الفلسفة بين الموروثات والتّحديات المعاصرة

0

الفلسفة بين الموروثات والتّحديات المعاصرة

حبيب فياض)[1] (

يستمدّ القول الفلسفي ديمومته وبقاءه من انطوائه على مبادئ، وغايات ثابتة في العقل والتّفكير، كما من قدرته على السّريان في الزّمن، ومحاكاته التّحوّلات التي تعتري الأذهان، والمجتمعات البشريّة، وفق صيرورة منتظمة يتداخل فيها ما هو كائن مع ما ينبغي أن يكون؛ لتولد القضيّة الفلسفيّة، من خلال ذلك، أكثر شمولًا، بوصفها مسارًا فكريًّا تتّسع فيه رؤية الإنسان لتطال أكبر حيّز ممكن من الواقع، إذ من المفترض أن ينتج من هذه الرّؤية منظومة حياة تقوم على التّوحّد بين الكينونات والينبغيّات.

ممّا تقدّم، لا يعود مبرّرًا الحديث عن موت الفلسفة أو أفولها، ذلك أنّ الفلسفة تبقى بثباتها، وتفعل بقدرتها على التّحوّل، وتغدو حاجة بمواءمتها بين الفكر والواقع، إذ هي ليست منحازة إلى الفكر دون الواقع حتّى يصار إلى تجاوزها متى ما تحوّل الواقع وتطوّر؛ ولا يمكن كونها مجرّد انعكاس لواقع بمعزل من تأثيرات الفكر وتحوّلاته؛ بل هي نوع من التّماهي بين معلومات كامنة في الذّات، ومجهولات عصيّة على الفهم تعرض على الموضوع، وهي نتاج تفاعل دائم بين تفكير يتطلّع إلى كلّيّات قابلة  للانطباق على واقعيّات عديدة مهما تباينت جزئيّاتها، وتعاقبت حوادثها.

غير أنّ ما تقدّم لا يتنافى مع ضرورة الاعتراف بواقع مأزوم تعيشه الفلسفة في عالمنا العربي والإسلامي الرّاهن؛ وذلك نتيجة التّمسّك بالفلسفة التّقليديّة المتمحورة على الوجود، وما ورائيّاته، ومقولاته المفرطة في التّجريد، والطّوباويّة، والانفصال عن الواقع، وذلك مقابل الابتعاد من الفلسفات الحديثة المضافة إلى العلوم الحيّة التي تدور حول موضوعاتها من قبيل: فلسفة العلم، الّلغة، الدّين، التّاريخ، الأخلاق، الاجتماع، الاقتصاد، السّياسة…

وإذا كان النّمط الأوّل من التّفلسف، أيّ التّقليدي، قد أدّى قسطه للعلى على مدى مراحل متعدّدة من حياة البشر، فإنّ مشكلته تكمن في استنفاد مسائله، وجمود معالجاته، والتقصير في تسييل تساؤلاته الكبرى التي لازمت الإنسان وإنجازاته، فضلًا عن تفكيره في الحياة والمجتمع.

أمّا النّمط الثّاني من التّفلسف، أي الفلسفات المضافة، فهو نتاج تطوّر العقل وإصراره على دور الرّقابة، والتّقويم لكلّ ما يحيط به، وذهابه إلى ضرورة الربط بين “مُطْلَقِيّة” الوجود التي تشكّل موضوعًا عامًّا للفلسفة، و”محدوديّة” العلوم التي تشكّل موضوعات متباينة لهذه الفلسفات التي يجمع بينها الإطلاق والشّمول، فيما تفصل بينها الحدود والرسوم. ذلك أنّ رؤية العلوم إلى موضوعاتها تتعدّد حسب رؤية الفلسفة إليها، إذ تبقى الرؤية الأولى جزئيّة ومباشرة، ومن قبيل نظرة الشيء إلى ذاته، فيما تأتي الرؤية الثانية كلّيانيّة، وخارجية، ودائمة، ومن قبيل نظرة الآخر إلى الأنا…

