قواعد أصوليّة وفقهيّة من وحي عموم وإطلاق الخطاب الشرعيّ

0

قواعد أصوليّة وفقهيّة من وحي عموم وإطلاق الخطاب الشرعيّ

دراسةٌ سرديّة وتحليليّة

د. عليّ منتش([1])

1ـ العامّ والخاصّ

التعريف

العامّ وهو «ما يستغرق جميع ما يصلح، بحَسَب وضعٍ واحد، دفعةً، بلا حَصْر»([2])، ويُفهم منه شمول اللّفظ لأفراد موضوعه، أو ما يتعلق به اللّفظ (المتعلق)، أو المعنيّ من اللّفظ (المكلّف).

أما التّخصيص فهو قصر العامّ على بعض أفراده، بدليلٍ يدلّ على ذلك، فيضيّق دائرة شمول العامّ. وأما إذا كانت دلالة اللّفظ من الأساس غير شاملة لكلّ الأفراد فيُسمّى خروج هذه الأفراد بـ(التخصُّص).

صيغ العموم

أما الصّيغ التي تفيد العموم بوضع اللّغة، فهي خمسةٌ:

1ـ كلّ اسمٍ عرّف بالألف واللام غير العهدية. ويشمل ثلاثة أصناف، وهي:

أـ ألفاظ الجموع، كقوله تعالى: ﴿أَنتُمُ الفُقَرَاء إلى الله…﴾([3]).

ب ـ أسماء الجنس، كالناس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ…﴾([4]).

ج ـ لفظ الواحد، كالسارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ…﴾([5])؛ ولفظ الإنسان في الآية: ﴿إنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ…﴾([6]).

2ـ الأصناف الثلاثة المذكورة في القسم الأوّل إذا أُضيفت إلى معرفة، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ…([7]).

3ـ أدوات الشرط، مثل: «مَنْ» للعاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ…﴾([8])؛ ومثل: «ما» لغير العاقل، ومثاله: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله([9]).

4ـ الألفاظ التالية: «كلّ»، و«جميع»، و«دائمًا»، و« تمام»، ومثاله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ…([10]).

5ـ النكرة في سياق النفي أو النهي: قال تعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ([11])؛ و﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا([12]). وأحد هنا نكرةٌ في سياق النهي، فأفادت العموم- وأما النكرة فهي – وإنْ كانت جمعًا ـ لا تفيد الإحاطة والشمول إذا لم تقع في سياق النهي أو النفي، كقوله تعالى:﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رجالٌ([13])، فإنه لا يدلّ على الشمول والإحاطة بكلّ أفراد الرجال.

أقسام العامّ عند الأصوليّين

وقد قسّم علماء أصول الفقه العامّ إلى ثلاثة أقسام، وهي:

1ـ «العامّ الاستغراقي»: وهو دلالة الكلمة على الشّمول لكلّ الأفراد دلالةً مستقلّة لكلّ فردٍ، فيكون كلّ فردٍ موضوعًا للحكم، ومثاله: «أكرم كلَّ صائم».

2ـ «العامّ المجموعي»: وهو دلالة الكلمة على الشمول لكلّ الأفراد، بما هي مجموعٌ، فيكون مجموع الأفراد هو الموضوع للحكم، ونظيره: ضرورة الإيمان بمجموع الأنبياء، والإيمان بنبيٍّ من دون نبيٍّ لا يُعدُّ انصياعًا للحكم بالعموم المجموعي.

3ـ «العامّ البدلي»: وهو دلالة اللّفظ على الشمول لكلّ الأفراد، وبمجرّد الامتثال لفرد على البدل يسقط الحكم. وبعض العلماء لم يجعل هذا القسم من أقسام العموم؛ لفقدان صفة الشمول والسّعة، ولكنّ تقييده بالعموم البدلي، حيث الشمول والسعة، يصحِّح درجه قسمًا من أقسام العامّ.

أنواع المخصِّص

المخصِّص ينقسم إلى: متّصلٍ؛ ومنفصل؛ لأنّه إمّا أن لا يستقلّ بنفسه؛ أو يستقلّ. والأوّل المتّصل؛ والثاني المنفصل.

أقسام المخصِّص المتّصل

والمخصِّص المتّصل خمسة:

1ـ الاستثناء المتّصل، نحو: أكرم الناس إلّا الجهال، بخلاف المنقطع فإنه لا يخصّص.

2ـ الشّرط، مثل: أكرم الناس إنْ كانوا علماء.

3ـ الصّفة، مثل: أكرم الناس العلماء.

4ـ الغاية، مثل: أكرم الناس إلى أن يجهلوا.

5ـ بدل البعض، مثل: أكرم الناس العلماء منهم([14]).

العامّ المخصَّص بين الحقيقة والمجاز

والتّخصيص هو قصر العامّ على بعض أفراده، بدليلٍ على ذلك. فالمخصِّص إما متّصل بالكلام، وعندها لا ينعقد للعموم ظهورٌ في الشمول؛ وإما أن يكون المخصِّص منفصلًا عن الكلام، وهنا ينعقد ظهورٌ أوليّ للعموم، سرعان ما تقطعه قرينة الخصوص، فتمنع الشمول، وتكشف المراد الجدّيّ للمتكلِّم.

وانقسم علماء الأصول بين قائلٍ بأن استعمال العامّ المخصَّص يكون استعمالًا مجازيًّا؛ وقائلٍ بأنه استعمالٌ حقيقيّ؛ ومنهم مَنْ فصّل، فعدَّ العامّ المخصَّص بالخاصّ المتّصل حقيقة، وأما المخصَّص بالمنفصل فمجاز. والصحيح أنّ كلّ لفظٍ عامّ استعمل في ما وُضع له هو استعمال حقيقيّ، سواء أكان المخصِّص متّصلًا أم منفصلًا. والمقصود من مدخول كلمة «كلّ» هو الطبيعي. ولا داعي للدقّة التي تذهب بنا بعيدًا من طبيعة الاستعمال اللّغويّ.

نعم، يقع الكلام في المخصِّص اللّفظيّ هل يفرط عقد الشمول للعامّ أم أنه يقتصر على حدود الخاصّ، وتبقى أفراد العامّ مندرجةً تحته؟ هنا يمكن القول بحجّيّة العامّ وشموله للأفراد الخارجة عن دلالة الخاصّ، خصوصًا على مبنى القائلين بأن الاستعمال لا يتجاوز الحقيقة، وهو الصحيح والراجح من بين الآراء، وهنا عبّر الشيخ المظفَّر قائلًا: «أما نحن الذين نقول بأن العامّ المخصَّص حقيقة ففي راحةٍ من هذا النزاع؛ لأنا قلنا: إنّ أداة العموم باقيةٌ على ما لها من معنى الشمول لجميع أفراد مدخولها، فإذا خرج من مدخولها بعض الأفراد بالتّخصيص بالمتّصل، أو المنفصل فلا تزال دلالتها على العموم باقيةً على حالها، وإنّما مدخولها تتضيَّق دائرته بالتّخصيص»([15]).

المخصِّص المُجْمَل

هذا كلّه إذا كان المخصِّص واضحًا. أما إذا كان المخصِّص مجملًا؛ فتارةً يكون الإجمال في حدود المفهوم؛ وأخرى يكون الإجمال في انطباق المصداق. وقد عبّر علماء الأصول عن النّحو الأوّل بـ(الشبهة المفهوميّة)، وعن النّحو الثّاني بـ(الشّبهة المصداقيّة). وهنا اختلفت الآراء حول سَريان الإجمال من الخاصّ إلى العامّ، أيّ إنّ الغموض الذي يكتنف المخصِّص يسري ليضيِّق سعة دائرة العموم. والكلام وقع في النّحوَيْن على الشّكل الآتي:

«الشّبهة المفهومة»

وهي على نوعين، وهما:

أـ «دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر»، الذي يعود للشكّ في مفهوم الخاصّ نفسه، نحو: الحديث القائل: «كلّ ماءٍ طاهرٌ إلّا ما تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه»([16]). فالشّكّ هنا يقع في مفهوم التّغيّر، فهل يقتصر على التّغيّر الحسّيّ أم يشمل مثل التّغيّر التقديري؟ أما الشكّ هنا بين الأقلّ (من دون التّغيّر التّقديريّ )، والأكثر (بضميمة التّغيّر التّقديريّ).

ب ـ «دوران الأمر بين المتباينين»، وهو يعود للشّكّ في تحديد المفهوم في الخارج، وتردّده بين شخصين مستقلّين متباينين، كما لو قلنا: «إحمل أخاك على الأحسن إلّا بلالًا»، فالشّكّ يقع بين بلال بن سعد وبلال بن بكر.

فالحال في النّوعين المتقدّمَيْن إذا كان المخصِّص (متّصلًا) هو سريان الإجمال من الخاصّ إلى العامّ. وعليه نقول بعدم جواز التّمسّك بالعامّ عندئذٍ. وكذلك الحال في التردّد بين المتبايين إذا كان المخصِّص (منفصلًا)، فإنّ الإجمال يسري أيضًا من الخاصّ ليبلغ العامّ، فيمنع من التمسّك به؛ لحصول العلم الإجماليّ بالتّخصيص، والشّكّ يقع بين أمرين، وعندها يكون العلم منجّزًا، ولا يجوز التّمسّك بالعامّ في مثل هذه الحالة.

أما عند دوران الأمر بين الأقلّ، والأكثر إذا كان المخصِّص (منفصلًا) فهنا ينعقد ظهور الشمولية عند العامّ، فلا يسري إليه غموض الخاصّ، ولا إجماله.

2ـ «الشبهة المصداقية»

وهي أن تكون الشبهة في المصداق، بحيث يكون المخصِّص واضحًا، ولكنّ عدم الوضوح في انطباق شروط المصداق على ضوابط المخصِّص، فيكون الإبهام من جهة المصداق الخارجيّ (الفرد)، كالماء المشكوك تغيّره بالنجاسة في المثال السابق، وفي حالة الشكّ في (اليد) أهي عاديةٌ أو أمينة؟ للشكّ في شمول الخطاب العامّ لقوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي». وهنا نرى أنّ المخصِّص أوجد الإبهام، وعدم الوضوح في سعة دائرة العامّ، فإذا شككنا بدخول فردٍ من الأفراد تحت ضوابط المخصِّص فلا يصحّ أن ندرجه تحت شمول العامّ؛ للغموض وعدم الظهور.

فمثلًا: إذا شككنا في يدٍ هل أنّها يدٌ عادية على ما تحتها، أي ما تحت سلطتها، أو أنّها يدٌ أمينة على ما حازت فعندها لا نستطيع أنْ نحكم على هذه اليد بالعدوّ والإثم، تمسّكًا بعموم قول النبيّ المتقدِّم؛ لانقطاع ظهوره بعد ورود المخصِّص. وهنا لا فرق بين أن يكون المخصِّص متّصلًا أو منفصلًا. إلّا أنّ مشهور علماء أصول الفقه المتقدّمين أفتَوْا بالضمان في اليد مشكوكة الأمانة؛ استنادًا منهم إلى قاعدة جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة (المصداقية). ولكنْ لا دليل على جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة (المصداقية) المخصّصة، إذ إنّ مجيء الخاصّ قد أوجد «عندنا حجّتين معلومتين، حَسْب الفرض: إحداهما: العامّ، هو حجّة في ما عدا الخاصّ؛ وثانيتهما: المخصِّص، وهو حجّةٌ في مدلوله. والمشتبه مردّدٌ بين دخوله في تلك الحجّة أو هذه الحجّة([17])، وعندها تسقط الحجّتان، وهو الأصحّ من بين الأقوال.

