تحولات الخطاب حول المثليّة الجنسيّة تاريخيًا: الدّين والقانون والطّب النّفسي واللغة في ضوء المنظور الإسلامي المعاصر

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

تحولات الخطاب حول المثليّة الجنسيّة تاريخيًا: الدّين والقانون والطّب النّفسي واللغة في ضوء المنظور الإسلامي المعاصر

Historical Transformations of Discourse on Homosexuality: Religion, Law, Psychiatry, and Language in Light of the Contemporary Islamic Perspective

Sawsan Mahdi Mahdi سوسن مهدي مهدي([1])

Supervised by Dr. Fawzi Ayoub إشراف الدكتور فوزي أيوب([2])

تاريخ الإرسال:17-2-2026                                             تاريخ القبول:27-2-2026

الملخص                                                                             turnitin:11%

تتناول هذه الدِّراسة المثليّة الجنسيّة بوصفها ظاهرة- مفهومًا يتشكّل تاريخيًا عبر تداخل الخطابات أكثر من كونه انعكاسًا للسّلوك وحده. تنطلق من نقد الإسقاط المفاهيمي على العصور القديمة، مبيّنة أن التّصنيفات هناك ارتبطت غالبًا بالدّور والمكانة لا بـ“هُويّة” جنسيّة ثابتة. ثم تدرس التّحوّل الإبراهيمي الذي أعاد تأطير الممارسة ضمن منظومة عقديّة–أخلاقيّة وأثر ذلك في التّجريم القانوني، مع عرض مقارن لليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، بما في ذلك تنوع الاجتهادات السّنيّة والشّيعيّة في التّنزيل وشروط الإثبات. كما تحلّل التّحوّل الطبي–النّفسي الحديث من الخطيئة إلى المرضنة ثم إلى نزع التّصنيف المرضي في المؤسسات المهنيّة الدّوليّة، وتبيّن دور اللغة في إنتاج الوصم أو إعادة التّعريف من “الفعل” إلى “الهُويّة”. وتخلص إلى ضرورة مقاربة إسلاميّة معاصرة توازن بين ثبات الحكم الفقهي ومتغيرات السّياق العالمي، مع إبراز البعد الوقائي التّربوي والاجتماعي والدّعم النّفسي الرّشيد.

كلمات مفتاحيّة: المثليّة الجنسيّة؛ تحولات الخطاب؛ الدّين والقانون؛ المرضنة ونزع المرضنة؛ الطب النّفسي؛ اللغة والوصم؛ الفقه الإسلامي (سني- شيعي)؛ الوقاية التّربويّة.

Abstract: This study examines homosexuality as a historically constructed phenomenon shaped by intersecting discourses rather than by behavior alone. It begins by critiquing the anachronistic projection of modern identity categories onto ancient societies, where classifications were typically based on social roles and status rather than fixed sexual identities. The paper then analyzes the Abrahamic transformation that reframed same-sex practices within a moral–theological paradigm, influencing subsequent legal criminalization, with a comparative discussion of Judaism, Christianity, and Islam, including both Sunni and Shi‘i jurisprudential approaches. It further explores the modern medical–psychological shift from sin to pathology and eventually to depathologization in international diagnostic systems. Special attention is given to the role of language in constructing stigma and in transforming the understanding of homosexuality from “act” to “identity.” The study concludes by proposing a contemporary Islamic framework that balances jurisprudential continuity with global transformations, emphasizing preventive, educational, social, and psychologically informed approaches.

Keywords: Homosexuality; Discursive Transformations; Religion and Law; Pathologization and Depathologization; Psychiatry; Language and Stigma; Islamic Jurisprudence (Sunni and Shi‘i); Preventive Framework.

المقدمة

تُعدّ المثليّة الجنسيّة من القضايا التي تكشف بوضوح كيف تُنتَج “الظواهر الاجتماعيّة” عبر تداخل الخطابات لا عبر الواقع السّلوكي وحده. فوجود ممارسات أو أشكال من الانجذاب بين أشخاص من الجنس نفسه ليس حدثًا معاصرًا، بل تذكره الشّواهد التّاريخيّة والأنثروبولوجيّة بأشكال متفاوتة في حضارات قديمة مثل بلاد ما بين النّهرين ووادي النّيل واليونان وروما. غير أن معنى هذه الممارسات، وحدود قبولها أو رفضها، لم يكن ثابتًا؛ إذ خضعت منذ وقت مبكر لمنطق “التّنظيم الاجتماعي” الذي يربط الجنسانيّة بالسّلطة والتّراتبيّة والطقس والدور (Foucault, 1978؛ Crompton, 2003)، لذلك فإنّ الحديث عن المثليّة بوصفها “هُويّة” متماسكة ومستمرة على النّمط الحديث لا يستقيم تاريخيًا في معظم العصور القديمة؛ لأنّ التّصنيف كان يجري غالبًا وفق الدّور الاجتماعي داخل الفعل، أو وفق المكانة والطبقة، لا وفق هُويّة جنسيّة ثابتة (Crompton, 2003).

ومع ظهور الدّيانات الإبراهيميّة، اتجهت مقاربة الممارسات المثليّة إلى نمط معياري أكثر صرامة، إذ برز خطاب التّحريم الدّيني بوصفه إطارًا مرجعيًا لإعادة تعريف هذه الممارسات بوصفها مخالفة للنّظام الأخلاقي والدّيني، ثم امتد هذا الإطار إلى التّشريع والعقوبة في كثير من السّياقات التّاريخيّة (القضاة، 2007/2017؛ الفرسيسي، 2002). وفي السّياق الإسلامي خصوصًا، تبلور خطاب فقهي يميّز بين توصيف “الفعل” وبين بناء الأحكام الشّرعيّة المرتبطة به، مع اختلافات معروفة بين المدارس الفقهيّة في تقدير العقوبات الدّنيويّة وصِيغ التّعامل القضائي، بينما بقي الإجماع أو الغالب الفقهي منصبًا على التّحريم ضمن تصور أوسع للعلاقة الجنسيّة المشروعة بوصفها إطارًا زوجيًا بين الذّكر والأنثى (فتحي، 1975؛ القضاة، 2017). وفي المقابل، يكشف التّاريخ الاجتماعي الإسلامي وجود مساحات “رماديّة” في التّمثيل الثقافي والأدبي، مثل الغزل بالمذكر في بعض العصور، بما يشير إلى أنّ الممارسة والتّمثيل الاجتماعي لا يتطابقان دائمًا مع الخطاب المعياري الرّسمي (Crompton, 2003).

ومع تشكّل الدولة الحديثة وتحوّل القانون الجنائي في أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر، بدأت بعض التّشريعات تتراجع عن التّجريم المباشر، لكن ذلك لم يعنِ نهاية الوصم. إذ سرعان ما انتقلت المثليّة من محكمة القانون إلى “عيادة الطّب”، أي من خطاب الجريمة إلى خطاب المرض، مع نشوء علم الجنس والطب النّفسي الحديث في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين (Foucault, 1978؛ Drescher, 2015). وقد تُوّج هذا التّحوّل بإدراج المثليّة ضمن التّصنيفات التّشخيصيّة في DSM-I وDSM-II، قبل أن يتصدّع الأساس المعرفي لهذا التّصنيف تحت ضغط البحث العلمي والتّحوّلات الاجتماعيّة، وصولًا إلى قرار إزالة المثليّة من DSM العام 1973، ثم اكتمال المسار بإزالة التّصنيفات ذات الصّلة من التّصنيف الدّولي للأمراض لاحقًا (Hooker, 1957؛ Drescher, 2015؛ WHO, 1992؛ WHO, 2019). ويُظهر هذا المسار أنّ العلم لم يكن “محايدًا” دائمًا، بل كان جزءًا من شبكة الخطابات التي تُنتج الفهم الاجتماعي وتعيد ترتيب الحدود بين الطّبيعي والمنحرف.

وتأتي اللغة في قلب هذا المسار؛ لأنّ التّسميّة ليست مجرد وصف، بل هي ممارسة رمزيّة تصنع المعنى وتوزع الشّرعيّة. فالتّاريخ العربي الحديث تداول مصطلحات مثل “اللواط” و“السّحاق” و“الشّذوذ” و“الانحراف”، وهي تسميات تحمل حمولة دينيّة أو تقويميّة واضحة، بينما ظهر في الخطاب العلمي الحديث مصطلح “المثليّة الجنسيّة” بوصفه ترجمة أكثر “اصطلاحيّة” وأقل مباشرة في الحكم القيمي، وإن بقي أثر التّاريخ الدّلالي حاضرًا في تلقيه الاجتماعي (Habib, 2009؛ Mahmoud, 2000؛ Whitaker, 2011). وتؤكد دراسات نفسيّة اجتماعيّة حديثة أنّ الألفاظ ليست متكافئة في أثرها النّفسي، وأن بعض الملصقات اللغويّة المرتبطة بتاريخ المرضنة تُحدث استجابات انفعاليّة أكثر سلبيّة مقارنة بتسميات هووياتيّة أو محايدة (Matsick et al, 2022)، بذلك يصبح تحليل تحولات الخطاب—الدّيني والقانوني والطبي واللغوي—مدخلًا ضروريًا لفهم “كيف تشكّلت الظاهرة” في الوعي الاجتماعي، لا فقط كيف وُجدت كسلوك.

