أزمة الإبداع من خلال التّعامل مع الطّبيعة كمصدر إلهام للفنان التّشكيليّ (لبنان نموذجاً)

0

أزمة الإبداع من خلال التّعامل مع الطّبيعة كمصدر إلهام

للفنان التّشكيليّ (لبنان نموذجاً)

عاصم أيوب([1])

الملخص

أثارت أزمة الإبداع في اللوحة التشكيلية جدالاً واسعًا وسجالًا فلسفيًا إستطيقيًا استفز قريحة البحث والتساؤل في ملابسات هذه الأزمة، التي دفعت بسجيّة التفكير إلى قراءات مختلفة، لعل أهمها تعود الى إهمال الطبيعة كمنطلق للإلهام والاحتماء خلف الصور الفوتوغرافية التي تقيد رؤية الرسام، وذلك لسهولة أخذ اللقطة الواقعية، والتي تكون جاهزة بالنسبة إليه.  وهذا ما  يكبت تفاعلاته التّعبيرية التي لا تحفزها الصورة. أو تلك التي تدين إلى ما يُعرف بالصّناعة الثقافيّة أو الولوج إلى صناعة الفنّ، التي شوشت على ذهن الطّالب واستدرجته إلى فخّ الفنّون المفاهيميّة فوقع أسير العقل والتّكنولوجيا، أم أنّ الإشكاليّة تقع على عاتق المدرسين لهذه المادة، الذين هم بدورهم أسرى تلك الأزمة .

في هذا البحث حاولنا تفكيك مفهوم الطبيعة كعامل استلهام للفنان، وما تعنيه من ألوان وحركة تثير شهيته على الابتكار، كما سلطنا الضوء على عدد من المدارس الفنّية عبر التاريخ التي ارتبط نتاجها بمفهوم الطبيعة وطريقة التّفاعل معها، وتحدثنا عن مرحلة الحداثة وما نتج عنها من تطور في مفهوم اللون والتّعبير مركزين على بعض الأسماء التي برزت في لبنان من خلال هذا المنهج.

المقدمة

شهدت الآونة الأخيرة في لبنان والعالم العربيّ موجة تهافت على ممارسة مهنة الفنّ التّشكيليّ، وقد نشهد هذا الازدحام في كليات الفنّون من الطلاب، وجزءًا كبيرًا منهم دخل عنوة إلى هذا المجال متطفلًا ومتسللًا اليه متخذًا من هذه الدراسة مكسبًا في الشّهادة التي ستخوله إلى أن يكون مدرّسًا والبعض اتخذه وسيلة سهلة للولوج الى عالم الظهور والشّهرة، أمّا البعض الآخر الذي اختار الفنّ كهدف من خلال الموهبة فكان مضللاَ، لأسباب عديدة منها عدم التّوجيه الصّحيح  وما نلحظه في العقود الأخيرة من هذا القرن من أزمة إبداع، ما يدل على تراجع كبير في مستوى الفنّ التّشكيليّ على صعيد لبنان والعالم العربيّ. يتخرج أعداد كبيرة كل عام من كليات الفنّون الجميلة من حاملي الشّهادات العلميّة بمختلف المستويات، ويتهافت عشرات الأشخاص على صالات العرض ممن يدعونهم بالفنّانين. ما أكثر الضجيج وما أقل الحجيج. من خلال هذا المشهد تكوّن لدينا سؤال كبير: أين هم الفنّانون المبدعون؟ ولماذا تراجع مستوى الفنّ التّشكيليّ إلى هذا الحد؟ وما هي الأسباب التي أدت بالطلاب إلى اجترار ذواتهم، وبالتّالي إعادة تجارب غيرهم بقراءة سطحيّة، بعيدًا من العفوية والتّعبير العميق والإحساس المرهف، حتى في إعادة هذه التّجارب؟. هل إن اجتياح العولمة وسطوة التكنولوجيا أضاعت بوصلة طالب الفنّ، فبات يعيش أزمات العصر، ظمآن للأمن الثّقافيّ والفنّيّ والاجتماعي؟ أم أنّ الفنّون المعاصرة والمفاهيميّة فرضت نفسها فأبعدته عن اللوحة واللون؟ أم هي وسائل الإعلام المقصرة في تقييم الفنّ والفنّانين، وبالتالي تسليط الضوء على أهميّة الفنّون التّشكيليّة بشكل صحيح؟ أو أنّ الإشكاليّة تقع على عاتق المدرسين أنفسهم الذين يفتقدون القدرة أساسًا على الرّسم والتدريس، وبالتالي في توجيه الطالب إلى المسار الصحيح في البحث؟

أسئلة كثيرة، جميعها مطروح ووارد، لكننا نرى في الدّرجة الأولى بكيفية التّعليم وذلك من خلال التّفاعل مع الطبيعة كعنصر أساسيّ للإلهام والتّفاعل مع الدّاخل. وهذا ما سنكشف عنه في هذا البحث، كما سنسلط الضوء على بعض النقاط الرئيسة علّها تساعد في تقويم طريقة الدّراسة والبحث عند طلاب الفنّون.

أولاً: الطبيعة مصدر إلهام للفنانين على مرّ العصور

لطالما كانت الطبيعة مصدر إلهام لجميع المبدعين والمفكرين، فموضوع الرّسم عن الطبيعة هو حالة ظهرت مع ظهور الإنسان الأول منذ عشرات الآف السنين، عندما رسم أشكال الحيوانات في الكهف لغايات تخطيطيّة يستعملها في مجال صيدها، أو سحرية للشّعور بالسيطرة عليها أو جماليّة تحقق المتعة البصرية، حين أدركوا أنّ الجمال يقع في كل شيء جميل، بدءًا من افتراس النّمور للماشية، حتى صيد الإنسان لها، حتى اختراعهم لطرق الحماية من الوحوش، سواءً أكانت أسلحة أو سحرًا. وكانت حساسية الإنسان تتطور بتطوره الحضاري، فقد دخل الإنسان مرحلة الصناعة لأدواته وكان حسه يقوده للإحاطة بمظاهر الأشياء عن طريق الفنّ. وقد تميز هذا الفنّ في الرّسم في الكهوف ونجدها بشكل أساسي في مغارة ألاسكا في فرنسا. وطريقة الرّسم كانت مبسطة تعتمد على الخطوط والمساحات وهي تقترب بشكلها من الفنّون التي ظهرت مع الحداثة الأوروبية. بدأت الفنّون العريقة، أو الفنّون الكبرى حسب تصنيفها، مع الحضارة اليونانية، منذ أكثر من ثلاثة الآف سنة، بحث اليونان عن العالم المثالي كما أراده أفلاطون، أو من خلال محاكاة الطّبيعة على النّمط الأرسطي، وحسب أرسطو، إذا كان طريق ما أفضل من آخر فتأكد أنّه طريق الطبيعة. وقد أرست الثقافة التي طورها الإغريق، أسس الثقافة الغربية في ما بعد، كما أنّ  الرومان استمدوا فنونهم إلى حد كبير من الفنّون الإغريقية، وانتهت الحضارة اليونانية مع سيطرة الرومان على أرضها حوالي سنة 225 قبل الميلاد. ثم مرت البشرية بألف سنة من الركود الفكري، امتدت من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الخامس عشر، وعرفت هذه المرحلة بالقرون الوسطى أو “عصور الظلام” لقلة إنتاجها في مجال الفلسفة والعلوم، فكانت مسيحيّة بامتياز فوجهت اهتماماتها على نشر الدّين المسيحيّ. فأنتجت فنونًا روحانية الأبعاد اختلفت بجماليتها عن الفنّ الكلاسيكي الإغريق/ روماني فكان الفنّ الرومانسكي الذي ركز على السّجاديات والحديد المزخرف، والفنّ القوطي الذي امتاز بالزجاجيات الملونة والعمارة المتطاولة، والتعبير الحزين للشّخصيات، فظهر المسيح المصلوب على السّاحة الفنّية بعد أن كانت تلك المواضيع تعتبر التي تتناول آلام المسيح مهينة بعزته وشخصيته (1).

