التَّعليمُ عن بُعد وأثرُهُ على المتعلِّمين ذَوي الصُّعوباتِ القرائيَّةِ

0

التَّعليمُ عن بُعد وأثرُهُ على المتعلِّمين ذَوي الصُّعوباتِ القرائيَّةِ

الأب شربل نبهان الأنطونيّ([1])

تَمهيدٌ

         إذا كانَ الإنسانُ من خلالِ إنشائِه مدرسة ما، هدفُهُ إعداد المتعلِّمين كي يواجِهوا الحياة ولا يزال هذا الهدف قائمًا، فإنَّ الموادّ التّدريسيّة الّتي تُعلَّم في المدرسة بِما فيها طرائق تَعليمها، ما برحَت في خِضمّ التّطوُّر إزاءَ تقدُّم العلوم المرجعيَّة على تنوّعها، وإسهامات عِلم النّفس الكبيرة، وعلم تكوين المعرفة في شرح طرائق تعلّم المتعلِّم. ولم يكُن بوِسع أيّ ممارسةٍ تعلّميّةٍ أن تعزلَ نفسها عن هذا التّطوُّر العلميّ الّذي تسارعَت وَتيرتُهُ في النّصف الثّاني من القَرن العشرين، وهو مستمرٌّ في بداية الألفيَّة الثّالثة، وهذا ما أدّى إلى الانتقال من مفهوم الطّرائق العامّة الّذي كانَ سائدًا إلى مفهوم الدّيدكتيك، مُحاوِلًا التّميّز عن مفهوم الطّرائق العامّة انطلاقًا من خُصوصيّة كلّ مادّة تعليميَّة الّتي تفرضُ طريقةً خاصَّةً في تَدريسها([2]).

وإذا كانَ وباء كورونا المفاجِئ قد ألقى بِظلاله على القِطاعِ التّربويّ التّعليميّ، ودَفع المؤسّسات التّعليميّة إلى إغلاق أبوابها أمام المتعلّمين لمنع تفشّي هذا المَرض في صفوف القِطاع نفسِه، فَلم يكُن هناكَ من وَسيلةٍ سوى أن تتحوَّلَ المدارسُ إلى التّعليم عَن بُعد، أو ما يُعرَف بالتّعليم الافتراضيّ الإلكترونيّ كبَديلٍ عن التّعليم التّقليديّ الحُضوريّ لِضمان استمرار العمليَّة التّعليميَّة التّعلّميّة. عِلمًا أنَّ استخدام الإنترنت في التّعليم ليسَ وليد اليوم، بَل يعود إلى ما قبل العام 2000، فَشبكة الإنترنت هيَ تَطبيقٌ ضخمٌ لتكنولوجيا المعلومات، وتُتيح للجَميع الدّخول إلى مَصادر المعلومات المتوفّرة في مواقِع عديدة، أو البَحث عن النُّصوص، والوصول إلى الأرشيف، والأخبار، والمجلّات الإلكترونيَّة، أو المُشارَكة في المكتبات الرّقميَّة. ويعتمد التّعلّم عن بُعد على المُتعلِّم بشكلٍ أساسيٍّ الّذي بإمكانه التّعلُّم في أيّ وقتٍ، وأيّ مكانٍ يُريده، وإعادة الإصغاء إلى شرح المعلِّم مرارًا وتكرارًا، ولا يَحتاج إلّا  إلى جهاز كومبيوتر، واتّصال بالإنترنت، لِذا يُمكنُ إدراجه في نمطينِ هُما: التّعلُّم التّزامُنيّ، والتّعلُّم غير التّزامُنيّ.

– التّعلُّم التّزامنيّ: يُشبِهُ هذا النّمط من التّعلُّم الفُصول الدّراسيّة الحُضوريَّة، وهوَ يتمّ عبرَ الغُرَف الإلكترونيَّة، بحيثُ تكون المُشارَكة فعّالةً بينَ كلٍّ منَ المعلِّمين والمتعلِّمين، أو المتعلِّمين بعضهم بعضًا، ويحدُثُ هذا التّفاعُل مِن خلال الدّردشات والرّسائل الفوريَّة، وعَرض الشّرائح والفيديوهات، الأمر الّذي يُساعد على المتابَعة المستمرَّة، ويكون المحفّز للعمليَّة التّعليميَّة التّعلّميَّة.

– التّعلُّم غَير التّزامنيّ: وهو التّعلُّم الّذي يَحصل فيه المتعلِّم على الحِصص الدّراسيّة وفقًا لبرنامج دراسيٍّ مخطَّط له، يَختار فيه المكان، والأوقات الّتي تتناسَب مع ظُروفه، عَن طريق توظيف بعض أساليب التّعليم الإلكترونيّ كأشرطة الفيديو، والبريد الإلكترونيّ، ويعتمد هذا النّمط من التّعليم على الوقت الّذي يمضيه المتعلِّم للوصول إلى المهارات، والكفايات الّتي يهدف إليها الدّرس.