وانطلاقًا من هذا الإطار، تسعى هذه الدِّراسة إلى تقديم قراءة تاريخيّة–خطابيّة للمثليّة الجنسيّة بوصفها ظاهرة تُعاد صياغتها باستمرار عبر السّلطة والمعرفة واللغة، مع إفراد مساحة خاصة لبيان الموقف الإسلامي ضمن منهج أكاديمي يميز بين الوصف التّاريخي والتّحليل القيمي، ويضبط المصطلحات من دون انزلاق إلى التّبسيط أو الإدانة غير العلميّة.

الإشكاليّة:

على الرّغم من أنّ الممارسات المثليّة وُجدت تاريخيًا في سياقات حضاريّة متعددة، فإنّ “المثليّة الجنسيّة” لم تستقرّ بوصفها مفهومًا واحدًا عبر الزمن، بل أُعيد إنتاج معناها عبر تداخل أنظمة معرفيّة متغايرة: دينيّة تؤسس للمعيار الأخلاقي، وقانونيّة تُجرّم أو تُبيح، وطبيّة–نفسيّة تُمرْضِن أو ترفع التّصنيف المرضي، ولغويّة تُسهم في الوصم أو التّحويل المفاهيمي من “الفعل” إلى “الهُويّة” (Foucault, 1978؛ Drescher, 2015؛ Halperin, 1990). ويُظهر تاريخ الطّب النّفسي، مثلًا، كيف انتقلت المثليّة في الغرب من “الخطيئة” إلى “المرض” ثم إلى “التّنوع” بعد إزالة التّصنيف المرضي في DSM العام 1973 ثم في التصنيف الدولي ICD لاحقًا (Hooker, 1957؛ World Health Organization, 1992؛ World Health Organization, 2019). وفي المقابل، تَحكم المقاربة الإسلاميّة التّقليديّة هذه المسألة ضمن بنية عقديّة–فقهيّة تركز على تنظيم الغريزة وحفظ مقاصد الأُسرة والعفّة، مع بقاء أصل التّحريم في المدونة الفقهيّة السُّنيّة والشّيعيّة وإن اختلفت آليات التّكييف والتّنزيل وشروط الإثبات (الفرسيسي، 2002؛ فتحي، 1975).

غير أنّ التّحدي المعاصر يتجاوز عرض المواقف إلى تحليل كيفيّة تشكّل الظاهرة في الوعي الاجتماعي: كيف تُنتج اللغة تصنيفاتها (مثل اللواط/السّحاق/الشّذوذ/المثليّة) وما الذي تفعله هذه التّسميات في بناء الوصم أو ضبط السّلوك؟ وكيف يتفاعل الخطاب الدّيني مع التّحوّلات العالميّة التي باتت تُقارب المثليّة ضمن إطار حقوقي– صحي لا يراها اضطرابًا نفسيًا بحد ذاتها؟ (Meyer, 2003)، وفي السّياق العربي–الإسلامي، تُطرح إشكاليّة إضافيّة تتمثل في محدوديّة الدِّراسات التي تجمع بين تحليل التّحوّلات الخطابيّة، وبين إبراز البعد الوقائي في المنظور الإسلامي بوصفه بُعدًا تنظيميًا تربويًا قبل أن يكون بُعدًا عقابيًا، خاصة مع استمرار حضور الكتابات التي تتناول الظاهرة غالبًا بمنطق تقويمي مباشر، أو علاجي تقليدي من دون مساءلة كافية لفارق “التوجه” و“الضّيق النّفسي” الناتج عن الوصم والصراع القيمي (النجار، 2006؛ المهدي، 2008).

وعليه يطرح السؤال الإشكالي: كيف أسهمت تحولات الخطاب الدّيني والقانوني والطّبي–النّفسي واللغوي في تشكيل مفهوم المثليّة الجنسيّة تاريخيًا، وكيف يمكن قراءة ذلك في ضوء المنظور الإسلامي المعاصر بما يوازن بين ثبات الحكم الفقهي وتبدّل السّياقات العالميّة؟

أهداف الدِّراسة

تهدف هذه الدِّراسة إلى تحليل التّحوّلات التّاريخيّة التي طرأت على مقاربة المثليّة الجنسيّة عبر أربعة أنظمة خطابيّة رئيسة: الدّيني، والقانوني، والطّبي–النّفسي، واللغوي، وبيان كيف أسهم كل نظام منها في إعادة تعريف الظاهرة وإعادة إنتاج معناها الاجتماعي. كما تسعى إلى توضيح الفارق المفاهيمي بين التّعامل مع المثليّة بوصفها “فعلًا” في المدونات الدّينيّة والفقهيّة، وبين التّعامل معها بوصفها “هُويّة” أو “توجهًا” في الخطاب الحديث، وتحليل آثار هذا الفارق على الجدل المعاصر.

وتهدف الدِّراسة كذلك إلى إبراز ملامح الموقف الإسلامي المعاصر، من خلال التّمييز بين ثبات الحكم الفقهي من جهة، وتعدد آليات التّنزيل الاجتماعي والقانوني من جهة أخرى، مع التّركيز على البعد الوقائي في الإسلام بوصفه إطارًا تربويًا واجتماعيًا متكاملًا. كما ترمي إلى ضبط الإطار الاصطلاحي المتعلق بالمفهوم، وتبيين أثر اللغة في تشكيل الموقف الاجتماعي والنّفسي تجاه الظاهرة.

أهمّيّة البحث:

تنبع أهمّيّة هذا البحث من كونه يعالج قضيّة إشكاليّة تتقاطع فيها الحقول الدّينيّة والقانونيّة والطبيّة والاجتماعيّة، الأمر الذي يستلزم مقاربة علميّة تحليليّة تتجاوز الطرح الانفعالي أو الاختزالي. فالموضوع لا يقتصر على بيان موقف معياري، بل يتعلق بفهم كيفيّة تشكّل الظاهرة في الوعي الجمعي عبر تحوّلات الخطاب وأنظمة المعرفة.

كما تكتسب الدِّراسة أهميتها من سعيها إلى تقديم معالجة أكاديميّة متوازنة في السّياق العربي–الإسلامي، تجمع بين الوعي التّاريخي للتّحولّات العالميّة وبين الالتزام بالمرجعيّة القيميّة الإسلاميّة، من دون خلط بين التّحليل العلمي والموقف الأخلاقي. وتتمثل أهمّيّة إضافيّة في تسليط الضوء على البعد الوقائي في الإسلام، بما يسهم في تطوير خطاب تربوي واجتماعي يركز على البناء الأُسري والتّنمية القيميّة بدل الاقتصار على منطق التّجريم أو الإدانة.

الفجوة البحثيّة

تُظهر مراجعة الأدبيّات أنّ الدِّراسات المتوفرة غالبًا ما تتخذ أحد اتجاهين: إمّا دراسات تاريخيّة–سوسيولوجيّة غربيّة تركز على تحولات الخطاب من دون اهتمام خاص بالسّياق الإسلامي، أو كتابات عربيّة ذات طابع فقهي أو تقويمي تركز على الحكم الشّرعي من دون تحليل عميق لبنية الخطاب وتحولاته.

وتبرز الفجوة البحثيّة في غياب مقاربة تركيبيّة تجمع بين تحليل التّحوّلات التّاريخيّة للخطاب (الدّيني، القانوني، الطبي، اللغوي) وبين إسقاط ذلك على الواقع الإسلامي المعاصر ضمن إطار علمي منضبط. كما يلاحظ ضعف التّركيز على البعد الوقائي الإسلامي بوصفه منظومة اجتماعيّة–تربويّة متكاملة، لا مجرد أحكام فقهية متعلقة بالفعل. ومن هنا تسعى الدِّراسة إلى سد هذه الفجوة عبر تقديم قراءة تحليليّة شاملة تتناول البنية الخطابيّة والتّطبيق المعاصر معًا.

جديد الدِّراسة

تتمثل جدة هذه الدِّراسة في تقديم قراءة تاريخيّة–خطابيّة متكاملة تُظهر أن مفهوم المثليّة الجنسيّة لم يكن ثابتًا عبر العصور، بل تشكّل من خلال تحولات متتابعة في أنظمة المعرفة والسّلطة. كما تبرز الدِّراسة خصوصيتها في الرّبط بين هذا التّحليل التّاريخي وبين الموقف الإسلامي المعاصر، مع إبراز البعد الوقائي بوصفه عنصرًا بنيويًا في المنظومة الإسلاميّة لتنظيم السّلوك الاجتماعي.

وتتميز الدِّراسة أيضًا بضبطها الاصطلاحي، من خلال التّفريق بين الفعل والهُويّة، وبين التّوجه والاضطراب، وبين التّحليل العلمي والموقف القيمي، بما يساهم في تقليل الالتباس المفاهيمي الذي يطغى على كثير من النِّقاشات المعاصرة.

منهج الدِّراسة

تعتمد الدِّراسة منهجًا نوعيًا يقوم على التّحليل التّاريخي–التّحليلي لتتبع تطور مقاربة المثليّة الجنسيّة عبر العصور، وتحليل التّحوّلات في الخطابات الدّينية والقانونيّة والطبيّة واللغويّة التي أعادت تعريف الظاهرة في كل مرحلة. كما تستخدم منهج تحليل الخطاب لكشف كيفيّة إنتاج المعنى داخل النّصوص الدّينية والفقهيّة، والوثائق القانونيّة، والأدّلة التّشخيصيّة الطّبيّة، والخطاب الاجتماعي.

وتقوم الدِّراسة على قراءة مقارنة بين المرجعيّات المختلفة، مع الالتزام بالتمييز بين الوصف والتحليل من جهة، والتّقويم المعياري من جهة أخرى. ولا تعتمد الدِّراسة على منهج تجريبي ميداني، بل تركز على تحليل النّصوص والمفاهيم، في إطار بحث نظري يهدف إلى بناء تصور تفسيري شامل لتحولات الخطاب حول المثليّة الجنسيّة في ضوء المنظور الإسلامي المعاصر.

