رؤى نقدية بتجربة شعرية مغايرة للسائد الشعري عن “عقيل عليّ”

0

رؤى نقدية

بتجربة شعرية مغايرة للسائد الشعري عن “عقيل عليّ”

صباح محسن كاظم([1])

لعلّ المُغايرة الشّعريّة في هذه التجربة الإبداعيّة الآسرة المؤطرة بأنساق التوق للحرية، التي تحتشد بالتمرد، والنزوع نحو الرفض للثبات،والاستكانة، والنمطية، هي التي ميزت الشاعر المبدع “عقيل عليّ” من غيره من معاصريه، من خلال القدرة على خلق الدّهشة المتولدة من الصورة الشّعريّة الموحيّة، والإيقاع الموسيقي، الذي اشتغل عليه بفضاء المعنى الشّعري. فالصّورة عنصر دلالّي أو عنصر منتج للدلالة بمعنى رؤية الشّاعر تتجلى في المشهد البصري للتّضمين الإيحائيّ الذي يثير السّمع، والتّخييل لدى المتلقيّ، ليشعر بالانسجام بين الواقعيّ والطوباويّ الحلميّ اليوتوبيّ بالمشهد السّردي الشعريّ، والذي يتأمل جمالية تلك الصوّر المدهشة بخياله. إن تجربة الشّاعر العراقي “عقيل عليّ” أثارت الجدل الواسع حول الرؤية العميقة الدلالات بنصوصه التي يوجزها ببلاغة آسرة لشاعر ملغز لا يمنح شعره للفهم بسطحيّة بل يحتفظ بسحره للتأمل الواعي، وهو يعيش الاغتراب الدّاخلي، والبؤس، والرّفض للواقع السّياسي، إبان حقبة القهر 1968 – 2003م، لذلك تحمل القصائد لديه الدّلالات الرّمزيّة العميقة التي عبر عنها بشعرية فائقة ليشير إلى الهمّ الجمعيّ، بجموح يصهل به عاليًا يسرج بعيدًا من المألوف.. بشعرية تترك الأثر، والتوتر، والحضوّر،على الرغم من حافتها الباهظة الثمن عليه من خلال عزلته.

لقد سلك الطريق الوعرة كي لايهادن السّائد السلطويّ، قصائد ضاجة بالحياة والعمق الفلسفيّ، على الرغم من الموت الثّمانيني والتّسعيني في الحروب البعثيّة القذرة، لكنه آمن برسالته الشّعريّة، ونشيده البعيد من النواح، بل الذي يطلب الحياة وينتفض على الواقع، والراهن السائد أنذاك تجربة تشي بمقدرة فذة، إذ هي ليست هواجس ذاتيّة كفقاعات وبالونات فارغة مثل شعر اليوم الرّخيص الذي لايوازي ثمن طبعه.

