة، والثانية رسالة توحيدٍ وتحررٍ إنساني من الطغيان.
كما بين التحليل أن الخطاب الإبراهيمي ليس مجرد دعوة إلى التعايش، بل إطارٌ فكري يعيد تعريف معاني الإيمان والهُويّة والعدالة بما يتماشى مع القيم النيوليبرالية للعولمة. فهو يروّج لسلامٍ اقتصادي أكثر منه سلامًا إنسانيًا، ولتسامحٍ ناعم يخفي خلفه اختلال موازين القوة.
بناء على ذلك يتوقف البحث عند الآتي:
أولًا: النتائج العامة
- الإبراهيميّة ليست مشروعًا دينيًا خالصًا بل مشروع سياسي برمزيّة دينيّة.
تؤكد النّتائج أن ما يُعرف بالاتفاقيّات الإبراهيميّة لم يُصمم أصلًا كآلية لحوار الأديان، بل كإطار رمزي سياسي يُستخدم لتبرير إعادة تشكيل التّحالفات الإقليميّة في الشّرق الأوسط. ويظهر ذلك جليًا في اللغة التأسيسيّة للاتفاق التي تستحضر الرّمز الإبراهيمي لا بوصفه نبيًا للعقيدة، بل بوصفه رمزًا للسّلام العالمي، وهي صياغة تتماهى مع النّزعة الليبراليّة الغربيّة في التّعامل مع الدّين.
- الخطاب الإبراهيمي يعتمد على تحويل الدّين إلى لغة سياسية رمزية.
من خلال أدوات تحليل الخطاب النقدي، يتبين أن الخطاب المرافق للاتفاقيّات يستخدم مفرداتٍ دينيّة ذات دلالات عاطفية مثل”الإيمان المشترك” و”البيت الإبراهيمي” و”أبناء إبراهيم”، ولكنّه يفصلها عن سياقها العقدي الأصلي. فالرّمز الدّيني يُنتزع من محتواه التّوحيدي ليُعاد تشكيله كأداة لغويّة ضمن ما يسميه فيركلاف Fairclough بـ “الإنتاج الأيديولوجي للمعنى”.
- وجود ازدواج دلالي بين الخطاب المعلن والمقاصد الضّمنيّة.
يتحدث الخطاب الإبراهيمي عن التّفاهم والتسامح، لكنّه يخفي في عمقه نية إعادة ترتيب موازين القوى الإقليميّة بما يضمن تفوق إسرائيل، واحتواء العالم العربي ضمن نظام سياسي واقتصادي جديد. وهذا ما يجعل الخطاب يقدّم نفسه كخطاب سلام في حين أنه إعادة إنتاجٍ ناعم للهيمنة.
- الإبراهيميّة تُعيد تعريف الهُويّة الدّينيّة والإنسانيّة.
من النّتائج المهمة أن المشروع يسعى إلى إعادة صياغة الهُويّة الإسلاميّة والعربيّة في إطار”الإنسان الإبراهيمي”، الذي يتجاوز الانتماء العقدي والقومي لصالح انتماء رمزي كوني. لكن هذه العالميّة الظّاهريّة تُخفي عملية تذويبٍ للهويات المقاومة، فتُفقد الأمة خصوصيتها الحضاريّة باسم “الوحدة الرّوحيّة”.
- المشروع الإبراهيمي امتداد استراتيجي للهيمنة الغربيّة.
التّحليل المقارن للخطاب الأمريكي والإسرائيلي الرّسمي يُظهر أنّ الإبراهيميّة تُستخدم كأداة في القوّة النّاعمة الغربيّة لتجميل السياسات الواقعيّة. فهي تمثل حلقة من حلقات الاستشراق الجديد الذي وصفه إدوارد سعيد بأنّه “توظيف المعرفة الدّينيّة والثقافيّة لإنتاج السيطرة”.
- غياب البعد الأخلاقي الحقيقي.
