المحور والذوق في تحليل النصّ الأدبيّ “النصّ الأدبيّ العُمَانيّ أنموذجًا”

0

المحور والذوق في تحليل النصّ الأدبيّ “النصّ الأدبيّ العُمَانيّ أنموذجًا”

عليّ بن عبدالله بن سالم الحضرميّ المشرف الأكاديميّ الأستاذ الدكتور عاصم شحادة عليّ رئيس قسم اللغة العربية، الجامعة الإسلاميّة العالميّة ماليزيا*

مقدمة

لعلَّ أصحاب مَنْ شَرُفَتْ أعمالهم أن تكون نماذج للبحث، والتحليل، والدراسة، من إخواننا وأخواتنا، وزملائنا، هم الفئة المتقدمة في الظهور في هذا المجال، ولكني أؤكد على أن هنالك إلى جانبهم – ينافسونهم ويسابقونهم السباق المحموم[1] مبدِعين آخرين مغمورين، يمثِّلون – جميعًا – ينابيعَ، وعيونًا، وأنهارًا، وجداولَ تروي العطاش في دروبها، تملأ حدودها، ونطاقاتها، وتتجاوزها إلى أن تصل البحرَ اللُّجِّيَّ العميقَ لتضيف إليه. فعلينا بالإبقاء على شُعَلِنَا خفَّاقةً متَّقدَةً، علامةً وبرهانًا، ورمزًا، أو إحياء جذوتها بسبب من عند أنفسهم، أو بأسباب من غيرهم، وليست القضية النقدية التي نحن بصددها هي السبب؛ إِنَّما النتيجة التي تترتب على البقاء، أو الإبقاء تحت الغمر، والنتيجة لهذا هي الموت انتحارًا أو وَأْدًا، وهذا ما لا نَوَدُّهُ ونَنْشُدُهُ؛ بل إِنَّنَا ننشد سُمُوَّ الغاية، وهي الإحياء، والاستمرار، والبناء، والترميم، والتحقيق، والتحقُّق.

لمحة من المقاربة لرؤية الدكتور (ضياء خضير) التحليلية لنماذج من الأدب العُمَاني في العصر الحديث

يرى خضير أن القاصَّ العُمَانيَّ يبدو أكثر تحرُّرًا وقدرة على الانفلات من أَسْر التقاليد السردية العربية التي توفرها قواعد كتابة هذا النوع من الصوغ اللساني الجديد على تقاليد الكتابة النثرية العربية، والعُمَانية منها على نحو خاص.[2] وقد رَكَّزَ في دراسته على القصة العُمَانية مشروعًا، نقديًّا لقراءتها، أو قراءة جوانب أساسية منها، في واقعها الراهن، قراءة داخلية تطلعنا على ما تحقق من إنجازات أصحابها على صعيد اللغة والرؤية المرافقة، والتعبير عن واقع العصر، والحياة الداخلية للراوي، ونوع المروي، ومدى الوعي بضرورات الكتابة السردية الحديثة. وهو لا يشكُّ – كما أثبتَ في مقدمة كتابه ونتائج دراسته – على أن أسماء عُمَانيَّة عديدة من القاصِّين العُمَانيِّين يرتقون في كثير ممَّا كتبوه إلى أعلى المستويات التي بلغها السرد الغربي الحديث رؤية وبلاغة خطاب، ومعرفة بآليات القص وأساليبه. وما يهمُّه في دراسته – كما يهمُّ القارئ أيضًا، ويرجوه منه في الدرجة الأولى – هي الكيفية التي أنجز القصاصون العُمَانيُّون أعمالهم الإبداعية، محقِّقين شيئًا من التميز، والخصوصية في لغتهم، ورؤاهم الفكرية، والاجتماعية. وما نلاحظه من خلال قراءتنا لبعض جوانب دراسة الدكتور ضياء؛ أن العديد من المناهج النقدية يمكن أن تُطَبَّق معيارًا لدراسة الأدب العُمَاني السردي؛ فهو يحوِّلنا إلى الأبعاد الزمانية، والمكانية للقص، من خلال تنقُّل القاصين العُمَانيين من ثنايا قُرَاهُم ووطنهم الأم، إلى مدن، وأوطان أخرى، يمكن أن يعدُّوها، وتعدُّهم أوطانًا لهم، لفترات طويلة، أو قصيرة، ولكنها كافية ليتأثروا بمبادئ الحياة وقيمها فيها، سلبًا أو إيجابًا، فكرًا، وتمدُّنًا، وشعورًا. ورغم هذه الاعتبارات والميِّزات جميعها؛ تراهم يعيشون غربة نفسية، وهم في تلك البلاد. ونجد البعض الآخر منهم، لم يستقروا في تلك البلاد؛ بل كانوا يزورونها دوريًّا، وتقطُّعًا، ولكنَّ تلك الزيارات السريعة كافية لأَنْ تجعلهم يعيشون غربة نفسية داخلية، في ذواتهم، وهم بين أحضان بلدهم، وأهليهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* طالب دكتوراه سلطنة عُمانيّ، تخصّص الدراسات اللغويّة، المشرف الأكاديميّ الأستاذ الدكتور عاصم شحادة عليّ رئيس قسم اللغة العربية، الجامعة الإسلاميّة العالميّة ماليزيا. abuwessam891@hotmail.com

