زهرة الحرّ الشعر والموقف

0

زهرة الحرّ الشعر والموقف

صباح محسن كاظم*

تمهيد

الشعر ترانيم الروح والوجدان والإحساس حيث تفيض به القريحة الإبداعية ينمو كالزهر البريّ ،ويخرج كما تخرج الزهور من بين الصخور ، وتأتي تباعاً الصياغة والبناء الفني وآفاق البحور ةفضاء النص النثري، أو التفعيلة إلى عالم نص الومضة السائد والنص التفاعيلي التكنولوجي، وطوال الأزمنة كانت الشاعرات لهن الصوت البارز على الرّغم من التحديات، بسبب البيئات غير المُشجعة عربيًّا، بعد هذه الألفية نرى الحرية الفكرية، وسرعة النشر، وحرية السفر، والمشاركة في المهرجانات في ما كانت المعاناة كبيرة مطلع القرن الماضي إلى أكثر من منتصف. كفاح شاعرة وسيرة عطرة :بعد قراءة متفحصة لسيرة الشاعرة زهرة الحرّ من خلال الدراسة العميقة والشاملة والشافية والوافية والكافية من الدكتورة خديجة شهاب.

يترآى لي عمق المعاناة ببواكير الحياة الأولى في بيئة محافظة جنوبية موالية لآل البيت الأطهار حيث من الصعوبة أن تسمح التقاليد والأعراف العامة بالسماح لبروز المرأة شعرياً، بالأوساط الأدبية، والمنتديات، وأمام الجمهور تؤكد الدكتورة خديجة شهاب (1: ص: 4( زهرة الحرّ شاعرة عامليّة، صالت في ساحات الشّعر النّسائي، ما يزيد على الربّع قرن، ولقّبت بشاعرة جبل عامل، ورد اسمها في عدد كبير من الكتب التّي تناولت الأدب والشّعر العامليين .بالطبع الموهبة وتنميتها بالقراءة والمتابعة والشغف بالتألق أحد أسباب الإبداع على الرغم من الظروف العامة التي لا تحفز المرأة على الظهور الأدبي، لكن المبدعة الشاعرة زهرة الحرّ بنت العالم الديني الشيخ “جواد الحرّ” من جباع الحلاوة في إقليم التفاح، وأمها عليا سليم حلاوي من مدينة صور من عائلة أنجبت العلماء، والأدباء، والشعراء. ركزت المؤلفة على البيئة الحاضنة جبل عامل وتاريخ المكان، وجمالياته، وخصوصيته الدينية، وحب السكان للأرض وزراعتها، والارتباط الولائي بالأئمة الأطهار لذا تعدّ جبل عامل مهد العلماء، والفقهاء، والأدباء، وبيئة صناعة الأبطال من المقاومين للباطل، ولكل عدو غاشم. ولدت الشاعرة عام 1917م، ودرست بالكتاتيب، وبرزت على أقرانها بهُوايتها بحفظ الشعر وكتابته، حتى إن جميع التربويات، والتربويين، والتلاميذ يصفقون بإعجاب للأداء، والإنشاد بالمناسبات، وترتجل بعض تلك القصائد أمامهم. هذا التشجيع النفسي جعل منها تواصل مشوارها الشعري بألق وزهو. أنهت الدراسة الابتدائية م1928م، ثم المدرسة الرسمية في صور 1932م، والتحقت بدار المعلمين والمعلمات في بيروت. عادت إلى صور، ولم يستهوها التعليم، فتحوّلت إلى المعهد الطبي في بيروت 1943م تذكر المؤلفة بكتابها المهمّ عن زهرة الحرّ أنها تزوّجت عام 1939 م من ابن عمها الشيخ عبد الله خليل، وأنجبت 8 أولاد، سيرة حافلة وممثلة عن النساء في ملتقيات عدّة في دمشق، أو حين جاءت إلى العراق بعقد للعمل في مجال التعليم، وكانت تحضر الملتقيات الشعرية، وتنشر نصوصها بالصحف والمجلات سواء في بلبنان، أو في الوطن العربي، رحلة نجاح حقيقية. رحلة الشعر :لقد بدأت بنظم الشعر مبكّرًا لوجود الاستعدادات الذاتية لكتابته، وشغفها المبكّر بالأدب، حيث تجد أنّ المُعبّر عن الحلم، والألم، والأمل، وكل الجوانب الحياتية، فمن خلاله تفصح عن الرؤى التي تؤمن بها سواء لقضايا الإنسان، أو المجتمع، والدين، وكل هموم الإنسانية، بصمة متفردة بعذوبة الشعر المغمس بالحكمة هذا ما لمسته من جميع الأغراض الشعرية التي تناولتها بالقصائد في العديد من الصفحات في الكتاب، لما تملكه من إحساس مرهف، وخزين ثقافي – ديني، وروح إنسانية تتلمس جميع القضايا الوطنية. تلك هي فضاءات الاشتغال الشعريّ المُترع بالحكمة، وأنين الجنوب، والحرمان، لتسمو برفعة بالمكان والوطن، المفردة الشعريّة طوّع بنانها.