ولفهم هذه التّجربة لابد من استيعاب حالة التّمرد التي عاشها الشّاعر بالقلق الصّاخب، الّذي كان يغلي ويستعر في صدره كتنور الخبز الذي يجاوره، ليحوله إلى فضاءات شعريّة مدويّة، بصدى المعنى، إذ تتوالد الصّور العميقة الإحساس على الرغم من العدميّة، التي يعيشها والغثيان والسأم من الواقع: 1- ديوانه جنائن آدم أراجع بين الفينة والأخرى تتبعنا أشجار/ لاتنكس ظلالها / إنّها لاتكرهنا أشجار/ وتقاويم نفكُّ فيها حبالنا. أننا لا نرحل أرمي للكذبة رأسًا من أجل أن تكون حانية/ بينما الكلمات مجدبة/ وهذا ما أعرفه ولا ألوي شيئًا. متأبطًا عُنقي/ مبعدًا عنيّ الخوف بالخشخشةِ، أُحصي شبيهي الّذي يأكل أحشائي، شبيهي القاسي، أشحذُ رماله، لا أمنحه رهبةَ الظهور إنّني لملاحقك أبدًا في هذا وحده ينطق الصّمتُ، لهذا وحده أُعطي القوّة متى تنفضُ الرّوح رمادَها؟ هناك تجارب أخرى مررت بها – في دراساتٍ نقديّة – (كمال سبتيّ – وعبد العظيم فنجان) فأجد الغوص بالمعنى لديهما كما في دوواين “عقيل عليّ”. بالطبع ليس من السّهل التّمرد على الأيديولوجيا القامعة الوحشيّة الفتاكة لذلك خالف السّرب. وواجههه بالرّفض والسّخط الشّعري المُعبر عن عدم الانصياع للصعلكة واللامبالاة في سياق وجوده الحياتيّ اليوميّ الّذي يضمر مقته لجوقة كلّ المدّاحين للزّيف واتخذ مساره المتفرد بنصوصه الشّعريّة العميقة المعنى التي تثير الجدل. ولد “عقيل عليّ” في النّاصرية 1949م وتوفى في بغداد 15/5/2005م، تُرجمت قصائده إلى الألمانيّة، والفرنسيّة، ونالت تجربته الشّعريّة الأهمّية في دراسة وافية شافية كافية جلت الغبار عنها.  وقد تمكنت الدّكتورة “مسار حميد عبد النّاصريّ ” بدراستها- أ: (أقوس الأوقاتِ المنحنيّة تحولات الخطاب في شعر “عقيل عليّ”) التي طبعتها دار غيداء – عمان/ 2018 ب 316 صفحة، من أن تغوصَ في أعماقِ بحر الشّعريّة لتَخرج لنا تلك الجواهر والآليء والدّرر بفهم وعناية بالغةِ لتفكيك الخطاب الشّعري عند “عقيل عليّ” الكتاب مهدت له بالمقدّمة، والتّمهيد، والخطاب الشّعري المعاصر والخروج من عباءة اللغة ثم “عقيل عليّ”. ناقوس الأوقات المنحنيّة لتدرس بالفصل الأول تحولات الذّات السيوسيوثقافيّة وإثبات الهُوية – جدليّة الذّات والآخر ومفهوم الهُوية – الذات بوصفها مركزًا – الآخر في مرآة الذّات – الآخر بوصفه بنية ثقافية.

في ما تناولت في الفصل الثّاني تحولات الذّات السيوسيولوجية ببابين الصّعلكة وتمرّد الذّات والاغتراب وتجليات التّحول السّيوسيولوجي في ما ركزت بتفصيل بالفصل الثّالث تحولات بنية الخطاب وضرورات المغايرة من خلال: 1- التعددية البنائية وتكامل الشكل 2- التّشكلّ الصوري المتخيل وأنماط الصورة الشّعريّة 3- دينامية الإيقاع في الفراغ المزدحم.

-1جاء في المقدمة: “تمثل سلطة الخطاب الشّعري قوّةً بالغة التّأثير في مجتمع التّلقي، بما تمتلكه من إرث في الذّاكرة الإنسانيّة، وبما تحظى من احتفاء فطريّ لدى الإنسان أينما كان وفي أيّ عصر ٍ؛ لذا يسعى كلُّ شاعرٍ ويشقى حتى يتمكن من تأليف خطابه، وحين ينجح في مسعاه يكون لخطابه تقاليده وحدوده ومزاجه ومناخه الخاص، وكلما تجلّى الخطاب ودخل في فضاء التّشكيل تنازل عن حظوظّ كبيرةٍ من فطرته، وتوغل في الفنيّ والجماليّ والثّقافيّ”، “من يتأمل نتاج “عقيل عليّ” الشّعري وخطابه يلمس يقينًا حركته المتصاعدة أبدًا، إذ إنّ التحوّلات التي طرأت عليه لا تتيح للبدايات أن تناقض النهايات، وإنّما لترسيخ الصنيع الشّعري في الزمن المأساويّ المتنامي. فاضطلعتُ بدراسة ٍ منهجية ٍ اتخذت من مفهوم الخطاب منطلقًا أساسًا لها في دراسة النّص الشّعري”. لقد تقصت “المؤلفة ” هذه التّجربة الشّعريّة بتفاصيل المكتشف والباحث عن تجليات الحقيقة لتخرج برؤية فاحصة واقعيّة لتمثلات الشّعريّة لدى الشّاعر المغاير بدوواينه جنائن آدم صدر بالدار البيضاء 1990 م، وطائر آخر يتوارى باريس 1992م، وصدرت بمجلد عن دار الجمل 2009م، كذلك أضيف إليه نصوص أخرى للشّاعر طائر آخر يتوارى وقصائد أخرى، انطولوجيا شعريّة، مؤسسة أوروك للإنتاج الثقافي بغداد 2015م.