على الرّغم من أن الخطاب مليء بمفردات الأخلاق والتّسامح، إلّا أنّ التطبيق العملي – خصوصًا خلال حرب غزة 2023 – كشف زيف الادعاء الأخلاقي، إذ لم تُترجم هذه القيم إلى مواقف فعليّة تجاه المآسي الإنسانيّة. وهذا يثبت أن الخطاب الإبراهيمي خطابٌ ذرائعي يُستخدم وقت الحاجة ثم يُعلَّق عند الاصطدام بالواقع.
- وجود فجوة معرفيّة في الدّراسات العربيّة حول البنية الرّمزيّة للخطاب.
أظهرت المقارنة بين الدّراسات السّابقة أنّ معظم الأبحاث العربيّة ركزت على البعد السياسي للاتفاقيات، بينما لم تُحلل اللغة والمفاهيم التي يقوم عليها الخطاب ذاته. وهذا ما حاول هذا البحث تجاوزه عبر توظيف أدوات تحليل الخطاب النقدي لكشف البنية اللغويّة والفكريّة للهيمنة.
وفي ضوء هذه النّتائج، يمكن القول إنّ الاتفاقيّات الإبراهيميّة تمثل مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الدّين والسياسة، مرحلة تُستخدم فيها الرّموز المقدسة لتكريس مصالح دنيويّة، في مفارقةٍ صارخة بين قداسة الاسم ومادية الهدف.
ولذلك، يدعو هذا البحث إلى تطوير منهج نقدي عربي مستقل قادر على تفكيك الخطاب الدّولي وكشف بنيته الرّمزيّة، وإعادة الاعتبار للدّين بوصفه مصدرًا للتحرر الأخلاقي لا وسيلة للهيمنة السياسيّة. فالإبراهيميّة التي تحتاجها الإنسانيّة اليوم ليست تلك التي تُبرّر القوة، بل تلك التي تُعيد للروح الإيمانيّة معناها الأول: الإخلاص لله وحده، ورفض الخضوع للطغيان.
ثانيًا: التوصيات
استنادًا إلى ما سبق من نتائج، يقدم البحث مجموعة من التّوصيات النّظريّة والمنهجيّة التي يمكن أن تسهم في بلورة مقاربة عربيّة نقديّة مستقلة للتعامل مع الظواهر الدّينيّة–السياسيّة الجديدة:
- تأسيس دراسات عربيّة في تحليل الخطاب السياسي الدّيني.
ينبغي دعم الأبحاث التي تدرس الخطاب السياسي من زاوية لغويّة وثقافيّة، لأنّ فهم اللغة هو المدخل لفهم الهيمنة. ويجب أن تُدمج مناهج تحليل الخطاب النقدي والسيميولوجيا الثقافيّة في الدّراسات الإسلاميّة والاجتماعيّة العربيّة.
- تعزيز الوعي النقدي بالرّموز الدّينيّة المعولمة.
على المؤسسات الدّينيّة والفكرية أن تدرك أن المفاهيم الدّينيّة المشتركة يمكن أن تُستخدم كأدوات سياسية، لذا ينبغي قراءة هذه المفاهيم ضمن سياقاتها التّاريخيّة والعقديّة، لا من خلال الشّعارات الإعلاميّة.
- ضرورة إعادة الاعتبار للمفهوم القرآني للإبراهيميّة.
الإبراهيميّة في أصلها القرآني دعوة إلى التّوحيد والتّحرر من الشّرك والطغيان، بينما الإبراهيميّة السياسيّة تحوّلها إلى مشروعٍ إداري للوعي. لذلك ينبغي استعادة المعنى القرآني كإطارٍ مقاومٍ للهيمنة لا تابعٍ لها.
- إنتاج خطاب عربي بديل حول التّعايش والحوار.
بدلًا من الاكتفاء برفض الخطاب الإبراهيمي، يجب على الفكر العربي والإسلامي أن يُنتج رؤيته الخاصة للحوار بين الأديان، مستندًا إلى التّجربة الحضاريّة الإسلاميّة التي جمعت بين التوحيد والعدالة والكرامة.
- إنشاء مراكز بحثيّة عربيّة متخصصة في تحليل الخطاب الدّولي.