ومِن هذا المنظور، فإنَّ الاهتمام بالتّعليم يشكّل أولى الرّكائز في بناءِ المجتمعات. وفي الوقت نَفسه، أصبحَ من الضّروريّ مواكبة التّقدُّم العلميّ، والتّكنولوجيّ، والتّطوّر على صعيد المستحدثات التّكنولوجيّة، ومراعاة واقِع المتعلِّمين ذوي الصُّعوبات التّعلّميّة في ظلّ التّعليم عن بُعدٍ، فهؤلاء يتمتّعون بقدراتٍ عقليَّةٍ في حُدود المعدَّل العامّ، أو حتّى أكثَر، وهم يُواجهونَ صعوبةً في واحدةٍ، أو أكثر منَ المهارات التّعلّميَّة الأساسيَّة كالقراءة، والكتابة، والحِساب. وأسباب الصّعوبات التّعلّميَّة متعدِّدة ومنها: الظّروف المنزليَّة المضطربة، والظّروف الاقتصاديَّة الصّعبة، والظّروف التّعليميَّة غير الملائمة (سواء لعدم التّوافق مع المنهج، أو لجهة الطّرائق التّدريسيَّة المستخدمة). ومنَ الشّروط الأساسيَّة لنجاح الطّريقة التّدريسيَّة، أن يكون المتعلِّم خصوصًا الّذي يُعاني من صُعوباتٍ تعلّميّة قرائيَّة هو محور العمليَّة التّعليميَّة ومركزها، لأنَّ هدف التّعليم يكمن في زيادة عمليَّات الفَهم، والتّفكير، والتّنظيم الذّاتيّ، وهذه الأمور لا تتحقَّق إلّا بوجود مُعلِّمٍ يُؤدّي دورًا كبيرًا في توجيه المتعلِّمين نحو الطّريقة الملائمة لتحقيق فَهمٍ أفضل للمقروء([3]).

1- مُشكلة البَحث

         تمحورَ مفهوم تعلُّم القراءة حولَ أنَها عمليَّة آليَّة الهدف منها التّعرّف إلى الرّموزِ المكتوبة، والتّمكُّن من فكِّها، ثمَّ تجميعها في مقاطعَ صوتيَّةٍ فَكلماتٍ، وما لبثَ أن تطوَّرَ هذا المفهوم بتطوُّر الدّراسات النّفسيَّة واللّسانيَّة، فبات يعني أنَّ القراءة تُعالِجُ معلومةً يتمّ عرضها على القارئ للوصول إلى معناها، ويُؤدّي هذا إلى حُصولِ تفاعُلٍ بينَ القارئ وما يقرأهُ. وبالتّالي تكونُ العمليَّة القرائيَّة قائمةً على النّطقِ بالكلمات، وَفهمِ المفرداتِ والمَعاني، وتحصيل الإجابات. غيرَ أنّنا نلاحظ في مراحل التّعليم كافّة عجز المتعلِّمين وخصوصًا ذوي الصّعوبات القرائيّة عن تصوير المعنى في أثناء القراءة، أو الاسترسال فيها، وقراءة نصٍّ بطلاقةٍ من دون توقُّفٍ أو تعثُّرٍ، وعدم إخراج الحروف من مخارِجها الصَّحيحة، وكلّ هذه الأمور سببها الضّعف الملموس في المهارات الأساسيَّة للقراءة([4]).

فدراسة واقع القراءة لدى المتعلِّمين ذوي الصّعوبات القرائيَّة، تُثبتُ أنَّ هناكَ ضعفًا فيها وإن اختلفت النّسبة من متعلِّمٍ إلى آخر. وإبّانَ جائحة كورونا، ولجوء المدارس إلى اعتماد التّعليم عن بُعدٍ كبديلٍ للتّعليم التّقليديّ، دخلَ التّعليم الإلكترونيّ في تدريس القراءة، وتتحدَّد مشكلة البَحث في تدنّي المستوى القرائيّ لدى المتعلِّمين الّذينَ يُعانونَ مسبقًا من صعوباتٍ قرائيّةٍ، فَما أثَر التّعليم عن بُعد في مهارة القراءة عندَهم؟

2- أهمّيّة البَحث

         تُعدُّ القراءة المِفتاح الّذي يدخُل بوساطَته أيّ شخصٍ إلى مجالات العُلومِ المتعدّدةِ، وربَّما أدّى جَهل الإنسان بالقراءةِ، أو ضعفه فيها إلى فشلِهِ في تلقّي العُلوم، أو فشلِهِ في الحَياة ([5]).