معبِّرين عن أوجاع وآلام ذاتية، وتجارب، تتجاوز حدود الذاتية لتعبِّر عن الوجع العام لأبناء الجيل الجديد المحلِّي، فضلًا عن

العربي. فمثالًا؛ نجد العديد من الصور المتجاورة، المتناقضة، شكلًا وملامحًا لفظية، وأشخاصًا، المتفقة تأثيرًا نفسيًّا، في تعالُج عجيب مدهش وفاعل، فيتحول النَّصُّ عند مُبْدِعه إلى قطع نابضة بالحياة كما في قصة سالم آل تويه “حَدُّ الشوف”[3]؛ إذ نجد المؤلف فيها قد التزم بمسؤوليته إزاء القارئ، أَلَا وهي المقتصرة على الإبلاغ؛ إبلاغ الكلام وليس توجيهه باتجاهات معينة، أو التعليق عليه، فتراه صادمًا للذائقة الاجتماعية العامة (كما هو الحال في الموضوعات الجنسية)، فالراوي لا يبدو مسؤولًا عن كل ذلك.[4] ولكنْ لا بُدَّ لهذا الطَّرْق لمثل هذه الموضوعات بطريقة مكشوفة – كما يقول الدكتور خضير، وأتفق معه – من ضرورة فنية وموضوعية، ملزمة في الأدب، ولأجله. فالمنهج التاريخي معيار نقدي، وأسلوب لطرح نقدي أثناء دراسة مثل هذه النصوص الفنية المَكِينة، فمنهج النقد التاريخي يستطيع من خلاله الناقد؛ تحديد لحظة تكون العمل الأدبي في الزمن بدقة.[5] وهو منهج يجعل من الممكن إعادة إبداع العمل الفني، والحكم عليه؛[6] حُكْم على القِيَم الجمالية التي هي في نواتها التمرية، حُكْم تاريخي يحوِّل من خلاله الناقد التاريخي القيمة إلى حدث، وهكذا يساوي الجمال بالتاريخ؛[7] ومثال ذلك: إذا جئنا إلى المنهج التاريخي؛ نجد أن القصائد العُمَانيَّة تسرد تاريخ عُمَان في الحقب المتعدّدة من إنجازات مادية، وتحكي الانتصارات، والفتوحات العُمَانية سواء كانت هذه القصائد، شعرًا عاطفيًّا، أو نَظْمًا مُقَفَّى يتضمن أمور الدين والشريعة من نصح وإرشاد، وقِيَم. أو كان يتضمن نظمًا في قواعد اللغة العربية كألفية ابن مالك، ومنظومة بلوغ الأمل في المفردات، والجُمَل للشيخ نور الدين السالمي، ونَظْم الخليل في النحو، وكذلك الشعر والشعراء الذين حواهم كتاب “تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمَان”[8] إلى جانب وجود الخطب العصماء، وما احتوته من حِكَم، ومواعظ، ونصح، وإرشاد للأئمة من قِبَل الفقهاء كما ازدهر ذلك وبرز في عصر اليعاربة، وكذلك تمَثَّلَ الإبداع في العهود والوصايا التي كان يوجِّهها الأئمة إلى ولاة أمصارهم، ومثالها الأبرز عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي لواليه على الصِّيْر (شمال عُمَان). ويرى عالِم النفس (جونج) – مثالًا – أن الأدب أحد مظاهر الحدث النفسي الكثيرة، ولهذا يقترح علم النفس أن نمعن النظر في تكوين العمل الفني من جانب، وفي العوامل التي تجعل المرء مبدعًا فنِّيًّا من جانب آخر.[9] ومثال ذلك: ما نجده في تحليل خضير لقصة محمد القرمطي “التباس العلاقة مع الواقع” أن النَّصَّ يعتمد على مرجعية محلية يتدخل فيها السحر وأفعال السحرة الموجودين في الواقع والميثولوجيا العُمَانيَّة في تقديم مادتها، ويرى فيه خضير فضلًا عن ذلك؛ أساسًا نفسيًّا خصبًا. فهو يفتح النافذة لرؤية عقدة أوديبية راسخة، تستدعي إمكانية الانتقام والتهديد الدائم، الذي يمارسه الأب إزاء الابن من أجل كبح مشاعره الآثمة نحو الأم، حتى إذا كان فعل القتل مُوَجَّهًا إلى شخص آخر، وجرت عملية استبدال معروفة على المستوى النفسي بين الأخ وأخيه. وعودة الرأس السريعة إلى جسم الأخ تشير إلى أن الأمر كان مجرد إمكانية للعقاب والإخصاء الذي تعقبه “حالة انكسار لم يتوقعها قَطُّ”. ويرى أيضًا أن ما يثير الانتباه على مستوى الكتابة؛ هو الطريقة التي يعمد فيها الكاتب إلى بَثِّ مثل هذه الحكايات، وما تتضمنه من أفعال (غرائبية) في بنية السرد. و(خرق العادة) يتم هنا، كما ذكر خضير في تحليله؛ تقوم على خلفية الإحساس النفسي بالحاجة إلى الخروج من الجلد، وتغيير الشروط التي يجد الراوي نفسه مرتكسًا فيها، ومرتهَنًا لها.[10] أَمَّا المنهج الاجتماعي؛ فإنه يرى الأدب في المجتمع، وبالتالي يمكن أن يدرس المجتمع بعناية من خلال خطط ثلاث: أوَّلًا: المجتمع الواقعي؛ حيث ظهر الكاتب، وحيث أنتجَ عمله (النشأة في القرية – الإبداع في المدينة المغترِب فيها (المحلية، أم العربية، أم الغربية). ثانيًا: المجتمع الذي ينعكس مثاليًّا في نطاق العمل نفسه (المجتمع المعيش، أم المجتمع المأمول أو المتوهَّم). وأخيرًا، قد يكون العمل عبارة عن أدب العادات؛ سياسيًّا، أو هاجِيًا، أو أخلاقيًّا، أو خطة إصلاح اجتماعي (رفض كثير من العادات والتقاليد البالية – التعبير عن رأي في قضية… الخ).