الإطار المفاهيمي

المثليّة الجنسيّة في الحضارات القديمة – قراءة تاريخية تحليليّة في سياق التّنظيم الاجتماعي

تمهيد نظري: إشكاليّة إسقاط المفاهيم الحديثة على العصور القديمة

تواجه الدِّراسات التّاريخيّة المتعلقة بالمثليّة الجنسيّة تحديًا منهجيًا أساسه ضرورة تجنّب الإسقاط المفاهيمي (Anachronism). فمصطلح “المثليّة الجنسيّة” بوصفه دالًا على هُويّة نفسيّة–اجتماعيّة لم يتبلور إلّا في أواخر القرن التّاسع عشر، مع نشأة علم الجنس الأوروبي (Foucault, 1978؛ Halperin, 1990)، لذلك فإن استخدام المصطلح لوصف علاقات في الحضارات القديمة هو استخدام توصيفي حديث، لا يعكس بالضرورة إدراك تلك المجتمعات لذاتها.

يشير هالبيرين (Halperin, 1990) إلى أنّ المجتمعات الكلاسيكيّة لم تُقسّم الأفراد وفق ميولهم الجنسيّة، بل وفق أدوارهم ومكانتهم داخل البنية الاجتماعيّة. كما يؤكد بوسويل (Boswell, 1980) أنّ الفئات الجنسيّة كتصنيفات ثابتة لم تكن قائمة قبل العصر الحديث، وأن ما كان يُقيَّم هو السّلوك لا “الشّخص”.

وعليه، فإن تحليل المثليّة في الحضارات القديمة يقتضي النّظر إليها ضمن سياقها البنيوي: الدّيني، والطبقي، والتربوي، والسياسي.

بلاد ما بين النّهرين: بين الطقس الدّيني والبنية الرّمزيّة للجندر

تُظهر النّصوص المسماريّة السّومريّة والبابليّة إشارات إلى وجود أدوار جندريّة غير تقليديّة ضمن المؤسسات الدّينية، خاصة في معابد الإلهة إنانا-عشتار، المرتبطة بالحب والخصوبة والتّحوّل الجندري. وتشير دراسات الأنثروبولوجيا الدّينية إلى أنّ بعض الكهنة الذّكور (Gala) كانوا يؤدون أدوارًا طقسيّة مرتبطة بالحزن والغناء والإنشاد، وارتبطوا أحيانًا بلغة أنثويّة رمزيّة (Leick, 1994).

ويرى بوتيرو (Bottéro, 2001) أنّّ الديانة الرّافديّة احتوت على تصورات معقدة حول الجندر، ولم تكن ثنائيّة الذّكر-الأنثى جامدة كما في التّصورات اللاحقة، وكما يشير وينك (Wink, 1999) إلى أنّ التّحوّلات الجندريّة في الطقوس لم تكن تُفهم بوصفها انحرافًا، بل بوصفها تعبيرًا عن قوة إلهيّة أو رمزيّة.

أمّا على المستوى القانوني، فإنّ قوانين حمورابي لم تتضمن نصوصًا واضحة تعالج الممارسات المثليّة بين الذكور، في حين كانت تُنظّم بدقة قضايا الزنا والاغتصاب والاعتداء الأُسري. وهذا الغياب التّشريعي قد يُفسَّر إمّا بندرة الظاهرة في المجال العام، أو بكونها لم تُصنَّف كجريمة مستقلة في البناء القانوني (Nissinen, 1998).

بناءً على ذلك، يبدو أن المثليّة في بلاد الرافدين لم تكن مفهومة كهُويّة شخصيّة، بل كجزء من أدوار رمزيّة داخل النّظام الدّيني، من دون بلورة مفهوم مستقل للتوجه الجنسي.

مصر القديمة: الجسد، الرّمزيّة، وإشكاليّة التّأويل الأثري

في مصر الفرعونيّة، يُلاحظ غياب نصوص قانونية صريحة تُجرّم الممارسات المثليّة، وهو أمر لافت بالنظر إلى تفصيل القوانين المصريّة في مسائل الأسرة والإرث والعلاقات الزّوجيّة (Robins, 1993). غير أن بعض الاكتشافات الأثرية أثارت جدلًا حول احتمال وجود علاقات مثليّة، أبرزها مقبرة الكاهنين “نيانخنوم” و“خنومحتب”، وحلّل رييدر (Reeder, 2000) المشاهد المنقوشة في المقبرة التي تُظهر تقاربًا جسديًا حميميًا بين الرجلين، وعدَّها احتمالًا قويًا لعلاقة مثليّة. في المقابل، يرى مونتسيرات (Montserat, 1996) أنّ التّفسيرات الحديثة قد تُسقط مفاهيم معاصرة على رموز قد تحمل دلالات أخويّة أو طقسيّة.

كما يذهب مانيتون في قراءاته التّاريخيّة إلى أنّ الثقافة المصريّة كانت تركز على الانسجام الكوني (ماعت)، ولم تكن تُقسّم الأفراد وفق ميولهم الجنسيّة، بل وفق التزامهم بالنظام الأخلاقي العام.

إذن، يبقى وجود المثليّة في مصر القديمة مسألة تأويلية أكثر من كونه توثيقًا قانونيًا صريحًا، ما يعكس صعوبة إعادة بناء المفاهيم الجنسيّة في المجتمعات القديمة.

اليونان القديمة: المثليّة ضمن النّظام التّربوي والفضاء السياسي

تُعد اليونان القديمة النّموذج الأكثر توثيقًا للعلاقات بين الذكور. غير أنّ هذه العلاقات كانت جزءًا من نظام اجتماعي–تربوي يُعرف بـ “البيدارستيا”، ولم تكن قائمة على مفهوم “التوجه الجنسي” كما نفهمه اليوم (Dover, 1978).

يوضح دوفر (Dover, 1978) أنّ العلاقة بين الـ Erastes (الرجل البالغ) والـ Eromenos (الفتى) كانت تُنظم بمعايير دقيقة تتعلق بالعمر، والمكانة، والدور، ولم يكن الانجذاب هو المعيار الأخلاقي، بل الحفاظ على الكرامة الرّجوليّة والمكانة السياسيّة.

ويؤكد هالبيرين (Halperin, 1990) أنّ المجتمع الأثيني لم يعرف فئة “مثليين”، بل ميّز بين من يمارس دور الفاعل ومن يُتّخذ له دور الخضوع. فالخضوع الدّائم لرجل بالغ كان يُعد انتقاصًا من المواطنة.

أمّا في الفلسفة، فقد تناول أفلاطون في “المأدبة” مفهوم الحب بين الرّجال بوصفه وسيلة للارتقاء الروحي نحو فكرة الجمال المطلق، وهو ما يعكس وجود تأطير فلسفي للعلاقة، لا تصنيف مرضي أو أخلاقي مطلق، وفيما يخص العلاقات بين النساء، تُعد أشعار سافو دليلًا أدبيًا على وجود تعبيرات عاطفيّة بين النساء، غير أن حضورها الاجتماعي كان أقل تنظيمًا من نظيره الذكوري (Skinner, 2005)، وعليه، فإن المثليّة في اليونان كانت جزءًا من نظام سياسي–تربوي، لا هُويّة جنسيّة قائمة بذاتها.

روما القديمة: الشّرف، السّلطة، والهرميّة الجنسيّة

في روما، أعيدت صياغة العلاقات المثليّة ضمن إطار طبقي صارم. يوضح ويليامز (Williams, 2010) أن المجتمع الروماني لم يكن مهتمًا بجنس الشريك بقدر اهتمامه بالدور الذي يؤديه المواطن الحر داخل الفعل الجنسي.

فالرجل الحر الذي يؤدي دور الفاعل مع عبد أو أجنبي لا يفقد مكانته، أمّا من يتخذ دور الخضوع فيُعد فاقدًا للشرف، وهنا يظهر أنّ البنية الهرميّة للمجتمع كانت المحدد الأخلاقي، لا الميل الجنسي ذاته.

كما تُظهر نصوص مارتيال وسينيكا إشارات ساخرة إلى العلاقات بين الرجال، ما يدل على وجودها في الحياة اليومية، وإن كانت خاضعة لمعايير الشرف الذكوري (Richlin, 1993).

ومن خلال استقراء الحضارات القديمة يمكن استخلاص أنه ، لم يكن مفهوم “التوجه الجنسي” كهُويّة نفسيّة موجودًا، وأيضًا كانت العلاقات المثليّة تُفهم ضمن سياقات دينيّة، تربويّة، أو طبقيّة، بينما كان معيار التقييم أخلاقيًا–اجتماعيًا مرتبطًا بالدور والمكانة، لا بالميل، وأيضاً لم تتشكل ثنائية “مثلي-غيري” إلّا في العصور الحديثة.

وهذا يعني أنّ التّحوّل الحقيقي في تاريخ المثليّة لم يحدث في العصور القديمة، بل مع بروز الخطاب الدّيني الإبراهيمي الذي أعاد تعريف الممارسة ضمن إطار عقدي–أخلاقي صارم، ثم مع نشوء الخطاب الطبي الذي أعاد إنتاجها كمفهوم نفسي.

