درجة توافر معايير التّفكير الاستراتيجيّ وأنماطه لدى مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان

0

درجة توافر معايير التّفكير الاستراتيجيّ وأنماطه لدى مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان

 سوزان زهير زمّار)[1](

ملخص الدّراسة

هدفت هذه الدّراسة إلى التّعرف على أنماط التّفكير الاستراتيجيّ ومعرفة مدى امتلاك مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ وممارستهم لمراحله، وكذلك معرفة معوقات ذلك التّفكير لديهم. استخدمت المنهج الوصفي التّحليلي في هذه الدّراسة، وقد تكوّنت عينة الدراسة النهائية من 7 مديرين من مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس أي حوالي 50 % من مجموع المدارس الخاصة في طرابلس والبالغ عددها 15 مدرسة. جمعت البيانات اللازمة للدّراسة من خلال استمارة وُزّعت على المديرين وكانت مؤلّفة من 3 محاور رئيسة: المحور الأول: إدراك المدير لمعايير التّفكير الاستراتيجيّ من وجهة نظره – المحور الثّاني: إدراك المدير لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ – المحور الثّالث: معوقات ممارسة التّفكير الاستراتيجيّ. وخلصت الدّراسة إلى مجموعة من النتائج كان من أهمها:

  1. إنّ معايير التّفكير الاستراتيجيّ تتوفّر لدى العيّنة من المديرين في المدارس الخاصة في مدينة طرابلس في لبنان الذين خضعوا للاستبانة المقدمة في الدراسة وذلك كان بنسبة 58،1%.
  2. إنّ استجابات العيّنة حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وأثرها على الأداء الإداري أظهرت فروقًا تُعزى إلى الاختصاص والإعداد المستمر والدورات التدريبيّة والخبرة المهنيّة.
  3. إنّ العيّنة من المديرين الذين خضعوا للدّراسة حصلت على درجة وجود معوقات ممارسة التّفكير الاستراتيجيّ تتعلق بالبيئة الخارجيّة ( المجتمع ) بنسبة 45،2 %، كما حصلت العيّنة على درجة وجود معوقات تتعلق بالمناهج بنسبة 57،1% ، بينما حصلت العيّنة على درجة وجود معوقات تتعلق بالمعلّم بنسبة 35،7% ، وكانت تلك النسبة ضئيلة بالمقارنة مع العوامل الأخرى: المجتمع والمناهج.
  4. إنّ مهارة التّفكير الاستراتيجيّ عند المديرين الذين خضعوا للدّراسة قد تكون من المهارات التي تساهم في تحسين أداء المؤسّسة التّعليميّة والعاملين فيها. ولكنها ليست من العوامل الأساسيّة والأوليّة التي تساهم في ذلك.

الكلمات المفتاح: التّفكير الاستراتيجيّ، المدير الاستراتيجيّ، معوقات التّفكير الاستراتيجيّ.

المقدّمة

لا يفكّر النّاس بطريقة واحدة، بل تتعدّد الأساليب التي يفكّرون بها ، ويمكن التمييز بين مجموعتين من أساليب التّفكير وهي: أساليب التّفكير العشوائيّ وأساليب التّفكير المنظّم. وفى ظل التّغييرات السريعة المتلاحقة أصبح من الواضح أن أساليب التّفكير العشوائيّ غير ملائمة لتحدّيات المستقبل، وأصبح الأمر يقتضي توفير رؤية واضحة للشّكل الذى سيكون عليه المستقبل، كما أنّه أصبح هناك ضرورة ملحّة لتفعيل دور التّفكير الاستراتيجيّ الذي  يُعدّ من أهم أساليب التّفكير المنظّم، والذي يمكّننا من مواجهة التحدّيات العالميّة والمحليّة عن طريق وضع استراتيجيّات فاعلة مع تحقيق التنفيذ المرن لهذه الاستراتيجيّات. مع العلم أن التّفكير الاستراتيجيّ يعدّ من الضرورات الملحة في المؤسّسات بشكل عام والمؤسّسات التربويّة بشكل خاص. يضاف إلى ذلك إنّ التّطور الحديث الذي شهدته تكنولوجيا المعلومات قد شكل عاملًا مساعدًا وداعمًا للتفكير الاستراتيجيّ في المؤسّسات، وذلك من خلال زيادة قدرتها على التكيّف والمناورة بسرعة وبدقة ضمن العمليات الاستراتيجيّة. يؤكد العويسي على إمكانية هذا التطور في زيادة التّركيز على الأوجه الإبداعيّة في المؤسّسات التربويّة ما قد يساهم في الارتقاء بالعمل التّربوي وتطوير أساليبه وآلياته وتنمية قدرة العاملين فيه، وذلك ليكونوا “مؤهّلين لإعداد الجيل القادر على التكيّف مع متغيرات العصر ومواجهة تحدّياته والمساهمة في تطوير المجتمع، وليتمكنوا كذلك من الحفاظ على القدرة التنافسيّة في ظل ظروف بيئيّة متغيّرة” (العويسي، 2002).

ومن هنا أصبح التّفكير الاستراتيجيّ يشكّل لبّ الإدارة الاستراتيجيّة وجوهرها، ما يتطلّب قيام القيادات العليا فى المنظّمات بتخصيص جزء كبير من وقتهم فى التّفكير فى الأوضاع المستقبليّة بدلاً من الاكتفاء بمواجهة وإدارة الأزمات الحاليّة. وليتمكّن مدير المدرسة من مسايرة هذه التّحديات، فقد أصبح مسؤولاً عن وظائف جديدة من أهمّها إعداد الخطط الاستراتيجيّة للمدرسة وتنفيذها بما يتناسب مع احتياجات العصر ومواكبة التغيّرات، ودراسة واقع البيئة المدرسيّة ومرافقها وتطويرها والتعرّف إلى مواطن القوّة والضّعف لدى المعلّمين وتدريبهم مهنيًا لرفع مستوى أدائهم في العمل، مع الحرص على تطوير المناهج والنّهوض بالمتعلّم كمحور للعمليّة التّعليميّة، ودراسة واقع البيئة الخارجيّة للمدرسة وتقوية العلاقة بين المدرسة والمجتمع.

