الإمام الغزّاليّ بين الالتزام والإلزام

0

الإمام الغزّاليّ بين الالتزام والإلزام

د. محمّد أمين الضنّاويّ*

بينما كنت أقرأ كتاب الإمام الغزّاليّ “أيّها الولد” لفتني العنوان كثيرًا؛ وقد شعرت أنّي أقف أمام عالِم مثّل بالنسبة إليّ المرشد والدّليل، ما دفعني إلى التساؤل ما هو الفرق بين الالتزام والإلزام؟ وهل يطبّق في عصرنا؟

الالتزام لفظة قديمة في الاستعمال اللغويّ فقد جاء في “لسان العرب” لابن منظور: “لزم الشيء، يلزمه لزمًا ولزومًا، والتزمه، وألزمه إيّاه فالتزمه، والالتزام هو الاعتناق”.

من هنا كان الالتزام مرتبطًا بالعقيدة، منبثقًا من شدّة الإيمان بها، صادرًا في جميع أشكاله وأحواله عن أيديولوجيّة معيّنة يدين بها المفكّر الملتزم. ومن هنا كانت حال الالتزام تتعارض، وحال التقاعس، واللامبالاة. والالتزام “ليس مجرّد تأييد نظريّ للفكرة، وإنّما هو سعي إلى تحقيقها”. ممّا سبق نرى أن الالتزام غير الإلزام، فالإلزام يتضمّن معنى القوّة في حين أنّ الالتزام يتضمّن معنى الاقتناع، إذًا الإمام الغزّاليّ رحمه الله كان ملتزمًا إسلاميًّا غير مُلزَم. في حين أنّه يلزم مريده بأسلوب وعظيّ موجّه. بعد تبيان الفرق بين الالتزام والإلزام ننتقل إلى تبيان بعض ما ورد في كتاب “أيّها الولد” هل يطبّق في عصرنا هذا؟

أوّلاً: “اعلم أنّه ينبغي للسالك شيخ مرشد مُرَبٍّ ليُخرِج الأخلاق السيّئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خُلقًا حسنًا. إذ لا بدّ للسالك من شيخ يؤدّبه ويرشده إلى سبيل الله تعالى، بعض علامات الشيخ المرشد أن يكون بصيراً جاعلاً محاسن الأخلاق له سيرة، وأن يكون صابرًا متوكّلاً على الله، قانعًا، متواضعًا، وقورًا، وفيًّا، ومتأنّيًا. وللمريد أو السالك أيضًا علامات” فأين نحن منه اليوم،أين الصابر والمتواضع أو أنّ هناك خصالًا “يجب أن يتحلّى بها. منها أنّه ينبغي عليه أن يحترم شيخه ظاهرًا وباطنًا: بألاّ يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كلّ مسألة، وإن علم خطأه، وأن يعمل ما يأمره به شيخه من عمل قدر طاقته. أمّا احترام الباطن: فهو أنّ كلّ ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن، لا فعلاً ولا قولاً، لئلا يتّسم بالنفاق، وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه ظاهره”.

أمّا علامات الشيخ المربّي، فنعم الأخلاق أخلاقه يتحلّى بها، وخير جليس صاحبها، لكنّنا نقف قليلاً مع ما يجب على السالك التحلّي به. إنّ ما لفت نظرنا هذا الطلب بعدم مجادلة الشيخ، فهو أدعى إلى القمع، والاستبداد بالرأي أكثر منه تربية وتوجيهًا، لا بل هو مصادرة لآراء الآخرين وإرادتهم، فكم من تلميذ فاق معلّمه. أمّا عن الاحترام الظاهر، والباطن فكأنه يعيش معنا في هذا الزّمن، وكأنّ البشريّة تتطوّر بالتَّقنيّة وتتقدّم في حين أنّها تتخبّط نفسيًّا، وخُلقيًّا، واجتماعيًّا.

ثانياً:  “البعد عن مجالسة أصحاب السوء” هي دعوة للسالك المريد، وهي نصيحة لكلّ زمان صالحة، ولكلّ بشريّ راحة.

ثالثاً: “أمّا من استقام مع الله، وأحسن خُلُقَه مع الناس، وعاملهم بالحلم فهو صوفيّ”. “ومن حُسن الخُلق مع الناس أن تحمل نفسك على مرادهم لا أن تحملهم على مرادك ما لم يخالفوا الشّرع، ولكن من يملك الحجّة، والبرهان أدعى إلى أن يحمل الناس إلى مراده بالحقّ لا أن يجازيهم، حتّى ولو لم يخالفوا الشّرع”.

رابعاً: “سألتني عن التوكّل وهو أن يستحكم اعتقادك بالله تعالى في ما وعد، يعني أن تعتقد أنّ ما قُدّر لك سيصل إليك لا محالة، وإن اجتهد كلّ من في العالم على صرفه عنك، وما لم يكتب لن يصل إليك، وإن ساعدك جميع العالم”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** أستاذ مدرسة سابق كان يُعلّم اللغة العربيّة وآدابها، وأستاذ جامعيّ سابق، وأحد رئيسي تحرير مجلّة أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، له العديد من المؤلَّفات.

 

وكأنّما هذا التوجيه كقوله صلى الله عليه وسلم: “لو اجتمعت الأمّة على أن ينفعوك بشيء ما كتبه الله لك لم ينفعوك بشيء، ولو اجتمعت الأمّة على أن يضرّوك بشيء ما كتبه الله عليك، لم يضرّوك بشيء”.

خامساً: “سألتني عن الأخلاص فهو أن تكون أعمالك كلّها الله تعالى ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا تبالي بمذمّتهم وأعلم أن الرياء يتولّد من تعظيم الخلق، اعمل أنت بما تعلم كي ينكشف لك ما لم تعلم”. هذا ما لا يختلف عليه عاقلان.

سادساً: “ألاّ تناظر أحدًا في مسألة ما استطعت، فإنّ إثمها أكبر من نفعها”.

سابعاً:  “أن يكون البحث في الخلاء، أحبّ إليك منه في الملأ”.

ثامناً:   “أن تحذر من أن تكون واعظًا، ولا تعمل بما تقول أوّلاً ثمّ تعظ به الناس”.

ويبدو لي إن الأمرين السابقين قد قلّ وجودهما في هذا الزمن مما يجعلهما يدخلان ضمن دائرة التنظير لا الفعل.

تاسعاً:  “كلّ ما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم، لأنّه لا يكمل إيمان عبد حتّى يحبّ لسائر الناس ما يحبّ لنفسه”.

عاشراً:  “إن قرأت العلم، أو طالعته ينبغِ أن يكون عملك يُصلح قلبك، ويزكّي نفسك”.

وهنا لا بدّ لنا من وِقفة تأمّل تجعلنا نحترم عالِمنا ونُجلّه، وما قصدنا من هذا إلاّ إلقاء الضوء على التغيُّر السلوكيّ بين عصر الغزّاليّ وعصرنا، وهذا دليل عافية لأنّه يؤدي إلى شحذ أفكارنا وتطوير مفاهيمنا الإنسانيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.