بمعنى أن كل “أنا” يحتاج إلى “آخر” حتى ينظر إليه ما خلا الفلسفة، إذ هي بالنّسبة إلى ذاتها “الأنا” و”الآخر” في آن؛ ومن هنا لم يتوانَ الفلاسفة عن تكرار ما يقال من أنّ الفلسفة أمّ العلوم، ومستغنيّة عنها بوصفها (أي الفلسفة) تتكفّل بالحديث عن العلل، والغايات، والمبادئ، والأبعاد الوجودية للموضوعات؛ فاللغة مثلاً تعلّمنا الكلام، لكنّها لا تعلّمنا، كما هو شأن فلسفة اللغة، لماذا نتكلّم؟ ولا تجيبنا عن تساؤلات أساسيّة عن علاقة اللغة بالوجود، وعلاقتها بالتفكير والمعنى، وعلاقة اللغات بعضها ببعض وفق رؤية كلّيّة وشاملة. وكذلك علم التاريخ فإنه يقدم لنا الوقائع، والأحداث من خلال الحكاية عن المصاديق العينية والجزئية، لكنه لا يقدم لنا المفاهيم الكلية للتاريخ وفق رؤية عقلية متكاملة. وعلم الأخلاق أيضًا فإنه يحدثنا عمّا هو الفعل القبيح والفعل الحسن، لكنه لا يحدثنا عن معيارية القبح، والحسن، وكيفية تصنيفهما؛ ولا يقدم لنا تقييمًا ونقدًا للمندرجات في زمرة المسائل الأخلاقية، كما هو حال فلسفة الأخلاق، التي تخوض في تقييم موضوع علم الأخلاق، ومنهجه، ومبادئه، وغاياته، وهي أمور من صلب الجهد الفلسفي في مواكبته لأي مجال من مجالات المعرفة وميادينها… وهكذا بالنسبة إلى سائر العلوم.

بالجملة، يمكن القول إنّ ما شهدته البشريّة من تطوّر ورفاهيّة مرتبط في جانب أساسي منه بتطوّر الفهم الفلسفي، وخروج الفلسفة من التمحور حول الوجود ومجرداته، إلى الخوض في مختلف المجالات المعرفية المؤسِّسة لنهضة الإنسان وتطوره. يضاف إلى ذلك ما شكلته الفلسفة من ثلاثية مع العلم والدين، سواء أكانت علاقتها مع ذين (العلم والدين) نقدية مفارقة أم تكاملية محايثة، فإن ذلك أسهم في حفاظ الفلسفة على ذاتها كمظلة معرفية لا غنى عنها وعابرة للأزمان.

ما يقال عن موت الفلسفة يدحضه ملازمتها للتفكير حضورًا وغيابًا، عمقًا وتسطيحًا، امتدادًا وانكماشًا. غير أن ذلك وحده لا يكفي لإعطاء الفلسفة مدياتها التي تستحقها، لأنّ الفلسفة تحتاج دائمًا في موضوعاتها ومناهجها ومسائلها، وحتى في غاياتها ومبادئها، إلى إعادة تنشيط وتحديث، وإلى مراجعة ونقد وتقويم، إذ في ذلك كله يمكن ضمان بقاء الفلسفة في حال اتّقاد من غير ضمور؛ بمعنى أن من واجب الفلسفة أن تمارس الرّقابة الدّائمة على ذاتها، كما تمارس الرّقابة على العلوم، حتى لو أدى ذلك إلى انقلابها على نفسها، من خلال أدائها الفلسفي نفسه، خدمة لأهدافها العليا، ومقاصدها السامية.

بناء عليه، ما أحوجنا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي إلى فلسفة تتعدّى موروثاتها وتقليديتها، لتتصل بالواقع والحياة انطلاقًا من تسييل العقل والفكر. فالعقل حاجة دائمة، وموضوعاته حاجات متغيّرة؛ واستخدام العقل في موضوعات فقدت الاحتياج إليها ينتج جمودًا فلسفيًا؛ وهنا مكمن المشكلة التي تعاني منها الفلسفة في عصرنا، إذ ثمّة استدعاء دائم لتاريخ الفلسفة إلى راهنها، إمّا لإقحام هذا المستدعى بما هو حاضر، وإمّا للتعمية على خواء ما يحاول البعض إلباسه لبوسًا فلسفيًّا.