كَما أنَّها تُؤدّي وظائفَ نفسيَّةً، واجتماعيَّةً في حياةِ المتعلِّم؛ فهي تُشبع حاجاتٍ نفسيَّةً لدى المتعلِّم، كالحاجة إلى الاتّصال مع الآخَرين، ومُشاركتهم في أفكارهم ومشاعِرهم، والحاجة إلى الاستِقلال؛ إذ تمكّنه من الاعتِماد على نَفسه في تَحصيل المعرفة، كما تُشبع حاجته إلى الاكتشاف، ومعرفة عَوالِم كانَت مجهولةً أمامَ ناظِرِه، وبذلكَ فهيَ مِفتاح التّعلُّم والتَّعليم، والمُكوِّن الأساسيّ لِمعاني اللُّغة([6]).

وازدادَت أهمّيّة القراءة والحاجة إليها نتيجةً لازدياد التّطوُّر المعرفيّ والتّكنولوجيّ؛ ففي العصر الحاليّ الّذي أصبحَ يُعرَف بِالعَصر الرّقميّ، لَم تَعُد المعرفةُ تقتصر فَقط على عمليَّة نَقل المعلومات منَ المعلِّم إلى المتعلِّم، بَل أيضًا كيفيَّة تلقّف المتعلِّم لهذه المعرفة، وكيف بالحريّ إذا كانَ من ذوي الصّعوبات القرائيَّة؟ فالتّعليم الإلكترونيّ تقع على عاتقه مسؤوليَّة كبيرة في العمليَّة التّعليميَّة عن طَريقِ التّجربة، والاستكشاف، والتّعبير، فيصير المعلِّم موجِّهًا لا خبيرًا.

وعلى ضَوءِ مفهومِ التّكنولوجيا، فإنَّ تكنولوجيا التّعليم تُعنى بالتّطبيق المنظَّم للمبادئ، والمفاهيم، والنّظريّات التّعليميَّة بتوظيفها، والاستفادة منها علميًّا في حقل التّعليم؛ إذ إنَّها تستند إلى قاعدةٍ معرفيَّةٍ، وأساسٍ علميٍّ معرفيٍّ موجَّهٍ، يُؤدّي إلى تحقيق أهداف التّعليم)[7](.

فَنرى أنَّ برامج التّعليم الإلكترونيّ تكتسب أهمّيّتها في الوَضع الرّاهن من خلال قدرتها على تجاوز مشكلة التّعليم الحضوريّ في ظلّ تفشّي وباء كورونا. مِن هنا كانت الحاجة مُلحَّةً إلى استخدام التّعليم عن بُعد، وتوظيف التّعليم الإلكترونيّ في القراءة، وإشباع حاجات المتعلِّم وخصائصه الّتي تتمثَّل بقدرة كلّ متعلِّمٍ على مُعالجةِ المعلوماتِ وتحليلها، والقدرة على الحوار، والمناقَشة، والتّعبير بأسلوبيه الشّفويّ والخَطّيّ، والالتزام بقواعِد الصّفّ.

            فَكلُّ محتوًى تَعليميّ مُراد نَقله إلى المتعلِّمين وخصوصًا ذوي الصُّعوبات بِما يَشتمل عليه من خُبراتٍ، وَمعارفَ، ومهاراتٍ، منَ الضّروريّ أن يتناسبَ مَعَ احتِياجاتِهم، وَيراعي فروقهم الفرديَّة، ويتفاعَل مَعَ الوسائل التّعليميَّة المتعدّدة بحيث يُناسِب الظُّروف البيئيَّة المتنوّعة، ولَه القدرة على قِياس أداء المتعلِّمين، وقدرتهم على تلقُّف هذا النَّمط من التَّعلُّم الافتراضيّ بطريقةٍ سلسةٍ، ومهمٌّ أيضًا أن يتضمّن المحتوى التّعليمي على الوسائط التّعليميَّة المتنوّعة الّتي تخدم حواسّ المتعلِّم وقدراته الاستيعابيَّة.