1- أهميّة الدراسة

تنبثق أهميّة هذه الدراسة في أنها تعدّ دراسة حديثة في مجال التّفكير الاستراتيجيّ في الإدارة المدرسيّة، إذ إنّها تشخّص واقع أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وممارسته ومعوقاته لدى مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس- لبنان إذ لا توجد دراسات سابقة تناولت هذا المجال. يضاف إلى ذلك، أهميتها من النّاحية العمليّة، إذ نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعريف مديري المدارس بأنماط التّفكير الاستراتيجيّ وممارساته. الأمر الذي قد يمكّنهم من القاء الضوء على جوانب القوة عندهم ودعمها، والوقوف عند جوانب الضعف في ممارساتهم ومحاولة معالجة هذا الضعف، وذلك من خلال مساعدة مخطّطي برامج التنمية الإداريّة في وزارة التربية والتعليم،  ومراكز التدريب عبر وضع برامج تنموية ومهنيّة تسهم في تطوير مفهوم وأنماط وممارسات التّفكير الاستراتيجيّ لدى المدراء مع المتابعة والتقييم والتقويم؛ على أمل أن يساهم هذا في تطوير العمليّة الإدارية في التعامل مع المشكلات، واستثمار التخصّص الفعّال للموارد البشريّة والماديّة، وبالتالي تحقيق نتائج مرضية على مستوى أداء المعلّمين وعلى مستوى المجتمع المحيط بالمدرسة.

2- أهداف الدّراسة

تهدف هذه الدّراسة إلى:

  1. التعرّف إلى أنماط التّفكير الاستراتيجيّ السائدة لدى مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان.

ب – التعرّف إلى درجة امتلاك مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان أنماط التّفكير الاستراتيجيّ.

ج – التعرّف إلى درجة ممارسة مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان للتفكير الاستراتيجيّ.

3- مشكلة الدراسة

بات العصر الحالي عصر تغيّر دائم، لا بدّ فيه للمنظّمات التقليديّة أن تكون قادرة على التكيّف مع طبيعته. وقد تكون المنظّمات التّربويّة من أكثر تلك المنظّمات حاجةً لمسايرة ذلك العصر نظرًا لطبيعة أهدافها ودورها، خاصة أنّ هذه المتغيّرات والتحدّيات قد خلقت تشويشًا في العمليّة التعليميّة وإرباكًا في أداء المعلّمين، ما استدعى إيجاد خطوات ضروريّة لمعالجة هذه الأزمة أوّلها: تفعيل الأداء الإداري عبر صقل التّفكير الاستراتيجيّ عند المديرين إذ يكون لديهم رؤية مستقبليّة في عصر أصبح فيه التغيير في مواقع العمل أسلوب حياة. ولمّا كانت الإدارة المدرسية أداة رئيسة لتحقيق أهداف العمليّة التربويّة من خلال الاستخدام الأمثل للإمكانات والتّسهيلات التّربويّة، وإيمانًا بأهمية تلك الإدارة  وحاجتها إلى قيادات إداريّة مؤهّلة تمتلك مهارات تمكنها من ممارسة الأدوار والمسؤوليّات الجديدة التي فرضتها عليها تحديات العصر، كان لا بدّ من القيام بعمليات إعادة التنظيم وتوضيح الرؤية وغرس ثقافة الإدارة الاستراتيجيّة في مؤسّسات التّعليم من أجل مواكبة واستباق التغيّر المستمر للمجتمع ومتطلّباته.

ومن هذه الإشكالية ينبثق سؤال الدّراسة الرئيس: ما هو واقع التّفكير الاستراتيجيّ عند مديري المدارس الخاصة؟ 

4- أسئلة الدراسة

وتتفرّع من سؤال الدّراسة الرئيس الأسئلة الفرعيّة الآتية:

  1. ما درجة توفّر معايير التّفكير الاستراتيجيّ عند مديري المدارس من وجهة نظرهم؟
  2. ما درجة امتلاك مديري المدارس لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ؟

ج- ما هي المعوقات التي تحدّ من امتلاك التّفكير الاستراتيجيّ لدى مديري المدارس من وجهة نظرهم؟

5- فرضيّات الدراسة

  1. إنّ مديري المدارس يدركون معايير التّفكير الاستراتيجيّ التي يجب اعتمادها في المدارس.
  2. إن امتلاك مديري المدارس لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ يختلف بحسب الخبرة المهنية والإختصاص والإعداد المستمر.

ج-  إنّ المعوقات لمفهوم وممارسات التّفكير الاستراتيجيّ تعود إلى المعلّمين والمناهج الدراسيّة والمجتمع الخارجي (الأهل).

6- مصطلحات الدراسة

أ- التّفكير الاستراتيجيّ: عرف الملا (2001، ص38) التّفكير الاستراتيجيّ أنّه: “قناة فكريّة تبثّ وتستقبل صورًا وأفكارًا تتناسب مع الهدف المنشود، ولا تلتقط الصور والأفكار المرسلة من قبل أقنية فكريّة أخرى ترهق الذّهن وتشوّشه وتقلّل سرعته وفاعليته، إلا ما كان منها متعلق بالموضوع”. بينما عرّفه السلطان (2006، ص5) أنّه: “عملية  تركيبيّة ناجمة عن حسن توظيف الحدس والإبداع في رسم التّوجهات الاستراتيجيّة للمنظمة وذلك للاستفادة من معطيات الحاضر في رسم صورة للمستقبل من أجل الوضع التّنافسيّ للمنظمة”. وتعرفّه الباحثة إجرائيًا أنه: مجموع الاستجابات التي سيحصل عليها أفراد مجتمع الدراسة من خلال إجاباتهم على فقرات استبانة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ المستخدمة في الدراسة.

ب- أنماط التّفكير الاستراتيجيّ: عرفّه محمد (2002، ص52) أنه: “تلك العمليات العقليّة والمعرفيّة التي يستخدمها القائد لحظة النّظر إلى المشكلات التي تستوجب اتخاذ القرارات، ويتطلّب التّعامل مع هذا البعد استحضار الحالة الفعليّة التي يجابهها القائد بدقة متناهية “. وتعرّفها الباحثة إجرائيًا في هذه الدّراسة أنّها: العمليات العقليّة والمعرفيّة للتفكير الاستراتيجيّ التي يستخدمها المدير أثناء ممارسته للعمل الإداريّ.