2- تؤكد الشّاعرة والناقدة د. مسار النّاصري أنّ الشّاعر امتهن الهرب نحو الحلم، نحو ذاته الباحثة،اللجوجة، نحو اكتشاف العالم بواسطة التمرد عليه، وربما أراد عبر الإفراط بأحلامه أن يحثّ الخطى؛ بحثًا عن حريته، تلك التي تلمس الطّريق إلى قلقها في رحلته الوجوديّة. هو شاعر موقف صلب على الرّغم من رهافته، رافض عنيد على الرغم من وداعته. شاعر يدعونا إلى الحلول في مهب قصيدته ويفتح الأبواب أمام لعبته القادمة في الكشف والمراودة، وهي تبحث عن إشباعها الرّوحي والرّمزي بين الضوء الخافت المرتعش، والظّل السّاحب كالأيديّ المعروقة المنسدلة، ولدت تجربته الشّعريّة، وتسترسل في كشوفات سايكولوجية لفهم شخصية الشّاعر المتمرد لتحدد  -3

أ- محنة “عقيل عليّ” أنّه شاعر وجد نفسه خارج معادلة مهادنة الزّمن؛ ما وضعه أمام نوع من القلق الوجوديّ والاندفاع المبكّر للمغامرة والتّمرد والفرادة وغواية الكتابة تلك التي تحولت من حدوس واشغالات نفسيّة ساخطة إلى محاولات جريئة في التّوغل إلى أعماق متن الكتابة الشّعريّة. فأدار ظهره لزمن يحيل مفاصل الحياة إلى فضاءات خاوية لا تمتّ بصلة للحياة، وذهب يشذب ذاته على مقاساته من دون أن يحفل بماكنة التنظير، وما ستؤول اليه حقبة وجوده.

ب- في دراسة للناقد كريم شلال تظهر الشاعرة أنّ في قصيدته عمق آهاته المنبثقة من شخصيته القلقة، المضطربة التي صنعتها ضغوطات مختلفة سياسيّة واجتماعيّة وإقتصاديّة جعلته متذبذبًا في مشاعره؛ فظل مرتبكًا في تحديد معالم المرأة الحلميّة إزاء المرأة من ديوان طائر آخر يتوارى: تعلمت النّسيان الذي رداءه ريش نسر ليس له من روح تنحر براكين داخل الأرواح إن لم تكن لك أرض فالشّمس زبد من أنا، ومن أنت يادير الهجرة؟ ومن أنت يازمن السّمّ؟ وترى أنّ الشّاعر يقتحم ذهن المتلقيّ باستعماله فعل شديد الأنوية “تعلمت” فهو يعي تمامًا أثره ومفعوليته وحقيقة الّنشاط التّخييليّ للفعل في تجلياته الشّعريّة وقدرته على مدّ حركية الفعل وتمظهراته الإيقاعيّة الفريدة إلى مساحة ممغنطة بالشّعريّة، بدلالة عمق الحكمة الشّعريّة المتفلسفة ورحابتها “إنّ لم تكن لك أرض فالشّمس زبد” وعبر الانعطافة التّساؤليّة بقلب الشّاعر مستوى الخطاب من تشكيله الفعليّ المهيمن والقويّ الحضور إلى انفتاح الاستفهام على إشكالية البحث عن الهوية من أنا؟.