التّحوّل الإبراهيمي – من التّنظيم الاجتماعي إلى التّحريم العقدي والتّجريم القانوني

مثّل ظهور الدّيانات الإبراهيميّة نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ النّظر إلى العلاقات الجنسيّة عمومًا، والعلاقات المثليّة خصوصًا. فبينما كانت الحضارات القديمة تتعامل مع بعض أنماط العلاقات المثليّة ضمن أطر اجتماعيّة أو طقسيّة أو طبقيّة، جاء الخطاب الإبراهيمي ليعيد تعريف المسألة ضمن بنية عقديّة–أخلاقيّة ترتكز على مفهوم الخلق الإلهي والنِّظام الفطري والوظيفة الإنجابيّة للأسرة. ومن هنا انتقلت الممارسة من كونها سلوكًا اجتماعيًا منظّمًا في بعض السّياقات إلى كونها فعلًا محرّمًا دينيًا ومجالًا للعقوبة القانونيّة.

ويشير بوسويل (Boswell, 1980) إلى أنّ التّحوّل الجذري لم يكن في وجود الظاهرة بحد ذاتها، بل في إعادة تأطيرها ضمن ثنائيّة “الطّبيعي- ضد الطبيعة”، وهي ثنائيّة لاهوتيّة تبلورت بوضوح في التراثين اليهودي والمسيحي، ثم استقرت بصيغة تشريعيّة واضحة في الفقه الإسلامي. كما يؤكد وينك (Wink, 1999) أنّ قصة سدوم وعمورة أصبحت في المخيال الدّيني الإبراهيمي رمزًا للفساد الأخلاقي والعقاب الإلهي، وأسست لقرون من التّفسير العقدي للسّلوك المثلي.

الموقف اليهودي – بين النّص التّوراتي والتّفسير الحاخامي

  1. النّص التّوراتي: يُعدّ سفر اللاويين المرجع النّصي الأبرز في الموقف اليهودي من العلاقات بين الذكور، إذ ورد فيه: «لا تضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة، إنّه رجس» (اللاويين 18: 22)،

كما جاء في موضع آخر: «وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسًا، إنهما يُقتلان» (اللاويين 20: 13).

تُظهر هذه النّصوص أنّ التّحريم في اليهوديّة التّوراتيّة لم يكن توصية أخلاقيّة فحسب، بل اقترن بعقوبة حدّية شديدة. ويرى نيسينن (Nissinen, 1998) أنّ التّحريم ارتبط في السّياق العبري القديم بتمييز الشّعب الإسرائيلي عن الممارسات الكنعانيّة المجاورة، أيّ أنّ البعد الهوياتي–اللاهوتي كان حاضرًا بقوة.

  1. التّفسير الحاخامي: في الأدب التّلمودي، توسّع الحاخامات في تفسير النّصوص، فميّزوا بين اللواط الكامل وغيره من صور السّلوك، وناقشوا شروط الإثبات القضائي. ويشير جاكوب ميلغرم (Milgrom, 2000) إلى أنّ العقوبة في الشّريعة اليهوديّة الكلاسيكيّة كانت مشروطة بشروط صارمة للإثبات، ما جعل تطبيقها التّاريخي نادرًا.

أمّا في الفقه اليهودي الوسيط، فقد استقر التّحريم ضمن مفهوم “الخطيئة ضد الطبيعة”، مع استمرار التّشديد الأخلاقي وإن خفّ التطبيق الحدّي عمليًا في كثير من الحِقب.

 الموقف المسيحي – من اللاهوت الأخلاقي إلى القانون الكنسي

  1. العهد الجديد وبناء المفهوم الأخلاقي: لا يحتوي العهد الجديد على نصوص تشريعيّة حدّية مشابهة للتوراة، غير أن رسائل بولس الرّسول تضمنت إشارات واضحة إلى إدانة العلاقات بين الذّكور والإناث المثليّات، كما في رسالة روميّة (1: 26–27)، إذ عُدَّت الممارسة “مخالفة للطبيعة”.

ويرى جون بوسويل (Boswell, 1980) أنّ المسيحيّة المبكرة ركّزت على العفة الجنسيّة عمومًا، لكن مع تطور اللاهوت الأخلاقي في القرون الوسطى، خاصة لدى توما الأكويني، تبلور مفهوم “الخطايا ضد الطبيعة” (Summa Theologica)، إذ صُنّفت الممارسات المثليّة ضمن أخطر الانحرافات الأخلاقيّة.

  1. التّجريم في أوروبا الوسيطة: ابتداءً من القرن الحادي عشر، بدأت القوانين الكنسيّة والمدنيّة الأوروبيّة تُجرّم “اللواط” صراحة. ويذكر كرومبتون (Crompton, 2003) أنّ محاكم التفتيش الإسبانيّة عاقبت المتهمين بعقوبات وصلت إلى الحرق العلني.

وفي إنجلترا، صدر قانون “Buggery Act” العام 1533 في عهد هنري الثامن، وعُدَّت الممارسة جريمة تستوجب الإعدام. وقد استمر هذا القانون قرونًا، ما يبيّن انتقال التّحريم من مستوى اللاهوت إلى مستوى الدولة.

 الموقف الإسلامي – البناء العقدي والتّشريعي المقارن

  1. الأساس القرآني: يُعدّ القرآن الكريم المرجع الأول في تحديد الموقف الإسلامي من المثليّة الجنسيّة، من خلال قصة قوم لوط، الواردة في عدة سور، منها: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ۝ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء: 165–166)

كما وردت الإشارة في سور الأعراف وهود والعنكبوت، فقد اقترن الفعل بالعقاب الإلهي الشّديد.

ويرى الطباطبائي في “الميزان في تفسير القرآن” أنّ النّص القرآني يؤسس لفهم الممارسة بوصفها خروجًا عن النّظام الفطري للخلق الإلهي، لا مجرد سلوك فردي معزول (الطباطبائي، 1996)، بينما يوضح ابن كثير في تفسيره أن قوم لوط كانوا أول من أتى هذا الفعل على نحو معلن.

  1. السُنّة النّبويّة: ورد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): “من قبّل غلامًا من شهوة ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار” (المجلسي، 1998، ج 79، ص 72).
  2. الفقه السني – تنوع الاجتهادات داخل الإجماع على التّحريم

أجمع الفقهاء السنة على تحريم اللواط، لكنهم اختلفوا في تحديد العقوبة الدّنيويّة:

  • الحنفيّة: عدُّوا أنّ اللواط لا يُقاس على الزنا في الحد، بل يُعزَّر الفاعل بما يراه القاضي (الكاساني، 1990).
  • المالكيّة: قالوا بالرجم مطلقًا، سواء أكان الفاعل محصنًا أم غير محصن (ابن عبد البر، 2007).
  • الشّافعيّة: قياسه على الزنا، فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن (النووي، 2010).
  • الحنابلة: منهم من قال بالقتل مطلقًا (ابن قدامة، المغني).

أمّا السّحاق بين النّساء، فقد أجمعوا على تحريمه من دون حدٍّ مقدّر، ويُعزَّر الفاعلتان.

  1. الفقه الشيعي الإمامي – التّحريم والعقوبة الحدّية

في الفقه الشّيعي الاثني عشري، يُعدُّ اللواط من الكبائر. ويذكر الشّيخ الطوسي في “الخلاف” أنّ عقوبته القتل مطلقًا، سواء أكان الفاعل محصنًا أم غير محصن. كما يؤكد المحقق الحلي في “شرائع الإسلام” أنّ اللواط موجب للقتل حدًّا، استنادًا إلى الرّوايات المرويّة عن الأئمة (الحلي، 2005).

أمّا السّحاق، فيرى الفقه الشّيعي أنّه موجب للجلد مائة جلدة، استنادًا إلى روايات منسوبة للإمام الصادق (الحرّ العاملي، وسائل الشّيعة).، ويشير السّيد الخوئي في “مستند العروة الوثقى” إلى أنّ ثبوت الحدّ مشروط بشروط الإثبات الصّارمة، شأنه شأن الزنا.

5.: البنية المقارنة للتّحوّل الإبراهيمي

من خلال المقارنة يتضح ما يلي جميع الدّيانات الإبراهيميّة تعدُّ الفعل محرمًا عقديًا، اليهوديّة والمسيحيّة الوسيطة أقرتا عقوبات حدّية تاريخيًا، وأمّا الإسلام – سنيًا وشيعيًا – أجمع على التّحريم واختلف في تفاصيل العقوبة.

وفي الختام، يشكل التّحوّل الإبراهيمي مرحلة فاصلة في تاريخ المثليّة الجنسيّة؛ إذ تحوّلت من ممارسة اجتماعيّة ذات سياقات متنوعة في الحضارات القديمة إلى مسألة عقديّة–أخلاقيّة مرتبطة بمفهوم الفطرة والنِّظام الإلهي. ومن هنا نشأ التّجريم القانوني الذي استمر قرونًا في الشّرق والغرب.

غير أنّ المرحلة التالية من التّاريخ ستشهد تحوّلًا جديدًا، ليس هذه المرة دينيًا، بل علميًا– طبيًا، إذ ستنتقل الظاهرة من خانة “الخطيئة” إلى خانة “الاضطراب”، وهو ما سنعالجه في المحور القادم:

 التّحوّل الطبي–النّفسي – من الخطيئة إلى المرض ثم إلى التنوع

تمهيد: انتقال السلطة من اللاهوت إلى الطب

إذا كان التّحوّل الإبراهيمي قد أعاد تعريف المثليّة الجنسيّة بوصفها خطيئة دينيّة وموضوعًا للتّجريم القانوني، فإنّ العصر الحديث شهد انتقالًا تدريجيًا في مركز تفسير الظاهرة من المجال اللاهوتي–القانوني إلى المجال الطبي–النّفسي. لم يعد السؤال الرئيس: “هل الفعل خطيئة؟”، بل أصبح: “ما طبيعته النّفسية والبيولوجيّة؟ وهل يُعدّ اضطرابًا؟”. ويُعدّ هذا التّحوّل مثالًا كلاسيكيًا على ما وصفه فوكو (Foucault, 1978) بانتقال السّلطة المعرفيّة من الكنيسة إلى المؤسسة العلميّة، إذ أصبح الطب النّفسي المرجع الرئيس في تحديد ما هو “سوي” وما هو “منحرف”.