ج- مهارة التّفكير الاستراتيجيّ: عرّفها الرّكابي (2004، ص 229) بأنّها: “مهام الإدارة الاستراتيجيّة في الإدارة المدرسيّة والتي تشتمل على التّحليل والتّركيب الاستراتيجيّ، وصياغة الاستراتيجيّة، وتنفيذ وتطبيق الاستراتيجيّة بالإضافة إلى المراجعة الاستراتيجيّة والتقويم”. وحُدّدت مهارة التّفكير الاستراتيجيّ إجرائيًا في هذه الدراسة بأربعة عوامل: تقييم الأوضاع الحالية،  صياغة الرؤية والرّسالة، صياغة الاستراتيجيّات، تطبيق الاستراتيجيّات ومراجعتها وتقويمها.

الإطار النظريّ

1- التّفكير الاستراتيجيّ

لقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين تداولًا مكثّفًا لمصطلح التّفكير الاستراتيجيّ والذي استخدم بشكل واسع في نهاية القرن العشرين وبالذّات في إطار الإدارة الاستراتيجيّة، ولقد عُرّف مفهوم التّفكير الاستراتيجيّ بتعريفات عديدة، تباين بعضها في أسلوبها والبعض الآخر في الزاوية التي تنظر من خلالها الى مفهومه (الحراحشة، 2003).

فقد عرّفه الخفاجي (2004، ص 74) أنّه ” أسلوب تحليل للمواقف التي تواجهها المنظّمة والذي يتميّز بالتحدّي والتغيّر، ومن ثمَّ التعامل مع هذه المواقف من خلال التصور لضمان بقاء المنظّمة وارتقائها بمسؤولياتها الاجتماعيّة والأخلاقيّة حاضرًا ومستقبلًا”.

وعرّفته المبارك (2006، ص 18) أنّه: “ذلك الأسلوب الذي يتمكّن من خلاله المسؤولون من توجيه المنظّمة بداية من الانتقال من العمليات الإدارية والأنشطة الإجرائية ومواجهة الأزمات إلى تكوين رؤية مختلفة للعوامل الداخليّة المتغيّرة والعوامل الخارجيّة القادرة على خدمة التّغيير المطلوب في البيئة المحيطة”. وهذا يتضمّن في النهاية أفضل استخدام ممكن لإمكانيات التنظيم بصورة أساسيّة مركّزة على المستقبل من دون إهمال للماضي. فالتّفكير الاستراتيجيّ يركز على حلول المعالجة التي تشمل الحدس والإبداع. وقد عرفه أيضاً توفيق (2004، ص 33) أنّه: “المعرفة التي يجب أن تتوفّر في أفراد أو تنظيم معيّن بهدف تحديد الفرص والتهديدات وقضايا المستقبل، وتأمين التّعامل معها بشكل دائم ما يكفل استمرارية البقاء المتطوّر”. وعرفّه الكبيسي (2006، ص 5) أنّه: “أحد أنواع التّفكير في إطار مجموعة من الفرضيّات والأطر النظريّة التي تتحدّى الممارسات السائدة، وتسعى إلى إحداث نقلة نوعيّة لما هو أفضل”. وانطلاقَا من التّعاريف السّابقة، يمكن القول إنّ التّفكير الاستراتيجيّ طريقة تفكير موسّعة تعدّدت الآراء حوله، لذا يراه البعض أنّه تفكير افتراقي أو تباعدي Divergent، كونه يعتمد على الإبداع والابتكار في البحث عن أفكار جديدة، ويكتشف تطبيقات مستحدثة لمعرفة سابقة. وهناك من يراه تفكيرًا تركيبيًّا وبنائيًّا synthesizing يعتمد على الإدراك، والاستبصار، والحدس لاستحضار الصور البعيدة، ورسم ملامح المستقبل قبل حدوثه. وأيضًا يراه البعض تفكيرًا تفاؤليًّا إنسانيًّا يؤمن بقدرات وطاقات الإنسان على اختراق العالم المجهول والتنبّؤ بالاحتمالات الممكن حدوثها. وهناك من يراه تفكيرًا تنافسيًّا competitive يُقرُّ أنصاره بواقعية الصراع بين الأضداد والقوى، ويتطلّعون إلى اقتناص الفرص قبل غيرهم. في حين يراه آخرون أنه تفكير تنظيميّ systematic Thinking لاعتماده على الرؤية الشّمولية للعالم المحيط، ولربطه الأجزاء في شكلها المنظّم، ولانطلاقه من الكلّيات في تحليله للظواهر وفهمه للأحداث. ويصنّفه آخرون بتفكير يعتمد رؤية متعدّدة الاتجاهات، فهو يُعنى بالنّظر إلى الأمام من أجل المستقبل، والنظر إلى الوراء للماضيّ، وكذلك النّظر من أعلى مدعّمًا بالنّظر إلى الأسفل، ما يدلّ على الحس والإدراك، وأيضًا النّظر من الجانب ليعرف عندها بالتّفكير الإبداعي الجانبيّ. ويُصنّف التّفكير الاستراتيجيّ كتفكير تطويري أكثر منه إصلاحي كونه يبدأ من المستقبل يستمدّ منه صورة الحاضر، وينطلق من الرؤية الخارجية ليتعامل من خلالها مع البيئة الدّاخلية. وهو يشمل أيضًا النظر بعيدًا إلى المستقبل وإلى جميع مكوّنات النظام، ما يجعله يعمل كأداة بصريّة شموليّة للتّفكير العلميّ والتّفكير الحدسيّ، وهذا ما يضفي على الإدارة الاستراتيجيّة صفة المرونة في ممارسة أعمالها اليوميّة. (عابدين، 2002، والكبيسي، 2006،  والطويل، 2001، وتوفيق، 2004).