«التّخصيص بغير اللّفظ في الشبهة المصداقية»

إن الدّرس الأصوليّ تجاوز أثر التّخصيص في اللّفظ على حجّية العموم إلى دراسة المخصّص بغير اللّفظ، كالتّخصيص بالعقل، أو الإجماع، أو غيرهما من المرتكزات الذهنية؛ فذهب بعضهم إلى إلحاق المخصّص غير اللّفظيّ بالمخصّص اللّفظيّ، الذي تقدّم البحث عنه؛ وفصّل بعضٌ آخر في ما لو كان المخصّص مرتكزًا على ضرورات عقلية، فلم يجوّز التّمسّك بظهور العموم، فيكون المخصِّص بقوة اللّفظ الظاهر، كقوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِالله إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ([18]). وهذه الآية واردةٌ في خصوص الإشهاد على الوصيّة، فالاثنان من دين (الإسلام) نفسه بقيدي العدالة، أما الآخران من دينٍ غير الدِّين الإسلاميّ فمسكوتٌ عن القيد اللّفظيّ فيه، إلّا أنّ القيد هنا بالضّرورة العقليّة، بمعنى أنّ الله تعالى قيّد الشّاهد المسلم بصفة العدالة، فمن الأَوْلى أن يكون ذلك مطلوبًا من غير المسلم بالضرورة. كذلك الضمير في «ارتبتم»، من الآية نفسها، هل يرجع إلى كلّ مَنْ ارتاب أم أنه يعود إلى مَنْ كان لريبته محلٌّ في البَيْن؟ إنّه وإنْ لم يتّضح الضمير باللفظ، إلّا أنّ العقل هنا يحتّم حمل الضمير على الورثة، الذين يتأثّرون بالشّكّ والرّيبة. وأمّا إذا كان المخصّص غير اللّفظيّ غير مرتكزٍ على الضرورات العقلية، أو المسلّمات الذّهنيّة فعندها يجوز التّمسّك بالعموم. إن ما ذهب إليه الشيخ الأعظم من أن ثمّة فرقًا بين المخصِّص اللّفظيّ، الذي يحاصر العامّ في ظهوره، وبين المخصِّص اللّبيّ([19])، الذي لا يقف أمام شمول العموم لأفراده، فإننّا بالوجدان نشعر بأنّ حكم العقل. مثلًاـ بأنّ العداوة تمنع من الإكرام في عموم خطاب: «أكرم جيراني»، إلّا أنه لا يدلّ على وجود العدوّ من الجيران فعلًا، لذا أطلقت قاعدة «جواز التمسّك بالعموم في «الشبهة المصداقية» إذا كان المخصِّص لبّيًّا».

العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصِّص

ممّا لا شكّ فيه أنّ بعض العمومات في القرآن الكريم والسُّنّة الشّريفة ورد لها مخصِّصات؛ إمّا متّصلة؛ وإمّا منفصلة، ما يدعو إلى التوقُّف، وعدم التّسرّع في الأخذ بالعموم، والتّمسّك به قبل البحث، أو الفحص عن وجود مخصِّصٍ له؛ لاحتمال أن يكون هذا العامّ من العمومات التي ورد لها مخصِّصٌ منفصل. ومردُّ ذلك إلى أمرين، هما:

الأوّل: الأمر الوجداني والطبع الإنساني، الذي يدعو إلى انتظار الخطيب، أو المخاطِب لينهي كلامه؛ ليبني على الشيء مقتضاه.

الثاني: المشهور والمتناقل عند علماء الأصول أنه «ما من عامًّ إلّا وقد خُصّ»، بالإضافة إلى النّصوص التي تذمّ مَنْ استبدّ برأيه في الأحكام؛ لأن في الكتاب المجيد والسُّنّة عامًّا وخاصًّا، ومطلقًا ومقيّدًا.

حدود الفحص عن المخصِّص

وممّا طرحه علماء الأصول في الفحص عن المخصِّص: هل يبقى الفحص عنه إلى ما لا نهاية، بحيث يعطّل العمل بالعامّ، أو أنّ الفحص له نهايةٌ، على أساسها يتوقّف البحث عنه؟

والفحص له ثلاث حالات، وهي:

أـ العلم بعدم وجود المخصِّص.

ب ـ الظّنّ الغالب بعدم وجوده.

ج ـ الاطمئنان بعدم وجوده.

والحالة الثالثة هي المرجّحة من بين الحالات المتقدّمة؛ لأن الباحث في الخطاب الشرعيّ يكون ناظرًا إلى تقديم العذر بين يدي الله، ويكفي في ذلك أن يكون مطمئنًا بعدم وجود المخصِّص للخطاب العامّ؛ «لأن الاطمئنان طريقٌ عقلائيّ، يعتمد عليه العقلاء كما يعتمدون على العلم الوجدانيّ، ويكتفون بالاطمئنان في كلّ ما يعدّ فيه الإحراز»([20]).

وهذا إنّما نحتاجه عندما كانت الأحاديث متفرّقةً ومنتشرة في كتب متعدّدة، أما وقد جُمعت في سلسلةٍ أو حلقات من كتابٍ واحد فقد تيسَّر البحث عن الخاصّ، ومع عدم إيجاده نقطع بعدم وجوده.

«تخصيص العامّ بالضمير العائد إلى بعض أفراده»

قال تعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ…([21]). فالمطلّقات لفظٌ عامّ يشمل المطلّقة الرجعيّة والمطلّقة البائنة. والمخصِّص هو قوله تعالى:﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ…([22])، فالضمير في «بعولتهنّ» راجعٌ إلى خصوص المطلّقات الرجعيّات، أيْ بعض أفراد العامّ السابق(المطلّقات)؛ فإذا حملنا العامَّ في الآية الأولى، أي «والمطلّقات»، على خصوص الرّجعيّات نكون بذلك قد خالفنا ظهور العامّ في عمومه وشموله لجميع المطلّقات، أي الرجعيّات وغيرهنّ؛ وإذا قلنا بأنّ العامَّ باقٍ على عمومه، وشموله لكلّ الأفراد، ولكنْ أرجعنا الضمير في «بعولتهنّ» إلى بعض أفراد العامّ السّابق؛ استنادًا إلى أدلّةٍ، أو مرتكزات خارجة عن حاقّ لفظ العموم، عندها نكون قد خالفنا ظهور رجوع الضّمير إلى كافّة أفراد العامّ السابق عليه.

وبناءً على ما تقدّم أيُّ المخالفتين هي الأَوْلى؟

«وقع الخلاف على أقوال ثلاثة، وهي:

الأوّل: إن أصالة العموم هي المقدّمة، فيلتزم بالمخالفة الثانية.

الثاني: إن أصالة عدم الاستخدام هي المقدّمة، فيلتزم بالمخالفة الأولى.

الثالث: عدم جريان الأصلين معًا، والرجوع إلى الأصول العمليّة»([23]).

ولكنْ يمكن القول إن العامّ باقٍ على عمومه وشموله لكلّ المطلّقات، والضّمير أيضًا باقٍ على ظهوره في العموم والرجوع إلى كلِّ أفراد العامّ السابق عليه، أيْ كلّ المطلّقات، ولكنّ هذا الظّهور للضمير بالعموم مخصَّصٌ بدليلٍ منفصل، فقد وردت مخصِّصاتٌ منفصلة تحدِّد حق الرّجوع إلى الزّوج فيما لو طلّقها طلاقًا رجعيًّا، أو طلاقًا خلعيًّا فرجعت الزوجة بالبذل، لينقلب الطلاق رجعيًّا حينئذٍ.

«ورود الاستثناء بعد العمومات»

قد تَرِدُ عموماتٌ متعدّدة في كلامٍ واحد، ثمّ يرد بعدها استثناءٌ، فيقع الشّكّ في رجوع الاستثناء لجميع العمومات، أو لخصوص الأخير منها؟

ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ([24]). وفي الآية الأولى عموماتٌ ثلاث، وهي:

1ـ الجلد بالحدّ: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.

2ـ عدم قبول الشّهادة حال القضاء: ﴿لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً…﴾.

3ـ الحكم بفسقهم: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾.

فهل يعود الاستثناء في الآية الثانية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا…﴾ إلى خصوص الحكم الأخير، أي الفسق، أو يعود إلى جميع العمومات التي سبقته، فلا يجلد بالحدّ، وتقبل شهادته، ويرتفع فسقُه بهذه التوبة؟

هنا أقوالٌ:

أوّلها: ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة، ويحتاج إلى قرينةٍ لإرجاعه إلى الجميع.

ثانيها: وهو عكس القول الأوّل، أي إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل السابقة عليه، وتخصيصه بالجملة الأخيرة يحتاج إلى قرينةٍ.

ثالثها: رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة أمرٌ مسلَّم به، وتبقى الجمل التي سبقتها مجملةً، فلا ينعقد لها ظهور في العموم.

رابعها: التفصيل بين ما إذا كان الموضوع للجمل واحدًا، ولم يتكرَّر ذكره فهنا يرجع الاستثناء إلى الجميع، وبين ما إذا كان الموضوع للجمل قد تكرَّر ذكره فهنا لا بُدَّ من رجوع الاستثناء إلى الحكم الذي كرّر فيه الموضوع؛ «والوجه فيه أن تكرار الموضوع مع التمكُّن من الإتيان به ضميرًا لا بُدَّ أن يكون من جهة نكتةٍ، وهي فصل هذا الموضوع عمّا قبله من جهة هذا الحكم الخاصّ؛ إذ لو لم يُرِدْ الفصل لذكره ضميرًا؛ ليتَّحد السِّياق، فالعدول وتغيير السياق لنكتةٍ، وهي الفصل، فيكون الاستثناء راجعًا إلى الجملة الأخيرة التي كرّر فيها الموضوع([25]). والآية القرآنية السابقة قد تكرَّر الموضوع فيها، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ…﴾، ثمّ قال: ﴿أولئك…﴾ أي كرّر الموضوع، فيكون دليلًا على أن المراد من الاستثناء هو خصوص الفسق، دون ما قبله، فيبقى الحكم بالجلد، وعدم قبول الشهادة بعد التوبة.

تخصيص الآيات العامّة «بخبر الواحد»

إن الآيات القرآنية العامّة صادرةٌ من عند الله تعالى، فلا شكّ في شمول العموم فيها لكلّ أفراد مصاديقه؛ فإنْ جاءت أخبارٌ متواترة عن النبيّ وآله تُخصِّص العموم الوارد في الكتاب العزيز أخذنا بها؛ إذ كما أنّ القرآن قطعيّ الصّدور (أيْ من عند الله) فالأخبار المتواترة أيضًا قطعيّة الصّدور (أيْ من رسول الله)، فيدور الأمر بين تجميد العمل بمضمون الروايات، والتمسّك بظاهر القرآن، أو أن نأخذ بمضمونها فنتصرّف بظاهر القرآن، وهو الأَوْلى، ومحلّ الاتفاق؛ وأما إذا لم تبلغ الرّوايات حدّ التواتر (الوثوق بصدورها)، والمعبَّر عنها بــ(أخبار الآحاد)، فسيرة العلماء على الأخذ بهذه الأخبار، والعمل بها، وعدّها صالحةً لتكون قرينةً على التصرّف بظاهر الكتاب، وبدلالتها ناظرة ومفسّرة لظاهره.

والتوسع في هذا الموضوع يخرجنا عن البحث في الأدلّة اللّفظيّة، ويتعدّاها إلى البحث عن حجّيّة أخبار الآحاد.

اختصاص الخطاب بالمشافهين

وقع الخلاف بين علماء أصول الفقه في الخطابات الشرعيّة المصدَّرة بأدوات النّداء والخطاب، كــ«ياء» النداء مثلًا، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ…([26])، فهل يكون النداء خاصًّا بالحاضرين في مجلس الخطاب الإلهيّ، فلا يعمّ الغائبين عن مجلس الخطاب، فضلًا عن غير الموجودين أصلًا في زمن الخطاب؟

ويرجع هذا الخلاف إلى أنّ أداة الخطاب هل هي موضوعةٌ لخصوص التخاطب مع الحاضر المشافَه، أو أنّها موضوعةٌ للأعمّ من الحاضر، والغائب، والمعدوم؟

فإنْ قلنا باختصاصها بالمشافهين فلا يصحّ التّمسّك بالخطابات المصدَّرة بها في حقّ الغائبين والمعدومين؛ لعدم كونهم مخاطبين بما تضمّنته تلك الخطابات، وحينئذٍ نلجأ إلى قاعدة الاشتراك في الأحكام، التي هي محلّ الإجماع والضرورة؛ وأمّا إذا قلنا بعموم الخطابات المصدَّرة بأداة الخطاب للغائبين، والمعدومين فإنّا لا نحتاج إلى قاعدة الاشتراك، بل نفس عموم الخطاب يقتضي تكليف الغائب، وغير الموجود في زمن الخطاب بما تضمّنته تلك الخطابات من الأحكام.