لمحة من مناقشة الرؤية التحليلية للدكتور محمد الشحات لنماذج من الأدب العُمَاني في العصر الحديث

عندما ننظر إلى رؤية الشحات، وتحليله لنماذج من الأعمال الأدبية العُمَانيَّة من منظور المنهجين (الاجتماعي والتاريخي)؛ نذكر – على سبيل المثال لا الحصر – ما قاله بشأن القصيدة النثرية للشاعرة العُمَانيَّة فاطمة الشيدية في أنها تنتمي إلى منطقة التداعي الحُرِّ في الكتابة؛ ويقصد بذلك أن قصيدتها تنتمي إلى نمط الكتابة الشعرية التي تسعى دائمًا إلى التحليق فوق فضاء الجنس الإبداعي، وتصبو إلى التحرر من قيود النوع الأدبي بشكل عام. فالنوع الأدبي – كما كان يقول فريدريك جيمسون، أحد أقطاب الحداثة – “مؤسسة أدبية”[11]. ويرى الشحات أن مَنْ يقرأ رواية “حفلة الموت”[12]، أو “رقصة الموت” لفاطمة الشيدية، ويتتبَّع تداعياتها؛ سيحسُّ إحساسًا شبيهًا بذاك الذي ينتابه إذا ما قرأ قصيدتها “ذاكرة المشيمة”، وسيلحظ القارئ كثرة المفردات التي تتخلق منها ذاكرة الوطن في القصيدة؛ لأن القطيعة مع الرحم، أو المشيمة هي الموت عينه. هكذا، كان المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله “وطن” فاطمة الشيدية هو إعادة صياغة لفضاء “الذاكرة”؛ من حيث هي تسجيل وتأريخ وجغرافيا في آنٍ معًا.[13] فَفَنُّ الرواية – كما يصفها الكثير من النُّقَّاد – أكثر الأجناس الإبداعية قدرة على التقاط النغمات المتنافرة في العالم المعاصر، ثم هو الجنس الأكثر قدرة على استيعاب أنواع أدبية وفنية شَتَّى؛ من رسائل، أم مدوَّنات، أم يوميات، أم مذكرات، أم نصوص شعرية أم ملحمية، وغير ذلك. لذلك، تفتتح الرواية بثلاثة مفتتحات داخلية، هي:

