اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
مرايا النبوة في قصائد حسن مأمون
Mirrors of Prophecy in the Poems of Hassan Ma’moun
ALsayed Abdul Samad السيد عبد الصمد)[1](
المقدّمة
الشّاعر نبي عصره وفيلسوف زمانه وهو صاحب رسالة حياتيّه، وليس صاحب رؤيا وتلك الرّسالة تتمثل في نظرته الإصلاحيّة المختلفة للحياة، وسعيه الدائم لإرشاد بني الإنسان إلى سبل امتلاك الحقيقة ونشر القيم الإنسانيّة النبيلة الطاهرة . وبين يدي ديوان من الشّعر الحديث بعنوان: كيف أكون نبيًّا، للشّاعر الأجاوي الجميل، حسن مأمون، والدّيوان ضم بين جنباته 16قصيدة متنوعة فمنها الفلسفي التأملي ومنها العاطفي ومنها الوطني . ويظهر جليًّا في الدّيوان تأثر حسن مأمون بالمدرسة الرّومانسيّة في الشعر العربي . فمعظم قصائد الديوان تسعى للوصول إلى فلسفة طبيعيّة قوامها ثنائية البشر والطبيعة كما يظهر تمادي الشّاعر في التّصورات سواء ما كان منها إبداعيًّا واعيًا أم أحلام ونزوات. يظهر نفور الشّاعر حسن مأمون من الواقع المؤلم والمخجل واللجوء إلى عوالم متخيلة. و يظهر بوضوح تحرر الشّاعر من الوزن والقافية إلى حدٍّ معتدل – ففي القصيدة عنوان الدّيوان “كيف أكون نبيًّا” والتي أخصها بهذه الرؤية المتواضعة يقول. حسن مأمون:
كيف أكون نبيًّا
أدعو للأمة في صلواتي
أتسلق فوق جبال
الحكمة يا مولاتي
وأهيم على وجهي
في صحراء الصدق
وفى وجد الغابات
حتى يأتي براق الصبر
يحملني لأعانق ومض النور
وأرض الطهر
بداخل ذاتي
وأكون إماما للمحزونين
بكل دروب الأوطان
هذه القصيدة تعد نموذجًا فريدًا من الشّعر الرومانسي لغة وبناءً ومعنى . وقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بنفسيّة الشّاعر وذاته . وحوت العديد من السِّمات والمميزات المتمثلة في أفكار النَّص من أحاسيس ومواقف وانفعالات الشّاعر كما جسدت بعض القيم الإنسانيّة النبيلة المختلفة. ويستمر”حسن مأمون” فى سؤاله كيف أكون نبيًّا . فيقول:
كيف أكون نبيًّا
يا سيدتي
وليس لدى
سيف كالبتار
وليس لدى
شعب كالأنصار
ويقول أيضًا :
كيف أكون نبيًّا
يا سيدتي
وخرائط وطني صارت
ألف خريطة
من مكناس إلى البحرين
إلى بغداد حتى الشام
ظهرت القصيدة في تسع برقيات شعريّة استهل الشّاعر كلّ برقية منها بتوجيه السؤال نفسه لنفسه ” كيف أكون نبيًّا، وقد خلق هذا التّكرار قيمة جماليّة مؤثرة في شعريّة كل برقيّة، وكان لكل برقية منها إيقاعها الجمالي الخاص بها وطقسها الإبداعي المميز، وقد تضمنت البرقيّات القيم والمؤثرات الجماليّة التي ترفع أسهم القصيدة جماليًّا، ولعل أبرز ما حقق الإثارة الجماليّة في تلك القصيدة أنها تبني على قيم جماليّة، سواء في شكل القصيدة أم بنيتها، أو فكرتها وبتعبير أدق إنسانيتها. كما أنّ الشاعر حسن مأمون يرسم الصور رسمًا دقيقًا لتسكب القصيدة إيقاعها الجمالي الفاعل محققًا عمق المشهد وبداعة الصورة الملتقطة كما في البرقية رقم -4- والتي يقول فيها :
كيف أكون نبيًّا
يا سيدتي
وأنا في وطن
تلفظه كل الأوطان
يتناثر فى صفحات الفن
في نشرات الأخبار
والبرقية رقم – 5- والتي يقول فيها :
كيف أكون نبيًّا
يا سيدتي
وأنا مندهش
طول الوقت
لا أتعاطي غير الصّمت
– إنّ شهوة إصلاح العالم وتقنين المثل العليا عند البشر كان القوة الدافعة في قصيدة حسن مأمون “كيف أكون نبيًّا” ! فقد يتشابه وحي الأنبياء والشّعراء في أنّه اتصال بطاقة روحانيّة عليا تلقي بالكلمات والمعاني، والمشاعر في خاطر الشّاعر أو النَّبي . وربما تتشابه أعراض هذا الوحي ، فيكون الشّاعر حين الوحي أشبه ما يكون بكائن آخر مختلف غائبٍ عن مظاهر الحياة من حوله.