غير أن هذا الانتقال لم يكن تحرريًا بالضّرورة؛ إذ استبدلت المثليّة موقعها من خانة “الخطيئة” بخانة “المرض”، قبل أن تُعاد مراجعة هذا التصنيف في أواخر القرن العشرين.

 القرن التّاسع عشر – ميلاد مفهوم “المثلي الجنسي” كتصنيف علمي

حتى القرن التّاسع عشر، لم يكن هناك مفهوم علمي لـ “الهُويّة المثليّة”، بل كانت الممارسات تُفهم بوصفها أفعالًا. في العام 1869، صاغ كارل ماريا كيرتبيني (Karl Maria Kertbeny) مصطلح “Homosexualität”، في سياق دفاعه عن إلغاء تجريم العلاقات المثليّة في بروسيا. كان هذا التّحوّل اللغوي مهمًا؛ لأنه نقل النقاش من “فعل محرّم” إلى “نمط انجذاب” (Drescher, 2015).

في المدّة نفسها، بدأ علم الجنس الأوروبي (Sexology) بالتكوّن، وبرز ريتشارد فون كرافت-إيبنج (Krafft-Ebing) الذي صنّف المثليّة ضمن “الانحرافات الجنسيّة” في كتابه Psychopathia Sexualis (1886)، معتبرًا إياها اضطرابًا فطريًا في الغريزة الجنسيّة. وقد مثّل هذا التصنيف بداية “المرضنة الطبيّة” للظاهرة.

ويشير هافلوك إليس (Havelock Ellis) لاحقًا إلى مقاربة أكثر اعتدالًا، إذ رأى أن المثليّة ليست بالضّرورة انحرافًا أخلاقيًا، بل تنوعًا نفسيًا–بيولوجيًا نادرًا، وإن بقيت في إطار “الاختلاف غير المعياري” (Ellis, 1897).

 التّحليل النّفسي – بين التفسير المرضي والنّسبيّة التّطوريّة

قدّم سيغموند فرويد قراءة أكثر تعقيدًا للمثليّة الجنسيّة. ففي رسائله وأعماله التّحليليّة، عدَّ أن البشر جميعهم يمرّون بمرحلة من الازدواجيّة الجنسيّة النّفسيّة، وأنّ المثليّة قد تنتج عن مسارات تطوريّة معينة في مرحلة عقدة أوديب. إلّا أنّه لم يصنفها كمرض عقلي بالمعنى الإكلينيكي الصّارم (Freud, 1953).

وفي رسالة شهيرة العام 1935، أوضح فرويد أنّ المثليّة “ليست مرضًا، بل اختلاف في التّطور الجنسي”، وأن محاولات تغييرها قد تكون غير مجدية نفسيًا. ومع ذلك، ظلّ التّحليل النّفسي الكلاسيكي – خاصة في أمريكا منتصف القرن العشرين – يميل إلى عدَّها اضطرابًا في النمو النّفسي.

 التّصنيف الرّسمي في الطب النّفسي – مرحلة DSM

مع صدور الدّليل التّشخيصي والإحصائي للاضطرابات النّفسيّة (DSM-I) العام 1952 عن الجمعيّة الأمريكيّة للطب النّفسي، أُدرجت المثليّة الجنسيّة ضمن “الانحرافات السّوسيوباتيّة في الشّخصيّة” (American Psychiatric Association, 1952). واستمر هذا التّصنيف في DSM-II (1968)، حيث عُدّت المثليّة “اضطرابًا في التّوجه الجنسي”.

غير أنّ هذا التّصنيف لم يكن مبنيًا على دراسات تجريبيّة راسخة بقدر ما كان امتدادًا لافتراضات ثقافيّة سائدة. وقد شكّلت دراسة إيفلين هوكر (Hooker, 1957) نقطة تحول؛ إذ قارنت بين مثليين وغير مثليين في اختبارات نفسيّة معياريّة، ولم تجد فروقًا دالة تشير إلى اختلال نفسي خاص بالمجموعة المثليّة.

تزامن ذلك مع تصاعد الحركات الحقوقيّة، خاصة بعد أحداث ستونوول العام 1969، مما أدى إلى مراجعات داخليّة في الجمعيّة الأمريكيّة للطب النّفسي. وفي العام 1973، اتُّخذ القرار التّاريخي بإزالة المثليّة الجنسيّة من قائمة الاضطرابات النّفسيّة (Drescher, 2015).

لاحقًا، أُدخلت صيغة انتقاليّة تحت مسمى “المثليّة غير المتوافقة مع الأنا” (Ego-dystonic Homosexuality) في DSM-III (1980)، لكنها أُزيلت نهائيًا في DSM-III-R العام 1987.

 منظمة الصحة العالمية والتّحوّل الدولي

اتبعت منظمة الصّحة العالميّة المسار ذاته، وقد أزالت المثليّة الجنسيّة من التّصنيف الدّولي للأمراض (ICD-10) العام 1990 (World Health Organization, 1992). وفي النّسخة الأحدث ICD-11 (2019)، لم يعد هناك أي تصنيف مرضي متعلق بالتّوجه الجنسي.

هذا التّحوّل رسّخ إجماعًا مهنيًا عالميًا مفاده أن التوجه المثلي بحد ذاته لا يُعد اضطرابًا نفسيًا، وأنّ المشكلات النّفسية المرتبطة به غالبًا ما تعود إلى عوامل اجتماعيّة مثل الوصمة والتمييز (Meyer, 2003).

 من المرض إلى مفهوم “التنوع”

مع نهاية القرن العشرين، بدأت الأدبيّات النّفسية والاجتماعيّة تتحدث عن المثليّة ضمن إطار “التنوع الجنسي” (Sexual Diversity). وأصبحت المنظمات المهنيّة الكبرى – مثل الجمعيّة الأمريكيّة لعلم النفس – تؤكد أنّ التوجه الجنسي أحد أبعاد الهُويّة الإنسانيّة، ولا يُعد في ذاته مؤشرًا على اختلال نفسي (American Psychological Association, 2009).

في المقابل، ظهرت انتقادات لهذا التّحوّل، عدَّت أنّ إزالة التّصنيف لم تكن نتيجة علميّة بحتة، بل جاءت أيضًا تحت تأثير الضّغوط الاجتماعيّة والسياسيّة (Bayer, 1987). وقد فتح هذا النّقاش بابًا أوسع حول العلاقة بين العلم والقيم، وحدود الموضوعيّة في الطّب النّفسي.

 نقد إبستمولوجي – هل تغيّر “الحكم” أم تغيّر “الإطار”؟

يثير هذا المسار التّاريخي سؤالًا منهجيًا عميقًا: هل تغيّر الحكم على الظاهرة، أم تغيّر الإطار الذي تُفهم من خلاله؟

في المرحلة الدّينيّة كانت المرجعيّة لاهوتيّة، وفي المرحلة الطبيّة أصبحت المرجعيّة علميّة–تشخيصيّة، وفي المرحلة المعاصرة باتت حقوقية–اجتماعيّة. وبالتالي، فإنّ المثليّة لم تتغير بوصفها ظاهرة، بل تغيّرت أدوات تعريفها وتقييمها.

ويؤكد فوكو (1978) أنّ ما حدث في القرن التّاسع عشر لم يكن “اكتشاف المثلي”، بل “اختراع المثلي” كهُويّة نفسيّة–اجتماعيّة مستقلة. أيّ أنّ الخطاب العلمي نفسه أسهم في تشكيل الفئة التي يتحدث عنها.

يُظهر التّحوّل الطبي–النّفسي أن المثليّة الجنسيّة انتقلت تاريخيًا من توصيفها كخطيئة دينيّة إلى عدَّها اضطرابًا طبيًا، ثم إلى تصنيفها كتنوّع في التّوجه الجنسي ضمن الأطر المهنيّة المعاصرة. غير أنّ هذا المسار لم يكن خطيًا أو خاليًا من الجدل، بل كان انعكاسًا لتغيّر أنظمة المعرفة والسّلطة في المجتمعات الحديثة.

وبذلك، فإنّ دراسة المثليّة الجنسيّة لا يمكن أن تقتصر على البعد الأخلاقي أو الطبي وحده، بل تستلزم فهمًا تكامليًا يتناول الدّين، والقانون، والعلم، واللغة بوصفها أنظمة خطابيّة تُعيد تعريف الظاهرة باستمرار.

الموقف الإسلامي المعاصر بين الثبات الفقهي والتّحوّلات العالميّة

 ثبات الحكم وتبدّل السياقات

يتميّز النّقاش الإسلامي المعاصر حول المثليّة الجنسيّة بوجود مستويين متداخلين: مستوى المعيار الشرعي الذي ظلّ في جوهره ثابتًا في المدونات الفقهيّة الكلاسيكيّة (تحريم اللواط والسّحاق)، ومستوى السّياق الاجتماعي–القانوني العالمي الذي تغيّر جذريًا خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، إذ اتجهت مؤسسات دوليّة وتشريعات وطنيّة عديدة إلى نزع التّجريم، وحماية الأفراد من التّمييز على أساس التّوجه الجنسي، وأحيانًا الاعتراف بعلاقاتهم قانونيًا. هذا التغاير بين “ثبات الحكم” و“تبدّل الواقع” أنتج توترات معرفيّة وعمليّة في مجالات الفقه، والسياسة الشّرعيّة، والطّب النّفسي، والخطاب الدّعوي، وحتى اللغة المستخدمة في توصيف الظّاهرة (القضاة، 2017؛ قاطرجي، 2014).