– “رواية متخيَّلة نُسِجَتْ أحداثها من ميثولوجيات المكان العُمَاني”. (المؤلِّفة)

– “بالإمكان أن نقرأ توافه الحياة اليومية بطريقة أو بأخرى؛ مليئة بكل أصناف المعاني المهمة”. (رولان بارت)

– “الموت قريب بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة”. (نيتشه)[14]

ويرى الشحات من خلال تحليله للرواية في كتابه إلى أنه يرى رواية (فاطمة الشيدية) من زاوية من زوايا التناول النقدي، مرثيةً لِقِيَم اجتماعية، وتاريخية، وثقافية، وأسطورية اندثرت، أو كادت تندثر بفعل تحولات الحداثة المزيفة، لكنها لا تزال متجذرة في العقل الجَمْعِي العُمَاني، ويقصد بذلك قضية “المُغَيَّب في المجتمع العُمَاني”. ويصف رواية “حفلة الموت” أنها رواية مونولوجية ليس بمعنى إعطاء قيمة، وإطلاق حُكْم (أيديولوجي)؛ بل هو وصف تَقني، فنّيّ، في المقام الأول. أي إنه وصف يُعْنَى بتَقنيات وأساليب السرد الروائي.  وتدور أحداث “سردية الموت” أو “حفلة الموت” – كما يعبِّر بهذه المصطلحات الشحات عن رواية “حفلة الموت” لفاطمة الشيدية، في ثلاثة أماكن أساسية: أوَّلها: “عُمَان” بحكم نشأة الراوية وتكوينها. وثانيها: “البحرين”، بحكم مرحلة دراسة أمل والتكوين المعرفي والعلمي، ثم الالتقاء بأحمد الذي أصبح بديلاً للأب، والأم، والعائلة. وقد وصفتها الراوية بكثير من الجرأة والتمرد على موروث القبيلة، الأمر الذي يذكِّرنا – كما يذكرُ الدكتور محمد الشحات بتمرُّد الشعراء الصعاليك على تقاليد القبيلة، وأعرافها، ومنظومتها الاجتماعية والقيمية. وثالثها: “لندن”، باعتبارها المعادل الثقافي لمجتمع الغرب الذي يمتاز بالحرية، والديمقراطية، والتقدم، ورحابة العالم المنفتح على الآخر، وكل ما يفتقر إليه المجتمع الشرقي الذي تعاني أمل ومثيلاتها من وطأته.[15] وإذا جئنا إلى قراءة الشحات التحليلية لرواية “فيزياء” لبدرية الشحية؛ نجد أنه قد عنونها بعنوان “قراءة تراوغ مناهج النقد”، وأضاف إلى العنوان “الشرق شرق والغرب غرب؛ ولن يلتقيا” وهي مقولة شهيرة منسوبة إلى الشاعر البريطاني الهندي (كيبلينج)، وممَّا أورده في تحليله “… فالأفكار العظيمة، والثيمات الجليلة، ليست كافية بحد ذاتها لتشييد رواية عظيمة، يمكن أن تضيف إلى جنس الرواية، كما هو معروف في تاريخ آداب العالم. بل هي “الصنعة ” قبل كل ذلك وبعده:

– عثمان: شخصية عُمَانيَّة، تنحو منحًى غرائبيًّا واضحًا، كما تحاول أن تضفي الكاتبة على أغلب شخوص روايتها. والغرائبية هنا أحد أهمِّ ملامح الواقعية السحرية. ولعثمان رؤى وأبحاث عظيمة في المجال الفيزيائي الحديث من روسيا التي قضى فيها سبع سنوات ليست بالعجاف.[16]