3- التّعليم عن بُعدٍ

         يُعرَف التّعليم عن بُعد بأنّه تعليمٌ نظاميٌّ منظَّمٌ تتباعَد فيه مجموعات التّعلُّم، وتُستَخدم فيه وسائل الاتّصالات التّفاعليَّة لرَبط المتعلِّمين والمصادر التّعليميَّة والمُعلِّمين سويًّا. عِلمًا أنَّ مفهوم التّباعُد بينَ المعلِّم والمتعلّمين قد يظنّه البَعض تباعدًا مكانيًّا فقط فَالمعلِّم يكون في مكانٍ والمتعلِّمون في مكانٍ آخَر، ولكنّ هذا المكوّن يتضمَّن أيضًا التّباعُد الزّمانيّ بينَ الطّرفين، فالتّعليم غير المتزامِن عن بُعد يعني تقديم التّعليم في وقتٍ ما، واستقباله من جانب المتعلِّمين في وقتٍ لاحقٍ، أو في أيّ وقتٍ يَختارونَه)[8](. ولا بُدّ من الإشارة إلى مُكوِّنٍ أساسيٍّ، وهوَ الرَّبط بين المتعلِّمين، والمَصادِر، والمعلِّمين معًا؛ بمعنى أنَّ ثمَّةَ معلِّمين يتفاعلون مع المتعلِّمين، وتلك المصادر التّعليميَّة المُتاحة لجعل التّعليم ممكنًا. وهذه المصادر يُفضَّل إخضاعها لإجراءات التّصميم التّعليميّ المناسبة حتّى يُمكن استيعابها ضمنَ الخبرات التّعليميّة للمتعلِّم، وـتعزيز التّعلُّم من خِلال مَصادِر مرئيَّةٍ، أو محسوسةٍ، أو مسموعةٍ.

وعلى الرَّغم من أنَّ أشكال التَّعليم عَن بُعد وُجدَت مُنذُ الأربعينيّات من القرن التّاسع عشر عن طريق مُحاولات تَفسير نَظريَّة هذا النَّوع من التَّعليم الَّتي قامَ بها رُوّاد متميِّزونَ في هذا المَجال؛ واستمرَّت الحاجة إلى نظريَّةٍ يُبنى عليها أُسلوبُ هذا التَّعليم حتّى السّبعينيّات من القرن العشرين، وأوضَحَ Holmberg أنَّ الاعتباراتِ والمعاييرَ النّظريَّة تُساهم وبشكلٍ كبيرٍ في إعطاء التّربويّين في مجال التّعليم عن بُعدٍ الثِّقة في قراراتهم الخاصَّة بشأن هذا الشّكل من التَّعليم)[9](.

واهتمَّ Moore بتوضيح المسألة الآتية: أنَّ التّقدُّم في مجال التَّعليم عن بُعد قد يحجبه نَقص الاهتمام بِما يُسمّى العَوامِل الشّاملة Macrofactors وأشارَ إلى أنَّه ضمنَ هذهِ التَّربيةِ تكمنُ الحاجة إلى وصف المَجال وتعريفه، وذلك بُغية التّمييز بينَ المكوِّنات العديدة في هذا المجال، وَتحديد العناصِر الأساسيَّة بالنّسبة إلى أشكال التّعليم والتّعلُّ المتعدّدة([10]).

بينَما تَحدَّثَ Keegan عن الحاجة المستمرَّة إلى نظريَّةٍ في التّعليم عن بُعد، وهذا من خلال تعليقه على عدم وُجودها وَقال: “إنَّ غِياب نظريَّةٍ مقبولة يُضعِفُ من أسلوب هذا التَّعليم. فالنَّقص في التَّعريف، وعدَم تَحديد المَجال، والعَجز عن اتِّخاذ القرارات كنتيجةٍ للنّقص في تَحديد الأساليب، أو الوَسائط، أو دَعم المتعلِّمين، يَجعَل من الصَّعب اتِّخاذها مع قدرٍ مناسبٍ من الثّقة في هذه القرارات”([11]).

وأمّا عن نظريَّة الدّراسة المستقلَّة لتشارلز ويدماير Theory Of Independent Study إذ يتمثَّل جوهَر التّعليم عن بُعد بالنّسبةِ إليه في استقلاليَّة المتعلِّم، وانعكس هذا في تَفضيله لمصطلح الدّراسة المستقلَّة. وكانَ متجدِّدًا في وَصفه لِنماذج التّعليم العالي، وهو يَعتقد أنَّه تمَّ توظيف مَفاهيم قَديمةٍ للتَّعليم والتَّعلُّم، فَشلت في الاستفادة من التّقنيّات الحَديثة بشكلٍ يعمل على تغيير نَمط التّعليم العالي، وَوضع نظامًا يشتمل على عشر سماتٍ تدورُ حولَ استقلاليَّة المتعلِّم، وتبنّى التّكنولوجيا كطريقةٍ لتوظيف هذه الاستقلاليَّة. وطِبقًا لما ذَكرَه “تشارلز فهذا النّظام لا بدَّ من أن يكونَ قادرًا على وَضع المسؤوليَّة الأكبر في التّعلُّم على عاتِق المتعلِّم، وتَوجيه الأساتذة نحوَ مَهَمّات تربويَّةٍ حقيقيَّةٍ([12]).