وذهب السيد الهاشميّ إلى أن أدوات الخطاب، كسائر أدوات الإنشاء، موضوعةٌ بإزاء نسبةٍ تصوّريّة خاصّة بين المخاطِب والمخاطَب، كالنسبة الطّلبيّة والاستفهاميّة وغيرها، التي نعبّر عنها بمفهومٍ اسميّ هو المخاطبة، والنّسبة الخطابيّة، وأمّا قصد المخاطبة فمدلولٌ تصديقيّ، وليس مدلولًا وضعيًّا لأدوات الخطاب (…)، فيكون مقتضى الظهور السّياقيّ أنه يستعمل أدوات الخطاب بداعي المخاطبة الحقيقية، وقصد التفهيم (…). فإذا فرض اختصاصه بالمشافهين بمقتضى الظّهور السّياقيّ، والحاليّ كان الخطاب خاصًّا بهم لا محالة. وهذا هو الصحيح؛ فإنّ الخطابات تكون ظاهرةً في الاختصاص بالحاضرين ما لم تقم قرينةٌ عامّة، أو خاصّة على التوسعة»([27]).

ويقصد من القرينة العامّة في كلامه قاعدة الاشتراك في التكليف. وهي تثبت الحكم للغائبين والمعدومين إذا كانوا متّحدين مع الحاضرين في الصنف، وأمّا مع الاختلاف في الصنف فلا مجال لجريان هذه القاعدة. فمثلًا: الحكم الثابت للمسافر، من تقصير في الصلاة، أو عدم وجوب الصيام، لا يمكن إثباته بهذه القاعدة للحاضر غير المسافر. والعكس صحيحٌ. نعم، إذا ثبت حكمٌ لشخصٍ بعنوان كونه مسافرًا ثبت حينئذٍ لجميع مَنْ كان متّحدًا معه في هذا العنوان؛ لقاعدة «الاشتراك».

«ففي الشريعة الواحدة لا يمكن أن يختلف أهلها في الأحكام. نعم، قد يختلفون بحَسَب اختلافهم في الصنف، فيثبت لكلّ صنفٍ منهم حكمٌ خاصّ، لا يثبت لغيره. فمثلًا: للحائض أحكام، وللجُنب أحكام، وللمستطيع حكمٌ، وللمسافر أحكام، وللحاضر أحكام، وهكذا. نعم، لا يمكن اختلاف أفراد صنفٍ واحد في تلك الأحكام الخاصّة بالصّنف، فإذا ثبت حكمٌ لفرد منه ثبت للباقي. فلو دلّ دليلٌ شرعيّ على ثبوت حكمٍ لشخصٍ ثبت لغيره من الأفراد المتّحدة معه في الصّنف، فالحكم لا يختصّ به، بل يعمّ غيره إذا اتّحد معه في الصّنف؛ بقاعدة «الاشتراك في التكليف»([28]).

نعم، لو احتمل دخول شيءٍ من القيود، أو الخصوصيّات في موضوع الحكم، ولو كانت تلك الخصوصيّة الحضور نفسه في مجلس التّخاطب، ينفرط عقد قاعدة الاشتراك لهذا الاحتمال.

وفصّل بعض الأصوليّين بين القضايا الخارجيّة والقضايا الحقيقية، وذهب إلى أنّ الخطاب في القضايا الخارجية يختصّ بالمشافهين، وأن عمومه للغائبين، فضلًا عن المعدومين، يحتاج إلى عنايةٍ زائدة، ودليلٍ خاصّ، فلا يمكن الحكم بالعموم مع عدم وجوده؛ وأما القضايا الحقيقية فالخطاب فيها يعمّ الغائبين والمعدومين؛ لأنّ القضيّة الحقيقية تستبطن بنفسها تقدير وجود الغائبين والمعدومين، وتنزيلهم منزلة الموجودين، فيشملهم الخطاب.

والظاهر أن القضايا الشرعيّة كلّها (إلّا ما شذّ وندر) مأخوذةٌ على نهج القضايا الحقيقية، فيكون المقصود بالتفهيم من الخطابات الواردة في الكتاب والسنّة جميع البشر إلى يوم القيامة، وهذا ما ينسجم مع روح القرآن وتعاليمه.

هذا كلّه في الخطابات المصدَّرة بأدوات الخطاب. وأمّا في ما عدا ذلك، من أسماء الأجناس، كقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ…([29])، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ([30])، وغير ذلك ممّا أُخذ اسم الجنس فيه موضوعًا للحكم، فإنّه لا خلاف في عموم اللّفظ للحاضر، والغائب، والمعدوم.

دوران الأمر بين «النّسخ» و«التّخصيص»

إذا ورد الدّليل اللّفظيّ الخاصّ منفصلًا عن الدّليل العامّ، وكان مجيئه قبل العمل بمفاد العامّ، فلا إشكال حينئذٍ في حمله على التّخصيص، ولا إمكان لادّعاء «النّسخ»؛ لأن النّسخ لا يكون قبل وقت العمل بالدّليل اللّفظيّ المنسوخ؛ فإن الله تعالى لمّا كان يعلم بأنّ هذا الحكم سوف يُنسخ قبل العمل به سيكون توجيه هذا الحكم عبثًا، لا مصلحة للعبد فيه.

أما إذا ورد الدّليل اللّفظيّ الخاصّ بعد وقت العمل بالعامّ فهنا وقع الخلاف في إدراج هذا الدّليل الخاصّ تحت عنوان «التّخصيص»، أو «النّسخ»:

فمنْ ذهب إلى وجوب أن يكون الدّليل الخاصّ ناسخًا ورافعًا لمفاد الدّليل العامّ استدلّ بقاعدة «قُبْح تأخير البيان عن وقت الحاجة»؛ لأنّ في ذلك إضاعة للمصالح المترتّبة على امتثال الأحكام، فتأخّر الخاصّ عن وقت العمل بالعامّ، لو كان مخصِّصًا ومبيّنًا لعموم العامّ، سيجعل بيانه متأخِّرًا عن وقت الحاجة. لذا وجب أن يُحمل هذا الدّليل على «النّسخ» من دون «التّخصيص».

وهناك مَنْ جوّز حمله على «التّخصيص»؛ لجواز أن يكون العامّ واردًا لبيان حكم ظاهريّ صوريّ، لمصلحةٍ اقتضت كتمان الحكم الواقعيّ، لمصلحة التّدرّج في بيان الأحكام، فإذا جاء الدّليل الخاصّ يكون كاشفًا عن الحكم الواقعيّ، فيكون مبيّنًا للعامّ، ومخصِّصًا له.

نعم، إذا ثبت أنّ الدّليل العامّ كان بصدد بيان الحكم الواقعيّ فلا شكّ في تَعيُّن كون الدّليل الخاصّ ناسخًا له، ويجب العمل بمفاد الدّليل الخاصّ.

أمّا إذا لم يقم دليلٌ على حمل الدّليل العامّ على الحكم الواقعيّ، أو الظّاهريّ فيدور الأمر حينئذٍ بين النّسخ والتّخصيص، فبأيِّهما نأخذ؟

استقرب علماء أصول الفقه الحمل على التّخصيص، مع إبقاء احتمال كونه ناسخًا؛ ومرجع ذلك إلى أن أصالة العموم لا تثبت أكثر من أن ظهور العامّ في شموله واستيعابه هو المراد الجدّيّ للمتكلّم، وهو المقصود بالتّفهيم، سواءٌ أكان واقعيًّا أم صوريًّا. وما يعين على هذا الاستقراب أنّ طريقة الشّرع الحنيف هي إطلاق الخطابات العامّة مجرّدة من قرائن التّخصيص، ويُكشف المراد الواقعيّ منها بدليلٍ خاصٍّ منفصل، حتّى قيل: «ما من عامٍّ إلّا وقد خُصّ»، وأن الحمل على النّسخ يعنى عدم بقاء أدلّة عامّة مطلقًا.

الفرق بين النّسخ والتّخصيص. والفرق بين «النسخ» و«التّخصيص» يُلاحَظ في وجوهٍ، وهي:

الأوّل: إن التّخصيص بيان أن ما خرج بالتّخصيص. وهو المخصوص. غير مراد باللفظ أصلًا؛ والنسخ إخراج ما أريد باللفظ الدلالة عليه.

الثاني: إن النسخ يشترط فيه التراخي بين الناسخ والمنسوخ، أما التّخصيص فيجوز فيه اقتران المخصِّص بالعامّ، وذلك كالتّخصيص بالاستثناء والشرط.

الثالث: إن النسخ يكون في الشيء الواحد، أما التّخصيص فلا يدخل إلّا في عامٍّ له أفراد متعدّدة، يخرج بعضها بالمخصِّص، ويبقى بعضها الآخر.

الرابع: إن النسخ لا يكون إلاّ بخطابٍ جديد، والتّخصيص قد يقع بغير خطابٍ، كالتّخصيص بالعقل وبالعُرْف المقارن للخطاب.

الخامس: لا يقع النّسخ في الأخبار، إنما هو في الإنشاء فقط، بخلاف التّخصيص، فإنه يكون في الإنشاء وفي الخبر.

السادس: إن النسخ لا يبقي للفظ المنسوخ دلالةً على ما تحته، فهو كالذي لم يوجد أصلًا، أما التّخصيص فتنتفي معه دلالة العامّ على صورة التّخصيص فقط، وتبقى دلالته على ما عداه.

السابع: وهو خاصٌّ بالفرق بين التّخصيص والنسخ الجزئي. (…) التّخصيص إنْ لم يرد فيه المخصِّص إلّا بعد العمل بالعامّ، والتقييد إنْ لم يرد فيه المقيّد إلّا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذٍ نسخٌ، ولا يجوز أن يكونا تخصيصًا وتقييدًا؛ لأن التّخصيص والتقييد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلمّا تأخّر تعيّن كونه نسخًا»([31]).

تخصيص العامّ بالمفهوم

مفهوم الخطاب ينقسم إلى قسمين كما مرّ، وهما: الموافق؛ والمخالف.

فإذا ورد خطاب عامّ، وعارضه مفهومٌ أخصّ منه؛ فإنْ كان موافقًا فلا شكّ في تخصيص الخطاب العامّ به، ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالعُقُودِ([32])، فإنه عامٌّ يشمل كلّ عقدٍ، وقع باللّغة العربية أو بغيرها من اللّغات، فإذا ورد دليلٌ على اشتراط وقوع العقد بصيغة الماضي، كما في قول البائع: «بعْتُ داري»، فإنّه يدلّ على عدم صحّة العقد بصيغة المضارع من العربية، فإنْ لم يصحّ بغير الماضي من العربّية فمن الأَوْلى أنْ لا يصحّ بلغةٍ غير العربيّة، فظهور المفهوم حجّة هنا ليكون مقدَّمًا، ومخصِّصًا لظهور الخطاب العامّ. أمّا المفهوم المخالف؛ فإنْ قلنا بحجّيّة ظهوره يكون قرينةً على التّخصيص؛ وإنْ لم نقُلْ بثبوت المفهوم المخالف عندها يبقى العموم على شمول واستيعابه لكلّ أفراده. وهناك كلامٌ وتفصيل لا يَسَعه المقام.

2ـ المطلق والمقيِّد

وهو مبحثٌ مهمّ من مباحث الدّلالات في علم أصول الفقه، إذ يترتَّب عليه كثيرٌ من الأمور العملّية، التي هي ثمرة هذا العلم.