بالعموم، ليس من شأن الفلسفة أن يكون تاريخُها حاضرَها ومستقبلَها. قد لا يستطيع الحاضر والمستقبل تجاوز التاريخ، لكن ليس بوسع هذا الأخير أيضًا أن يكون بديلًا عنهما. نعم ثمّة موضوعات فلسفيّة، فوق تاريخية بامتياز، إذ هي حاجة عقلية ثابتة ودائمة، ولا يمكن إلزامها بهُوية تاريخية محددة على الرّغم من إمكانية أن تكون معالجاتها في مرحلة مبكرة من التاريخ غير مقنعة، ولكنها ذات جدوى في مرحلة متقدّمة منه، وهي موضوعات تتبلور على نحو تساؤلات تشكّل الإجابة عنها حاجة بشرية على مرّ الدّهور والأزمنة، بل تصبح الحاجة إليها أكثر إلحاحًا كلما توغل الإنسان في الزّمن وتطورت حياته التأمّلية، والعلميّة، والعمليّة.

ومن هذه التّساؤلات السؤال عن: من أين وإلى أين؟ المبدأ والمقصد؟ حقيقة الوجود؟ العلّة الأولى؟ العوالم الموازية؟ الخير؟ الشر؟ الألم؟ الموت؟ ما بعد الموت؟ المصير، الدهر؟ علّة خلق الإنسان؟ حقيقة النفس؟ العدم؟ العقل وحدوده؟

هذه الشاكلة من التساؤلات حاضرة على الدوام في التفكير الإنساني؛ وهروب الإنسان منها لا يعني عدم قدرته على الإحاطة بها؛ كما أنّ عدم إعمال التفكير حولها، لا يعني عدم وجودها وارتسامها كعلامات استفهام في العقل البشري، أو عدم ارتباطها بالحياة ارتباطًا مصيريًّا.

وقد يرى البعض أنّ مثل هذه الموضوعات عصيّة على العقل، ومن المتعذّر فكّ طلاسمها؛ وقد يذهب البعض الآخر إلى عدّها مقولات جوفاء لا تعبّر عن أي حقيقة، فيما هي عند بعض المشتغلين في حقل الفلسفة منطلقات للتفكير الفلسفي، وبديهيّات غنية عن الإثبات… وبمعزل عن الخوض في التفاصيل، ومهما يكن، هي في حقيقة الأمر قضايا مستديمة وفوق زمانية، وتستثير التفكير، وتستفزّه في كل حين، بمعزل عن مدى الاعتراف بها، وطبيعة التعامل معها والرؤية إليها، كما أنها، في ثباتها، ومن حيث الجدّة والقدم، ليست متوقفة في حدوثها، ووجودها، وتأثيراتها على تطور الإنسان علميًّا، وعقليًّا، ومعيشيًّا، وبالتالي ليس من فطنته، وحبه للمعرفة تجاوزها، ورميها وراء ظهره.

بعبارة أخرى، إنّ الفلسفة ليست سوى دراسة الوجوديّات بكلّيّاتها انطلاقًا من منهج العقل. متى استطاع الإنسان أن يحصر رؤيته إلى الأمور الجزئية دون الكليّة، وأن يغضّ الطّرْف عن النظرة المعمقة إلى الموجودات المحيطة به، وأن يستغني عن العقل في مواجهة القضايا الإشكاليّة الكبرى، عندئذٍ فقط قد يستطيع الاستغناء عن الفلسفة!!

خلاصة القول، ليست الفلسفة سوى دراسة العلاقة بين أضلاع ثلاثيّة: الله، الإنسان، العالم؛ سواء أكانت هذه العلاقة – لدى الباحث – جدلية تقوم على النّفي، أو كمالية تقوم على التوحّد، فإنّها الإطار العام الذي يحكم الوجود والحياة. وهي ثلاثيّة ينشدّ إليها الإنسان بالفطرة والبداهة، لأنّ من خلال التقاطع بينها تتوالد الإشكاليات المصيرية والدهرية، وبالتالي الأسئلة الوجودية؛ فالإنسان يفكر لا إراديًا بذاته وحقيقتها كما يفكّر، بدافع الفضول، بالعالم من حوله؛ ولا يستطيع أن يمتنع عن التفكير بما وراء ذاته والعالم، أي الله، سواء أكان مؤمنا مذعنًا بوجود قوّة مطلقة تقف وراء كلّ شيء موجود، أو ملحدًا بالله،  ومنكرًا لوجود ما لا يراه بناظرَيْه.

 أستاذ الفلسفة، والدّين في الجامعة اللبنانية.-[1]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.