تذكر الناقدة الدكتورة خديجة شهاب (2:  ص: 54) ونشير هنا إلى أنه بالإضافة إلى الصيغة الرومنطيقية الواقعية، التي صُبغ بها شعر زهرة الحرّ، فقد اهتمت أيضًا بالموضوعات التي تتناول واقعها الذي تعيشه. وهكذا تكون قد جمعت بين الرّومنطيقية والواقعية). موضوعاتها، ومقاصدها الشعرية متعدّدة تتناول الميتافيزيقية، وقضايا الأنا والإنسان. السؤال الفلسفي: معظم النصوص المنتقاة في الكتاب الجميل الأنيق المحتوى، وطريقة المعالجة النقدية، والسردية تشير إلى جمالية الفكر الذي تحمله الشاعرة زهرة الحرّ، فالسؤال يفتح نوافذ العقل، والروح، ويعيد الصواب، وعدم الشطط، بل هو التذكير، والتبصير، والتعريف، وعدم الانجرار وراء لهاث وسراب في هذا الوجود الفاني. أنا شيء ولا شيء، فماذا أقول إذا أنا يومًا سُئلت أنا عدم، وسوف أعود يومًا إلى العدم الذي منه خُلقت نص آخر تذكر بهادم اللذات والنهايات الحتمية. فلِم التكالب بين البشر، والتنافس، والحقد، واللؤم، والزيغ إذا كان المصير هو الموت. أنا عفن ولكنيّ أعاف حقارة العفن ِفيما ترى الجذور، والتشبث بالمكان وسحره، ورياضه، وفردوسه الأرضي في تلك الديار المُذهلة حقًا. لقد زرت تلك الأمكنة طوال 7 أعوام من 2014 – 2020 أرى جمال الطبيعة المُبهر الذي يحفز الشاعر على الالتصاق ببيئته، والشدو بجمالها. أنا زهرة في الروض يبعث عرفها روح محلقة، وقلب مشرق، وأنا ابنة السفح الجميل، وغرسة الوادي الظليل، ونجمة ُ تتألق. إن روح الحكمة تتدفق بثنايا النصوص الشعرية المتوهجة، وهي نصوص تربوية، أخلاقية تميز بها شعرها الذي ابتعد من السفاسف، والأدب الإريتوكي الذي يدغدغ المشاعر ويثيرها لحصد الإعجاب، لذا شعرها يتسم بالحكمة، والبناء النفسي المتين، وكل غني ليس يرحم جائعًا فسِيّان أن يحيى، وأن يسكن القبرا يجود لمن يستحق بماله. إذًا هو في الدارين قد فقد الأجر. لقد ركزت الناقدة المبدعة الدكتورة خديجة بختام بحثها الشيق عن شاعرة جبل عامل زهرة الحرّ بموصفات تحليلية، وإجرائية، وتحليلية خلصت إن تلك التجربة النسائية تمثل أحد جذوات الشعر النسائي العربي. لذا حظيت بالثناء من الأجيال، وتذكر إن الخلود للأدب الجاد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** ناقد وباحث عراقيّ له العديد من المؤلّفات والكتب الدراسات والأبحاث، ويتابع دراساته العليا في الجامعة الإسلاميّة بيروت – لبنان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.