معنى المطلق

والمطلق في اللّغة يعني المرسل وما لا قيد له. أطلق الفرس سرّحه وخلّاه. والطالق من الإبل هي التي طلقت في المرعى، والتي لا قيد عليها. وطلاق النّساء حَلُّ عقدتها بالتخلية والإرسال. وفي الاصطلاح هو اللّفظ الدّال على معنىً له نحو شيوع، وسريان فعلًا. فهو من صفات اللّفظ، وقد وقع صفة للمعنى أيضًا. وبعبارةٍ أخرى: هو اللّفظ الذي دلّ على موضوعه خاليًا من أيِّ قَيْدٍ خارج عن حقيقته. لذا عرَّفوه بأنه: «ما دلّ على معنىً شائع في جنسه، ويقابله المقيِّد. والظاهر أنه ليس للأصوليّين اصطلاحٌ خاصّ في لفظ المطلق (كالمقيّد)، بل هما مستعملان بما لهما من المعنى في اللّغة، فإنّ المطلق مأخوذٌ من الإطلاق، وهو الإرسال والشيوع، ويقابله التّقييد تقابل المَلَكة وعدمها، فالملكة هي التّقييد، والإطلاق عدمها. «فإذا نُسب الإطلاق إلى اللّفظ (كما هو المقصود في المقام) فإنما يُراد ذلك بحَسَب ما له من دلالةٍ على المعنى، فيكون الإطلاق وصفًا للفظ باعتبار المعنى»([33])، بمعنى أن عدم نصب القرينة على القيد إنما ينتج الإطلاق ويكشف عنه في مورد يكون المتكلّم قادرًا على ذكر القيد، «أي لا يكون ممنوعًا عنه؛ لتقيّةٍ أو عجز أو ضيق وقت أو غير ذلك، وإلّا فلا تنشأ الدلالة الالتزاميّة من مجرد عدم ذكر القيد على إرادة الإطلاق»([34]).

فإذا قال الآمر: «أكرم محمدًا»، وعرفنا أن لمحمد أحوالًا متعدّدة، ولم يقيّد الحكم بحالٍ من الأحوال، نستطيع أن نعرف أن لفظ «محمد» هنا، أو هذا الكلام بمجموعه، يصحّ أن نصفه بالإطلاق بلحاظ الأحوال، وإنْ لم يكن له شيوعٌ باعتبار معناه الموضوع له.

بعضٌ من مصاديق المطلق

«إذًا للأعلام الشخصية، والمعرَّف بلام العهد، إطلاقٌ، فلا يختصّ المطلق بما له معنى شائع في جنسه، كاسم الجنس ونحوه (…). وعلى هذا فمعنى المطلق هو شيوع اللّفظ وسعته باعتبار ما له من المعنى وأحواله»([35]).

فالمطلق هو الدّال على الماهيّة بلا قيدٍ، أيْ يتناول كلّ فردٍ يصدق عليه لفظ المطلق بلا استثناء، ولكنْ على سبيل البدل؛ لأنّه بذاته اسم فرد، مثل: رجل، ورقبة، وفرس، وما إلى ذلك من المفردات، التي تسمّى باسم جنس تارةً، وتارةً بالنكرة([36]).

فقد عدّوا من مصاديق المطلق أسماء الأجناس من الأعيان، والأعراض، والأفعال، فإذا قال الآمر: «يجب عليك في أوّل الشهر إعطاء الحنطة للفقير»، كان لفظ الشهر، والإعطاء، والحنطة، والفقير كلّها مطلقات؛ لوجود الإرسال، والشيوع في معانيها، بخلاف ما لو قال: «يجب عليك في أوّل الشهر الحرام إعطاء الحنطة الحمراء سرًّا للفقير العادل»، فتلك الألفاظ مقيّدات.

كما أنّ من تلك المصاديق النّكرة، وهي عبارةٌ عن اسم الجنس الذي دخل عليه التنوين المستفاد منه الوحدة، فهي أيضًا لفظٌ دالّ على الشيوع في مصاديق جنسه، سواء أكان الشيوع بنظر السامع فقط، كما في قوله: «جاءني رجلٌ»، وقوله تعالى: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى…([37])، أو في نظر القائل والسامع معًا، كما في قوله: «جئني برجلٍ»، فلو قال: «جاءني رجلٌ عالم»، أو «جئني برجلٍ شاعر» كان اللّفظان مقيّديْن([38]).

معنى المقيّد

والمقيّد يقابل المطلق، أي لا يشمل، ويعمّ كلّ ما يتناوله المطلق، ويصدق عليه. ومثال المطلق: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ…([39])؛ ومثال المقيّد: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ…([40])، فقد ورد في الشاهد هنا قيدٌ زائد، هو العدالة.

التقابل بين المطلق والمقيّد

إنّ التقابل بين الألفاظ الدالّة على المعاني ينقسم إلى أربعة أنواع:

الأوّل: تقابل النّقيضين، أي السّلب والإيجاب، مثل: هذا موجودٌ وغير موجود.

الثاني: تقابل الضّدين، كالأسود والأبيض.

الثالث: تقابل المتضايفين، أي لا يفهم أحدهما إلّا بالقياس إلى الآخر، مثل: الأب والابن، والطويل والقصير.

الرابع: العدم والمَلَكة. والمَلَكة اسمٌ للشّيء الذي ينبغي أن يوجد في الشّيء، كالبصر في الإنسان؛ والعدم اسمٌ يدلّ على خلوّ الشّيء من الوصف الذي ينبغي أنْ يوجَد فيه، لكنْ لم يوجد، كالأعمى الذي يفترض فيه أن يكون بصيرًا.

والتقابل بين المطلق والمقيّد من هذا النوع. والمَلَكة هنا في جانب المقيّد؛ لوجود القيد الذي يمكن تحرير المقيّد منه، والعدم في جانب المطلق؛ لخلوّه من القيد الذي يمكن أن يحدّ من شيوعه وإرساله وانتشاره([41]).

لذلك نقول: إنّ اللّفظ المطلق هو الذي يكون قابلًا للتّقييد، لكنّه لم يقيّد، أمّا اللّفظ الذي يمتنع تقييده فلا يصلح أن نسمّيه لفظًا مطلقًا؛ لعدم إمكان تقييده. فالأعمى لا يصحّ أن يسمّى به مَنْ لا يمكن أن يكون مبصرًا، كالحجر والشجر.

مثالٌ تطبيقيّ

نشأ الخلاف في أخذ القربة في متعلّق الصلاة، وذلك في مبحث التّعبّديّ والتّوصّليّ. فكلّ متفقِّه يعرف أنّ في الشّريعة المقدّسة واجبات لا تصحّ، ولا تسقط أوامرها إلّا بإتيانها على وجه القربة لله تعالى، وكونها قربيّةً إنما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها، أو بغيره من وجوه قصد القربة إلى الله تعالى، وتسمّى هذه الواجبات (العباديّات أو التّعبديات)، كالصلاة والصوم ونحوها. وهناك واجباتٌ أخرى تسمّى التوصّليّات، وهي التي تسقط أوامرها بمجرّد وجودها، وإنْ لم يقصد بها القربة، كإنقاذ الغريق، وأداء الدَّيْن، ودفن الميْت، وتطهير الثوب والبدن للصلاة، ونحو ذلك.

فإنْ عُلم حال واجبٍ بأنّه تعبّديّ أو توصّليّ فلا إشكال، وإنْ شُكَّ في ذلك فهل الأصل كونه تعبّديًّا أو توصّليًّا؟ فيه خلافٌ بين الأصوليّين.

إن منشأ الخلاف هنا هو الخلاف في إمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمرـ كالصّلاة مثلًاـ قيدًا له، على نحو الجزء أو الشّرط، على نحوٍ يكون المأمور به المتعلّق للآمر هو الصلاة المأتيّ بها بقصد القربة بهذا القيد. فلو فُرض أنّ غرض المولى قائمٌ بالصلاة المأتيّ بها بداعي أمرها فإنّه لا يمكن أخذه في المأمور به قيدًا، فالقيد خارجٌ عن المأمور به، وليس داخلًا فيه، فلا يمكن أخذه قيدًا قبل فرض وقوع أمره، أي قبل كونه مأمورًا به لا يمكن أن يأمر به، ويقيّد الإتيان به بما هو مأمورٌ به قيدًا بقصد امتثاله؛ لأنه قبل الأمر لا مأمور به حتّى يقيّد بقصد الامتثال.

فمَنْ قال بإمكان أخذ هذا القيدـ وهو قصد القربةـ كان مقتضى الأصل عنده التّوصّليّة، إلّا إذا دلّ دليلٌ خاصّ على التّعبّديّة، كسائر القيود الأخرى. فإطلاق كلام المولى حجّة يجب الأخذ به ما لم يثبت التّقييد، فعند الشّكّ في اعتبار قيدٍ، يمكن أخذه في المأمور به، فالمرجع «أصالة الإطلاق»؛ لنفي اعتبار ذلك القيد.

ومَنْ قال باستحالة أخذ قيد قصد القربة فليس له التّمسّك بالإطلاق؛ لأن الإطلاق ليس إلّا عبارة عن عدم التّقييد في ما من شأنه التّقييد؛ لأنّ التقابل بينهما من باب تقابل العدم والمَلَكة، وإذا استحالت المَلَكة استحال عدمها بما هو عدم مَلَكة، لا بما هو عدم «مطلق»؛ لأنّه إذا كان التّقييد مستحيلًا فعدم التّقييد في لسان الدّليل لا يُستكشف منه إرادة الإطلاق؛ فإنّ عدم التّقييد يجوز أنْ يكون لاستحالة التقييد، ويجوز أن يكون لعدم إرادة التقييد. ولا طريق لإثبات الثاني بمجرّد عدم ذكر القيد وحده.

لذلك قالوا: إذا شُكَّ في اعتبار شيءٍ في مراد المولى، وما تعلّق به غرضه واقعًا، ولم يمكن بيانه، يحكم العقل بلزوم الإتيان به مع القيد المشكوك؛ لأنّه اشتغلت الذّمّة بواجبٍ يقينًا، فلا بُدَّ من إحراز الفراغ منه بحكم العقل. وهذا معنى ما اشتُهر في لسان الأصوليّين من قولهم: «الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ».

إن الإطلاق والتّقييد أمران إضافيّان، بمعنى أنّه لا بُدَّ من مقايسة الإطلاق والتّقييد بالأمور الخارجيّة، فكلّ أمرٍ لم يكن له دخلٌ في مورد الإطلاق فالمورد بالقياس عليه مطلق، وكلّ أمرٍ له دخلٌ فيه فالمورد بالنسبة إليه مقيّد، فإذا قال: «أعتِقْ رقبةً مؤمنة» كانت الرقبة بالنسبة إلى الإيمان مقيّدة، وبالنّسبة إلى العدالة مطلقة. فكلّما زادت القيود قلّت أفراد المقيّد، وقد يكون اللّفظ الواحد مطلقًا من وجهٍ، مقيّدًا من وجهٍ آخر، فيصحّ اجتماعهما في واجبٍ واحد من جهتين، كما هو شأن الأمور الإضافيّة.

ثم إنّ كلًا من الإطلاق والتّقييد يلاحظ تارةً في اللّفظ الدّالّ على نفس الحكم الشرعيّ؛ وأخرى في ما دلّ على موضوعه؛ وثالثةً في ما دلّ على متعلّقه.

فإذا قال المولى: «يجب إكرام العالم» يُقال: إنّ الوجوب غير مقيّد؛ لأنّ كلمة (يجب) مطلقة. وإنّ فعل الإكرام أيضًا غير مقيّد؛ لإطلاق كلمة (الإكرام). وكذا لفظ العالم أيضًا مطلق غير مقيّد. ولو قال: «يجب في يوم الخميس إكرام العالم» أو «يجب إكرامه بالضيافة» أو «يجب إكرام العالم العادل» كان اللّفظ الدالّ على الحكم في المثال الأوّل، وعلى الموضوع في الثاني، وعلى المتعلق في الثالث، مقيّد.