هذه المراكز يمكن أن تعمل على رصد التّحوّلات اللغويّة والثقافيّة في الخطاب الغربي حول الشّرق الأوسط، وتقديم دراسات نقديّة تساعد صانع القرار على فهم أعمق للسياسات الرّمزيّة.
- تعزيز التّعاون بين علماء الدّين والعلوم الاجتماعيّة.
إذ لا يمكن فهم توظيف الدّين في السياسة من خلال المنهج الفقهي وحده، بل من خلال تضافر علم الاجتماع الدّيني، والأنثروبولوجيا السياسيّة، ولسانيات الخطاب.
- التحذير من علمنة الرّموز الدّينيّة.
ينبغي الانتباه إلى أن تحويل الرّموز الإيمانية إلى شعارات إعلامية يؤدي إلى نزع قداستها، وإفراغها من معناها الإلهي، وهو ما يُعد شكلًا من أشكال الاستلاب الثقافي الذي يهدد الهُويّة الدّينيّة للأمة.
المصادر والمراجع الأجنبيّة
-1Abraham Accords Declaration. (2020). Retrieved from U.S. State Department.
-2Armstrong, K. (1996). The History Of God. Ballantine Books.
-3Bourdieu, P. (1990). The Logic Of Practice . Stanford University Press.
-4Economy, U. M. (2022). The Abraham Fund and Regional Economic Cooperation . Abu Dhabi: UAE Ministry of Economy.
-5Esposito, J. L. (2003). The future of islam and the west. Oxford University Press.
-6Fairclough, N. (2010). Critical Discourse Analysis: The critical study of language. Routledge.
-7Fairclough, N. (2010). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of language. Routledge.
-8Gramsci, A. (1971). Selections from the prison Notebooks. International Publishers.
-9Habermas, J. (2008). Between Naturalism and Religion. Polity press.
-10Huntington, S. P. (1996). The Clash if civilizations and the remaking of world order. Simon & Schuster.
-11II, V. C. (1965). Nostra Aetate. Vatican Press.
-12K. Rohulia. (2023). The Impact Of The Abraham Accords Of The Geopolitical Dynamics Of The Middle East. mediaforum journal.
-13Levinas, E. (1998). Difficult freedom: Essays on Judaism. Johns Hopkins University Press.
-14Monshipouri, M. D. (2025). The Gaza War And The Future Of The Abraham Accords.
-15Nye, J. S. (2004). Soft power: the means to success in world politics.
-16Office, U. G. (2021). The Abrahamic Family House Initiative. Abu Dhabi.
-17Said, E. (1993). culture and imperialism.
-18Spinoza, B. (1951). Theological- Political Treatise. Dover Publications.
-19The Holy Bible. (n.d.).
-20The Holy Bible. (n.d.).
-21Tolerance, U. M. (2019). Abrahamic Family House Project. Abu Dhabi.
-22Trump, D. J. (2020). Remarks At The Signing Of The Abraham Accords. The White House Archives.
-23Van Dijk, T. A. (2008). Discourse and Power. Palgrave Macmillan.
المصادر و المراجع العربيّة:
24- الرحمن, ا. ع. (2024). الدّين و السياسة في عالم متحول . المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات.
25-الشمري, ع. (2024). الاتفاقيّات الإبراهيميّة: قراءة في توظيف الخطاب الدّيني في العلاقات الدّولية.
26-العزاوي, ر. (2025). الاتفاقيّات الإبراهيميّة بين السياسة و الرّمز: دراسة نقدية في الخطاب العربي الرسمي.
27-الوهاب, ا. ع. (2002). العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة. القاهرة: دار الشروق.
28-مروان, ا. (2023). السّلام الإبراهيمي و مفهوم الهُويّة الجديدة. بيروت: الجامعة اللبنانية.
[1] – باحث في الفكر الديني والسياسي والدّراسات التاريخيّة المعاصرة
Researcher in religious and political thought and contemporary historical studies
E-mail: abdallah.badawi@net.usj.edu.lb