وقديمًا ظنَّ العرب أنّ النّبي محمد عليه الصّلاة والسلام شاعرٌ، ووصفوه بالشّاعر ووصفوه بالمجنون ، وظنوا أنّ القرآن الكريم شعرٌ يكتبه لما ترَسَّخ في أذهانهم من صلة وثيقة بين الشّاعر والنبيّ. إنّ غياب المثل العليا والقيم النبيلة في حياتنا هو غياب المقدّس اّلذي يترك مكانه للظّلمة بما هي من خراب روحي وانهزاميّة الروح الطامحة للخير. ووصف الشّاعر بأنّه نبي عصره وفيلسوف زمانه، لأنّه حمل على عاتقه تخليص الوجود الإنساني من السّقوط في غياهب الجهل والعمَّهَ، وهو لذلك أضحى رمزًا تعدّدت مدلولاته وتعددت .
إنّ الشّاعر النّبي هنا في قصيدة،حسن مأمون، لهو مرايا النّبوة ، تلك الأداة التي لها القابليّة على عكس أخلاقيّات وأدب، وقيم النّبوة والرّسالة بطريقة تحافظ على الكثير من صفاتهما الأصليّة قبل ملامسة سطح تلك المرايا .
فكان الشّاعر النّبي هو لسان الخير والصّدق والفضيلة والجمال يدعو للأمة في صلواته ويتسلق جبال الحكمة هائمًا على وجهه في صحراء الصّدق حتى يأتيه براق الصبر ليحمله إلى أرض الطّهر . يرى من جوهر القضيّة الإنسانيّة مالا يراه غيره فكان الأقدر على رؤية الأمل في حالة اليأس العام فبدت قصيدته” كيف أكون نبيًّا” وكأنّها ضد الانغلاقيّة والسّطحيّة، وبرزت رسالتها الخالدة وهى السّعي من أجل الإنسان .
وهو نفسه الشّاعر الذي يبحث عن الحبّ وعن منزله على هذه الأرض، وعن أرض مهملة يلقحها ببذره فتخصب ويصلح نبتها. وهو المشغول بالمأوى والباحث عن المرسى والشطآن والوطن . إن كلّ ما حوله يشير إلى الحزن والغضب والنّفور حتى صار وحده حيث لا يؤنسه في الطريق الشّاق غير سهام القلق، وإرهاصات الحيرة وذلك السؤال المعقد والعميق معًا ” كيف أكون نبيًّا ؟!!
وقد يعتقد البعض أنّ اقتراب الشّعر من الدّين في مصدرية مادة الإيحاء والوحي فقط !- بالطبع لا بل- فنقطة الالتقاء تكون في كنه الرّسالة ومفاده المطلوب من ارتقاء وإصلاح بين النّاس إذ إنّ كليهما النّبي والشّاعر يبشران بعالم جديد وقيم روحيّة جديدة، وينبئان عن ذلك العالم المجهول البعيد الذي يختلف عن الواقع الذي يعيشه الشّاعر أو النّبي. ولقد تداعت لدى شعراء كٌثر تلك المراودة “كعبد الرّحمن شكري وجبران خليل جبران في بلاده المحجوبة؛ فغالب من يترددون على تلك الأبواب المغلقة يحلمون بما يدعو إليه الصفوة والأنبياء من إعلاء لقيم الحق والخير والجمال ، وتغليب النّفس الزّكيّة على مطامع الجسد والهو .
فالنبوة منحة وتكليف وتشريف إلهي يجعلها الله تعالى لمن ينتخبه ويختاره، ويصطفيه من عباده الصّالحين وأوليائه في إنسانيتهم، فيرسلهم إلى أمة معلومة أو تكون السّامية للخلق جميعًا كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ” المرسل للعالمين بشيرًا ونذيرًا .
وقد يكون الفارق بين عالم النّبي وعالم الشّاعر هو أنّ النبي ينبئ عن عالم موجود خارج حدود وجوده ، وليس له دورٌ في صياغته ، بينما يكون عالم الشّاعر جزءًا لا ينفصل عن خياله ورؤاه وهو الذي يعيد صياغة هذا العالم المجهول وفق رؤاه هو، وحتى لا نشطط فاقتراب الرؤية والرّابط بين الاِثنين هو عالم المثاليّة والتجرد من موبقات الانفلات الأخلاقي والقيمي.
ونلحظ أيضًا في القصيدة سيطرة ضميري (المتكلم – المخاطب) على طقس القصيدة مما ساهم جيدًا في إبراز حالة الشّوق والتّلهف والهيام والتطلع على ذات الشّاعرحسن مأمون.
وهنا تتحرك البٌني السّرديّة بفاعليّة قصوى في إبراز توق الشّاعر وهيامه، على المشهد الشّعري وكأنّ درجة الحساسيّة الشّعريّة التي يمتلكها الشّاعر مأمون جعلت من القصيدة قيمة جماليّة عالية في تحريك الأنساق والارتقاء بها جماليًّا ومن أجل ذلك تتحدد شعريّة السّرد بفاعليته في التّحفيز النَّصي، والمهارة والخبرة الجماليّة التي يمتلكهاحسن مأمون، وهذا ما يحسب للقصيدة في مسارها السردي المؤثر. وقد تكشف لنا تلك القصيدة عن خصوبة مخيّلة الشّاعر وقدرته الفائقة على إعادة تشكيل الواقع بلغة دلاليّة تعبيريّة تمنح الألفاظ معان جديدة وشحنات رمزيّة تتجدد معها القراءة الفاعلة من قراءة إلى أخرى.
[1] – شاعر وناقد -رئيس نادى أدب شربين – وزارة الثقافة – مصر
Poet and critic – Head of the Sherbin Literary Club – Ministry of Culture – Egypt