لاريب إن الأوضاع السياسيّة في زمن الدّكتاتورية بقمع الحرّيات، وتحويل الأدب إلى أبواق لمدح المجرم على حروبه، والشّاعر والأديب الذي لايمارس هذا الطّقس الأدبيّ الجماعيّ(يُعزل… يُهمل… يًراقب) إذا ما يُعدم أو يُسجن لذا الشّاعر “عقيل عليّ” التجأ إلى الاغتراب الدّاخلي ومحاورة الرّوح للرّوح والعقل للعقل، تؤكد – مسار ص 85:( حين تتعرض الذّات لخيبة الأمل في الواقع السّائد المفارق لأحلامها ولطموحاتها ولمثاليتها، فإنّها تتعرض لخطر الإحباط والانكسار. وفي محاولتها لمقاومة هذا الإحباط تلجأ إلى أحد الأساليب الدّفاعية؛ بقصد تحقيق نوع من التّكيف والتّوازن الهادف إلى تخفيف حدّة التّوتر الناتج عن الإحباط، ولتقليل الصراعات في داخل الذّات. (جمالية تفكيك المعنى: استطاعت الباحثة الغور في مرامي القصدية بشعرية المتمرد، وكشف منظوره الفلسفي لوجوده، وتلمس آثار الطاقة الشّعريّة المسكونة بروح الشّاعر الاستثنائي، وهمومه الوجوديّة، وفحص الصور الحسّيّة – والذّهنيّة – والحلميّة – والغرابة – والجمال وهي تتآلف وتشتبك باحتدام لذلك تحتاج قراءة نصوصه الولوج إلى أغوار عميقة لمعرفة القلق والأفكار التي تجوب رأسه المحتشد بالمفارقة بين الواقع العراقي، وبين الحلم والتّمرد مسافات، وبين الحلم الذي يروم تحقيقه بالحرية أجد تلك السرديات بقراءة د – مسار حميد ص 5، وقد استعمل جولدمان هذا المفهوم بوصفه آلية إجرائيّة تطبيقيّة في النّصوص الأدبيّة، وأشار إلى أنّ الرّؤية للعالم هي بالتّحديد هذه المجموعة من التّطلعات والإحساسات والأفكار التي توحد مجموعة اجتماعيّة، وتجعلهم في تعارض مع المجموعات الأخرى: هناك أسنان صدئة تعض على شيخوخة الصغار، هناك ديموقراطيات منوّمة في هوادج اليراعات.هناك الهواء يبحث عن عكازته، وهناك أنشوطة تترصد الشعوب تستمر المؤلفة بتلك القراءة المُجدية العميقة المختلفة عن كلّ الدراسات، عن الشّاعرلتقدم أطروحتها الأكاديمية بكفاءة وجهد متفرد، لاحقت جميع نصوصه بشغف المعرفة..والذّائقة الشّعريّة كما في: 6 هديل في البحر تغسل الرّيح أدرانها البلاد المخصيّة عانقت سكون شيخوختها في البحر غسل الحكيم ذعره، أكل قلب المشورة، وأفضى لنا بالوشاية. الخاتمة: الكشف بالبحث، وتلك الرسالة الأكاديميّة المهمة،هو استبطان… وأستكناه للأ ساليب الموحيّة من خلال المسارب، والمسارات، والخطوط… التي وصلت بها إلى أوعر الطرق بتقصي الحقيقة الشعرية لـ”عقيل عليّ” من خلال حفريات نقدية إجرائية على نصوصه الشعريّة. وقد أوجزتها الباحثة ب7 نقاط جوهرية مع تعليقات توضيحية مفصلة لكل نقطة منها تعرية النصوص وكشفها التي حققت المتعة داخل الخطاب الشعريّ. والتعرض لمفهوم الهوية. البعد الإنساني والكوني بالخطاب الشعري لـ”عقيل عليّ” إذ أكدت 7):  فكانت المرأة بالخطاب الشعري لاتقتصر على المرأة/ الوطن فقط، ولكن يتسع مجالها الدلالي لتصبح هي الحياة يعاني الشاعرفيها، أو هي المرأة الغائبة التي يبثها أحزانه؛ لإحساسه بالغربة والحنين لعالم أفضل يحقق فيه رؤيته المثالية للحياة، إذ تظهر المرأة معادلًا موضوعيًا طبيعيًا لذات الشاعر نفسه، ومرآة عاكسة لاستلابه).

تلك الرؤية الواقعيّة لتجربة استفزت الواقع الثقافيّ كما تؤكده الباحثة د – مسار حميد الناصري بالسطور الأخيرة من دراستها الثرة العميقة (كانت من أبرز السمات السيوسيولوجية في خطاب “عقيل عليّ” هو تجلي الاغتراب والعزلة والاستسلام والإحساس بلا جدوى الحياة.

(أقول بكلمة أخيرة: حقًا الحياة لا قيمة لها بوجود اللصوص والطّغاة. فالحريّة هي الشّمس السّاطعة التي تجعل الأشجار تُثمر، والأزهار تفوّح منها أريج وضوّع العطور، لذا نهض سيد الأحرار الإمام الحسين – عليه السلام – بخطابه المدوّي والصرخة التي وصلت الآفاق). لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.

المصادر

1 –  عقيل عليّ – جنائن آدم – دار توبقال – المغرب – 1990 – ص 30.

2 – مسار حميد عبد الناصري – ناقوس الأوقات المنحنيّة تحولات الخطاب في شعر عقيل عليّ – دار غيداء – عمان الأردن – ص – 11،30،60، 171،303،314 . سنة 2018م.

 

ناقد وباحث عراقي له العديد من المؤلفات والكتب الدراسات والأبحاث، ويتابع دراساته العليا في الجامعة الإسلامية بيروت – لبنان. -1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.