تقسيمات المطلق

الأفراديّ والأحوالي

الإطلاق قد يلاحظ بالنسبة إلى أفراد المعنى؛ وقد يلاحظ بالنسبة إلى حالاته. فالأوّل أفراديّ، والمراد منه شيوع المعنى الكلّي في أفراده؛ والثاني أحواليّ، والمراد منه شمول المعنى بحَسَب أحواله.

وبين الإطلاقين عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ؛ فقد يتحقّق الأحواليّ دون الأفراديّ، كما إذا قال المولى: «أكرم زيدًا»، فزيدٌ وإنْ كان جزئيًّا لا يتّصف بالإطلاق الأفرادي، إلّا أنّه يتّصف بالإطلاق الأحواليّ، فهو مطلقٌ من هذه الجهة، قابلٌ للتّقييد، بأن يقول: «أكرمه إذا كان مسافرًا أو مريضًا»؛ وقد يتحقّق الأفراديّ والأحواليّ، كما إذا قال: «أعتق رقبةً»، فللرّقبة إطلاقان، من حيث الأفراد والأحوال، أيّ رقبة كانت، وفي أيّ حالٍ كانت، أو لم يكن من جهة الحالات في مقام البيان، فالرقبة مطلقة من حيث الأفراد، ولا إطلاق لها من حيث الأحوال.

2ـ اللّفظيّ والمقاميّ

قد يكون مجرى الإطلاق والتقييد اللّفظ، فيكون اللّفظ هو المشكوك في شموله لما له من المعنى، فهذا إطلاق لفظيّ؛ وقد يكون مجرى الإطلاق والتقييد المعنى المستفاد، «فإذا استفدنا من ناحية المولى حكمًا من الأحكام، بعثًا أو زجرًا، أي وجوبًا أو تحريمًا أو غيرهما، بواسطة لفظٍ أو غيره، وشككنا في دخالة شيءٍ في غرضه أو مانعية أمرٍ عن ذلك، وكان في مقام بيان تمام ما له دخلٌ في غرضه، ولم يتعرَّض لشيءٍ، ولم ينبِّه على غير ما علمناه، أمكن التّمسّك حينئذٍ بالإطلاق، أيْ عدم دخل شيءٍ في غرضه؛ فإنّه لو أراد ذلك لأفاد ما يُبيّن مراده، ويُسمّى هذا بالإطلاق المقامي، كما لو كان في مقام بيان شرائط المأمور به مثلًا، فعدّ شروطًا خاصّة جاز التّمسّك بعدم شرطيّة غيرها بالإطلاق المقامي»([42]).

إنّ مبحث المطلق والمقيّد شبيهٌ بمبحث العامّ والخاصّ، إلّا أنّ العامّ والخاصّ يكون في مورد الأفراد، بينما يكون المطلق والمقيّد في مورد الأحوال والصّفات؛ فإنّ العامّ يرد في موارد كلّيّة لها أفراد متعدّدة، وقد تكون غير متناهية أحيانًا، فيأتي الخاصّ ويُخرج بعض الأنواع والأفراد التي يشملها ذلك العامّ، وإن استيعاب العامّ وشموله لأفراده مدلولٌ عليه بنفس اللّفظ، أيْ إن اللّفظ موضوعٌ للشّمول والعموم، وهو يشمل جميع أفراده دفعةً، وفي آنٍ معًا؛ بينما يرتبط المطلق والمقيّد بالطبيعة والماهية، التي هي متعلّق التكليف، ويجب على المكلّف إيجادها، فإنْ لم تتقيّد تلك الطبيعة ـ التي هي متعلّق التكليف ـ بشيءٍ فهي مطلقة، وإلّا فهي مقيّدة، والإطلاق مستفادٌ في مرحلة التطبيق، ولم يُؤخَذ من نفس مدلول اللّفظ، بل من أمرٍ آخر، وهو «مقدّمات الحكمة».

منشأ الإطلاق

الإطلاق لا يختصّ بالألفاظ المفردة، كاسم الجنس وعلم الجنس، والنّكرة، بل يكون في الجمل أيضًا، كإطلاق صيغة «افعَلْ»، الذي يستفاد منه الوجوب العينيّ والتّعيينيّ والنّفسيّ؛ وإطلاق الجملة الشّرطيّة، الذي يستفاد منه انحصار الجزاء بالشرط. وإطلاق الجمل كإطلاق الأفراد، لا يستفاد من الوضع، بل من «مقدّمات الحكمة». وهذا لم يقع الخلاف فيه، ما عدا اسم الجنس؛ فاحتمل بعضهم أن يكون الإطلاق فيه مأخوذًا في المعنى الموضوع له اللّفظ؛ أو أنّه موضوع لنفس المعاني، ويستفاد الإطلاق من «مقدّمات الحكمة».

مقدّمات الحكمة

اللّفظ المطلق إنّما يدلّ على الشمول والاستيعاب للأفراد والمصاديق كافّة؛ إمّا لقرينة خاصّة؛ أو قرينة عامّة.

فإذا نُصبت القرينة الخاصّة المقالية عملنا بمضمونها، كما لو تحدَّث الوالد مع أبنائه عن الجيران، وبالغ في التّوصية بهم، ثمّ قال مخاطبًا أبناءه: «أكرموا الجار»، فبالقرينة المقالية السابقة على الطلب نفهم أنّ المقصود كلّ الجيران. ومع عدم وجود قرينة خاصّة نحتاج إلى قرينةٍ عامّة للحكم بإطلاق اللّفظ وشموله لجميع أفراده.

والقرينة العامّة إنّما تحصل من خلال جملة مقدّمات، اصطلح علماء الفقه على تسميتها بـ«مقدّمات الحكمة». والمشهور بينهم أنها أربعة، وهي:

1ـ أن يكون المتكلِّم في مقام البيان، لا في مقام التّشريع فقط، أو كان في مقام الإهمال مطلقًا، أو لبعض الجوانب، ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ…﴾([43]).

فلا وجه للكلام على طهارة موضع الإمساك بالفريسة؛ لأنّ الشارع لم يكن بصدد البيان لهذا الجانب، بل بيانه كان منحصرًا ببيان حال التذكية، فإنّ ما صاده الكلب لا يُعدّ ميتةً. وكذا ما ورد في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ…([44]) من الأمر باجتناب الخمر ناظرٌ إلى بيان حرمة شربه، ولم يكن في صدد بيان حكم الخمر من جميع الجهات، كطهارته مثلًا.

2ـ أن لا يأتي المتلفِّظ بقرينةٍ متّصلة أو منفصلة على التّقييد؛ فلا ينعقد الإطلاق مع القرينة المتّصلة من الأساس؛ ومع القرينة المنفصلة ينعقد للكلام ظهورٌ في الإطلاق، إلّا أنّه يسقط هذا الإطلاق بمجرّد الإتيان بالقرينة.

3ـ عدم الانصراف؛ لأنّ الانصراف يمنع من التّمسّك بالإطلاق. والمقصود بالانصراف هو ظهور اللّفظ في المقيّد؛ لكثرة استعمال اللّفظ فيه مجازًا، ومثاله في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ…([45])، فإنّ الانصراف يكون إلى المسح باليد، وهو مانعٌ من انعقاد الإطلاق في لفظ «امسحوا».

4ـ «إمكان الإطلاق والتقييد، بأنْ يكون متعلّق الحكم أو موضوعه، قبل تعلّق الحكم به، قابلًا للانقسام، فلو لم يكن قابلًا للقسمة إلّا بعد فرض تعلّق الحكم به، كما في باب قصد القربة، فإنّه يستحيل فيه التّقييد، فيستحيل فيه الإطلاق»([46]).

«إذا تمّت هذه المقدّمات فإن الكلام المجرّد عن القيد يكون ظاهرًا في الإطلاق، وكاشفًاعن أنّ المتكلِّم لا يريد المقيّد، وإلّا لو كان قد أراده واقعًا لكان عليه البيان. والمفروض أنّه حكيمٌ، ملتفت، جادٌّ، غير هازلٍ، وهو في مقام البيان، ولا مانع من التّقييد، حَسْب الفرض، وإذا لم يبيِّن ولم يقيّد كلامه فيُعلم أنه أراد الإطلاق لكان مخلًا بغرضه.

فاتّضح أنّ كلّ كلام صالح للتّقييد ولم يقيِّده المتكلِّ، مع كونه حكيمًا ملتفتًا جادًّا، وفي مقام البيان والتفهيم، فإنّه يكون ظاهرًا في الإطلاق، ويكون حجّةً على المتكلِّم والسامع([47]).

نوعان آخران للمطلق

وهناك نوعان آخران للمطلق، هما:

1ـ الإطلاق الشموليّ: وهو الشّامل لجميع أفراده ومصاديقه، ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا([48])، أي أحّل الله كلّ بيعٍ، وحرّم كلّ ربا.

2ـ الإطلاق البدليّ: وهو اللّفظ المردَّد بين الأفراد على نحو البدليّة، فيُكتفى بأيّ واحدٍ من أفراده، كالأمر بعتق رقبةٍ في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا…([49])، فإن إعتاق أيّ رقبةٍ يكفي في امتثال الأمر.

ومنشأ التقسيم إلى: الشموليّ؛ والبدليّ، هو بلحاظ قرينةٍ تدلّ عليه، إمّا عقليّة أو عرفيّة، تعيّن البدليّة تارةً والشموليّة أخرى. فقوله: «لا تكذِبْ» يدلّ على الإطلاق الشموليّ بقرينة أنّ النّهي عن كذبٍ ما هو لغوٌ مَحْض؛ وقوله: «صلِّ» لا يحتمل فيه الشّمول لكلّ صلاةٍ؛ إذ لا يعقل أن يتمكّن المكلّف (المخاطب) من الإتيان بجميع مصاديق الصلاة؛ لأنّه غير قادر على ذلك، فيكون الإطلاق هنا بدليًّا بالضرورة.

أنواع المقيِّد

و«المقيِّد» من الألفاظ، هي التي قبلت الإطلاق والشّمول، وأخذ فيها القيد ليضيّق دائرة الاستعياب. والمقيِّد إمّا أن يكون متّصلًا باللّفظ المطلق؛ وإمّا منفصلًا عنه.

وهنا الكلام في أمرين، وهما:

الأمر الأوّل: المقيِّد المتّصل بالكلام المطلق

وهو على أربعة أشكال، هي:

أـ أنْ يَرِدَ الكلام الواحد مقيَّدًا، فيمنع اللّفظ المطلق من الشمول والاستيعاب لكلّ أفرداه، ومثاله: الأمر الآتي: «اعتق رقبةً مؤمنة»، فمن أوّل الأمر لم ينعقد ظهورٌ لشمول أيِّ رقبةٍ؛ لورود قيد الإيمان في الكلام الواحد. ومثاله في الكتاب العزيز قوله: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا([50])، فقوله: «الذين من أصلابكم» تصبح قيدًا لحلائل الأبناء، فلا تحرم زوجة الابن بالرضاعة.

ب ـ أنْ يرد التّقييد بلفظٍ آخر مستقلّ، ولكنْ بصيغة التّقييد، بحيث يتوجَّه الأمر إليه لا إلى المقيّد، كما في القول: «اعتِقْ رقبةً، ولتكن تلك الرقبة مؤمنة»، وهنا أيضًا لا ينعقد ظهور الشّمول في لفظ «رقبة»؛ لطروّ القيد المانع من الشّمول.

ج ـ أنْ يكون المقيِّد لفظًا مستقلًّا ناهيًا، وقد توجّه النهي للمقيّد (الرقبة في المثال) لا للتقييد (الإعتاق)، كما لو قال: «أعتق رقبةً» «ولا تعتق رقبةً كافرة»؛ فإن انعقاد ظهور الاستيعاب مستحيلٌ؛ للقيد الوارد الحاكم لوجهة الخطاب.