2- المدير الاستراتيجيّ

إنّ من يحمل خصائص التّفكير الاستراتيجيّ هو ذلك القائد الاستراتيجيّ. ولكون صنع الاستراتيجيّة من أهمّ مهامه، فإنّ هذه العملية تتطلب أفعالاً مصمّمة بإحكام، وعلى أساس قوي من التعلّم والدّراية والخبرة أكثر من مسألة اتباع أنظمة وقواعد مبرمجة وموجودة سلفًا. ومن أهمّ السّمات العقليّة التي تهيّئ المدير للتفكير استراتيجيًا، هي القدرة على التّفكير المنطقي الواضح المعالم في أشياء مجردة، إذ إن مدير المدرسة الاستراتيجيّ الفعّال هو الذي ينطلق من معتقدات أساسيّة وإيمان بقيم جميع الأفراد في المدرسة، واحترام رغباتهم، ورفع انتاجيتهم، وإشباع حاجياتهم، والقدرة على رؤية المواقف جميعها بصورة متكاملة وشاملة، من دون التعرض لأي قيد أو ارتباك بسبب أي من الأجزاء الفرعية، والاهتمام بالمستقبل، والرغبة في تقويم التّغيير أو الاختيارات Allio, 2006)). يضاف الى ذلك قدرة المدير الاستراتيجيّ على التّعامل مع حالات الغموض، خاصة في المواقف التي تقلّ فيها المعلومات الدقيقة، فيفيض عنده الإحساس بالتّضحية لحماية موارد المدرسة ونقلها إلى وضع أفضل ممّا كانت عليه عند تسلم مسؤوليتها، مع القدرة على التّعبير لنقل التّفكير المجرّد في ما يتعلّق بالمدرسة إلى صورة واضحة يستطيع أن يفهمها الآخرون. وأوضح الحراحشة (2003) أنّ ما يميّز مدرسة من أخرى هو ما تمتلكه قياداتها من الموهبة والقدرة على التّفكير الاستراتيجيّ الخلّاق ووضعه موضع التنفيذ بنجاح وفعالية، وان امتلاك مثل هذه القيادات لتلك المهارات والقدرات يعدّ هدفًا تسعى إليه كل منظّمة، بل وتتنافس عليه المنظّمات الواعية. كما إنّ عملية تطوير المهارات الأساسيّة وتنميتها المطلوبة للمدير الاستراتيجيّ مستمرّة ولا تتوقف، وتجمع هذه المهارات بين الموهبة والعلم. وأشارت خلاصة الأدب التّربوي إلى أنّ المدير الاستراتيجيّ يتصرف بوعي وتفهّم وإدراك بصورة منسجمة متناغمة في أدائه وفق أربع مبادىء رئيسة كما ذكرها خواجا (2004، ص 24) وهي: التواصل الصادق والصريح مع منسوبي المدرسة كافة ، ما يجعلهم على علم ودراية دومًا بالأحداث والفعاليات والأنشطة كافة والتي تتمّ داخل المدرسة، إضافة إلى تحفيزهم بصورة مستمرة وإشعارهم أنّهم عناصر رئيسة، وأنّهم محط الأنظار والاهتمام.

يسعى المدير الاستراتيجيّ الى بناء العلاقات الإيجابيّة الفاعلة بين الأطراف المساهمة في العملية التربويّة كافة ، والتي تؤكّد على كرامة كل فرد وأهميّة دوره ومشاركته الحقيقية في العمل المدرسيّ المنظّم. ويتبعه دائمَا بالاعتراف بجهود الآخرين ومساهمتهم الفعليّة في عملية التّخطيط لمستقبل المدرسة مع منحهم قسطَا من السلطة التي تمكّنهم من ذلك. كما ويساهم في تهيئة بيئة العمل المناسبة لتحقيق الأهداف المرسومة مع التّحفيز الجماعيّ الذي ينسجم مع انجازات منسوبي المدرسة،  من خلال توزيع المكافآت الماديّة والمعنويّة على جميع الأشخاص الذين ساهموا فعلاً في إطار العمل الجماعيّ Hwang, 2013)).

ويمكن إيجاز خصائص المدير الاستراتيجيّ عن المدير غير الاستراتيجيّ بالنقاط الآتية:

  1. قدرة المدير الاستراتيجيّ على فهم ما وراء الأحداث من دون أن يتأثر بظواهر الأمور وعلاقاتها البارزة.
  2. قدرة المدير الاستراتيجيّ على اتخاذ القرارات الحاسمة – لما يتمتع به من معرفة شاملة، وخبرة عالية، اذ تنطلق عملية التّخطيط من عنده بالسّرعة المطلوبة من دون تردد أو خوف من خطر متوقع.
  3. المدير الاستراتيجيّ صاحب رؤية واضحة للمؤسّسة ولكل مرحلة من مراحل العمل.
  4. المدير الاستراتيجيّ يميل إلى التّفكير العميق وطرح الأسئلة الهادفة بدلاً من الأجوبة الصحيحة.
  5. المدير الاستراتيجيّ لا يعمل بالأسلوب الإداريّ التّقليديّ الذي يتبعه المدير غير الاستراتيجيّ، هذا الأسلوب التّقليديّ المبنيّ على السيطرة والتّسلسل الرأسي الآمر، بل يتبع المدير الاستراتيجيّ أسلوب عمل الفريق الواحد، فهو يشرك كل من له صلة بعمل ما… يشركهم في صياغة الأهداف وتطويرها وطرق تفعيلها.
  6. المدير الاستراتيجيّ يرى العمل وحدة متكاملة… فهو يوازن بين احتياجات العمل الحالية والمستقبليّة، ويتّخذ في شأن تلك الاحتياجات القرارات المناسبة والفعّالة. كما يختلف المديرون الاستراتيجيّون من حيث استراتيجياتهم الفكريّة في إدارة مدارسهم. وقد عرض البقمي (1994، ص 33) تصنيف (Harrison) للمديرين وتقسيمهم حسب أنماط العقل إلى ستة أقسام:
  •  المديرون ذوو العقل التّركيبيّ: ويتميّز هؤلاء بقبول التّحدي والشّك والتّفكير والتخيّل الزائد في ما حولهم، ويتّبعون الاستراتيجيّات المعتمدة على مبدأ الحوار المفتوح والنقاش وطرح التساؤلات والحلول الصّعبة، مع المشاركة القليلة في اتخاذ القرار ورفض الأفكار المعترضة واشعال الصراعات.
  • المديرون ذوو العقل المثاليّ: ويتميّز هذا العقل بحبّه للمساعدة والتبسّم الدّائم والتّجاوب مع النّاس، والتّعبير عن الأحاسيس، والتّأكيد على القيم والتفاؤل.
  • المديرون ذوو العقل البرجماتيّ: ويتميّز هذا العقل بالانفتاح وكونه اجتماعيًا ويميل إلى الطرفة، ويحب العطاء مقابل الأخذ، أو الأخذ من أجل العطاء.
  • المديرون ذوو العقل التّحليليّ: ويتميّز هذا المدير بالبرودة وبعده من الناس وغموض شخصيته، كما يتميّز بأنه ينطلق في تصرفاته من نظريات علميّة ووفق قواعد محدّدة.
  • المديرون ذوو العقل الواقعيّ: ويتميز هذا المدير بالصراحة والوضوح، ومعرفة الهدف وبعض العدوانية.
  • المديرون ذوو العقل الحدسيّ: يتميز هذا المدير بالاستقلالية والعاطفية، والمغامرة في حالات عدم التأكد، وقبول النقد والتغيير، ورفض السيطرة على الآخرين بداعي الاستقلالية. ويتميّز كذلك ببعد النظر.