 الثّبات الفقهي في المدونة الإسلاميّة

1- مركزيّة النّص القرآني والسّرديّة الأخلاقيّة.

ترتكز المقاربة الإسلاميّة التّقليديّة على منظومة نصيّة وأخلاقيّة تُعيد تنظيم الفعل الجنسي داخل إطارين: الزّواج وحفظ النّسل وصيانة العفة. ويُستدعى في هذا السّياق سردُ قصة قوم لوط في القرآن الكريم بوصفها مرجعًا قيميًا لإدانة “فعل الرجال بالرّجال”، مع توسعة فقهيّة لاحقة لتشمل صورًا أخرى من الممارسات خارج الإطار المشروع. ويظهر في الأدبيّات العربيّة المعاصرة توكيد واضح على أن “العلاقة المقبولة شرعًا” هي بين الذّكر والأنثى ضمن الزواج، وأنّ الخروج عن ذلك يدخل في باب المحظورات (القضاة، 2017).

إجماع التحريم مع اختلافات في التّكييف والعقوبة

على مستوى المذاهب السُنيّة، استقرّ اتجاه عام على تحريم اللواط والسّحاق، مع اختلافات في التكييف الفقهي: هل يُلحق بالزنا حدًا؟ أم يُعاقب بتعزير؟ وهل تُفهم الواقعة ضمن باب “الحدود” أو “السياسة الشّرعيّة”؟ وتعرض الأدبيّات العربيّة التي أرسلتها أنت هذا التعدد بوضوح، ولو أنها تميل إلى لغة تقريريّة حاسمة في الإدانة (فتحي، 1975؛ القضاة، 2017؛ بريمة، 2020).

وبالنّسبة إلى الفقه الإمامي (الشّيعي الإثنا عشري)، فالموقف في الجملة يلتقي مع التّحريم، مع تفصيلات داخل كتب الفقه الاستدلالي والفتاوى حول التكييف وشروط الإثبات وحدود التعزير، وبناء التفريع على أبواب “الحدود” و“التعزيرات”. المنهج الإمامي هنا—كما في غيره—يربط المسألة بفقه الأسرة والعفة والآداب العامة، وليس بمفهوم “الهُويّة الجنسيّة” الحديث.

الخلاصة المنهجيّة: ثبات التّحريم لا يعني تطابقًا تامًا في آليات الفتوى أو تنزيل الأحكام على الواقع؛ لأن مساحة الاجتهاد تظهر في (أ) توصيف الواقعة، (ب) شروط الإثبات، (ج) أبواب السياسة الشّرعيّة، (د) ترتيب المقاصد عند التعارض (فتحي، 1975؛ الفرسيسي، 2002).

 التّحوّلات العالميّة التي تُربك “التنزيل” لا “الأصل”

1- انتقال العالم من التجريم إلى المقاربة الحقوقيّة–الصّحيّة

منذ نهاية القرن العشرين، تبنّت منظمات صحيّة دوليّة مقاربة تعدُّ المثليّة ليست اضطرابًا نفسيًا، وأزيلت من التّصنيفات المرضيّة (World Health Organization, 1992). وفي الوقت نفسه، توسّعت قوانين دول كثيرة في حماية الأفراد من التمييز، وأحيانًا الاعتراف بعلاقاتهم. هذه النّقلة أنتجت ضغطًا معياريًا دوليًا على المجتمعات المحافظة، ومنها مجتمعات إسلاميّة، بين مطلب “الامتثال الحقوقي” ومطلب “الحفاظ على المرجعية القيمية” (Drescher, 2015؛ قاطرجي، 2014).

2- أثر العولمة الرّقميّة والثقافة العابرة للحدود

تضاعف أثر الإعلام العالمي ومنصات التواصل في نقل خطاب الهُويّة والحقوق إلى فضاءات عربية وإسلامية، ما جعل المسألة لا تُناقش بوصفها “فعلًا” فقط، بل بوصفها “هوية” و“حقًا” و“تمثيلًا اجتماعيًا”. هنا تظهر إشكالية مركزية: الفقه الكلاسيكي تعامل غالبًا مع أفعال، بينما الخطاب العالمي المعاصر يتحدث عن هويات وانتماءات؛ وهذا الفارق المفاهيمي يولّد سوء فهم متبادل بين حقول الدّين والقانون والطب والناشطية (فرج وآخرون، 1993؛ Foucault, 1978).

 بين الفقه والخطاب الدّعوي: منطق “التحريم” ومنطق “الرعاية”

1- التّفريق بين الحكم على الفعل ومعاملة الشّخص

في الخطاب الإسلامي المعاصر تظهر—بدرجات متفاوتة—محاولة للتّفريق بين:

الحكم الشّرعي على الممارسة بوصفها محرّمة، والموقف الأخلاقي والاجتماعي من الشّخص بما يضمن عدم الظلم، وعدم الاعتداء، وحفظ الكرامة الإنسانيّة، وتقديم النّصح والرّعاية.

هذا التّفريق لا يلغي التّحريم عند الاتجاهات المحافظة، لكنه يُعيد ترتيب أدوات التّعامل: من “مركزية الإدانة” إلى “مركزية الإصلاح والرعاية” ضمن منظومة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطها الشّرعيّة ومقاصدها (القضاة، 2017).

2- السياسة الشّرعيّة ومقاصد الشّريعة كإطار تنظيمي

في الواقع الحديث، تتدخل مفاهيم السياسة الشّرعيّة والمصلحة ودرء المفاسد ومقاصد الشّريعة لفهم: كيف تُدار الظاهرة اجتماعيًا وقانونيًا، بعيدًا من النّقل الحرفي لتجارب تاريخيّة. وهنا تتجدد الأسئلة: ما حدود الدولة؟ ما حدود الخصوصية؟ كيف تُوازن الدّولة بين هُويّة المجتمع ومتطلبات العلاقات الدّوليّة؟ هذه أسئلة لا تحسمها النّصوص وحدها، بل يتداخل فيها الفقه والقانون والاجتماع السياسي.

 الطب النّفسي داخل المجتمعات الإسلاميّة: التّوتر بين المرجعيات

1- من “الاضطراب” إلى “التّنوع” في المعايير العالميّة

المعايير المهنيّة العالميّة في الصّحّة النّفسيّة تتجه إلى عدم عدِّ المثليّة اضطرابًا بحد ذاتها، والتّشديد على أن الوصمة والتمييز قد يرفعان معدلات الضّيق النّفسي (Drescher, 2015). وفي المقابل، تُظهر بعض الأدبيّات العربيّة نزعة لتأطير الظّاهرة ضمن “الانحراف- الشّذوذ” والسّعي إلى “العلاج”، مع اعتماد تفسيرات أُسريّة–اجتماعيّة وعدَّها مشكلة اجتماعيّة ينبغي “التّعامل معها” (بريمة، 2020؛ الميّزر، 2012؛ النجار، 2006؛ المهدي، 2008).

 الموقف القانوني في دول إسلاميّة: بين النّصوص والواقع

لا توجد “منظومة قانونيّة إسلاميّة واحدة” اليوم؛ بل توجد دول تتبنى الشّريعة كمصدر أساس للتّشريع، ودول تعتمد خليطًا من القانون الوضعي والمرجعيّة الدّينية، ودول تترك صيغًا فضفاضة مثل “خدش الحياء” أو “الفجور”. لذلك، تُفهم المثليّة قانونيًا ضمن سياقات متباينة، بينما يبقى المجتمع غالبًا عاملًا حاسمًا في إنتاج الوصمة أو التّسامح الضّمني أو الرّفض العلني (قاطرجي، 2014؛ القضاة، 2017).

إنّ الموقف الإسلامي المعاصر من المثليّة الجنسيّة يقوم على ثبات فقهي في أصل التّحريم داخل المذاهب السُنيّة والشّيعيّة، لكنّه يواجه تحديات تنزيليّة غير مسبوقة بفعل التّحوّلات العالميّة: انتقال الخطاب من الفعل إلى الهُويّة، تغير القانون الدولي ومعايير الصحة النّفسية، وتبدل شروط الاجتماع بفعل الإعلام والعولمة. ومن ثم، يصبح النّقاش الأكثر إنتاجًا علميًا هو الذي يميّز بين: (أ) الحكم المعياري، (ب) السياسة الشّرعيّة وإدارة المجال العام، (ج) الرّعاية النّفسيّة والاجتماعيّة للأفراد في سياق الوصمة والصّراع القيمي، مع الالتزام بصرامة المنهج وتعدد المراجع (بريمة، 2020؛ القضاة، 2017؛ الفرسيسي، 2002؛ Drescher, 2015؛ World Health Organization, 1992).

خاتمة تحليليّة

يُظهر المسار التّاريخي الذي تناولته الدِّراسة أنّ المثليّة الجنسيّة لم تكن في أي مرحلة مفهومًا ثابتًا في دلالته، بل تشكّل معناها عبر تحولات متعاقبة في بنية السّلطة والمعرفة. ففي المجتمعات القديمة كانت الممارسة تُفهم داخل أنظمة اجتماعيّة وطقسيّة محددة، من دون أن تُصاغ بوصفها “هوية” نفسية مستقلة. ومع التّحوّل الإبراهيمي انتقلت من مجال التّنظيم الاجتماعي إلى مجال التّحريم العقدي، إذ أُعيد تعريفها في إطار أخلاقي–تشريعي واضح، وربطت بمفهوم الفطرة والنّظام الأُسري، وأصبحت جزءًا من منظومة القيم التي تنظّم العلاقة بين الجنسين (الفرسيسي، 2002؛ فتحي، 1975).