– نوال: امرأة ذات جسد أسود كالمغناطيس في قوة جاذبيته، عشقها عثمان وهو شاب، وكان يريد الزواج بها لولا نتيجة بحثه الحاسوبي الذي أثبت له أن جسد نوال يمتص الطاقة ولا يَهِبُ شيئًا، وطاقته سالبة، سوف تمتص بالتالي جسد ذكرها حتى الموت.[17]

– كريمة: ابنة الحارة العُمَانيَّة، وتمثِّل مركز اللعنة في “فيزياء” بدرية الشحية، تتجاهل الإثم دائمًا لتعيش، وتسميه الإثم الجميل… تعرف متى تستسلم للرجل عندما تجد شيئًا قَيِّمًا في المقابل. هي بذرة اللعنة كما تقول بدرية الشحية: “قدر بعض البجع أن يظلَّ مسحورًا باللعنة”.[18]

– مروان: يُعَدُّ واسطة العقد في “الفيزياء”.[19] عنده تجتمع خيوط الرواية.

ويرى الشحات أن البِنية السردية التي تنهض عليها رواية “فيزياء” بِنية تكرارية تشبه المقطوعة الموسيقية للأوبرا، أو الباليه التي تعتمد على فكرة الترجيع، وتصاعد الزمن، وانخفاضه بنعومة تكاد تشبه ارتفاع وانزلاق من يمتطي موجة عاتية في بحر لُجِّيٍّ “يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب”، بحيث تضعنا في فضاء زمن دائري. ويرى أيضًا أن القارئ يشعر منذ دخوله الصفحات الأولى للرواية أن مؤلفتها كانت تشيد فيزياءها؛ وذهنها متخم بمرويات وسرديات كثيرة عُرِفَتْ في تاريخ الرواية العربية باسم “مرويات الشرق والغرب”، يُذْكَر منها على سبيل المثال لا الحصر “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس، و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، ورواية بهاء طاهر “الحب في المنفى”. ويرى في موضع آخر من تحليله أن رواية “فيزياء” – وكل رواية أنثى – تنطوي أو نظرية الإطاقة عند عثمان، وهو بطل الرواية، على مفاهيم جنسية في بنيتها العميقة، هي الأقرب للتفاعلات الكيميائية، والمركبات المتحللة لكل جسد، التي يمكن أن تجتمع، منها إلى علم الفيزياء، أو هي علم بَيْنِي، يذكِّرنا بـ”الخيميائي” لباولو كويلهو، ورواية “الخلود” لميلان كونديرا. فضلًا عن تحليق أرواح بعض النصوص كما يرى الدكتور الباحث أيضًا في سماء الرواية من قبيل “عودة الطائر إلى البحر” لحليم بركات، وتداخل مرحلتي “المطهر”، و”الجحيم” في حياة كل من عثمان وكريمة مثلما هو الحال في “الكوميديا الإلهية”. وهذا – في رأيي – إن دَلَّ على شيء؛ فإنما يدل على ثقافة عريضة للمؤلفة، وللدتها في الأدب من أدبائنا العُمَانِيِّين والعرب في الإلمام بأدبيات الشرق والغرب، واطلاع واسع بالتركيبات النصية، والموضوعية، والمعرفية الوجودية للنصوص، وكيفيات سردها، وهو ما نلحُّ عليه أن نكون مؤمنين بحتمية ونفعية وجود مثاقفة قائمة راسخة بيننا والآخر، وتداخل وصبغة مستقلة، وتأثُّر وتأثير، والخروج بجديد يُضَاف إلى أرض الأدب والمعرفة اللامتناهي والمتراكم. فرواية “فيزياء” وإن حاكت هذه الأدبيات من قريب أو بعيد شكلًا ومضمونًا جزئيًّا، وتلاقت معها في بعض خطوطها الفرعية؛ فهذا إثبات على وحدة قضايا الإنسان على هذه الأرض متجاوزة الحدود وأعراف الاختلاف جميعها، ويظل لكل مبدع ومبدع سمته الخاصة المشرقة أو الضئيلة النور، كما يظل لهذه الرواية المثيرة للجدل تأكيدها على قِيَم القهر التي – كانت – تعانيها المرأة العُمانية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة، سواء كانت داخل الوطن، أو خارجه. وإذا نظرنا إلى كثير من نماذج الأدب العُمَاني المبدعة من منظور منهج النقد النفسي؛ نجدها – بعد التحليل والدراسة، والاستشهاد – قائمةً على ضرورة فهم الإنسان المبدع، كأيِّ إنسان من لحم وعظم، ومشاعر وأحاسيس، سواء كانت هذه المشاعر ذاتية، أو جمعية. ولتفسير عمل ما بهذه الأداة النقدية؛ ننطلق من معرفة نفسية المؤلف، ويجب أن تكون سابقة لأيِّ معرفة أخرى عن النَّصِّ، وما يتعلق به من زمن كتابة، أو دواعٍ، أو مكان، ثم نستبعد – آليًّا – نقد أَيِّ عمل مجهول المؤلِّف، أو مشكوك في أُبُوَّته، أو أبدعه إنسان لا نعرف عنه غير القليل. ومن هنا أتت قيمة السنة النبوية المطهرة، والأحاديث صحيحة الرواية والمتن.