4- التّعليم عَن بُعد بالنّسبة إلى ذوي الصّعوبات القرائيَّة

         يُملي عَلينا التّعليم أن نُميِّزَ طَرائقَ التّعليم القَديمة مِن طرائِق التَّعليم الحديثة، فطرائق التّعليم القديمة إنَّما هي قائمةٌ على طريقة المُحاضَرة، والاستقراء، والمُناقشة، والعَرض التّطبيقيّ، بينَما طرائق التّعلّم الحَديثة فَتَشمل طَريقة الاكتشاف، والاستقصاء، وَحلّ المشكلات، واستخدام الحاسوب.

وإذا كانَ التّمييز بينَ هاتين الطّريقتين قد فرضَ خَصائِصَ معيَّنةً لكلٍّ منهما، فانطلاقًا من مفهومِ بِناء المعرفة، يكون الإصرار على المعلِّم لكي يُنوِّعَ في طرائق تدريسه وفقًا للوَضعيّات التّربويَّة التّعليميَّة التّعلّميّة، ومُحتوى الموادّ التّعليميَّة الّتي تَستوجبُ اختيار طريقة من دون سواها، ولمميّزات جمهور المتعلِّمين في صفٍّ معيّنٍ وخصوصًا ذوي الصّعوبات القرائيَّة الّذين يتعثَّرون في القراءة، ويجدونَ صعوبةً في تمييز الأحرُف، أو قراءة نصٍّ بطلاقةٍ وفهمه، أو كتابة جُملٍ صحيحةٍ، أو غير ذلك، وكلّ هذا لناحية الدّافعيَّة، والتّحفيز والمتابعة، الّتي تستغرق وقتًا طويلًا لا يستطيع المعلِّم تخصيصه للمتعلِّمين ذوي الصّعوبات في أثناء التّعليم عن بُعدٍ.

وتأسيسًا على ما تمَّ ذِكرُه، يفتقر التّعليم عن بُعد للنّواحي الواقعيَّة على الرّغم من بَعض الإيجابيّات الّتي يُقدِّمها، ومِنْ شأنها توفير استمراريَّة العمليَّة التّعليميّة، وتأمين الاتّصال بين المعلِّمين والمتعلِّمين في اتّجاهاتٍ عديدةٍ كالانضمام إلى الصّفّ الإلكترونيّ، وجلسات المناقشة، والبريد الإلكترونيّ، غير أنَّ هذه الآليَّة من التّعليم قد تولّد صعوباتٍ إضافيَّةً يقع ضحاياها المتعلِّمون ذوو الصّعوبات:

– يَحتاجُ المتعلِّمون إلى التّمكُّن من المهاراتِ الكتابيَّةِ للتّعبيرِ عن أفكارِهم، وهذا ما لا يُوفِّرُهُ التّعليم عبرَ المنصَّة الإلكترونيَّة.

– الضّعف التّقنيّ في شبكة الإنترنت ما يُؤدّي إلى شُعور المتعلِّم بالعُزلة الدّراسيَّة، والافتقار إلى التّعامُل المباشر مع المعلِّم([13]).

– تراجُع القدرة الاستيعابيَّة لدى المتعلِّم، أَو قد يأتي رَدّ المُعلِّم مُتأخِّرًا على الاستفسارات الّتي يطرحها المتعلّمون.

– يُؤدّي اعتماد آليَّة التّعليم الافتراضيّ إلى إِضعاف الدّافعيَّة عندَ المتعلِّمين ذوي الصُّعوبات نَحوَ التّعلُّم، والشُّعور بالكَلل، والمَلل نَتيجة الجُلوس لساعاتٍ طويلةٍ من الوَقت أمامَ الشّاشة الإلكترونيَّة، حتّى وَلو كانَت المادَّة التّعليميّة تتضمَّن مؤثِّراتٍ سمعيَّةً وبصريَّةً.

– يُقدِّمُ هذا النّوع من التَّعليم معلوماتٍ مجزّأةً، حيثُ يُواجهُ المتعلِّم صعوبةً إضافيَّةً تمنعُهُ من أن يكوِّنَ استيعابًا كامِلًا، وَفَهمًا متكامِلًا لمادَّة القراءة، أَو غَيرها من الموادّ.

– غِياب برنامج التّحكُّم ما يَدفع بالمتعلِّمين إلى الانشغال عن التّعلُّم، والانصراف إلى مواقِع التّسلية، والتّوجُّه نحوَ الألعاب، ومواقِع التّواصل الاجتماعيّ في أثناء الجُلوس أمام الشّاشة.