ظهر عصر النهضة في أواخر القرن الرابع عشر وامتد حتى أواخر القرن السادس عشر، وهي المرحلة التي تطور فيها الإنسان على الصّعيد الفكريّ والإنسانويّ. وعرفت بالولادة الجديدة أيّ مرحلة إحياء الفنّون الإغريقية، وقد نشأت في إيطاليا وبرزت فيها الاهتمامات بالإنتاج الفنّي والعلميّ واهتمت بالنّزعة الإنسانيّة، التي” فرضت الثقة بالمعرفة والانضباط بالعقلانيّة التي تميز الفرد بين الجماعة”(2)، فأصبح للفرد قيمة بعد أن كان محجماً ومقموعاً من السّلطة الدّينيّة. اقتربت فنون هذه المرحلة بالفنّون الإغريقية انطلاقاً من الفكر اليوناني لعالم المثل، فكانت المواضيع دينيّة لكنها تميزت بإشراقتها وحضورها التّشكيليّ، حيث ظهر الاهتمام بالأبعاد والمنظور مع ليوناردو دافنشي وأظهر اهتمامه  بتشريح  جسم الإنسان، كما برز التّشريح مع مايكل أنجلو الذي أظهر عظمة في النّحت، فتفرد الفنّان بفكره وأبحاثه العلميّة، وقدموا أعمالاً عظيمة أظهرت مهارة الفنّان، وكانت الطبيعة وسيلة مهمة لإنجاز هذه الأعمال والتي أنجز معظمها في المحترف، كان الفنّان يستعمل الأشخاص كموديل ويستعين به من أجل وضعيّة معيّنة فيتفاعل مع الشكل والضوء، لقد صوروا الشخصيات بمظهر مثالي وليس واقعي، فبرزت المواضيع الدّينيّة وقصص الأنبياء وظهرت الملائكة في معظم أعمالهم. في القرن السابع عشر والثامن عشر، ظهرت الكلاسيكية بشكل جديد فبرز فن الباروك مع كرافادجيو (*) العام 1599، فسمي هذا العصر بالكارافاجية Caravegism))، وكانت المواضيع من الحياة اليومية، كما ظهر الاهتمام بتقريب الواقع من خلال التركيز على الضوء والتّضاد اللوني، فظهر الضوء القويّ والدّرامي المسلط على العناصر الأساسيّة للأشخاص بشكل خاص. كان القرن السابع عشر مسيحياً بامتياز، أما القرن الثّامن عشر فقد شكل حقبة مليئة بالأزمات، عرفت هذه المرحلة بعصر الأنوار.

 

كارافاجيو، دعوة مار متى، 1959-1960.

زيت على قماش.

من خلال القيمة الضوئية المركزة عليها، فظهر اهتمامه بالمشاعر والتعابير الإنسانية.

 

 

ركز كارافاجيو على إبراز الشخصيات

منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت عدة مدارس كانت مرحلة انتقالية من بين الفنّون الكلاسيكية ومرحلة الحداثة. كان هناك ارتباط وثيق بين الرومنطيقية والنيوكلاسيكية، كانت الرومنطيقية  نزعة وليس طرازاً فنياً، حالة ذهنية يصعب تحديدها (3). تميزت تلك المرحلة بإدخال تقنيات جديدة كمادة الأكواريل وصار معترف بها أكثر من كونها دراسة أوّلية للعمل، وبات الرّسم على الورق والسكاتش/ التّخطيط السّريع، تعدُّ أعمالاً فنية بحد ذاتها. والفنّان وحده من يقرر متى ينتهي عمله من دون أن يرتبط بجودة معينة  وإتقان كامل. أصبح رسم المناظر الطبيعيّة موضوعاً رائجاً ومحبباً بعد أن كان لا يلقى التّقييم الفعليّ. ” كما شرع الفنّانون في تمثيل الأحداث المعاصرة للتّعبير من خلالها عن العواطف والعجائب والرؤى الشاعرية، والقلق… وكان الأدب مصدر إلهام الفنّانين ومواضيعهم”(4). وهناك قسم آخر من الرومنطيقيين جذبهم الشرق فرسموا مواضيعه، فكان مصدر إلهام مهم لهم،  ولقبوا بالمستشرقين. عبر الرومنطيقيون عن الثورة الصناعية بتناولهم بعض الرّموز كالباخرة والقاطرة، كما استغلوا وجود الماء والبخار لدراسة الانعكاسات الضّوئيّة. كما كان المنظر الطبيعي مثقلاً بالعواطف الإنسانية، مشبعاً بالألغاز والشاعرية. فكانت الرومنطيقية كردة فعل باسم العقل والحرية والطبيعة ضد الباروك. بين العام 1830 و 1860 تكونت مدرسة من مجموعة شباب التقوا في قرية صغيرة تدعى بربيزون، حيث أنجزوا رسومات أغنت لوحة المنظر الطبيعي الفرنسي، فسميت هذه المدرسة باسم المنطقة. كان لمدرسة البربيزون (Ecole De Barbizon) أثر على مرحلة مهمة من تصوير المنظر الفرنسي، فازدهار المدن الكبيرة التي سيطر النمط المادي عليها، ومكننة الحياة، هذه العوامل دفعت بالفنّانين إلى الهروب من الحضارة اللاإنسانية المتفاقمة مع الثورة الصناعية الصاعدة. تناول الفنّانون مواضيع الطبيعة والصخور والأشجار والحياة القروية.

 ثانياً: الثّورة الصّناعيّة والحداثة الغربيّة ( المدرسة الانطباعية)

بدأ الاستعداد للثورة الفرنسية التي طرحت مفاهيم جديدة دافعت عن حقوق الإنسان وفصلت الدين عن الدولة كرد على السلطة  الدّينية  والصراعات والحروب التي نتجت عنها. وبالتالي أسسوا الحداثة التي بنيت على تدمير البنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي تعود الى المجتمع البائد بما فيه الطبقات الحاكمة والإقطاع، وأنتجوا الرّأسمالية وركزوا على إنتاج السلع، فظهرت الاكتشافات العلمية والاختراعات، وهذا ما مهد لثورة فنية جديدة أتت مع ظهور الانطباعية وكان رائدها كلود مونيه. والتي ستغير مفهوم الفنّ كلياً وستطرح طريقة جديدة في التعاطي مع الطبيعة واللون والضوء.

تعدُّ التحولات التي رافقت الفنّ منذ نهايات عصر النهضة بأنّها ساهمت في التّحضير لما شهده الغرب من حداثة على صعيد الفنّ التشكيلي والتي تجلت في نهايات القرن التاسع عشر، كما أن هناك عدة اتجاهات ومدارس قد مهدت للحداثة كان أبرزها المدرسة الرومنطيقية، ومدرسة بربيزون، كما كان الفنّان إدوارد مانيه Edward Manet 1883-1832 أحد الممهدين المباشرين للمدرسة الانطباعية التي فتحت ملف الفنّ الحديث. علماً أن مانيه بدأ واقعياً لكنه كان أميناً لأحاسيسه وانفعالاته، ولم يكن يوماً محافظاً، بل كان دائماً متمرداً وثورياً. ويعدُّ عمله ” الغداء على العشب” عملًا افتتح رسمياً الحداثة الفنّية (5). وقد اتبع مانيه طريقة جديدة في التعبير من خلال اللمسة وإدخال بعض الألوان الجديدة، وتفرد في الغنى اللوني وتعدد القيم والتدرجات الخضراء ولمسته، وهذا التجديد مرده إلى الطريقة الجديدة في التعامل مع الطبيعة والتي تتمثل في الرّسم في أحضان الطبيعة والتفاعل مع ألوانها بشكل مباشر.