د ـ أنْ يرد الكلام المقيِّد مستقلًّا عن الكلام المطلق بنفس صيغة الحكم بشكلٍ متّصل، كما لو أخذنا المثال المتكرِّر معنا، فقال الآمر: «اعتق رقبةً»، و«أعتق رقبةً مؤمنة»، واتصال الأمرين بكلامٍ واحد لا يساعد على انعقاد الظهور للإطلاق؛ لاحتمال أنْ يكون المراد حكمًا واحدًا من الأمرين.

هذا الكلام لو كان الأمران دالّين على الوجوب مثلًا، فلو دلّ أحدهما على الاستحباب والآخر على الوجوب فلا تنافي بين الإطلاقين هنا.

الأمر الثاني: المقيِّد المنفصل عن الكلام المطلق

وذلك حين يكون التنافي بين دلالة الإطلاق ودلالة المقيِّد؛ فإذا لم يكن هناك تنافٍ يؤخذ بظهورَيْهما معًا. ويقع التّنافي بين الدّلالتين على أشكال، وهي:

أـ أن يكون المقيِّد شارحًا للخطاب المطلق، فيقدّم هنا الدّليل الشّارح.

ب ـ أن يكون الدّليل المقيِّد ناظرًا إلى الدّليل المطلق، والتنافي يكون في الإيجاب والسلب. ومثاله: قولك: «أكرم الطلّاب»، ثمّ قلت: «لا تكرم الراسبين».

ج ـ أنْ يكون الدّليلان مثبتين وغير شموليّين، كلاهما أو أحدهما، فإنّ التّنافي يقع بين فحوى الخطابين إنْ أثبتنا أن الحكم واحدٌ، كما في «أعتق رقبةً» و«أعتق رقبةً مؤمنة»، والكلام حول إثبات أن الحكم واحدٌ، وكيف يقيّد المطلق بالمقيّد، ولا يتصرّف في ظهور المقيِّد؟ لا يَسَعه المقام، فقد بحثه علماء الأصول في باب التعارض بين الأدلّة، وطرق معالجة التنافي بين الخطابات، ومَنْ شاء فليراجِعْ.

تنبيهٌ: وجوب الفحص عن المقيِّد

ممّا لا شكّ فيه عند علماء الأصول أنّه لا يجوز الأخذ بأصالة الإطلاق قبل الفحص عن المقيِّد، كما مرّ في بحث العامّ والخاصّ؛ وذلك من جهة أنّ الأحكام الشرعيّة لم يأتِ بها الوحي للنبيّ دفعةً واحدة، بل وصلته على دفعاتٍ، وبلّغ بها الرسول كذلك، وما صدر عن الرسول جمعه العلماء في كتبهم، فقد تكون بعض المُطلقات في الخطابات الشرعيّة منفصلةً عن مقيِّداتها، فلا يمكن الأخذ بإطلاق الخطابات الشرعيّة قبل الفحص، بل اليأس عن وجود المقيِّد اللّفظيّ لها.

تنبيهٌ آخر: أثر التقييد في حجّيّة المطلق

إذا ورد قيدٌ على دليلٍ مطلق فهو لا يوجب وقف العمل بالمطلق إذا شككنا بوجود قيود أخرى؛ لأن العثور على قيدٍ يكشف على أن المراد هو الطبيعة المطلقة مع هذا القيد، وإدخال قيدٍ آخر يحتاج إلى دليلٍ، فقيام الدّليل على قيدٍ لا يوجب إهمال المطلق، ولا إجماله، في الحجّيّة على القيود المشكوكة. فكما لم تسقط حجّيّة ظهور العامّ المخصَّص عند الشكّ بوجود مخصِّصات أخرى، بل بقي العموم على شموله لغير ما ورد فيه التّخصيص، كذلك لا يسقط المطلق عن الإطلاق، وانطباقه على غير ما ورد فيه المقيِّد.

احترازيّة القيود

القيد يُتصوَّر على أنحاء، وهي:

أـ أن يكون القيد متعلّقًا للحكم، كالإكرام في قولنا: «أكرم الأبوين».

ب ـ أن يكون القيد موضوعًا للحكم، كالفقير في قولنا: «أكرم الفقير».

ج ـ أن يكون القيد شرطًا، كما في قولنا: «إذا زالت الشمس فصلِّ»، فالزوال قيدٌ للصلاة.

د ـ أن يكون القيد غايةً، كما في قوله تعالى: ﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إلى الَّليْلِ([51])، فالليل قيد لإتمام الصّيام.

هـ ـ أن يكون القيد وصفًا للموضوع، كالعادل في قولنا: «صلِّ خلف الإمام العادل».

وفي كلّ ما تقدّم من أنحاء القيد يوجد للكلام مدلولٌ تصوّريّ، أريد إخطاره في ذهن السّامع؛ ومدلولٌ تصديقيّ، وهو الحكم الشرعيّ الذي كُشف عنه بذلك الخطاب.

فنستكشف من دخول القيد في الصورة التي يدلّ عليها الكلام بالدّلالة التّصوريّة، دخوله أيضًا في المدلول التّصديقيّ الجّدّيّ، فإنّ كلّ ما يبيّن بالكلام في مرحلة المدلول التّصوريّ هو داخلٌ في نطاق المراد الجّدّيّ، ومعنى ذلك أنّ كلّ ما يقوله المتكلِّم يريده، ومن هنا تأتي قاعدة (احترازيّة القيود)، ومعناها أنّ كلّ قيدٍ يؤخذ في المدلول التّصوريّ يكون قيدًا في المراد الجّدّيّ أيضًا. فإذا قلنا: «أكرم الفقير» فالفقير قيدٌ في المراد الجدّيّ، بمعنى كونه دخيلًا في موضوع وجوب الإكرام، ويترتَّب على ذلك أنه إذا لم يكن الإنسان فقيرًا فلا يشمله وجوب الإكرام، ولكنّ هذا لا يعني أنّ أكرامه ليس واجبًا باعتبارٍ آخر، فقد يكون هنا دليلٌ آخر للإكرام يخصّ الإنسان العالم مثلًا.

فقاعدة «احترازيّة القيود» تُثبت أنّ الحكم المشتمل على القيد لا يشمل مَنْ انتفى عنه القيد، ولا تنفي وجود حكمٍ آخر يشمل مَنْ انتفى عنه القيد.

والأصل عند الشّكّ بأن القيد للاحتراز، أو للتّوضيح هو الأخذ باحترازيّة القيد، إلّا مع وجود القرينة الدّالّة على عدم كون القيد احترازيًّا، بل جاء هذا القيد في مورد الغالب، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم…([52])، حيث يُفهم منه تقييد الربيبة بأنّها في الحجر؛ لأنها غالبًا ما تكون كذلك.

الحكومة والورود

إنّنا وبعد البحث عن التّخصيص للعمومات من الأدّلة، وتقييد المطلقات منها، يجدر بنا أنْ نشير إلى قسمٍ ثالث يرتبط بهما، من حيث تضييقه لدائرة الاستيعاب في الخطابات العامّة، وتقييده لمطلقات الألفاظ، فيضيف إليها شيئًا جديدًا. ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا([53])، ثمّ ورد دليلٌ آخر، وهو: «لا ربا بين الوالد وولده»([54])، وفي مثل هذه الحالة يقدَّم الدّليل الثاني، ويسمّى «الحاكم»، على الدّليل الأوّل، ليكون «المحكوم».

«والحكومة» هي تعبيرٌ عن السّبب الذي لأجله قُدِّم الدّليل الحاكم على غيره.

وهنا اتّجاهان في تقريب المسألة، هما:

«الأوّل: حاصله أنّ الأخذ بالدّليل الحاكم إنّما هو من أجل أنّه لا تعارض في الحقيقة بينه وبين الدّليل المحكوم»، أي لا ينفي مفاد الدّليل المحكوم، وإنّما يضيف إليه شيئا جديدًا؛ فإن مفاد الدّليل المحكوم مردّه دائمًا إلى قضيةٍ شرطيّة، مؤدّاها في المثال المذكور أنّه إذا كانت المعاملة ربا فهي محرّمة، (…) ومفاد الدّليل الحاكم قضية منجّزة فعلّية، مؤدّاها في المثال نفي الشرط لتلك القضيّة الشّرطيّة، وأنّ معاملة الأب مع ابنه ليست ربًا، فلا بُدَّ من الأخذ بالدّليلين معًا([55]).

الثاني: بعد الاعتراف بوجود التعارض بين الدّليلين يقدَّم الدّليل الحاكم؛ لأنّه ناظرٌ إلى الدّليل المحكوم، وهذا النظر ظاهرٌ في أنّ المتكلّم قد أعدّه لتفسير كلامه الآخر، فيكون قرينة، ومع وجود القرينة لا يشمل دليل الحجّية ذا القرينة؛ لأنّ دليل حجّية الظّهور مقيّد بالظهور الذي لم يُعِدّ المتكلِّم قرينةً لتفسيره. فبالدّليل النّاظر المعَدّ لذلك يرتفع موضوع حجّيّة الظّهور في الدّليل المحكوم([56]). فالحكومة مؤدّاها أن ينظر الدّليل الحاكم إلى الدّليل المحكوم، ويفسِّر المراد منه، بإخراج بعض ما دخل في مدلوله، أو بإدخال بعض ما هو خارج عنه»([57]). وكما أنّ الحكومة تضيّق دائرة الاستيعاب يمكنها أن توسّع من دائرته، كما في مثال الخمر، حيث ورد دليلٌ شرعيّ على أنّ «الفقاع خمرٌ استصغره الناس»، فالفقاع وإنْ لم يكن خمرًا بمفهومه اللّغويّ، إلاّ أنّ الشارع وسَّع مفهوم الخمر ليشمل مثل الفقاع، وبالتالي أعطاه جميع أحكام الخمر.

وأما «الورود» فهو رفع أحد الدّليلين لموضوع الآخر وإلغاؤه تكوينًا، بواسطة التّعبُّد الشرعيّ. ومثاله: حكم العقل بدفع الضّرر الأخرويّ، وإنْ كان محتملًا، فيُلغي احتمال الضّرر الأخرويّ في الشّبهة الحكميّة الابتدائيّة، ولا يُبْقي هذا الدّليل الشرعيّ لحكم العقل منْ موضوعٍ ([58])، وعليه يكون معنى «الورود» ارتفاع الموضوع وجدانًا وحقيقةً، بحكم الشّرع.

3ـ المُجْمَل والمبيِّنْ

والمُجْمَل لغةً: مأخوذٌ من «الجَمْل»، الذي هو الخلط. ومنه اللّفظ المُجْمَل، وهو الذي اختلط فيه المراد بغير المراد، فسُمّي مُجْمَلًا.

وفي الاصطلاح: هو ما التبس معناه، ولم تتّضح دلالته.

ويقابله المبيِّن، أي الواضح المعنى والدلالة.

وهذا البحث لم يدرجه بعض علماء الأصول في مباحثهم اللّفظيّة؛ لأنّهم اعتبروا أنّه من وظيفة أهل اللّغة، وهو أشبه بالبحث عن الحقل المعجميّ للكلمة.

أنواع المُجْمَل

والمُجْمَل ثلاثة أنواع، وهي:

ألفاظ غير مفهومة قبل الشرح والتفسير؛ لغرابتها. ومثاله: قوله تعالى:﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا…([59]). فلولا التفسير القرآني بالآيات اللّاحقة: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا([60]) لتعذَّر فهم المراد المقصود منه، كما في «الحاقة» و«القارعة» وغيرها من الألفاظ. وكذلك كلفظ «إمّعة».