ثم جاء التّحوّل الطبي–النّفسي في العصر الحديث لينقل النقاش من دائرة الخطيئة إلى دائرة المرض، قبل أن تتبدل هذه المقاربة مجددًا في النّصف الثاني من القرن العشرين مع إزالة المثليّة من التّصنيفات المرضيّة الدّوليّة (World Health Organization, 1992؛ Drescher, 2015). وهكذا يتبيّن أنّ الظاهرة لم تتغير بقدر ما تغيرت طريقة فهمها وتأطيرها. فكل خطاب—ديني، قانوني، طبي، أو لغوي—أسهم في إعادة تشكيل معناها وحدودها الاجتماعيّة.

في السّياق الإسلامي المعاصر، يظهر بوضوح ثبات الحكم الفقهي في التّحريم، مع اختلاف في آليات التّنزيل والتّعامل الاجتماعي. غير أنّ الاقتصار على بيان الحكم من دون معالجة الأسباب والوقاية يُنتج مقاربة ناقصة، لأنّ المنظور الإسلامي لا يقتصر على التّجريم، بل يؤسس لمنظومة وقائيّة متكاملة تهدف إلى صيانة الفرد والمجتمع قبل وقوع الانحراف.

البعد الوقائي في الإسلام: نحو مقاربة تربويّة واجتماعيّة متكاملة

إذا كان الخطاب الفقهي يحدد الحكم، فإن المقاربة التّربويّة والاجتماعيّة في الإسلام تركّز على الوقاية قبل العقوبة، وعلى بناء البيئة السّليمة التي تحمي الإنسان من الانحرافات السّلوكيّة عمومًا. ويتجلى ذلك في عدة مستويات مترابطة:

أولًا: البناء الأسري السليم

تؤكد الأدبيات النّفسيّة العربيّة التي تناولت الموضوع أنّ التّنشئة الأُسريّة المختلّة—كغياب الأب عاطفيًا، أو تسلّط أحد الوالدّين، أو اضطراب الهُويّة الجندريّة داخل الأسرة—قد تسهم في تشكّل صراعات هُويّة لدى بعض الأفراد (الميزر، 2012؛ بريمة، 2020). ومن منظور إسلامي، يُعدّ استقرار الأسرة وتوازن أدوارها من أهم مقومات الوقاية؛ إذ يقوم النظام الأسري على التّكامل بين الأب والأم، وعلى تنمية الهُويّة الجنسيّة السويّة لدى الأبناء، مع تجنب القسوة أو الإهمال أو التّمييز.

كما أرشدت السُنّة النَّبويّة إلى جملة من الإجراءات التّربويّة الوقائيّة، مثل التّفريق بين الأبناء في المضاجع، وتعزيز الحياء، وتوجيه الأبناء منذ الصغر إلى فهم الحدود الشّرعيّة للعلاقة بين الجنسين. هذه التّوجيهات لا تُفهم بمعزل عن مقصد حفظ العرض والنِّسب، أحد المقاصد الكليّة للشّريعة.

ثانيًا: تنظيم الغريزة لا كبتها

لا ينظر الإسلام إلى الغريزة الجنسيّة بوصفها أمرًا سلبيًا، بل يعدُّها جزءًا من الطبيعة الإنسانيّة، لكنّه ينظمها ضمن إطار الزواج. ومن ثمّ فإنّ من وسائل الوقاية المهمّة:

  • تيسير الزواج وعدم تعقيده.
  • معالجة ظاهرة تأخر الزواج اقتصاديًا واجتماعيًا.
  • تعزيز ثقافة العفة وضبط الشّهوة.

وتشير بعض الدِّراسات الاجتماعيّة العربيّة إلى أنّ الحرمان العاطفي أو الجنسي، أو الفشل في العلاقات الغيريّة، قد يدفع بعض الأفراد إلى أنماط بديلة من الإشباع (المهدي، 2008؛ النجار، 2006). ومن هنا تأتي أهمّيّة الحلول الاجتماعيّة التي تمنع الانحراف قبل وقوعه، بدل الاكتفاء بإدانته بعد حدوثه.

ثالثًا: ضبط المجال العام والإعلام

من منظور إسلامي تقليدي، يؤدي الإعلام والثقافة العامة دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي. ويرى عدد من الباحثين أن انتشار المضامين الإباحيّة أو التّرويج لنماذج سلوكيّة مخالفة للقيم السّائدة يسهم في تطبيع بعض الممارسات (قاطرجي، 2014). وعليه فإنّ الرّقابة الأخلاقيّة على المحتوى، وتعزيز الخطاب التّربوي الإيجابي، يُعدّان جزءًا من المنظومة الوقائيّة.

غير أنّ المقاربة العلميّة المتوازنة تستدعي التّمييز بين “حماية القيم” و“خطاب الكراهيّة”، إذ تبقى الدّعوة إلى الالتزام الأخلاقي في إطار يحفظ الكرامة الإنسانيّة ولا يتحول إلى عنف أو إقصاء اجتماعي.

رابعًا: الدعم النّفسي والتوجيه الإرشادي

في ضوء التّوتر بين المرجعيّة الدّينية والتّحوّلات العالميّة، قد يعيش بعض الأفراد صراعًا داخليًا بين ميولهم الذّاتيّة وانتمائهم الدّيني أو المجتمعي. وهنا تبرز أهمّيّة الإرشاد النّفسي المتخصص الذي يساعد الفرد على إدارة الصِّراع من دون تعميق الشّعور بالذّنب المرضي أو الاكتئاب. وتشير أدبيّات علم النّفس إلى أن الضّغوط الاجتماعيّة والوصمة قد تزيد من معدلات القلق والاكتئاب (Meyer, 2003)، ما يستدعي مقاربة إنسانيّة تراعي الصّحّة النّفسية إلى جانب الموقف القيمي.

خلاصة ختاميّة

إنّ تحليل تحولات الخطاب حول المثليّة الجنسيّة يكشف أنّ الظاهرة لم تُفهم يومًا خارج إطار المرجعيّات الثقافية التي أنتجتها. ففي السّياق الإسلامي، يبقى الحكم الفقهي ثابتًا في جوهره، لكن إدارة الظاهرة اجتماعيًا تتطلب تفعيل البعد الوقائي الذي يركّز على:

  • استقرار الأسرة وتوازنها.
  • التربية الجنسيّة المنضبطة بالقيم.
  • تيسير الزواج ومعالجة أسبابه الاقتصاديّة.
  • حماية المجال العام ثقافيًا.
  • وتوفير دعم نفسي مهني رحيم ومتزن.

بهذا التّوازن بين الثّبات المعياري والوعي بالتّحوّلات العالميّة، يمكن تقديم مقاربة علميّة إسلاميّة لا تختزل القضية في العقوبة، ولا تذيبها في relativism أخلاقي، بل تسعى إلى حماية الفرد والمجتمع ضمن رؤية متكاملة تجمع بين القيم والرّحمة والمسؤوليّة الاجتماعيّة.

خاتمة ونتائج المقالة

خلصت هذه الدِّراسة إلى أن المثليّة الجنسيّة ليست ظاهرة يمكن فهمها خارج سياق تحولات الخطاب الذي أحاط بها عبر التّاريخ. فقد انتقلت من كونها ممارسة اجتماعيّة ذات دلالات تنظيميّة أو طقسيّة في بعض الحضارات القديمة، إلى كونها موضوعًا للتحريم العقدي في الديانات الإبراهيمية، ثم إلى التّجريم القانوني الصّريح في العصور الوسطى، فإلى إعادة تأطيرها طبيًا ضمن خطاب المرض في العصر الحديث، قبل أن يعاد تعريفها في أواخر القرن العشرين ضمن خطاب التّنوع الإنساني في المؤسسات الطبيّة الدّوليّة. إنّ هذا المسار يكشف أنّ “معنى المفهوم” لم يكن ثابتًا، بل كان نتاجًا لتفاعل الدّين والقانون والطبّ واللغة في تشكيل تصور المجتمع عنها.

وفي السّياق الإسلامي، يظهر ثبات الحكم الفقهي في التّحريم، سواء في الفقه السُنّي أو الشّيعي، بوصفه جزءًا من منظومة أخلاقيّة أوسع تنظم العلاقة الجنسيّة ضمن إطار الزواج وتحفظ مقاصد الشّريعة في صيانة العرض والنِّسب وبناء الأسرة. غير أن هذا الثّبات المعياري لا ينفي الحاجة إلى قراءة واعية للسّياق المعاصر الذي يشهد تحولات قانونيّة وطبيّة عالميّة تؤثر في الخطاب العام، وتفرض تحدّيات جديدة على المجتمعات الإسلاميّة في كيفيّة إدارة هذه المسألة من دون التّفريط في المرجعيّة الدّينيّة أو الوقوع في مقاربات انفعاليّة غير علميّة.