الانطباعية

يعود اسم هذه المدرسة إلى اللوحة التي قدمها الفنّان كلود مونيه العام 1874، إلى الصالون الأول لمجموعة من الفنّانين الشباب، وعنوان اللوحة هو: “انطباع شروق الشمس” اللوحة التي أثارت استغراب الجمهور وسخريته لكنها أعطت اسمها لهذه المدرسة الجديدة “الانطباعية Inpressionnisme” شرع رواد هذه المدرسة بالخروج إلى الطبيعة كسابقيهم من فناني مدرسة بربيزون،  للرّسم في الهواء الطلق، ونقل اللحظة الآنية، ولكن خلافاً لمدرسة بربيزون فقد أنهوا عملهم بالكامل في الطبيعة. وكانوا يعدُّون “مانيه” مثلهم الأعلى.

لقد اتبعت هذه المدرسة طريقة جديدة في التصوير مبنية على نمط جديد في الرؤية. “همها الرئيس كان تسجيل الانطباع البصري كما تحسه العين مادياً وآنياً” (6)، من دون الاكتراث بالأسس والقواعد الأكاديمية والكلاسيكية المتعارف عليها حتى ذلك الوقت. كما اهتمت بتغيرات الطبيعة من خلال الضوء والمناخ والفصل والساعة، كما أنهم كانوا يرسمون المشهد في عدة أوقات من النهار، فيظهر كل الاختلاف لكل عمل حسب وقت النهار. فالفنّان لم يعد يرسم الأشياء استناداً على تصور مسبق لها، أو ما اكتسبه من خبرة، فلم يرسم التراب بناءً على معرفته المسبقة بأنه بني، فاللون مرهون لأشعة الشمس والضوء والظل، بل يمكن أن يراه في لحظة ما وردي أو مائل إلى البرتقالي في مناطق النور وفي الظل يميل الى الأزرق وأحياناً إلى البنفسجي،  دائماً في الطبيعة الخارجية تعكس السماء لونها على المناطق التي لم تصلها الشّمس، لذلك تميل الظلال الى اللون الأزرق، وكانوا يبالغون في إبراز بعض الألوان المتضادة كالأزرق والبرتقالي، لذلك كان الانطباعيون ينقلون اللحظة بسرعة قبل أن تتغير، ولا يكترثون للتفاصيل بقدر اهتمامهم باللون وحيوته. تميزت هذه المدرسة من خلال تفاعلها مع الطبيعة بصدق،  نقل اللون بإحساس وعفوية وعبرت عن الضوء بحيوية. كما رفض الانطباعيون استعمال الأسود الذي يقلل من حيوية اللون كما أنهم لم يستعملوا الأبيض بشكل كبير، فبدت  الألوان فرحة. وقد لجأ الانطباعيون إلى النّظريات العلميّة والاكتشافات التي وضعها الفيزيائيون المعاصرون أمثال العالم الكيميائي والفيزيائي “شوفرول” (1839)، وهلمهولتز( 1878)، وهود (1881)، واستثمروها. وهي النظريات التي اهتمت بتفكيك الضوء بواسطة المنشور والدّائرة اللونية، ما سمي بالمزيج البصري(تجاور الألوان الفاتحة والغامقة بدلاً من مزجها، وذلك من أجل أن تقوم العين بعملية المزج تلقائياً. وبفضل هذه الدّراسات العلميّة تبين للانطباعيين أن جزءاً أساسياً من الانطباع الملون ينتج عن الظروف المناخيّة، وأنّ قيمة الألوان تتحدد بواسطة الضوء الذي تتلقاه.

 

ظل مونيه قائد هذه المدرسة ووفياً لها، فكان الأهم من بين الإنطباعيين، بقي أميناً للطبيعة طوال حياته ” رسم الطبيعة أكثر من ستين عاماً، وقد عبر عن أهمية الطبيعة في مسيرته الفنّية بقوله: أنا أدين بكوني رساماً للزهور…  وكان من رواد هذه المدرسة سيسلي وبيساور ورينوار وديغا ولحقهم سيزان الذي طور بمفهوم العمل الفنّي بتقسيم اللوحة من خلال منطلق هندسي، فبرزت الخطوط بشكل جريء ومتحرر وهذا ما مهد للمدرسة التكعيبية لاحقاً. وقد تأثرت هذه المدرسة بواقعية كوربيه ولكن بلونية جديدة.

 

 كلود مونيه، غداء على العشب

تميزت أعمال الانطباعيين بحيوية الضوء الساطع على العناصر والمتسرب من بين أغصان الأشجار والتي تنعكس على الوجوه والثياب. كمت برزت التدرجات  التي تعبر عن القيم اللونية. وقد أهتم الانطباعيون بالمواضيع التي تهم الطبقة الوسطى.

 

 

ثالثاً: الإبداع من خلال الطبيعة

لقد تحدثنا في السابق عن بعض المدارس التي ظهرت مع عصر النهضة، وصولاً إلى الانطباعية فاتحة الحداثة الغربية، كما تحدثنا عن العناصر التي استخدمت في الأعمال الفنّية وكيفية التعامل معها، فكان لكل مرحلة مفهومها في استغلال الطبيعة بمجمل عناصرها وتناولها في الأعمال الفنّية بالطريقة التي تتماشى مع كل مرحلة. في المراحل الكلاسيكية كان الفنّان يعتمد على العناصر البشرية أي التشخيص وذلك لإبراز فكرته من خلال الأهمية التي يعطيها الفنّان لإبراز مقاييس جسم الإنسان والتعابيرالإنسانية التي تخدم القصّة الدينية، على سبيل المثال في رسم السيد المسيح وطريقة وضعه على الصليب وتعابير الأشخاص الذين يشاركونه هذه المأساة، وما إلى ذلك من مواقف وقصص دينية وميثولوجية، كلها كانت تتطلب الدقة في نقل الواقع من خلال النموذج الذي كانوا يستخدمونه في تجسيد هذه الشخصييات كرموز للقصة. وكذلك في المراحل اللاحقة التي عالجت الطبيعة بأشكالها الواقعية والشاعرية، إلى أن وصلنا إلى المدرسة الانطباعية المرحلة الانتقالية والمفصلية، والتي عالجت اللحظة العابرة وحللت اللون إنطلاقاً من تأثير الضوء على العناصر  .

فرضت الحداثة الأوروبية معاييراً جديدةً في الرّسم، واعتمدت بصريات عالمية نقلتها من المجال الجمعي الى الفردانية الطاغية، وأرست الذاتوية حالة مسيطرة على المجتمع الجديد.   فتغير مفهوم التعامل مع الطبيعة عن السابق، وأصبح عامل الاستلهام والتفاعل مع الواقع ذات مفهوم رمزي وتعبيري، كما أنه مدخل الى مكامن الذات لترجمة الإحساس والانفعالات على القماشة. وتطور هذا المفهوم في الرّسم مع تطور الأساليب والاتجاهات، كما تكرس هذا النهج في التدريس الحديث. وانسحبت هذه الطريقة على لبنان والبلاد العربية مع مفهوم الحداثة التي تبناها الشرق على قاعدة مغايرة كلياً لانبعاثه في موطنه الأصلي(7) . فالحداثة الغربية التي بنيت على تدمير البنى الاجتماعية البائدة، وفصل الدين عن الدولة كرد فعل على الصراعات الدينية والطبقة الحاكمة والإقطاع، قد أفرزت مفاهيم جديدة في الفنّ مبنية على القطع مع الماضي اليوناني وتبديل مفاهيمها نحو الاعتماد على ما كانوا يسمونه ” الثقافة المتوحشة” أي ثقافة الشعوب ” المتخلفة والبدائية والعالم الإسلامي. استعملت مفرداتها من عدة مناطق وأخذت من الإرث الشرقي وصاغوه بمفهوم حداثوي بعيد عن سياقه التراثي(8). اما في لبنان فقد تبدلت الصيغ التشكيلية من الأساليب القديمة المتمثلة بالفنّون البيزنطية والأرثوذكسية والأسلوب العثماني المبني على الفنّ الإسلامي وبدأوا بإعادة ما أنتجه الغرب من فنون الأكاديمية والواقعية، التي قطع معها الغرب. أي أن الغرب تخلى عن إرثه التراثي مقابل الفنّون الغربية الأكاديمية، لانجذابه للمشهد الثلاثي الأبعاد والقريب إلى تمثيل الواقع، وباتت فنوننا فنون إلتحاقية وانسحبت على المنطقة العربية كلها. واستمر هذا النمط لعقود، برز في لبنان العديد من الفنّانين الكلاسيكين والواقعيين الذين قدموا أعمالاً مميزة، وعلى رأسهم داوود القرم وخليل الصليبي وجبران خليل جبران وحبيب سرور ويوسف الحويك.