لفظ مفهومٌ معناه اللّغويّ، ولكنّنا نعلم أنّ هذا المعنى غير مرادٍ، كألفاظ «الربا»، و«الصلاة»، و«الزكاة»، و«الحجّ» التي نقلها الشّارع المقدّس من معانيها اللّغويّة المألوفة إلى معانٍ أخرى شرعيّة غريبة، لا يقف السّامع على تحديد المراد منها إلّا عن طريق شرحها وتفصيلها من قِبَل الشارع المقدّس، مثل: لفظ «الزكاة»؛ فإنّها في اللّغة تعني النّماء، ونقلها الشّارع إلى معنىً جديد، بحيث أصبحت تعني الضريبة المعيَّنة التي فرضها على أرباح التجارة والزّراعة وتربية المواشي.

ألفاظ مفهومة المعاني في اللّغة، ولكنّ الإجمال فيها ناشئٌ إمّا من تعدُّد المعنى الذي يدلّ عليه اللّفظ، وهو المعبَّر عنه باللّفظ المشترك، وذلك عند انعدام القرائن المحدّدة للمعنى المراد، كلفظ «عين»، أو «قرء»، أو «جون»، أو «القاسط»؛ أو لعدم معرفة عود الضمير فيه؛ أو لاختلال التركيب اللّفظيّ، بسبب تقديمٍ أو تأخيرٍ أو حذف أو غير ذلك ما يوجب صعوبةً في فهم المراد. وكذلك يكون الإجمال بسبب وجود ما يصلح للقرينة عليه، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ([61])، فإن هذا الوصف في الآية يدلّ على عدالة جميع مَنْ كان مع النبيّ (ص) من أصحابه، إلّا أن ذيل الآية: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ صالحٌ ليكون قرينةً على أن المراد بجملة: «والذين معه» بعضهم، لا جميعهم، فتصبح الآية مُجْمَلةً من هذه الجهة»([62]).

نعم، البيان اللّاحق للفظ المُجْمَل إذا كان كافيًا وشافيًا من جهة التوضيح والبيان فإنه يحوّل المُجْمَل إلى مفسَّر، أو نصّ، أو ظاهر، أو محكم([63])، وإلّا يبقى المُجْمَل على إجماله. واللّفظ قد يكون مُجْمَلًا عند شخصٍ، مبيَّنًا عند آخر. واللّفظ المبيّن قد يكون مبيّنًا بنفسه، أو مبيّنًا بكلامٍ آخر يوضِّح المعنى المقصود منه.

«النصّ» و«الظاهر» «والمحكم» و«المفسِّر»

«النصُّ» في اللّغة يعنى الظهور. تقول العرب: نصّت الظبية رأسها إذا رفعته، وأظهرته. وسُمّي الكرسيّ منصّةً إذ تظهر عليه العروس([64]).

«والنصّ» عند علماء أصول الفقه هو ما لا يقاربه شكٌّ، أو احتمالٌ في معناه، نظير: الرقم خمسة، فإنه لا يحتمل الستّة، ولا الأربعة؛ ومثاله: قول الله تعالى: ﴿تلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ…([65])، فهو من الجلاء بمكانٍ، بحيث لا يقبل التأويل، ولا يحتاج إلى التوضيح.

وأما «الظاهر» في اللّغة فمأخوذٌ من الظهور، والذي هو الوضوح والانكشاف.

أما في الاصطلاح الأصوليّ «فهو ما دلّ على معنىً بالوضع الأصليّ أو العُرْفيّ، ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا، أي إنّ كلَّ لفظٍ كانت دلالته ظنّية باحتماله لأكثر من معنىً، وكان المتبادر منه هو المعنى الأصليّ وَضْعًا، كمعنى العامّ والخاصّ؛ أو عُرْفًا، كمعنى الولد؛ أو شرعًا، كمعنى الصلاة والصيام، يكون من قبيل: الظاهر»([66]).

و«المُحْكَم» في اللّغة معناه المتقن، وهو المعنى الذي لا يتطرَّق إليه إشكالٌ واحتمال، وهو البيّن الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره. وقد صرّح بذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وهو الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ…([67]).

و«المفسَّر» لغةً مأخوذ من الفسر، وهو الكشف والإظهار([68]). ويسمّى المبيَّن أيضًا. وهو ما احتاج إلى التفسير، وقد ورد تفسيره. ومثاله: قوله تعالى: ﴿الحَاقَّةُ* مَا الحَاقَّةُ*… يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ…([69])، وقد ورد أعلاه بعض من الأمثلة في المُجْمَل قبل تفسيره.

4ـ من عموم اللّفظ وإطلاقه إلى القاعدة

إنّ الألفاظ الواردة في الخطابات والنّصوص هي المادّة الأساسيّة التي تمثّلت بها مصادر التشريع. الكتاب والسُّنّة، ولكنّنا نواجه عقدةً، وهي أنّ النّصوص الشرعيّة محدودةٌ، بينما الأحكام والوقائع غير محصورةٍ. وهنا قال إمام الحرمين: «إن نصوص الكتاب والسُّنّة محصورةٌ، ومواقع الإجماع معدودةٌ مأثورة»([70]). فالطريق إلى فكّ هذه العقدة هو الإفادة من عمومات الألفاظ وإطلاقاتها الواردة في النصوص الشرعيّة؛ لتأسيس قواعد عامّة أصوليّة وفقهيّة. ومن أهمّها ما يلي:

1ـ قاعدة «البراءة الشرعيّة»

ومستندها الآية الكريمة: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا([71]). ووجه الاستدلال بالآية: إنّ «ما» هنا موصولية، بمعنى الذي، وهي مطلقةٌ، أي تشمل المال أو الأفعال أو القدرة أو التكليف، فيكون معنى الآية: إنّ الله لا يكلِّف نفقة مالٍ إلّا بقدر ما رزق وأعطى، ولا يكلّف بفعلٍ إلّا إذا كان مقدورًا عليه، ولا يكلّف بتكليف إلّا إذا كان واصلًا إلى المكلّف. فالنتيجة من إطلاق هذه الآية أنه في حالة شكّ المكلّف بأصل التّكليف، في أيّ حكمٍ، فلا يكون التّكليف مع الشّكّ واصلًا إليه، فلا تكليف عليه. وهذا معنى قاعدة «البراءة الشرعيّة». فالفائدة من الآية الشّريفة تجاوز مورد «الإنفاق» الذي وردت فيه الآية، ليتعدّى إلى كلّ حكمٍ غير واصل.

ومن السُّنّة: ما رُوي عن الإمام الصادق(ع): «كلّ شيءٍ مطلق حتّى يرد فيه نهيٌ»([72])، وفي روايةٍ أخرى: «كلّ شيءٍ مطلق حتّى يرد فيه نصٌّ»([73]). والعموم المستفاد من النّصين المتقدّمين يدلّ بوضوحٍ على أنّ الشّاك في التكليف يصدق بشأنه عدم ورود نهيٍ أو نصّ، فيكون مؤمّنًا عن المساءلة بالنسبة إلى الالتزام بالتكليف المشكوك فيه.

2ـ قاعدة «الاستصحاب»

ومستندها، إلى جانب إفادة الظّن والسيرة العقلائية، الأخبار المعتبرة، ومنها: ما رُوي عن الإمام الباقر(ع): «ولا تنقض اليقين أبدًا بالشكّ، وإنّما تنقضه بيقينٍ آخر»([74]). فالرواية وإنْ كانت قد وردت في مورد الوضوء، ولكن فقرة: «لا تنقض اليقين أبدًا بالشّكّ» مطلقة، وإطلاقها يمكن التّمسّك به للحكم ببقاء المتيقّن بكلّ مصاديقه، سواء أكان وضوءًا أم غيره، وعدم الالتفات إلى الشّكّ الطّارىء. وهذا مضمون قاعدة «الإستصحاب»، ولها تطبيقات كثيرة، مع أنّ مرتكزها إطلاق لفظٍ في موردٍ خاصّ.

3ـ قاعدة «نفي الحَرَج»

ومستندها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ([75])، ومعناها أنّ الله تعالى لم يشرِّع الأحكام التي تجلب الحَرَج للعباد. فالآية تنفي ثبوت أيِّ حكم يستتبع حَرَجًا. وهذا يشمل الأحكام الواجبة أيضًا، فالوضوء أو الغسل مرفوعان مع وجود الحَرَج، كاستعمال الماء البارد في الطقس البارد، كما يشمل الأحكام المحرَّمة، كحرمة الملامسة للأجنبيّ، فإنّها مرتفعة عند الحَرَج، كما لو تقدَّمت امرأةٌ ومدَّتْ يدها للمصافحة، وشعر المسلم بالحَرَج؛ لظروفٍ سادَتْ وأعرافٍ انتشرَتْ، فإنّ الحرمة ترتفع لصالح الإباحة الشرعيّة. وهكذا تكون القاعدة مُعِينةً للمكلّف، ومفيدةً له في رفع كلّ الأمور الحَرَجّية عنه.

4ـ قاعدة «الطهارة»

ومستندها ما رُوي عن الإمام الصادق (ع): «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنه قذر، فإذا علمْتَ فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك»([76])، وكذلك الرواية الأخرى: «الماء كلّه طاهرٌ حتّى تعلم أنه قذر»([77]). ومضمون القاعدة المأخوذة من لسان الروايتين هو الحكم بطهارة كلّ شيء نحتمل نجاسته. وهذا الحكم لا يرتفع إلاّ بعد العلم بالنّجاسة. ويمكن تطبيق هذا الحكم في موارد الطّعام والشراب والطواف والصلاة وغيرها، ممّا يقع تحت عموم «كلّ شيء» الواردة في لسان الدّليل.

5ـ قاعدة «الفراش»

ومستندها ما رُوي عن النبيّ (ص): «الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر»([78]). إنّ إطلاق لفظ الولد في لسان الدّليل يعني أنّ أيَّ ولدٍ لا نعلم بدليل قاطع انتفاءه عن الزوج فإنّه ينسب إلى الزوج لا محالة، حتّى في حال الشّكّ بانتفائه عنه. «والفراش» الوارد في الدّليل اللّفظيّ يعني الزوج. فالمرأة العاهر إذا ولدت يكون الولد لزوجها الشرعيّ ـ مع إمكان لحوقه به، ولها «الحجر» أي الرجم بالحجر لفعلتها.

6ـ قاعدة «القرعة»

ومستندها، إلى جانب قصّة النبيّ يونس (ع) الواردة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ([79])، وقصّة مريم الواردة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ…([80])، ما رُوي عن الإمام الرضا (ع): «سألتُ أبا الحسن عن شيءٍ…؟ فقال لي: كلّ مجهولٍ ففيه القرعة»، قلتُ له: إنّ القرعة تخطىء وتصيب، قال: «كلّ ما حكم الله به فليس بمخطىءٍ»([81]). وهنا الدّلالة من لفظ «كلّ» واضحة على استيعاب كلّ أفراد الأمر المجهول. ومثال ذلك: لو أنّ كلبًا وطأ شاةً من بين قطيعٍ، واختلطَتْ الشاة بالقطيع، وتعذّر تحديدها، عندها نلجأ إلى قاعدة «القرعة»، فما تقع عليه القرعة يُخرج من القطيع، وتجري عليه أحكام الموطوء. وكذلك يُلجأ إلى تطبيق «القرعة» إذا تردَّد مالٌ بين شخصين، كلٌّ منهما يدّعيه، ولا يد لأحدهما عليه، حينئذٍ نلجأ إلى القرعة لفضّ النّزاع.

7ـ قاعدة «الميسور»

ومستندها ما رُوي عن أمير المؤمنين عليّ (ع): «لا يُترك الميسور بالمعسور»([82]). ويُراد بالقاعدة المذكورة أنْه لو كان لدينا واجبٌ مركّب من مجموعة أجزاء، وتعذَّر الإتيان ببعض تلك الأجزاء، فمن اللازم الإتيان بالباقي؛ «فإنّ الأجزاء الميسورة لا يسقط وجوبها بتعذُّر الأجزاء التي تعسّر الإتيان بها»([83])، والرواية واضحة الدلالة بإطلاقها على أنّ كلّ ميسورٍ لا يسقط بالمعسور. ومثاله: إنّ الميت يجب تغسيله ثلاثة أغسال: بماء السدر أوّلًا؛ ثمّ بماء الكافور ثانيًا؛ وبماء «القراح» ثالثًا. فإذا تعذَّر السّدر، أو الكافور فلا يُترك التغسيل بالماء من دونهما. وكذلك من شروط الصلاة القيام مثلًا حال القراءة، أو الذِّكْر، ومع عدم القدرة لا يسقط وجوب الصلاة، بل يسقط شرط القيام في الصلاة، فيأتي بالصلاة من جلوسٍ.