وقد بيّنت الدِّراسة أن الاقتصار على خطاب التّحريم لا يكفي لفهم الظاهرة أو التّعامل معها، بل إنّ المنظور الإسلامي ذاته يتضمن بعدًا وقائيًا متكاملًا يقوم على ترسيخ البناء الأُسري السّليم، وتنمية الهُويّة الجنسيّة في إطار توازن الأدوار الوالدية، وتيسير الزّواج، وضبط المجال الإعلامي، وتعزيز التّربية الأخلاقيّة، إلى جانب توفير الإرشاد النّفسي المتخصص للأفراد الذين يعانون من صراعات داخليّة أو ضغوط اجتماعيّة. فالوقاية في المنظور الإسلامي ليست مجرد منعٍ قانوني، بل هي بناءٌ قيمي وتربوي متدرج يهدف إلى حماية الإنسان قبل وقوع الانحراف.

كما كشفت القراءة التّحليليّة أنّ اللغة ذاتها أسهمت في تشكيل الوعي الاجتماعي، إذ إنّ الانتقال من مصطلحات تقويميّة ذات حمولة دينيّة أو أخلاقيّة إلى مصطلحات علميّة أو هوياتيّة أحدث تحوّلات في الإدراك العام، وأعاد ترتيب العلاقة بين الفعل والهُويّة، وبين السّلوك والشّخص. ومن ثمّ فإنّ النّقاش العلمي الرّصين يقتضي ضبط المصطلحات، والتّمييز بين الحكم على الفعل وبين احترام كرامة الإنسان، وبين التّحليل الأكاديمي والموقف القيمي.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن فهم المثليّة الجنسيّة في السِّياق الإسلامي المعاصر يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الوعي التّاريخي بتحولات الخطاب، والالتزام بالمرجعيّة الشّرعيّة، والاستفادة من المعطيات النّفسيّة والاجتماعيّة الحديثة، مع التّركيز على الوقاية والتّربية وبناء الأسرة بوصفها الحصن الأول للمجتمع. إنّ التّحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة إنتاج خطاب الإدانة، ولا في الذّوبان في الخطاب العالمي من دون تمحيص، بل في صياغة رؤية علميّة متوازنة تحفظ القيم، وتصون الكرامة الإنسانيّة، وتدير الواقع بوعي ومسؤوليّة.

المصادر والمراجع

أولًا: المصادر الدّينيّة

  • القرآن الكريم.
  • العهد القديم: سفر اللاويين 18:22؛ 20:13.
  • العهد الجديد: رسالة بولس إلى رومية 1:26–27.

ثانيًا: المراجع العربيّة

  1. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (2007). الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار. بيروت: دار الكتب العلمية.
  2. ابن قدامة، موفق الدّين عبد الله بن أحمد (ت 620هـ). المغني. بيروت: دار الفكر.
  3. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن (ت 1104هـ). وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  4. الخوئي، أبو القاسم (ت 1413هـ). مستند العروة الوثقى. (طبعات متعددة).
  5. الطباطبائي، محمد حسين (1996). الميزان في تفسير القرآن. قم/طهران: (طبعات متعددة).
  6. الطوسي، محمد بن الحسن (1995). الخلاف. قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
  7. الكاساني، علاء الدّين أبو بكر بن مسعود. (1990). بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. بيروت: دار الكتب العلمية.
  8. المحقق الحلي، نجم الدّين جعفر بن الحسن (2005). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. (أربعة أجزاء).
  9. النووي، يحيى بن شرف (2010). المجموع شرح المهذب. بيروت: دار الفكر.
  10. الفرسيسي، علي سعيد أحمد. (2002). الغريزة الجنسيّة بين اليهودية والمسيحية والإسلام (ط2). المنصورة: مكتبة الإيمان.
  11. فرج، عبد القادر، وآخرون. (1993). موسوعة علم النفس والتحليل النّفسي. الكويت: دار سعاد الصباح.
  12. القضاة، عمر حمدي. (2017). الشباب والشذوذ الجنسي. عمّان: دار النفائس.
  13. قاطرجي، محمد. (2010). الشذوذ الجنسي: دراسة فقهية اجتماعية. بيروت: دار المعرفة.
  14. محمود، إبراهيم إسماعيل. (2000). المتعة المحظورة: الشذوذ الجنسي في تاريخ العرب. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر.
  15. الميّزر، هـ. ع. (2012). الجنسيّة المثليّة: العوامل والآثار. مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعيّة والعلوم الإنسانية، (34).
  16. الميّزر، هـ. ع. (2013). دراسات في الخدمة الاجتماعيّة والعلوم الإنسانية. جامعة حلوان.
  17. المهدي، م. (2008). برنامج علاجي لحالات الشذوذ الجنسي في المجتمعات العربية والإسلامية. مجلة النفس المطمئنة.
  18. النجار، كامل، (2006) المثليّة الجنسيّة (الأسباب والعلاج القاهرة، دار الصباح للنشر والتوزيع.
  19. الحنفي، عبد المنعم. (2002). موسوعة نفسية جنسية. القاهرة: مكتبة مدبولي.
  20. المجلسي، محمد باقر. (1998). بحار الانور، مؤسسة الوفاء.

ثالثًا: المراجع الأجنبيّة

  1. Ainsworth, M. D. S. (1989). Attachments beyond infancy. American Psychologist, 44(4), 709–716.
  2. American Psychiatric Association. (1952). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (1st ed.). Washington, DC: Author.
  3. American Psychiatric Association. (1968). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (2nd ed.). Washington, DC: Author.
  4. American Psychiatric Association. (1987). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (3rd ed., rev.). Washington, DC: Author.
  5. American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed.). Washington, DC: Author.
  6. American Psychological Association. (2009). Report of the Task Force on Appropriate Therapeutic Responses to Sexual Orientation. Washington, DC: Author.
  7. Bayer, R. (1987). Homosexuality and American Psychiatry: The Politics of Diagnosis. Princeton, NJ: Princeton University Press.
  8. Blumstein, P., & Schwartz, P. (1983). American Couples: Money, Work, Sex. New York, NY: William Morrow.
  9. Boswell, J. (1980). Christianity, Social Tolerance, and Homosexuality. Chicago, IL: University of Chicago Press.
  10. Bottéro, J. (2001). Religion in Ancient Mesopotamia. Chicago, IL: University of Chicago Press.
  11. Crompton, L. (2003). Homosexuality and Civilization. Cambridge, MA: Harvard University Press.
  12. Dover, K. J. (1978). Greek Homosexuality. London: Duckworth.
  13. Drescher, J. (2015). Out of DSM: Depathologizing homosexuality. Behavioral Sciences, 5(4), 565–575.
  14. Ellis, H. (1897). Sexual Inversion. London: (Various editions).
  15. Foucault, M. (1978). The History of Sexuality: An Introduction (Vol. 1). New York, NY: Pantheon Books.
  16. Freud, S. (1953). Three Essays on the Theory of Sexuality. In The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud. London: Hogarth Press.
  17. Halperin, D. M. (1990). One Hundred Years of Homosexuality and Other Essays on Greek Love. New York, NY: Routledge.
  18. Habib, S. (2009). Female Homosexuality in the Middle East: Histories and Representations. London: Routledge.
  19. Hooker, E. (1957). The adjustment of the male overt homosexual. Journal of Projective Techniques, 21(1), 18–31.
  20. Kurdek, L. A. (1998). Relationship outcomes and their predictors: Longitudinal evidence from heterosexual married, gay cohabiting, and lesbian cohabiting couples. Journal of Marriage and the Family, 60(3), 553–568.
  21. Leick, G. (1994). Sex and Eroticism in Mesopotamian Literature. London: Routledge.
  22. Matsick, J. L., Kruk, M., Palmer, L., Layland, E. K., & Salomaa, A. C. (2022). Extending the social category label effect to stigmatized groups: Lesbian and gay people’s reactions to “homosexual” as a label. Journal of Social and Political Psychology, 10(1), 369–387.
  23. Meyer, I. H. (2003). Prejudice, social stress, and mental health in lesbian, gay, and bisexual populations: Conceptual issues and research evidence. Psychological Bulletin, 129(5), 674–697.
  24. Milgrom, J. (2000). Leviticus 17–22: A New Translation with Introduction and Commentary. New York, NY: Doubleday.
  25. Montserrat, D. (1996). Sex and Society in Ancient Egypt. London: (Publisher varies by edition).
  26. Nissinen, M. (1998). Homoeroticism in the Biblical World: A Historical Perspective. Minneapolis, MN: Fortress Press.
  27. Pan American Health Organization. (2012). “Cures” for an Illness That Does Not Exist. Washington, DC: Author.
  28. Peplau, L. A., & Fingerhut, A. W. (2007). The close relationships of lesbians and gay men. Annual Review of Psychology, 58, 405–424.
  29. Reeder, G. (2000). Same-sex desire, conjugal constructs, and the tomb of Niankhkhnum and Khnumhotep. World Archaeology, 32(2), 193–208.
  30. Robins, G. (1993). Women in Ancient Egypt. Cambridge, MA: Harvard University Press.
  31. Skinner, M. B. (2005). Sexuality in Greek and Roman Culture. Malden, MA: Blackwell.
  32. Whitaker, B. (2011). Unspeakable Love: Gay and Lesbian Life in the Middle East (2nd ed.). London: Saqi Books.
  33. Williams, C. A. (2010). Roman Homosexuality (2nd ed.). Oxford: Oxford University Press.
  34. Wink, W. (1999). Homosexuality and the Bible: Two Views. Minneapolis, MN: Fortress Press.
  35. World Health Organization. (1992). The ICD-10 Classification of Mental and Behavioural Disorders. Geneva: Author.
  36. World Health Organization. (2019). International Classification of Diseases (11th Revision). Geneva: Author.

 

[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم علم النّفس

PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of Psychology- Email: Sawsanmahdi123@gmail.com

[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية

Email: fayoub@ ul.edu.lb – Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.