المرحلة الحديثة في لبنان مرحلة الرّسم المباشر عن الطبيعة، قد بدأت فعلياً مع مصطفى فروخ وعمر الأنسي وقيصر الجميل، الذين تميزت أعمالهم بألوان نضرة وبملونة انطباعية لكنها لم تمثل الانطباعية بالمضمون التّكويني للمفهوم الانطباعي. تأرجحت أعمالهم بين فناني الاستشراق والإنطباعيين. وقد عدّت نقلة متقدمة حينذاك، من حيث فتحت آفاقاً كبيرة أمام الجيل اللاحق. فقد شكلت هذه الانطباعية كما يحسبها البعض، قاعدة للتطور التشكيلي الذي يهم بالدخول الى الحداثة حيث “… خرجت اللوحة الى الطبيعة واتجه الفنّان الى الجبل بعد أن كان لفترة قصيرة متجهاً الى البحر يرسم السفن الحربية ويؤكد عظمة السلطنة” (9) ، وذلك ما كان ضمن المدرسة البحرية العثمانية التي سادت لعقود في لبنان أثناء السيطرة العثمانية. اهتم فروخ برسم الطبيعة اللبنانية واشتغل في مادة الزيت، وكان يخاطب الطبيعة بلمسة رومانسية دافئة فأعطاها من إحساسه وصدق مشاعره. أمّا الفنّان عمر الأنسي فتميزت أعماله بالمائيات” الأكواريل” وركز على الطبيعة والمواضيع القروية، كقطاف الزيتون وامتازت بالضوء والاختزال في المعالجة. لكن الفنّان قيصر الجميل كان تركيزه على العري الذي تميز برسمها وكان أول من رسم المو ديل العاري مباشرة عن الشّخص. أثر هؤلاء الفنّانين بالأجيال اللاحقة الذين طوروا في مفهوم اللوحة بشكل سريع، وقد ظهرت نقلة سريعة الى التجريد، وبرز شفيق عبود على صعيد التجريد الغنائي الذي انطلق من الطبيعة.

تتلمذ شفيق عبود على يد قيصر الجميل، وظهرت أولى تجاربه الفنّيّة في بدايات الأربعينات، التي بدأ فيها في اختبار قدراته مع رسم الطبيعة في قريته المحيدثة بخطى أكاديمية قد يكون لها  وقع مهم على مخيّلته، وأثرت على مساره التجريدي لاحقاً. اغتنم عبّود فرصة وجوده في المحيدثة، ليبحث في رسم الطبيعة  وذلك عبر التفتيش باللون  وإيجاد علاقات جديدة، كـانت الملونة عـنده Palette)) غنّيـة من حيث التحليل اللوني، كان عبود يجزّأ اللون الواحد إلى مجموعة ألوان مختلفة بدرجات  عديدة. ما يدل على مدى صلته بالطبيعة، وعلى اهتمامه باللون حيث برزت قدرته على قراءة الألوان وتحليلها من خلال إحسـاس شـفّاف. فهو يراها، وسرعان ما يفكّكها ويحلّلها، ومن ثم يضعها على اللوحة من خلال اهتمامه البارز بالناحية التشكيليّة والعلاقات اللونيّة، من خلال إيجاد مساحات متناغمة في بمعالجتها اللونيّة، أكثر منه في قراءة المشهد من الناحية الموضوعيّة والتصويرية. يقول الناقد الفنّي اللبناني فيصل سلطان في إحدى المقابلات: “لقد تعلمنا من أستاذنا شفيق عبود، كيف ننظر إلى الطبيعة من خلال حركتها الداخلية، ليتحول المشهد إلى المشهد إلى بقع لونية وحركة وإيقاع له علاقة بنسيج الموسيقى والشعر”(10). يتبين من  مسار شفيق عبود أنه كان متعطشاً لآفاق مختلفة. “لم ترضه هذه الانطلاقة، ربما لأنه لم يعثر على ذاته في المعجن اللبناني، فقط” (11). سافر العام  1947 الى باريس، عاصمة الثقافة التشكيلية، فوجد نفسه هناك في مواجهة ما يحصل في العالم البصري،  عاش عبّود بمناخ صعب طغى في باريس، ما  يعني  أنّ  التجريد  استحوذ على  طموح كثير من الفنّانين في أوروبا، إضافة إلى المذاهب السائدة في ذلك الوقت، فإنّ التجريد تحكّم بمسار الفنّ عموماً. حينها كان الصراع محتدماً بين الواقعية والتجريد، وكان الجدال بينهما فـي أشدّه.  جرد عبود الطبيعة فكان تجريده غنائي، فهو يحتفل بالطبيعة، كما أنه مسكون بانعكاسات الواقع على ذاكرته، فاعتنق التجريد الغنائي لكي لا تغادره الطبيعة، هناك يقول”طبيعة داخل الطبيعة وفي اللوحات… هل هناك فنان غير متأثر بالطبيعة؟ من لا يتأر بالطبيعة يصبح مهندساً معمارياً…”)12) أبدع عبود في مجال اللون وتميز على صعيد التجريد الغنائي، وبرز في فرنسا وخارجها وتردد اسمه في أرجاء باريس في الصحف وبين النقاد.

فاطمة الحاج، حديقة مونتسوري 2019

زيت على قماش، 116×81 سم.

برهنت فاطمة الحاج عن مدى أهمية الطبيعة التي رافقتها في مسيرتها الفنّية على مدى أربعين عاماً، قدمت أهم النماذج التي عبرت عن القيم اللونية العالية في مفهوم حداثي متطور. عاشت اللون في أقصى تدرجاته اللونية وتوجاته الضوئية، من خلال التفاعل المباشر عن الطبيعة، عايشت الطبيعة بحب وإخلاص فسكنت في روحها من خلال اللقطات العابرة التي كانت تجمعها من عدة زوايا فتعكسها بعفوية مطلقة ودون تكلف في عمل متقن.

 

وقد برز العديد من الفنّانين المعاصرين في لبنان الذين أكدواعلى أهمية الطبيعة كمدخل إلى اللوحة، من خلال التفاعل مع اللون والضوء، وبالتالي كعامل مهم لإنجاح العمل. ومن أهمهم الفنّانة فاطمة الحاج التي سكنت الطبيعة بذاكرتها، فاحتفلت بها، وتفاعلت معها بمفهوم حداثي عصري. جميع أعمالها أنجزت في كنف الطبيعة، مؤكدة على أهمية هذا الموضوع من خلال ما قدمت من أعمال مشرقة ذات قيم لونية عالية، ومن خلال مسيرتها التعليمية. هذا الثبات العقائدي على السلطة المطلقة التي تعطيها للون، برهنته الفنّانة في تجددها الدائم في العرض من دون تكرار لذاتها. واللون

 

 

 

 

 

عند فاطمة الحاج دائم التحول، لأنها تتناوله كمادة حية تكون عرضة لشتى التفاعلات والانعكاسات. هي تدرك كيف تقيم الحوار بين الألوان، وكيف تصنع الخامات ببعدها اللوني، وهي مدركة تماماً ما تريده من الطبيعة فهي لا تنقل الطبيعة من خلال مشهدية مباشرة لكنها تختار لقطاتها وتجمعها في عمل ذات بعد تشكيلي يأخذ الناظر اليها بعيدًا من النص البصري الذي أرست أساسه الفنّانة في اللوحة. تطلق فاطمة الحاج سراح اللون بعيدا في أرجاء لوحتها، تبرع في خلق جو من التشويق يستسيغه المشاهد.                      شفيق عبود، العيد، 1975.