الإطار الميداني

1- منهج الدراسة

جاءت طبيعة هذه الدراسة وصفيّة إذ إنها تسعى إلى تشخيص ووصف أنماط وممارسات التّفكير الاستراتيجيّ لدى مديري المدارس الخاصة في مدينة طرابلس، لبنان، بالإضافة الى التعرّف إلى معوقات التّفكير الاستراتيجيّ من وجهة نظرهم. لذا استخدمت المنهج الوصفي الذي يقوم على جمع البيانات وتبويبها، مع تفسير النتائج وتحليلها لاستخلاص تعميمات ذات مغزى تؤدّي الى التقدّم المعرفي (العساف، 2003، ص191).

2- مجتمع الدراسة

تكوّن مجتمع الدراسة من 15 مديرًا للمدارس الخاصة في مدينة طرابلس. وُزعت 15 استبانة على أفراد مجتمع الدراسة وكان العائد منها 8 مدارس، إذ رفض مديري باقي المدارس الإجابة على فقرات الاستبانة بحجة خصوصية المعلومات، بالإضافة الى إهمال البعض في الإجابة على فقرات الاستبانة. وبهذا بلغ عدد أفراد عيّنة الدراسة 7 مديرين لسبع مدارس خاصة في طرابلس أي ما يعادل نسبة 50% من الاستبيانات الموزّعة.

3- أدوات الدراسة

أعددتُ استبانة حول إدراك المدير لمعايير التّفكير الاستراتيجيّ، وقد تكوّنت تلك الاستبانة من قسمين رئيسين:

  • القسم الأول: وهو البيانات الشخصيّة والأكاديميّة والمهنيّة للمدير أي الخبرة المهنيّة والتخّصص وعدد الدورات والجنس.
  • القسم الثاني: وهو محاور الاستبانة ويتكون من 30 فقرة موزّعة على 3 محاور:

المحور الأول: إدراك المدير لمعايير التّفكير الاستراتيجيّ ويتكون من 5 فقرات (من1 إلى 5).

المحور الثاني: إدراك المدير لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ ويتكون من 16 فقرة موزّعة على الشكل الآتي:

  • 4 فقرات عن إدراك المدير للتّفكير الشّموليّ (من 6 إلى 9).
  • 4 فقرات عن إدراك المدير للتّفكير التّجريديّ (من 10 إلى 13).
  • 4 فقرات عن إدراك المدير للتفّكير التّشخيصيّ (من 14 إلى 17).
  • 4 فقرات عن إدراك المدير للتّفكير التّخطيطيّ (من 18 إلى 21).

المحور الثالث : معوقات ممارسة التّفكير الاستراتيجيّ ويتكون من 9 فقرات موزّعة على الشكل الآتي:

  • 3 فقرات للمعوقات المتعلّقة بالمجتمع المحيط بالمدرسة (من 22 إلى 24).
  • 3 فقرات للمعوقات المتعلّقة بالمنهج الدّراسي (من 25 إلى 27).
  • 3 فقرات للمعوقات المتعلّقة بمشاركة المعلّمين (من 28 إلى 30).

استخدمت مقياس ليكرت الخماسيّ لقياس استجابات المبحوثين على فقرات الاستبانة. وكانت الإجابة على كل فقرة مكونة من 5 إجابات حيث الدرجة 1 تعني ممارسة عالية جدًا والدرجة 5 تعني ممارسة منخفضة جدًا كما هو موضح في جدول (1)

جدول (1): درجات مقياس ليكارت الخماسي

الإجابة عالية جدا عالية متوسطة منخفضة منخفضة جداً
الدرجة 1 2 3 4 5

4- الأساليب الإحصائيّة المستخدمة في الدراسة

بناءً على طبيعة الدّراسة وأهدافها التي سعت الى تحقيقها، حللتُ بياناتها من خلال برنامج الحزمة الإحصائيّة للعلوم الإجتماعية Statistical Package for the Social Sciences (SPSS).

5- عرض نتائج الدراسة

جدول (2): توزيع أفراد العينة من المديرين على المدارس السبعة حسب التخصّص

المدرسة التخصّص التكرار النسبة
7 علوم دينيّة 1 14.3%
2 علوم طبيعيّة + علوم تربويّة 1 14.3%
6 فيزياء فلكية 1 14.3%
1 حقوق 1 14.3%
4 شؤون ماليّة ومصرفية 1 14.3%
3-5 إدارة أعمال 2 28.6%

 

 رسم (1): توزيع أفراد العيّنة من المديرين حسب عدد الدورات

 

 

 

 

 رسم (2): توزيع أفراد العينة من المديرين حسب سنوات الخبرة.

