اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
“بالونٌ مُنْتَفِخٌ”
“An inflated balloon“
Zainab Tahhan زينب طحان([1])
كنتُ أسترقُ النَّظرَ إليه بين الفَنَيةِ والأُخرى، وهو جالسٌ في المقاعدِ الإِماميّةِ في القاعةِ الكبيرةِ المُخصَّصةِ للمؤتمراتِ والاحتفالاتِ، بكراسيها الحمراءِ التي استسلمتْ لِجُمهورٍ من طُلّابِ الجامعةِ وأساتذتِها.. جالسةً إلى المنصّةِ بين المحاضِرينَ الأساتذةِ زملائي، أَنتظرُ دَوري لإلقاءِ بحثي الأكاديميّ.. أُراقبُ الجُمهورَ المُحتَشِدَ وعُيونَهم تُحاصِرُ الأستاذَ المُحاضِر، وإنْ زاغت أو التَفَتَتْ بُرهةً؛ في حينَ هو يَتلهّى بهاتفِه ويُحرِّكُ مِفاتيحَه، يَضَعُ نَظّاراتِه؛ مُستغرِقًا في القراءةِ..
هل كانَ يَقرأُ فعلًا؟ سألتُ نفسي مُستغربةً من تَصرُّفِه؛ لطالما أَحسستُ به مُدَّعيًا التَّثَقُّفَ مُنتَزِعًا الصِّفةَ نَفسَها عن نُظرائِه..ثم يُبعِدُ نَظّاراتِه عن عينيه، ليَنظُرَ إلينا بعينينِ جامدَتَيْن، كعادته، سَوادهما سَوادُ ليلٍ لا بَصيصَ لِنورِ قمرٍ فيه..
كيفَ يَبرعُ في إحاطةِ نَفسِه بهذا الجَليد؟ أَلا تُؤثِّرُ فيه الكلماتُ ومعانيها؟ أو حُضورُ الحشدِ من حولِه؟ أَلا يُراعي الحالَ في أيِّ مجلسٍ هو؟
كلُّها إشاراتٌ كنتُ ألتقطُها، طوالَ خمسِ سنواتٍ من عَلاقتنا، ولطالما تَغافلتُ عنها، أنتبهُ إليها في ثوانٍ ثم تَغيبُ في طَواحينِ هَواءِ غرامِي.. أيُّ شَغَفٍ كانَ يَعميني عن حَقيقةِ روحِه النَّرجسيّة؟ أوَ لا يُخلَقُ الشَّغَفُ تجاهَ روحٍ مُعطاةٍ، تُرفرِفُ حانيةً على مَن حولَها وقُربِها؟
بينما كنتُ أَهُمُّ بالدخولِ إلى القاعةِ؛ ألتقِيتُ به قُربي، وكأنَّه يُزاحِمُني في الدّخولِ وسطَ الجُموع.. غريبٌ أنّي نسيتُ تلكَ المشاعرَ الجيّاشةَ كُلَّها..! لم يَعُدْ وُجودُه بالنسبةِ إليَّ طاغيًا أو حتّى مُجرَّدَ كائنٍ بشريٍّ له حَيِّزٌ من المكان.. ثمّ انتبهتُ فجأةً، بعدَ انتهائي من مُحاضرتي حينَ عُدتُ أسترقُ النَّظرَ إليه، أنّي أرى بالونًا مُنْتَفِخًا أمامي.. وجهَه.. أجل وجهَه! كيفَ لم أُلاحِظْ قَطُّ أنّه دائريٌّ.. حتّى لا لَونَ له، وصوتُه مُبعثَرٌ في الهواء..!