زيت على قماش، 114×146 سم.

كون عبود مخزونه اللوني

فجردها بغنائية واعية وبمفهوم حداثي.

 

 

 

 

من تجربته العميقة مع الطبيعة، فرافقته أينما ذهب، جردها من لباسها التقليدي وبحث في خباياها ونبش ألوانها

رابعاً: التدريس في كليات الفنّون

لعل من الأسباب المهمة التي آلت الى وجود أزمة في الفنّ على مستوى اللوحة، وعلى مستوى الفنّ التشكيلي عموماً، تعود للإشكالية التي تعاني منها معظم كليات الفنّون الجميلة في مستوى التعليم، ما ينعكس على طريقة التوجيه الصحيح. فعلى الصعيد اللبناني، هناك العديد من الأساتذة في كلية الفنّون، الذين لم يعيّنوا بناءً لكفاءاتهم، وبالتالي لم يطرحوا أنفسهم كفنانين، وخصوصاً من الجيل الجديد الذين يتم تعيينهم عبر وساطة أو جهة معينة، لم يثبتوا جدارتهم في توجيه الطلاب على المسار السليم، وهذا ما أوصل الفنّ إلى وضع مزرٍ، وبالتالي فاقد الشيء لا يعطيه. باستثناء بعض الفنّانين البارزين الذين أعطوا الكثير من خبرتهم للطلاب ووجهوهم بشكل صحيح على إدراك القيمة التشكيلية للعمل، من خلال فهم الكتل والعلاقات اللونية، وكيفية معالجة الخامات، انطلاقاً من التفاعل مع الطبيعة كما ساورا هم أنفسهم، وقد أثروا بالكثير من تلاميذهم. وهذا الاستهتار في تقييم الأشخاص الذين يستحقون أن يكونوا في الهيئة التعليمية ومن لا يكون مؤهلاً، ينسحب ذلك على جميع المراكز في الجامعة، من رئيس قسم إلى عميد، لتتقدم المصالح الشخصية على المبادئ. وهنا تكمن المشكلة الأساسية التي تصعب معالجتها بسهولة.

لطالما كانت الفنّون كظاهرة إنسانية، عبرت عن ظواهر الطبيعة وهواجس البشر وتاريخه ومعتقداته، وكانت مرآة الحضارات على مر الأزمان. واليوم في عصر تتلاقح فيه الثقافات، حيث احتلت الفنّون مكانة مهمة في النسيج الثقافي المجتمعي. وساهمت في خلق جو اجتماعي إيجابي يسوده الترابط والتآلف. فالاستمتاع بمشاهدة الأعمال الفنّية من خلال المعارض والمتاحف التي تسلط الضوء على الجانب الإبداعي للفنون، يخلق لدى أفراد المجتمع نوعاً من التقدير لقيم الجمال والأبداع، التي تنمي الذوق الإنساني وتهذب الروح. كما أن للفن أهمية كبيرة في المجتمع، وذلك من خلال تحفيز قدرات البحث والفكر والحوار والإبتكار. كما أنه يدفع الفرد لتجديد أساليبه في الحياة من خلال تطوير وسائل الفنّ المختلفة. والفنّ يعزز قدرات التعلم والأبداع، ويعالج الاختلافات بين الثقافات من خلال الحوار والرمزية المؤثرة والخبرة المشتركة التي تطرحها  الفنّون، كما أنه يحث على الدفاع عن مبادئ حرية التعبير.

من خلال هذه الأهمية الكبيرة للفن في حياة الفرد، ألا يجدر بنا أن نكون دقيقين وصادقين في تصويب التعليم بشكل فعال من خلال الاختيار الصحيح للمدرسين في كليات الفنّون، من الفنّانين الجديرين بهذا اللقب؟ يتخرج عشرات الطلبة كل عام من كلية الفنّون، حاملين الشّهادات من مختلف المستويات، ولا نسمع بفنانين جدد سوى أسماء تأتي وتذهب بسرعة كزبد البحر، شباب تملك حب الظهور أمام الواجهات ومن خلال الإعلام، ونرى ذلك من خلال تجارب بسيطة تفتقرإلى البحث والمعاناة والإختبار، وتارة تكون إعادة لنماذج غربية ولتجارب الآخرين.

تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على الوزارات المعنية واللجان التي من شأنها إدراج القرارات الصارمة لمنع هذه المهزلة، لذلك هي المسؤولة عما يحصل وراء الكواليس في ما يخص المحاصصات و توزيع التعيينات لإرضاء فريق ما أو جهة معينة، على كل حال فهذا حال البلد. فهذه إشكالية أخرى لا نريد الغوص فيها، ولكن لمعاجة هذا الأزمة، نحن نرى بالاجتهاد والبحث الشخصي لطلبة الفنّون من أجل الوصول الى الهدف السامي في الفنّ، والتروي في التفتيش من خلال التجارب الشخصية انطلاق من الطبيعة بكل أشكالها، أي التفاعل مع أي موضوع  نصادفه في حياتنا اليومية سواء في مشهد خارجي أو في رسم الأشخاص أم من خلال عناصر جامدة ما يسمى بالطبيعة الصامتة، المهم أن يكون الفنّان صادقاً في تفاعله مع اللون والضوء وليس المطلوب النقل الحرفي للموضوع، أحيانا يأخذه المشهد الى رؤية مختلفة كلياً عن الواقع، فالمهم هو الإحساس في المعالجة واختيار الحركة التي تظهر تأليفاً متماسكاً تشكيلياً وجمالياً، ويكون ذلك من خلال الإنسجام مع الذات حسياً أكثر منه مع الموضوع عقلياً. فالفنّان يستلهم من الواقع ليدخله إلى ذاته ويخرج بنص جديد وبصياغة حرة تتميز برؤية متفردة من حيث الإبتكار والإبداع، فالفنّ هو حالة ذاتية ابتكارية والفنّان ليس آلة تصوير. كما عليه أن يبتعد عن الرّسم من خلال الصور الفوتوغرافية التي تقيد رؤيته وتحجم آفاقه. زيادة على ذلك، على الطالب أن يتثقف فنياً، بالدرجة الأولى من خلال زيارة المعارض والمتاحف والتعرف على المدارس الفنّية وعلى أعمال الفنّانين الكبار المبدعين.

خامساً: تأثير العولمة والفنّ المفهومي على مسار التعليم في كليات الفنّون

كما فرضت العولمة مفاهيم جديدة على الفنّون عامة، فقد ساهمت في تغيير مسار التعليم في كليات الفنّون، وبالتالي في تغيير بوصلة الطلبة باتجاه ما يسمى صناعة الفنّ تحت تأثير التكنولوجيا والمواد الجديدة العصرية بما يتماشى مع القضايا الواقعية في عصر السرعة. فجاء الغزو الثقافي العالمي في ظل هذه العولمة ليفرض سلطته من خلال أدواته الجديدة التي أصبحت حاجة كل فرد في هذا العصر، فمن منا يستطيع أن يتخلى عن هاتفه النقال، أو بريده الالكتروني وموقعه على الفايسبوك، إن تكنولوجيا المعلومات فرضت علينا مواكبتها، وإلا نحن سنكون خارج الزمن. لقد أقصى مفهوم العولمة اللوحة عن سياقها التشكيلي، حيث أصبح هناك تحفظ حتى على زيارتها في المعارض، وباتت تعدُّ من الماضي التشكيلي خاصة تلك التي تحاكي الطبيعة، صار الفنّ يحاكي العقل، أكثر من كونه وليد الروح والإحساس. وبات الفنّ صناعة بمتناول الجميع، وذلك من خلال استخدام المواد المتاحة التي أوجدتها المنافسة الاقتصادية في إنتاج السلع الجديدة ليصبح سوق الفنّ سلطة ثقافية،” لأن سطوة النظام الإجتماعي والسياسي والاقتصادي المهيمن الذي يفرض ذاته كنموذج مثالي في حيز الشّعوب والأمم والقوميات، معتبراً ذاته الاستقطابية مركزاً للمجرة الكونية” (13).