8 ـ قاعدة «اليد»

ومستندها الحديث المشهور عن النبيّ (ع): «على اليد ما أخذَتْ حتّى تؤدّي»([84]). وهنا إطلاق للفظ «اليد»، فكلّ يدٍ وُضعَتْ على مالٍ للغير تكون ضامنةً لهذا المال، وتبقى هذه اليد مطالبةً حتّى إرجاع هذا المال لصاحبه، وكذلك الأعيان والمنافع ـ على خلافٍ فيهما. ومثاله: مَنْ ركب سيارة غيره، من دون موافقة صاحبها، كان ضامنًا لها، وملزمًا بإرجاعها إلى مالكها سالمةً، فإذا تعيَّب بعض أجهزتها، أو سُرِقت منه مع تحفُّظه الكامل عليها، أو حدث زلزالٌ فتلفت، كان ضامنًا لها، عملًا بإطلاق لفظ «اليد» في النصّ الشرعيّ.

9 ـ قاعدة «الغرور»

ومستندها ما رُوي عن النبيّ (ص): «المغرور يرجع على مَنْ غرّه»([85])، كما اشتُهِر نقله عنه. فالمغرور هنا لفظٌ مطلق يشمل كلّ مَنْ وقع عليه الغرورـ أي الخديعة. فكلّ مَنْ خَدَعَ غيره، وأوقعه في الخسارة، ضمن تلك الخسارة. فإذا مدح البائع سلعته، وبعد أنْ ابتاعها المشتري اتّضح عدم صحّة كلام البائع، ممّا سبَّب للمشتري غرورًا، وأوقعه في خسارةٍ، فإنّه يرجع بتلك الخسارة على البائع، فيضمنها له. وكذلك مَنْ اشترى قطعةً من القماش، ودفعها للخيّاط شرط أن تكفيه قميصًا، فلمّا قصّها الخيّاط اتّضح أنّها لا تكفي، فيرجع صاحب القماش المتضرِّر على الخيّاط الذي أوقعه بالغرور.

10ـ قاعدة «الإقرار»

ومستندها ما رُوي عن النبيّ (ص)، وهو حديثٌ مشهور: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائزٌ»([86]). ومؤدّى هذه القاعدة المستفادة من إطلاق الدّليل أنّ كلّ عاقلٍ إذا اعترف بشيءٍ كان ملزمًا باعترافه. فلو اعترف أنّ الدار التي يسكن فيها هي لأخيه مثلًا فمعنى ذلك أن الدار ليست ملكه، بل هي ملكٌ لأخيه. وهذه القاعدة المنطلقة من إطلاق لفظ (عاقلٍ) تسري لتشمل مصاديق كثيرة، سواء أكان في الموارد المالية، أو في الموارد الشرعيّة، كالإقرار بالزنا، أو الكذب، أو غير ذلك. والغَرَض من ذكر هذه القواعد بيان نماذج، وأمثلة على الإفادة، والاستثمار الأصوليّ، والفقهيّ لعموم الألفاظ وإطلاقها، وجعلها أساسًا ومنطلقًا للكثير من الأحكام الشرعيّة التي لا تخلو حادثةٌ من الوقوع تحت حكمٍ منها.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم.

1ـ ابن أبي الجمهور (محمد بن عليّ)، عوالي اللآلي العزيزية، إيران، طبعة سيّد الشهداء، ط1، (1403هـ ـ 1983م) .

2ـ ابن الحاجب (جمال الدين)، مختصر ابن الحاجب في الأصول (شرح العضد الإيجي)، بيروت، المكتبة العلميّة، ط1، (1424هـ ـ 2004م).

3ـ ابن فارس (أحمد)، الصاحبي في فقه اللغة العربيّة ومسائلها وسنن العرب في كلامها.

4ـ ابن قُدامة، روضة الناظر وجنّة المناظر، بيروت، دار الكتب العلميّة.

5ـ أبو زهرة (محمد)، أصول الفقه.

6ـ إدريس (حمادة)، الخطاب الشرعيّ وطرق استثماره، بيروت، المركز الثقافيّ العربيّ، ط1، (1994م).

7ـ الإيرواني (محمد باقر)، دروس تمهيديّة في القواعد الفقهيّة، قم، مؤسّسة الفقه، ط1، (1417هـ).

8ـ الجواهري (حسن)، القواعد الأصوليّة، بيروت، العارف للمطبوعات، ط1، (2010م).

9ـ الجويني (إمام الحرمين)، البرهان في أصول الفقه، حقَّقه الدكتور عبد العظيم الديب، قطر، جامعة قطر/ كلّية الشريعة، ط2، (1400هـ).

10ـ الحُرّ العاملي (محمد بن الحسن)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، بيروت، دار إحياء التراث، ط6، (14012 هـ ـ 1991م).

11ـ الحكيم (محسن)، مستمسك العروة الوثقى، النجف، مطبعة الآداب، ط4، (1391هـ).

12ـ الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين، إيران، مطبعة مهرة، ط28، (1410هـ).

13ـ الشنقيطي (محمد الأمين)، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر.

14ـ الصدر (محمد باقر)، دروس في علم الأصول،  بيروت، دار المنتظر، ط1، (1405هـ ـ 1985م).

15ـ الغزّاليّ، المستصفى من علم الأصول، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط1، (1993م).

16ـ الفيّاض (محمد إسحاق)، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الهادي، ط3، (1410هـ).

17ـ المشكيني (عليّ)، اصطلاحات الأصول، إيران، مطبعة الهادي، ط4، (1409هـ).

18ـ المظفر (محمد  رضا)، أصول الفقه، بيروت، دار التعارف، ط4، (1983م).

19ـ مغنيّة (محمد جواد)، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، بيروت، دار العلم للملايين، ط2، (1980م).

20ـ الهاشمي (محمود)، بحوث في علم الأصول (مباحث الدليل اللّفظي)، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، (1977م).

[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية ، الفرع الخامس.

([2]) مذكرة الشنقيطي، ص2 ـ 3.

([3]) سورة فاطر، الآية: 15.

([4]) سورة النساء، الآية: 1.

([5]) سورة المائدة، الآية: 38.

([6]) سورة العصر، الآية: 2.

([7]) سورة النساء، الآية: 23.

([8]) سورة الطلاق، الآية: 3.

([9]) سورة البقرة، الآية: 197.

([10]) سورة آل عمران، الآية: 185.

([11]) سورة غافر، الآية: 17.

([12]) سورة التوبة، الآية: 84.

([13]) سورة النور، الآية: 36.

([14]) ابن الحاجب (جمال الدين)، مختصر ابن الحاجب في الأصول، شرح العضد الإيجي، بيروت، المكتبة العلمية، ط1 (1424هـ ـ 2004م)، ص: 3/13.

([15]) المظفَّر (محمد رضا)، أصول الفقه، ص: 1/136.

([16]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 1/102 ـ 103.

([17]) المظفَّر، أصول الفقه، ص139.

([18]) سورة المائدة، الآية: 106.

([19]) المخصِّص اللّبّي مرّ معنا في هذا البحث.

([20]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 2/207.

([21]) سورة البقرة، الآية: 228.

([22]) سورة البقرة، الآية: 228.

([23]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/146.

([24]) سورة النور، الآيتان: 4 ـ 5.

([25]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 2/230.

([26]) سورة الجمعة، الآية: 4.

([27]) الهاشميّ، بحوث في علم الأصول، ص: 3/368 ـ 369.

([28]) الفيّاض، محاضرات في أصول الفقه، ص: 5/79 (بتصرُّفٍ).

([29]) سورة آل عمران، الآية: 97.

([30]) سورة الحجرات، الآية: 10.

([31]) ابن قدامة، روضة الناظر وجنّة المناظر، بيروت دار الكتب العلمية، ص: 1/197ـ 198.

([32]) سورة المائدة، الآية: 1.

([33]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/157.

([34]) الهاشميّ، مباحث الدليل اللّفظي، ص: 3/427.

([35]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/157ـ 158.

([36]) مغنيّة (محمد جواد)، علم أصول الفقه، بيروت، دار العلم للملايين، ط1 (1975م)، ص: 195.

([37]) سورة القصص، الآية: 20.

([38]) المشكيني (علي)، اصطلاحات الأصول، إيران، 1409هـ، مطبعة الهادي، ط4، ص: 246 ـ 247.

([39]) سورة البقرة، الآية: 282.

([40]) سورة الطلاق، الآية: 2.

([41]) مغنيّة، علم أصول الفقه، ص: 196.

([42]) المشكيني، اصطلاحات الأصول، ص: 248.

([43]) سورة المائدة، الآية: 4.

([44]) سورة المائدة، الآية: 90.

([45]) سورة المائدة، الآية: 6.

([46]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 169.

([47]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 170.

([48]) سورة البقرة، الآية: 275.

([49]) سورة المجادلة، الآية: 3.

([50]) سورة النساء، الآية: 23.

([51]) سورة البقرة، الآية: 187.

([52]) سورة النساء، الآية: 23.

([53]) سورة البقرة، الآية: 275.

([54]) الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين، إيران، مطبعة مهرة، ط28 (1410هـ)، ص: 2/54.

([55]) الصدر، دروس في علم الأصول، ص: 2/337 ـ 338 (وبشيءٍ من التصرُّف).

([56]) الصدر، المصدر نفسه (بتصرُّفٍ).

([57]) مغنيّة، علم أصول الفقه، ص: 379.

([58]) مغنيّة، علم أصول الفقه، ص: 397.

([59]) سورة المعراج، الآية: 19.

([60]) سورة المعراج، الآيتان: 20 ـ 21.

([61]) سورة الفتح، الآية: 29.

([62]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/180.

([63]) أبو زهرة (محمد)، أصول الفقه، ص: 132 (بتصرّف).

([64]) الغزالي، المستصفى، ص: 1/157.

([65]) سورة البقرة، الآية: 196.

([66]) حمادة إدريس، الخطاب الشرعي وطرق استثماره، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994م، ص: 120.

([67]) سورة آل عمران، الآية: 7.

([68]) الصاحبي، ص: 193.

([69]) سورة الحاقة، الآيات: 1 ـ 2 ـ 3.

(6) إمام الحرمين، البرهان في أصول الفقه، ص: 2/743.

([71]) سورة الطلاق، الآية: 7.

([72]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 3/178.

([73]) الجواهري، المصدر نفسه.

([74]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 1/175.

([75]) سورة الحجّ: الآية: 78.

([76]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 2/1045.

([77]) الحرّ العاملي، المصدر السابق، ص: 1/100.

([78]) الحرّ العاملي، المصدر السابق، ص: 14/568 .

([79]) سورة الصافّات، الآيات: 139 ـ 141.

([80]) سورة آل عمران، الآية: 33.

([81]) الإيرواني (باقر)، دروس تمهيدية في القواعد الفقهية، إيران، مؤسّسة الفقه، ط1 (1418هـ)، ص: 2/16.

([82]) ابن أبي جمهور، عوالي اللآلي، ص: 4/58.

([83]) الإيرواني، دروس تمهيدية في القواعد الفقهية، ص: 2/119.

([84]) ابن أبي جمهور، عوالي اللآلي، ص: 1/224، ح 106.

([85]) الحكيم (محسن)، مستمسك العروة الوثقى، النجف، مطبعة الآداب، ط4 (1391هـ)، ص: 14/350.

([86]) الإيرواني، دروس تمهيدية في القواعد الفقهية، ص: 2/174.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.