5- مَفهوم القِراءة

         طَرأ على مَفهوم القراءة تغيّراتٌ وتطوّراتٌ كثيرةٌ أدّت إلى مروره بمراحِلَ عديدةٍ هيَ الآتية:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة الّتي تَهدف إلى التّعرُّف على الحُروف، والكلمات، والنُّطق بِها، وبهذا المعنى كانت القراءة مُجرَّد عمليَّةٍ بسيطةٍ تركِّز على الإدراك البصريّ للرُّموزِ المكتوبة.

المرحلة الثّانية: وهيَ مرحلة الفَهم والتّفسير، وقَد نشأَت نتيجَة شُيوع الأخطاء القرائيَّة وكَثرتها، وأُضيفَ في هذه المرحلة عنصر فَهم المقروء، وتمَّ التّركيز على مهارات القراءة الصّامتة([14]).

المرحلة الثّالثة: وَتُعرَف بمرحلة التَّفاعُل والنَّقد، وقد تمَّ التّركيز فيها على مهارات النَّقد في القراءة، فالقارئُ ليسَ فَقط مُستقبِلًا لِما يَقرَأ، بَل يتفاعَل مع المادّة المقروءة، ويتدخَّل فيها تدخُّلًا واعِيًا ومُوَجِّهًا.

المرحلة الرّابعة: وهيَ مرحلة حَلّ المُشكلات؛ فَعلى ضوء نموّ احتياجات القارئ، بدأ الاهتمام بأهمّيّة القراءة بالنّسبة إليه، إذ لا بُدَّ أن تُعينه على حلّ المُشكلات الّتي يُصادِفها، وبذلك رَبط للوظيفيَّة في تعليم القراءة بحياة القارئ اليوميَّة.

المرحلة الخامسة: وهيَ مرحلة الاستمتاع بالقراءة حيث تركَّز الاهتمام على الجَوانِب الانفعاليَّة من العمليَّة القرائيَّة.

6- مَهارات القراءة

لا يُمكنُ للقراءة أن تُشكِّلَ مادَّةً تعليميَّةً من دون أن تكون لَها مَهارات أساسيَّة تُنَمّى لَدى المتعلِّم كي يُحقِّق أقصى نَجاح ممكِن في تعلُّم القراءة، وتُصنَّف في مستويَين: مُستوى المهارات العقليَّة الدُّنيا الّذي يتمّ من خلاله فَكّ الرُّموز والتّعرُّف إلى الكلمات، ومُستوى المهارات العقليَّة العُليا الّذي يُعنى بالفَهم، والاستنتاج، والنّقد، والتّذوُّق، والتّقويم.

وإنَّ التّدرُّج في اكتساب المتعلِّم هذه المهارات، ضَرورةٌ ينبَغي أن يُدركها المعلِّم آخِذًا بالحسبان الاحتياجات المتنوِّعة والمُتباينة للمتعلِّمين، خصوصًا إذا كانوا من ذوي الصّعوبات، مُراعيًا دورَه الّذي أصبحَ أكثَر صعوبةً من ذي قَبل في ظلِّ استخدامه آليَّة التّعليم عَن بُعد. وإنَّ أيّ برنامجٍ تعليميٍّ يَسعى إلى تنمية المهارات واكتسابها، فعليه أن ينطلِق ممّا وَصلَ إليه المتعلِّم، والمهارات الّتي يَحتاج إليها في هذه المرحلة أو تِلك، وكُلَّما كانَ المعلِّم على دِرايَةٍ بقُدرات مُتعلِّميه، والنّقطة الّتي وصلوا إليها في تعلُّم القراءة، استَطاعَ أن يُكيِّفَ طرائق تَعليمه وأساليب أدائه في التّعلُّم الصّفّيّ وِفقًا لِما يُعزِّز هذه المهارات ويُكمِّلها([15]).

7- التَّوصيات وَالحُلول

في ضَوءِ الصُّعوبات الّتي أَظهرَتها آليَّةُ التَّعليم عن بُعدٍ يُمكنُ اقتراح بعض الحُلول الآتية:

  • تَقديم المادَّة التّعليميّة بالطَّريقة الّتي تُناسِب المتعلِّمين؛ فَمنهم مَن تتناسَب معه الطَّريقة المَرئيَّة، ومنهم تتناسَب معه الطَّريقة المسموعة، ومنهم تناسبه الطَّريقة العمليَّة.
  • أن يَعمَل المُعلِّم على تَحويل غرفة الصّفّ الخاصَّة به إلى بيئة تعلُّمٍ أَكثَر ديناميكيَّة تُبعد الملل عن المتعلِّمين وخصوصًا ذوي الصُّعوبات.
  • اعتماد المعلِّم مَهارات تدريسيَّة خاصَّة تَأخُذ بالحسبان احتياجات المتعلِّمين.
  • تَخصيص وحدات تَعليم فَرديّ لمتابعة المتعلِّمين ذوي الصُّعوبات من خلال صُفوفٍ إلكترونيَّةٍ يُحدِّدها المعلِّم.
  • نَظرًا إلى بطء الوُصول إلى المعلومات من خلال شبكة الإنترنت، يُمكن للمعلِّم تَجهيز المعلومات مُسبقًا، وَتحميلها على الأجهزة الخاصَّة بالمتعلِّمين.
  • العَمل على تَطوير المناهِج حتّى تُصبحَ أكثر تَشويقًا للمتعلِّمين.
  • الاستِعانة بِلجنةٍ علميَّةٍ مُتخصِّصةٍ في المدرسة تتولّى مَهَمّات تَجهيز البرامج التّعليميَّة.
  • يَقوم المعلِّم بمُراجَعة بَعض المهارات الأساسيَّة (مهارة صحَّة القراءة، مَهارة سُرعة القراءة، مَهارة فَهم المقروء)، والمَفاهيم ذات الأهمّيّة الكبرى في تَعليم القراءة، قَبل البَدء الفِعليّ بالعمليَّة التّدريسيَّة.
  • استعمال الألوان باتّزانٍ على الشّاشة الإلكترونيَّة، وتوظيفها بطريقةٍ تهدف إلى إبراز الأفكار.
  • وَضع عباراتٍ للمتعلِّم تَزيدُ من تَفاعله معَ الدَّرس، وَعَرض الفِقرات الّتي أَخطأ فيها المتعلِّم عندَ انتِهاء الدَّرس.

خاتمة

         إنّ تَعليم فِئات ذوي صُعوبات التّعلُّم يتطلَّب أن تُبنى الاستراتيجيَّة التّعليميَّة على الطّريقة الفَرديَّة، بِحيث يُبنى لكلّ متعلِّمٍ برنامجًا خاصًّا به غير استراتيجيّات تعليم المتعلِّمين العاديّين الّذين لا يَحتاجون إلّا إلى استراتيجيّاتٍ تربويَّةٍ عاديَّةٍ.

وفي ظلّ انتشار أزمة كورونا وَتفاقُم هذه الجائحة، باتَ التّعليم عن بُعد مكوِّنًا للحصول على مؤهِّلاتٍ تربويَّةٍ تعليميَّةٍ. ولعلّه من أكثر الحقائق العلميَّة أهمّيّة هو اعتماد التّعليم في كَثيرٍ من نُظمه، وأشكاله على تَقنيّات الاتّصال. فالتَّعليم هو عمليَّة اتّصاليَّة في حدِّ ذاتِها، ولها عناصرها الخاصَّة سواء تمَّت داخِلَ الصّفّ التّدريسيّ، أو خارِجه، بالإضافة إلى أنَّ نجاح هذه العمليَّة يَعتمد على المهارات الاتّصاليَّة من جهةٍ، وعلى الاستخدام الأمثل لتَقنيّات الاتّصال ووسائله من جهةٍ أُخرى، وهذا ما ليسَ متوافِرًا في البَلد بشكلٍ يُخفِّف من أعباء الصّعوبات التّعلّميَّة على المتعلِّمين.

لِذلك نرى أنّ تبنّي أيّ أسلوب تعليميّ جديدٍ، من المتوقَّع أن يجدَ مؤيِّدينَ لَهُ ومُعارِضين يَختلفونَ في الآراء ووجهات النّظَر. على أساس أنّ التّعليم الافتراضيّ لم يُهيِّئ  للمتعلِّمينَ المجالات للقيام بأساليب بَديلة للتّعلُّم المدرسيّ الحُضوريّ، فَهل يُمكن جَعل المتعلِّمين يستفيدون من التّعليم عن بُعدٍ كونه أصبحَ معروفًا بتكنولوجيا العَصر في موادّ تعليميّة غير القراءة؟

المصادر والمراجع

  • العربيَّة

1- إبراهيم، عبد العليم (2002): الموجّه الفنّيّ لمدرِّسي اللُّغة العربيَّة. دار المعارف. القاهرة. ط17.

2- أبو مغلي، سميح (1999): الأساليب الحَديثة لِتدريس اللُّغة العربيّة. دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع. عمان. الأردن.

3- أحمد، محمّد عبد القادر (1986): طُرق تعليم اللّغة العربيَّة. مكتبة النّهضة العربيَّة. بيروت.

4- خميس، محمّد عطيّة (2009): تكنولوجيا التّعليم والتّعلُّم. دار السّحاب. جمهوريَّة مصر العربيَّة. ط2.

5- الزّغبي، محمّد جلال (2001): مهارات التّدريس. دار وائل للنّشر والتّوزيع. الأردن. ط4.

6- صيّاح، أنطوان(2017): تعلّميّة اللُّغة العربيّة. دار النّهضة العربيّة. بيروت. ط1.