ولئن جاءت فنون ما بعد الحداثة، بعد انهيار منظومة “الأستطيقا” المستندة إلى الفلسفة الجماليّة التي أرادها بومغارتن، و”التحول نحو القضايا الواقعية في عصر السرعة، ما أدى إلى العبث والهدم والفوضى” (14). بل دأبنا الحديث عن جماليات الرائع أو القبح مع أدرنو لنكون في حضرة إستطيقا الذّهول في الفنّ المعاصر أو اللاإستطيقا كما يراها آلان باديو، فالفنّ لا يهبنا الجميل بقدر ما يهبنا القبيح والرائع، لذا نرى الفنّان المعاصر لا يتكلف أعباء الإبداع ولا يحتاج إلى العبقرية التي كانت شرطاً من شروط الفنّان في نقد ملكة الحكم” الكانطية ونقطة إرتكاز في فلسفة نيتشه. فكل ما عليه هو توضيب بعض الأشياء الجاهزة الصنع التي نستعملها في حياتنا اليومية أو في الأسواق(15). ويعدُّ هذا التّحول نتيجة لمرحلة ما بعد الحرب العالميّة الأولى مع ظهور الدادائية (**)، في حين أصبح الفنّ لم يعد يجهد نفسه في إبداع الجميل، بل استعار لنفسه أفق أخرى ظهرت من خلال تحولات العصر الاستهلاكي. هذا ما حدا إلى ظهور تيار فني يحسب على الفنّ المعاصر “المصنوع الجاهز” Ready made الذي ابتدعه مارسيل دوشامب، وذلك من خلال استعمال أشياء ومصنوعات جاهزة في التنصيب، أتى على شكل إقحام للمنتوجات الصناعية.

انطلاقاً من الغزو الثقافي وسطوة العولمة، أدرجت أساليب تعليمية جديدة في كليات الفنّون،  تطرح فنوناً مفاهيمية تحث الطلبة على البحث في هذا الإطار، خصوصاً في المراحل المتقدمة من السنوات الدراسية، بوصفها تفتح آفاقاً جديدة للطالب وتشجعه على التفرد، ويكون ذلك على حساب التعبير اللوني والحسي. وقد أصبحت هذة الطرق ممنهجة في أحد فروع كليات الفنّون في الجامعة اللبنانية. ما ينعكس سلبياً على الطلاب، كيف لا وقد أصبح الطالب يبحث في ثنايا أفكاره  مجهداً عقله ليأتي بفكرة عصرية يقدمها بالشرح الشفهي أكثر ما يظهره تشكيلياً. هل أصبح العمل الفنّي قضية أو حكاية تفسر بالكلام، حتى وإن كانت مفهوماً عصرياً يحاكي القضايا الإنسانيّة، و نحن لا نعارضها من حيث المبدأ كمفهوم يقدم من خلال عمل فني، ولكن على أن لا يكون البحث مبررًا بالكلام أو بلغة العقل المرتبطة فقط بالقضية، على حساب التبرير التشكيلي والحسي في العمل. هذا ما شوش  أذهان الطلاب فجاءت أعمالهم ساذجة، مختبئة خلف الفكرة الواقعية أكثر من أن تطرح مفهومًا تشكيلياً يقدم كلغة بصرية، تتجاوز لغة الوصف الشفهية لتقريب العمل الفنّي من المتلقي . هل العولمة  موضة أصبحت مواكبتها من المسلمات، وأن نهمل لوحة الحامل، التي نراها لا تزال حاضرة، لأن الفنّ الأصيل يمكن أن يثبت مكانته في أي وقت وأن يعبر عن أي عصر، فلا مشكلة في عصرنة اللوحة ما دامت تحمل معاناة الفنّان التشكيلية وتنقل الواقع بطريقة عصرية أستطيقية.

سادساً: دور النقد والإعلام وصالات العرض في دفع الإبداع

  • النقد الفنّي

بدأ النقد الفنّي منذ القدم، فارتبط بالحضارات القديمة بالرعاية (Patronage). كما برز النقد الجمالي مع الحضارة الإغريقية التي اهتمت بالحكم الجمالي وأفرزت حكماً نقدياً على الفنّون، وكان من أبرز فلاسفتها أفلاطون وأرسطو وسقراط، وكانوا أول من كتب في فلسفة الفنّ والجمال. وارتبط النقد في العصور والوسطى بالمعتقد والدّين، فكانوا يدعمون الفنّ الذي يخدم الكنيسة، وأقصوا الفنّ الذي يعبر عن الموضوعات الدنيوية، فظهرت مرحلة تحطيم الصور وطمسها من بعض الكنائس، ما أدى إلى تراجع الفنّون وقلة إنتاج في المجالات الفكرية والفلسفية. وقد “أثرت الثقافة العربية في المجتمع الأندلسي، وقد أدى تطور العلوم في أوروبا والاهتمام بالترجمات العربية للفكر اليوناني والازدهار الاقتصادي في إيطاليا”(16). خرج النقد الفنّي من دائرة تحكم الأمراء والكهنة، فأصبح الفنّ يلبي حاجة الذوق العام للطبقة البرجوازية في المجتمع الأوروبي. وأصبح في عصر النهضة زاوية جديدة للفن، فتركز الاهتمام على العبقرية في العمل الفنّي والقدرات الإبداعية.

مع زوال عصر النهضة ودخول أوروبا في عصر جديد تمثل في الثورة الأوروبية، تحول النقد نحو التذوق الرفيع في الفنّ. حيث ارتبط  الفنّ بالجمال كما ارتبط بالبنى الروحية للفنون، ثم ظهر الفكر الرومنسي الجمالي والنقد الإلماني وعصر التنوير الفرنسي. وكان لظهور المعارض أثره في ازدياد الكتابات والنصوص النقدية المواكبة لهذه المعارض، ما جعل للنقد أهمية في التأثير على الذوق العام في المجتمع الغربي، وظهور الكلاسيكية الجديدة مع الرسام دايفد، كاستجابة واقعية للذوق العام. فجاء كانط في القرن الثامن عشر قلب الموازين في تحديد علم الجمال، فوضح أن مشاعر إدراك الجمال هي الإدراكات التي يصحبها في العقل إحساس باللذة، من دون أن تكون مصحوبة بشعور آخر متعلق بالماديات. كما ربط هوجارت مؤسس علم المدرسة الإجليزية في الجمال،” قد ربط الجمال بالإحساس، وميز بين الشعور الخالص بالظاهرة الجمالية وبين المتعة”(17). لقد أصبح علم الجمال الحديث مع نهاية القرن الثامن عشر مرتبطاً بمشكلات التذوق الجمالي (Aesthetic Appreciation).