جدول (3): توزيع أفراد العيّنة من المديرين حسب الإجابات من كل فقرة للمحورين الأول والثاني

100 75 50 25 0  
عالية جدا عالية متوسطة منخفضة منخفضة جدا معدل من 100
1- تحدّد الرؤية والرسالة للمؤسّسة

(Vision and mission) :

4 1 1 1 78.6
2- تحلّل البيئة الداخليّة والخارجيّة للمؤسّسة (Environmental scan):: 4 1 1 1 78.6
3- تحلّل الفجوة بين الوضع الحالي للمؤسسة والوضع المستهدف الوصول إليه(Gapanalysis) : 2 2 2 1 67.9
4- تقيس وتقارن عمليات وممارسات وأداء المؤسّسة بالمؤسّسات الأخرى    لتحديد أفضل الممارسات(Benchmarking)  : 2 3 1 1 71.4
5- تضع خطط عمل لمواجهة الأحداث الطارئة وغير المتوقعة

(Strategic programming):

3 3 1 82.1
مجموع I 15 10 6 4 0 75.7
6- تبادر في إتاحة الفرص التعليميّة الجديدة لمصلحة المدرسة والمتعلّمين : 2 4 1 71.4
7- تتعامل بمرونة مع المعلّمين: 4 3 89.3
8- تجري تغييرات شمولية في الأنشطة التي تمارسها من أجل تحقيق أهداف الإدارة المدرسيّة: 3 2 1 1 75.0
9- تولي اهتمامًا بنتائج حل المشكلات المدرسية أكثر من خطوات حلها: 3 2 2 53.6
مجموع II 9 12 3 3 1 72.3
10- تتخذ القرارات بمشاركة مع الهيئة الإدارية والتعليميّة أثناء ممارسة عملك الإداري : 3 3 1 78.6
11- تسعى إلى فهم المشكلات المدرسية في إطارها المجرد : 2 2 1 3 67.9
12- تستخدم أساليب جديدة في حل المشكلات المدرسيّة : 1 5 1 71.4
13- تبني تصورك لمستقبل المدرسة بناء على استشاراتك وخبرتك في العمل الإداري : 3 3 1 82.1
مجموع III 9 13 2 5 0 75.0
14- تهتم بتحقيق أهداف الإدارة المدرسيّة في كل عمل تمارسه : 5 1 1 85.7
15- تتعرّف على الفرص التعليمية المتاحة خارج المدرسة قبل التعامل معها : 2 2 2 1 67.9
16- تولي اهتمامًا بأساليب حل المشكلات المدرسية : 4 2 1 78.6
17- تجري تغييرات تدريجية في الأنشطة التي تمارسها لتحقيق أهداف المدرسة: 2 4 1 75.0
مجموع IV 13 9 2 3 1 76.8
18- تهتم بتفاصيل المشكلات الإدارية أثناء التعامل معها : 4 2 1 85.7
19- تبني تصورك لمستقبل المدرسة بناءً على مضمون واقعها الإدرايّ والتّعليميّ: 6 1 96.4
20- تفضل التّعامل مع الموضوعات المدرسيّة المألوفة وغير المألوفة : 3 4 85.7
21- تستخدم أساليب حديثة أثناء معالجتك للمشكلات المدرسية: 1 5 1 75.0
مجموع V 14 12 2 0 0 85.7
100 75 50 25 0  
جدول (4): توزيع أفراد العيّنة من المديرين حسب الاجابات عن كل سؤال عن محور المعوقات
عالية جدا عالية متوسطة منخفضة منخفضة جدا معدل من 100
22-  سرعة معدلات التغير في المجتمع المحيط بالمدرسة : 1 3 2 1 39.3
23- عدم التوافق بين رسالة المدرسة وثقافة المجتمع المحيط بها: 1 2 3 1 35.7
24- قلة مشاركة أفراد المجتمع المحيط بالمدرسة في الانشطة اللامنهجية للمدرسة: 2 4 1 60.7
مجموع العوامل المرتبطة بالمجتمع   2 2 9 6 2 45.2
25- كثرة المواد التعليمية وتنوعها في كل المراحل الدراسية:  1 2 2 2 57.1
26- كثافة المعلومات/المعارف المطلوب اكتسابها خلال العام الدراسي : 1 2 3 1 60.7
27- نظام التقويم الحديث في المناهج التعليمية ( خاصة التقويم المستمر) : 1 2 2 1 1 53.6
مجموع العوامل المرتبطة بالمناهج  3 6 7 4 1 57.1
28- عزوف المعلمين عن المشاركة في تنفيذ مهام الادارة المدرسية : 1 2 3 1 39.3
29- غياب التنسيق بين معلمي المدرسة: 1 1 1 4 32.1
30- نقص الكادر التعليمي المؤهل : 1 2 2 2 35.7
مجموع العوامل المرتبطة بالمعلّم  3 1 5 5 7 35.7

 

جدول(5): توزيع أفراد العيّنة من المدراء حسب المعدل العام لممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وإدراك معاييره.

100 75 50 25 0
المدرسة عالية جدا عالية متوسطة منخفضة منخفضة جدا معدل من 100
1 4 11 1 4 1 64.2
2 10 5 3 2 1 70.8
3 12 5 2 2 80.8
4 11 5 4 1 79.2
5 12 4 4 1 80.0
6 0 15 4 1 1 62.5
7 2 1 4 10 4 40.8

 

       

 

 

 

 

 

جدول (6): توزيع أفراد العيّنة من الميرين حسب المعدل العام لممارسة أنماط وإدراك معايير التّفكير الاستراتيجيّ وبياناتهم الشخصيّة.

100 75 50 25 0  
المدرسة عالية جدا عالية متوسطة منخفضة منخفضة جدا معدل من 100
1 7 14 1 5 3 73.2
2 12 8 5 3 2 60.8
3 16 8 3 3 83.3
4 14 8 7 1 79.2
5 16 6 6 2 80.1
6 0 19 8 2 1 61.4
7 4 2 8 11 5 44.2

 

 

 

 

 

 

 