7- طعيمة، رشدي أحمد (2000): الأُسس العامَّة لمناهِج تَعليم اللّغة العربيَّة، إعدادها، وتطويرها، وتقويمها. دار الفكر العربيّ للطّبع والتّوزيع. القاهرة. ط2.

8- عزمي، نبيل (2015): نظريّات التّعليم عن بُعد ومصطلحات التّعليم الإلكترونيّ. مكتبة بيروت. مَسقط. ط2.

9- عَوض، فايزة السّيّد (2003): الاتّجاهات الحَديثة في تَعليم القراءة وتنمية ميولها. القاهرة. إيتراك للطّباعة والنّشر والتَّوزيع.

10- محمّد، فؤاد (2007): أساليب تدريس اللّغة العربيَّة بينَ النّظريَّة والتّطبيق. دار المسيرة للنّشر والتّوزيع. ط7.

  • الأجنبيَّة

1- Holmerg, Borje (1977): Distance education a survey and bibliography. Nichols Pub. Co.

2- Keegan, Desmond (2013): Foundations of Distance Education.Routledge.3rd Edition.

3- Moore, Michael (2011): Distance education: A systems view of online learning. Cengage Learning.3rd edition. United States.

4- Charles Wedemeyer (1981): Learning at the back door. University of Wisconsin press.1st Edition.

[1] – طالب دكتوراه في جامعة القدّيس يوسف – كلّيّة العلوم التّربويّة.

– [2] أنطوان صيّاح (2017): تعلّميّة اللُّغة العربيّة. دار النّهضة العربيّة. بيروت. ط1 . ص17.

[3]– محمّد عبد القادر أحمد (1986): طُرق تعليم اللّغة العربيَّة. مكتبة النّهضة العربيَّة. بيروت. ص153، 154.

-[4] فؤاد محمّد (2007): أساليب تدريس اللّغة العربيَّة بينَ النّظريَّة والتّطبيق. دار المسيرة للنّشر والتّوزيع. ط7. ص79.

[5]– سَميح أبو مغلي (1999): الأساليب الحَديثة لِتدريس اللُّغة العربيّة. دار مجدلاوي للنّشر والتّوزيع. عمان. الأردن. ص16.

[6]– رشدي أحمد طعيمة (2000): الأُسس العامَّة لمناهِج تَعليم اللّغة العربيَّة، إعدادها، وتطويرها، وتقويمها. دار الفكر العربيّ للطّبع والتّوزيع. القاهرة. ط2. ص40.

[7]– محمّد عطيّة خميس (2009): تكنولوجيا التّعليم والتّعلُّم. دار السّحاب. جمهوريَّة مصر العربيَّة. ط2. ص9.

[8] – نبيل عزمي (2015): نظريّات التّعليم عن بُعد ومصطلحات التّعليم الإلكترونيّ. مكتبة بيروت. مَسقط. ط2. ص7.

[9]– Borje Holmerg (1977): Distance education a survey and bibliography. Nichols Pub.Co.p19 “Holmerg Borje from Lund, Sweden is an internationally known and respected pioneer in the field of distance education. He is best known for his theory of personal communication between teachers and learners in distance education. The central concepts of his theory are motivation, empath non-contiguous communication, learner autonomy and interpersonal communication.”.

 

[10] -Michael Moore(2011):Distance education: A systems view of online learning. Cengage Learning.3rd edition. United States.p40-44

 

[11]– Desmond Keegan (2013): Foundations Of Distance Education. Routledge.3rd Edition.p26″Desmond Keegan suggested that the theoretician had to answer three questions before developing a theory of distance education: Is distance education an educational activity? Is distance education a form of conventional=  education? And is distance education possible, or is it a contradiction in terms? Central to Keegan’s concept of distance education is the separation of teaching acts in time and place from learning acts.”

[12]– Charles Wedemeyer (1981): Learning at the back door. University of Wisconsin press.1st Edition.p50- 53″Charles Wedemeyer (1911-1999) was a pioneer in the field of independent and distance learning. He challenged university administrators to expand access and opportunity to autonomous learners.”

 

[13] – محمّد جلال الزّغبي (2001): مهارات التّدريس. دار وائل للنّشر والتّوزيع. الأردن. ط4. ص26.

[14] – عَبد العَليم إبراهيم (2002): الموجّه الفنّيّ لمدرِّسي اللُّغة العربيَّة. دار المعارف. القاهرة. ط17. ص136.

[15]– فايزة السّيّد عَوض (2003): الاتّجاهات الحَديثة في تَعليم القراءة وتنمية ميولها. القاهرة. إيتراك للطّباعة والنّشر والتَّوزيع. ص37-40.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.