بعد الثورتين الفرنسية والأميركية ومع التحول الى المجتمع الصناعي، غيرت الاختراعات نمط الحياة، الشيء الذي مكن من استنباط  أشكال جديدة لموضوعات تواكب التغير في وسائل التعبير الفنّي، وتغير المناهج والأساليب والأدوات والخامات والأشكال الفنّية، التي عبرت عن مظاهر الحياة. ما أدى إلى تغير مفهوم اللوحة ومفهوم الجمال عند الذوق العام. مع ظهور الحداثة في المنتصف الثاني من القرن الثامن عشر، تعرف الفنّانون والفلاسفة والمؤرخون على الجمال كنظرية نقدية تعتمد على الدراسة  والتقدير، حتى أصبح النقد في القرن العشرين متصلاً بالفنّ ويرضي حاجة الجمهور التي كانت مفقودة لفهم الفنّ والجمال، الذي كان يقتصر على العالمين بالفنّ وعلم الجمال، وأصبح النقد يقوم على الحوار بين الفنّاني والنقاد. ومع تطور مفاهيم الفنّ في القرن العشرين وتعدد الاتجاهات الفكرية والفلسفية التي تقود الفنّانين إلى إبداعاتهم، أصبح من الصعب أن يتفق فلاسفة الفنّ والنقد وعلم الجمال على مفهوم موحد وواضح للفن. ثم تعددت التيارات في الفنّ والنقد الفنّي في هذا القرن، فأتى الفنّ المعاصر ليرث كل القيم في الفنّون السابقة، وكل يوم كان يضاف جديد على الفنّ، فأصبح النقد غير قادر على الإمساك بزمام الخارطة الفنّية التي كانت تتوسع، ما أثر على الذوق العام وشوش على أذهان المتلقين. خاصة إذا لم تتوفر السمات المطلوبة في الناقد، من خلال الوعي والمعرفة بالقيمة الفنّية من حيث التعبير والمفهوم والإبداع، كما أنه يجب أن يحمل هذه الصفات بشخصيته ليتمكن من رؤيتها في أعمال الآخرين، ويميز بين الجيد والرديء.

  • وسائل الإعلام

ساهمت وسائل الإعلام عبر العصور في نشر الخبر والمعرفة، وقد تطورت مع تقدم البشرية في العلوم والتكنولوجيا، وكان لها دور كبير وفعال في دفع الفنّ والإبداع، تمثل في نقل الصورة من قلب الحدث وتعزيز دور الفنّان من خلال الحوارات والندوات عبر وسائل الإعلام المتطورة كالصحف والراديو والتلفزيون والإنترنت، حيث صار الخبر يصل إلى الجمهور بكبسة زر. وصار استخدام الوسائل الإعلامية يتيح المجال، لإيصال المحتوى الإعلامي إلى عدد كبير من الناس وبأماكن وأوقات ولغات مختلفة، كما صار للإعلام التأثير الكبير على الناس، بوصفه السلطة الرابعة.  ولا شك أن الإعلام يتبنى مسؤولية كبيرة وحساسة تجاه الجمهور، إن كان في المجال السياسي والاجتماعي أو معالجة القضايا الإنسانية، لكن مسؤولية نشر الفنّ والمعرفة لا تقل أهميّة عنها.

لكننا اليوم أصبحنا أمام أزمات كبيرة في المجال الفنّي والثقافي، وبتنا نشهد ظاهرة فنية سريعة الإنتاج، قسم منها يعمل في مجال اللوحة التي لا تقول شيئاً على المستوى التّعبير، والقسم الآخر يدعو إلى صناعة ثقافيّة من خلال وسائل تكنولوجية أدخلتها موجة العولمة العالميّة، فوجدنا أنفسنا أمام غزو ثقافيّ، و”تكنولوجيّا المعلومات لم تترك لنا وقتًا كي نفكر أو نتأمل بمجريات فنوننا كي نعمل على دراستها وتقييمها، لأن انتقالنا من الحداثة الى ما بعد الحداثة جاء سريعًا”(18)، لذلك نشهد هذه الأيام ظاهرة كبيرة لفنانين وطلاب فنون تفتقد أعمالهم لكثير من القيمة التّعبيريّة والعمق اللوني نتيجة المنهجية المتبعة في التّعليم، من خلال إهمال الطبيعة كعنصر إلهام للفنان وسوء التّعامل معها كمنطلق للتفاعل وتحليل اللون والضوء. على ضوء ما يحدث فإنّ جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق المؤسسات الإعلامية، إن كان من ناحية التّضخيم لبعض الأشخاص أو التّقصير في حق البعض الآخر. فعندما يكون الإعلام موضوعياً ومنصفاً في توصيفه للحدث الفنّي وللفنان، من خلال تسليط الضوء على النقاط الإيجابية والسلبية في المواضيع، يساعد هذا في توجيه البوصلة لطلاب الفنّون والفنّانين نحو المكان الذي يوجد فيه الإبتكار والإبداع.

  • صالات العرض

أصبحت اليوم موضة المعارض ظاهرة واسعة على مستوى العالم، كما أصبح للفن التّشكيليّ بورصة عالمية تتحكم بسعر العمل الفنّي. كما أقيمت المزادات الكبيرة، ما أثار شهية الكثيرين الذين يسعون وراء الشّهرة الفنّية والواجهات والكسب المادي السريع من الفنّ، فباتوا مقبلين على العرض تحت شروط مصلحة الصالة، وبناء لمتطلبات المتلقي من العامة.

انسحب هذا الوضع على المنطقة العربية بشكل كبير، حيث تزايدت صالات العرض في عمان في الآونة الأخيرة، وفي هذا الصدد يقول أستاذ الفنّ التّشكيليّ في عمان غسان أبو لبن، أن صالات العرض اليوم تغلب عليها النزعة التّجارية، وإن ارتبطت في الكثير من الصالات بالجانب الجماليّ والفنّي وربما النّقدي في بعض الأحيان، فالجانب التّجاري المقرون بالجماليّ إنما تبرره توجهات المقتنين وليس توجهات الفنّان أو العمل الفنّي. أي أنّ القيمة الفنّية أصبح يحددها المتلقيّ. وهذا يسير عكس اتجاه التوجه التّثقيفيّ التّشكيليّ… لهذا نجد المشهد الثّقافيّ يعاني من الارتباك ومن تفاوت المعايير في تحديد التّفضيلات الجماليّة والنّقديّة التي تقوم عليها الحركة التّشكيليّة الصّحية. ما يخلق مساحة مناسبة لتكاثر أشباه الفنّانين والموهومين، والذين بشكل ما يلبون متطلبات المتلقي والمقتني الذي يفرض إيقاعه الفنّي على الساحة، وتوجهات أصحاب الصالات (19) .

كما تشهد دولة الإمارات انتشاراً واسعاً لصالات عرض الفنّون التشكيلية، ربما بشكل أوسع مما هو موجود في البلدان العربية الأخرى، مما جعل هذا الأمر يطرح تساؤلات حول مستقبل اللوحة التشكيلية في الإمارات، خاصة في ظل العولمة وتفرد اتجاهات الفنّ المعاصر حضوراً في أماكن العرض كالتجهيز وغيره. إنما هناك من لا يرى خوفاً على اللوحة معتبراً أنه بالرغم من وجود سلبيات لهذا الغزو الثقافي، إلا أن هناك إيجابيات. يقول الفنّان صالح شامبيه: أنا أعتقد أن هذا التنوع في صالات العرض يغني المشهد الفنّي في الإمارات ويثري الساحة بأسماء جديدة دائماً ويخلق نوعاً من التنافس الإيجابي… فضلاً عن استقطاب فنانين من خارج الدولة. كما عدّ هذا  التنوع هو عامل تحفيز للفنان، للبحث عن التفرد. ويضيف إجابة على مسألة تعدد الأسماء بعينها من قبل الصالات قائلاً: ربما تكون هناك سلبية ما، فالبعض من صالات العرض تبتعد من الفنّان المحلي، ليعتمد كلياً على أسماء أجنبية فاقعة. لكن بالمجمل فإن ما يجري في الساح الفنّية من جدل هو إيجابي جداً… لا تنسى أن هدف صالات العرض هو البيع والربح… بالتالي فالأعمال مهما كانت سويتها فالأكثر أهمية هو المقدرة على تسويقها(20). كما ينسحب هذا الوضع على لبنان وباقي الدول العربية. حيث نجد في بيروت نوعان من الصالات، قسم يلتزم بنوعية العرض، ويعتمد على أسماء معروفة مما يضمن له المردود المادي، وقلما يجازف بالجديد من المواهب الصاعدة، إلا إذا توفرت المواصفات القيمة في عمله. وقسم آخر لا يتقيد بأي معايير فنية في مسألة العرض، سوى هدف الربح أويكون عبر علاقات معينة مما يدفعه لدعم هذا الفنّان أو ذاك.