6- تفسير نتائج الدراسة ومناقشتها

  1. تظهر نتائج الجدول (2) والجدول (3) أنّه تتوافر معايير التّفكير الاستراتيجيّ لدى العيّنة من المديرين في المدارس الخاصة في مدينة طرابلس – لبنان والذين خضعوا للاستبانة المقدمة في الدّراسة وذلك بنسبة 58.1%، والسبب في ذلك قد يعود إلى افتقار المديرين لتلك المدارس لروح المشاركة مع الآخرين من حولهم في صياغة الرسالة والرؤية والأهداف المستقبلية للمؤسّسة. هذه النتيجة قد تدلّ على أنّ الإدارة في تلك المدارس ربما تحتاج إلى ترسيخ مفاهيم التّفكير الاستراتيجيّ ومعاييره كمجموعة متكاملة لتعطي النتائج المرجوة والمتعلّقة بالأداء وتحسين جودة الخدمات في القطاع التّربويّ والتّعليميّ.
  2. تظهر نتائج الجدول (6) أنّه توجد فروق بين استجابات العيّنة حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وأثرها على الأداء الإداري تُعزى إلى الاختصاص. إذ إنّ الاختصاص الإداري والمالي قد ساهم في الفروق التي ظهرت في استجابات العيّنة من المديرين حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ لصالح أصحاب ذلك الاختصاص. إذ إنه ليس مستغربًا أن الإداري المتخصص بالشؤون الإدارية والوظيفية لديه القدرة على التّخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة بالإضافة إلى الاستخدام الفعّال للموارد المتوفرة من بشريّة وماديّة وماليّة ومعلوماتيّة.
  3. تظهر نتائج الجدول (5) أنّه توجد فروق بين استجابات العيّنة حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وأثرها على الأداء الإداري تُعزى إلى الإعداد المستمر والدورات التّدريبيّة. فالإداريّ في أي موقع أو مجال يحتاج للإلمام بعلوم أخرى بجانب خبراته الإداريّة كالإحصاء وعلم النّفس وعلم التّربية وغيرها من العلوم عندما يكون مسؤولاً عن إدارة مؤسّسة تربويّة .
  4. تظهر نتائج الجدول (5) أنّه توجد فروق بين استجابات العيّنة حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ وأثرها على الأداء الإداري تعزى إلى الخبرة المهنيّة. فالخبرة المهنيّة تقلّص الفجوة  بين المهارات الإداريّة لدى المديرين والمهارات التربويّة والقياديّة التي تربط العمل الإداري مع العمل التربوي والتعليمي. فمن خلال خبرته المهنيّة  يستطيع المدير النظر من الأعلى لفهم ما هو أسفل فتتحسّن قدرته على توظيف الموارد البشرية في المؤسّسة واستثمار طاقاتها وحثّها على الإبداع والابتكار وبالتالي تحقيق التكيّف مع البيئة الدّاخليّة والخارجيّة للمؤسّسة.
  5. تظهر نتائج الجدول (4) أنّه حصلت العيّنة من المديرين الذين خضعوا للدّراسة على درجة وجود معوقات ممارسة التّفكير الاستراتيجيّ تتعلّق بالبيئة الخارجيّة (المجتمع) بنسبة 45.2%، كما حصلت العينة على درجة وجود معوقات تتعلّق بالمناهج بنسبة 57.1% بينما حصلت العينة على درجة وجود معوقات تتعلّق بالمعلّم بنسبة 35.7% وهي درجة ضعيفة بالمقارنة مع العوامل الأخرى : البيئة الخارجيّة (المجتمع) والمناهج.
  6. إنّ مهارة التّفكير الاستراتيجيّ عند المديرين الذين خضعوا للدّراسة قد تكون من المهارات التي تساهم في تحسين أداء المؤسّسة التّعليميّة والعاملين فيها، بدليل أنّ معوقات ممارسة التّفكير الاستراتيجيّ المتعلّقة بالمعلّم قد حصدت النسبة الأقل (35.7%) بالمقارنة مع العوامل الأخرى كالبيئة الخارجيّة (المجتمع) والمناهج. ويدلّ هذا على أنّ المعلّمين لا يشكلون العائق الأكبر أمام ممارسة المدير لمهارات التّفكير الاستراتيجيّ بل قد يكون المعلّم عنصرًا مشاركًا ومعاونًا للمدير في صياغة الرؤية المستقبليّة للمؤسّسة والتخطيط لها وتحقيقها.

تشير نتائج الدراسة إلى افتقار المديرين إلى روح المشاركة مع الآخرين من حولهم في صياغة الرسالة والرؤية والأهداف المستقبلية للمؤسّسة، وهذا ما يحدّ من تحقيق الأهداف المرجوة. كما أن الاختصاص الإداري والمالي قد ساهم في الفروق التي ظهرت في استجابات العيّنة من المديرين حول ممارسة أنماط التّفكير الاستراتيجيّ لصالح أصحاب ذلك الاختصاص. إذ إنه ليس مستغربًا أن الإداري المتخصص بالشؤون الإداريّة والوظيفيّة لديه القدرة على التخطيط والتنظيم بالإضافة إلى الاستخدام الفعّال للموارد البشريّة والماديّة والمعلوماتيّة. وممّا لا شك فيه أن الإعداد المستمر والتدريب والخبرة المهنيّة تساهم إلى حد كبير في تطوير الأداء الإداري للمدير ولا سيما في مجال التّربية، فالإداري في أي موقع أو مجال يحتاج للإلمام بعلوم أخرى بجانب خبراته عندما يكون مسؤولاً عن إدارة مؤسّسة تربويّة. كما وتظهر النتائج أن المعوقات التي يواجهها المديرون في ممارستهم لأنماط التّفكير الاستراتيجيّ المتعلقة بالمناهج التّعليميّة والبيئة الخارجية قد حصدت النسبة الأعلى من تلك المتعلقة بالمعلّم وأدائه، فكثافة المناهج وتنوعها وكثرة الأعباء والمهام ونظام التقويم المستمر هي من المعوقات التنظيميّة التي تعرقل العمل الإداري وتستهلك جهدًا ووقتًا وتركيزًا، ما قد يتسبّب بإهمال الأعمال الإداريّة الأخرى. كما إنّ قلة المشاركة الخارجيّة وسوء تقييم البيئة الخارجيّة وسرعة معدلات التّغيير وعدم اكتشاف التّهديدات الخارجيّة يسبب تراجعًا في التّطوير الدّاخلي للمؤسّسة وضعفًا في القدرة على المنافسة. وفي الخاتمة يظهر أنّ الاستراتيجيّات تتطلب النّظر إلى الأمور من زوايا متعدّدة، مع العمل على تجديد المعلومات ووضع المعارف في متناول الآخرين وتشجيعهم على توظيفها. إذ يجب العمل على تقليص الفجوة بين وجهات النّظر المختلفة قدر المستطاع، فالتغيير يبدأ من المدير نفسه ليكون القدوة في الالتزام قولاً وعملاً وحضورًا.