مع الأهمية الكبيرة للفنّ التّشكيليّ في لبنان وسطوع العديد من الأسماء المهمة على صعيد الفنّ التشكيلي من خلال المفهوم والقيمة التّعبيريّة، وفنانون كثر قد برزوا في لبنان وخارجه، بدءاً من ثلاثينات القرن الماضي، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : داود القرم (1852-1930)، جبران خليل جبران (1883-1931)، النحاتة سلوى روضة شقير (1916-2017)،  مصطفى فروخ (1901-1957)، قيصر الجميل (1898-1958)عمر الأنسي (1901-1969)، إيفيت أشقر(1928)، بول غيراغوسيان (1926-1993)،  شفيق عبود (1926-2004)، النحات ميشال بصبوص (1921-1981) ، رفيق شرف (1932-2003) أمين الباشا (1932-2019)، حسين ماضي (1938)، علي شمس (1943)، حسن جوني (1942)، فاطمة الحاج (1953)، ومحمد الرواس (1951). بالمقابل فإننا نشهد اليوم ظاهرة فنية يمثلها هواة أو أشباه فنانين يتسلقون على نجاحات الآخرين من البارزين في لبنان ومن الفنّانين الغربيين، وهذه الظاهرة تتكرر باستمرار من خلال المجال المتاح أمامها. وكما كشفنا سابقاً عن الأسباب التي أدت إلى تراجع مستوى الفنّون، التي تعود إلى طريقة التدريس، زد عليها مسؤولية النقد والإعلام، فإنّ لصالات العرض دوراً مهماً في تقليص هذه الظاهرة وبالتالي في دفع الفنّ والإبداع والتقدم نحو مستوى أفضل.

خاتمة

أثبتت التجارب عبر المراحل التي مرت فيها الفنّون التشكيلية، أن الطبيعة هي المعلم الأول والمصدر الرئيس للإلهام عند الفنّان التّشكيليّ، وذلك من خلال التفاعل والاستيحاء. وقد تبين هذا عبر المدارس الفنّية الغربية، بدءاً من المراحل الأكاديمية مروراً بالانطباعية التي أكدت على أهمية الطبيعة كعنصر أساسي لمصدر اللون والضوء كما انسحب هذا النهج على المدارس الحديثة كالتّجريد والتّعبيرية التّجريديّة وغيرها من المدارس الحديثة المعاصرة، بحيث كانت الطبيعة المنطلق الأول.

وما نشهده هذه الأيام من تراجع في مستوى الفنّون على صعيد العالم العربي، فأحد أهم أسبابه يعود إلى إهمال هذه الناحية في التدريس وعدم التركيز على عنصر الطبيعة كمصدر مهم للإلهام، وأيضًا عدم الوعي في التّعامل معها. كما أثرت العولمة على مستوى اللوحة وأهملتها، إضافة إلى أن وسائل الإعلام والنقد قد ساهمت في وجود هذه الأزمة.

الهوامش

  • هند الصوفي: الإتجاهات التصويرية في العالم الغربي والعربي، إمبرس للطباعة والنشر، بيروت 2016، ص 18
  • المرجع ذاته، ص 22

(*) كارافاجيو،(1571-1610) Caravaggio أسمه بالإيطالية مايكل أنجلو ميريسي (Michelangelo Merisi)، رسام إيطالي، ظهر في عصر الباروك، عالج المواضيع الشعبية. تميزت لوحاته بالواقعية الدرامية البسيطة، عالج فيها الموسيقيين والرسامين والمسرحيين والمنجمين ، كما رسم شخصيات دينية وكانت فقيرة المنظهر، من الحفاة والبسطاء.

  • المرجع ذاته، ص 70
  • هند الصوفي: مرجع مذكور، ص 71
  • هند الصوفي: مرجع مذكور، ص 96.
  • محمود أمهز: الفنّ التشكيلي المعاصر، الناشر دار المثلث للتصميم والطباعة والنشر، بيروت 1981. ص 35.
  • عادل قديح: الفنّ التشكيلي في لبنان: بين متطلبات الحداثة الغربية وإشكالية الواقع اللبناني، مجلة تحولات، 2014،ص 1-2.
  • المكان ذاته
  • سيزار نمور، أمام اللوحة، كتابات في الرّسم، دار الفنّون الجميلة، بيروت، 2003، ص 15.
  • رشا المالح، البيان، موقع اكتروني، 27 مارس 2011.
  • عادل قديح: المقاربة اللبنانية…مرجع مذكور ص 93
  • عيسى مخلوف,مقابلة مع شفيق عبود,مجلة مواقف,العدد 72 ,1993,ص 18.
  • مهى سلطان، التشكيل العربي المعاصر، دار الأنوار، بيروت، 2012، ص 15.
  • المصدر ذاته ص 17.
  • هيبة مسعود، أزمة الفنّ المعاصر، مركز نهوض للدراسات والنشر، ص 5.
  • تشكيليوا البصرة ، تاريخ النقد الفنّي، 28 يونيو 2011. Art-basra.ahlamontada.com

(**) الدادائية أو دادا (Dada)، هي حركة ثقافية انطلقت من زيورخ (سويسرا)، عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى، واختفت رسمياً عام 1924. ورفضت كل شيء: الحرب والسلم والمعنى واللامعنى، والتكنولوجيا والحضارة المادية ورفضت الفنّ السائد، كما رفضت التراث والقيم الأخلاقية من أجل الحرية والإبداعات التي ترتهن إلى الصدفة دون أي هيمنة من العقل والمنطق. كما نادوا بالتدمير والفكاهة والفضيحة والعنف والسخرية والتخريب. وقد برز من فنانيها مارسيل دوشامب الذي عرض أول عمل مثير للجدل حينذاك مبولة  جاهزة في أحد المعارض. وكان أحد المجفزات للفن المعاصر الذي ارتكز على التجهيز.

  • تشكيليوا البصرة مرجع مذكور ص
  • مهى سلطان، مرجع مذكور، ص 17.
  • محمود منير، صالات العرض، تحولات السياسة والسوق. co.uk//culture)
  • الإتحاد، صالات عرض الفنّون التشكيلية تسهم للترويج للوحة الإماراتية. صحيفة التحاد.alittihad.ae).

المصادر والمراجع

  • هند الصوفي: الإتجاهات التصويرية في العالم الغربي والعربي، إمبرس للطباعة والنشر، بيروت 2016
  • محمود أمهز: الفنّ التشكيلي المعاصر، الناشر دار المثلث للتصميم والطباعة والنشر، بيروت 1981.
  • عادل قديح: الفنّ التشكيلي في لبنان: بين متطلبات الحداثة الغربية وإشكالية الواقع اللبناني، مجلة تحولات، 2014
  • سيزار نمور، أمام اللوحة، كتابات في الرّسم، دار الفنّون الجميلة، بيروت، 2003
  • مهى سلطان، التشكيل العربي المعاصر، دار الأنوار، بيروت، 2012
  • عيسى مخلوف,مقابلة مع شفيق عبود,مجلة مواقف,العدد 72 ,1993
  • رشا المالح، البيان، موقع اكتروني، مقابلة مع مع الناقد فيصل سلطان، 27 مارس 2011
  • هيبة مسعود، أزمة الفنّ المعاصر، مركز نهوض للدراسات والنشر 10 يوليو 2010
  • تشكيليوا البصرة ، تاريخ النقد الفنّي، 28 يونيو 2011. Art-basra.ahlamontada.com
  • محمود منير، صالات العرض، تحولات السياسة والسوق. co.uk//culture17 أوغست 2019)
  • الإتحاد، صالات عرض الفنّون التشكيلية تسهم للترويج للوحة الإماراتية. صحيفة التحاد. 10 سبتمير 2010alittihad.ae).

 

 

 

 

 

 

 

1- طالب في المعهد العالي للدكتوراه – الجامعة االلبنانيّة – قسم الفنّون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.