7- التوصيات:

بناءً على النتائج التي توصلت إليها جاءت توصيات الدّراسة على النحو الآتي:

أولا: توصيات لوزارة التّربية والتّعليم

  1. نشر ثقافة التّفكير الاستراتيجيّ بين مديري المدارس العامة والخاصة ما يساعد على زيادة القدرة التنافسيّة بين المدارس.
  2. إتاحة الفرص للمديرين بالمشاركة في النّدوات والمؤتمرات التي تعقدها الجامعات ومؤسّسات العمل المختلفة، وإلحاقهم بالدّورات وورش العمل التي تشتمل على موضوع التّفكير الاستراتيجيّ ومراحله.
  3. إتاحة الفرص لمديري المدارس بتنظيم حلقات وورش عمل داخل المدرسة وبالاستعانة بخبراء من المؤسّسات المختلفة للاستفادة من تجاربهم وخبراتهم.
  4. استثمار المديرين ذوي الخبرة الأكثر في التّعاون لإدارة المدارس الجديدة، وتشجيعهم على تطبيق وتصميم الاستراتيجيّات ذات التّفكير الاستراتيجيّ.
  5. التأكيد على رفع مستوى التأهيل العلمي لمديري المدارس لما للتأهيل الأعلى من أهمية في عملية التّفكير الاستراتيجيّ.
  6. إنشاء أقسام استشارية متخصّصة في الإدارة والتّفكير الاستراتيجيّ في مجال الإدارة المدرسيّة في دور التّربية والتّعليم وذلك لتقديم الخبرة والمشورة للمستفيدين منهم.

ثانيًا: توصيات لمديري المدارس 

  1. انتهاز الفرص لحضور الدورات والندوات والمؤتمرات التي تؤهّلهم لامتلاك أنماط التّفكير الاستراتيجيّ، وممارسة مراحله ومواجهة معوقاته وإزالتها.
  2. استخدام وسائل الحوار الفعال بين معلّمي المدرسة وعدم قصرها على الاجتماعات الدوريّة للتعرف على أرائهم ومقترحاتهم حول الرؤية المستقبليّة لمدرستهم.
  3. تشكيل لجان تسند إليها مهمة تحليل البيئة داخل المدرسة وخارجها مع الأخذ بالحسبان تكريم تلك اللجان على أدائها لهذه الأعمال.
  4. تطوير قنوات الاتصال بين الإدارة المدرسية والإدارة التربوية.
  5. إنشاء وحدة الرقابة والجودة وتشمل أعضاء من الهيئة التدريسية، ويرأسها مدير المدرسة، على أن يكونوا مؤهلّين ومتخصّصين في قيادة الأداء الفردي.

المراجع

المراجع العربية

البقمي، سعد. (1994)، استراتيجيات القائد واستراتيجيات المدير في اداء العمل، رسالة ماجستير، غير منشورة، جامعة أم القرى، مكة المكرمة.

  1. توفيق، عبدالرحمن. (2004)، منهج الإدارة العليا ( كيف تفكر استراتيجياً)، بيمك، القاهرة.
  2. الحراحشة، محمد. (2003)، مستوى التّفكير الاستراتيجيّ لدى القيادات الإدارية في وزارة التربية والتعليم في الاردن وعلاقته بأنماط اتخاذ القرار، رسالة ماجستير، غير منشورة، جامعة عمّان العربية للدراسات العليا، الاردن.
  3. الخفاجي، عباس. (2004)، الإدارة الاستراتيجيّة: المدخل والمفاهيم والعمليات، دار الثقافة، عمّان، الاردن.
  4. خواجا، عبدالفتاح. (2004)، تطوير الإدارة المدرسية، دارالثقافة، عمّان، الاردن.
  5. الركابي، كاظم. (2004)، الإدارة الاستراتيجيّة، العولمة والمناقشة، دار وائل، عمّان، الاردن.
  6.  السلطان، خالد. (2006)، التّفكير والتخطيط الاستراتيجيّ في مؤسّسات التعليم العالي، ورقة عمل مقدمة للقاء الإداري الرابع للجمعية السعودية للإدارة، الخبر.
  7. الطويل، هاني. (2001)، الإدارة التعليمية مفاهيم وآفاق، الجامعة الاردنية، عمّان، الاردن.
  8. عابدين، محمود. (2002)، قضايا تخطيط التعليم واقتصادياته بين العالمية والمحلية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

10- العساف، صالح. (2003)،  المدخل إلى البحث في العلوم السلوكيّة ، مكتبة العبيكان، الرياض.

11- العويسي، رجب. (2002)، مدير المدرسة وتحديات العولمة، دار أسامة، الرياض.

12- الكبيسي، عامر. (2006)، التّفكير الاستراتيجيّ في المنظمات العامة، ورقة عمل    مقدمة للقاء الإداري الرابع للجمعية السعودية للإدارة.

13 – المبارك، معصومة. (2006)، القيادة والتّفكير الاستراتيجيّ: الطريق إلى المستقبل، ورقة عمل مقدمة للقاء الإداري الرابع للجمعية السعودية للإدارة، الخبر.

14- الملا، عيسى. (2001)، التّفكير الاستراتيجيّ للمخطّطين الاستراتيجيّين، الدمام، المملكة العربية السعودية.

15- محمد، هلال. (2002)، مهارات قيادة الآخرين، مركز تطوير الأداء والتنمية، القاهرة.

المراجع الأجنبية

16- Allio, R. (2006). Strategic Thinking: The Ten Big Ideas, Strategy and leadership publication, number 34, USA.

17- Hwang, S. (2013). Influence of Leader Behaviours on Creativity: A Comparative Study Between South Korea and United States. (Unpublished Ph.D. thesis), University of Minnesota, USA.

 

-[1]طالبة في المعهد العالي للدكتوراه “علوم الإنسان والمجتمع” – جامعة القدّيس يوسف – كلّيّة العلوم التربويّة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.