ويرى الشحات أنه من اللافت للنظر السعي الدؤوب للقصة العُمَانِيَّة، عبر كُتَّابها، وكاتباتها الجُدُد إلى إدراك جماليات، وقِيَم فنية وتشكيلية، تحاول أن ترسِّخ أقدامها في أرض الكتابة القصصية العربية الممتدة منذ سنين عديدة. ويقول: “… ولأن فَنَّ القصة القصيرة بالغ التعقيد والاختزال والتكثيف، فضلًا عن عدم استجابته لشكل جمالي بعينه أو قيود نوعية بعينها… الخ؛ فإن  كل قصة قصيرة متميزة في حَدِّ ذاتها تستطيع أن تخلق قانونًا أو “أورجانون” يمثل مدخلًا جيِّدًا للناقد أو الباحث”[20]. ومن الأمثلة التي أتى بها الدكتور الشحات على ذلك؛ ما استطاع تحقيقه محمود الرحبي، من خلال مجموعاته القصصية المعنونة بـ”اللون البني” (1998)، “بركة النسيان” (2006)، “لماذا لا تمزح معي؟” (2008) من حفر مجرى خاصّ له في نهر القصة العُمَانِيَّة بإعادة صياغته لمفهوم “الواقعية” في الأدب، أو الفن الجديد.[21] ومن خلال تحليله لقصص كُلٍّ من: معاوية الرواحي، وماهر الزدجالي، وحنان المنذرية، وغيرهم، على سبيل الأمثلة لا الحصر؛ يتبين لنا إمكانية تطبيق المنهج النقدي الواقعي في تحليلها باعتبارها أعمالًا أدبيةً، حيث إن سردية القصة القصيرة عند معاوية الرواحي تنهض على التضافر الشفيف بين الحلم والواقع، فعندما نقرأها؛ نكون كأننا بصدد قصة بين قوسين كبيرين، قصة يصبح فيها الحلم مدخلًا سرديًّا لمجابهة إحباطات الواقع المقفر وغرائبيته التي تضع الراوي، الشاب، الحالم، في طريق (زينة) ابنة الجيران كأنها قدره المقدور.[22] وفي موضع آخر من القصة؛ يجد الشحات أن الفعل الذي يقوم به الراوي يضفي على القصة أبعادًا واقعيةً، تؤكد على أن ما يواجهه البشر من مشكلات، وآلام ومعوِّقات؛ لا بُدَّ من مواجهته بحزم وصلابة مهما كان الثمن، وكأن لدغة العقرب الصفراء للراوي (لاحظ دلالة اللون الأصفر التي تتضاد مع هيمنة اللون الأخضر في فضاء القصة) رَدُّ لاعتبار هذا الجنين الذي لا ذنب له في دخول الحياة لثوان معدودات، ثم الخروج منها بهذه الطريقة المأسوية.[23] كذلك نجد قصة “العارض” لحنان المنذرية، وقصة “علبة… علبتان… ثلاث علب” لماهر الزدجالي، فعلى الرغم من بساطة القصة، وبساطة بنائها – كما يقول الدكتور الشحات، ونلاحظ ذلك – فإنها تضرب على أكثر من قيمة اجتماعية؛ منها التباين الحاد بين أفراد المجتمعات العربية. وكذلك الفقير المتسول الذي يجمع علب المياه الغازية من أكوام القمامة، ويبيعها كل أسبوع بحفنة ريالات، تُعِينُهُ على تحمُّل أعباء الحياة، هو أنموذج لشخص هامشي آخر يحيا على الحافة من مجتمعاتنا العربية.[24] ويتحدث الدكتور الشحات عن النَّصِّ المسرحي “الجثة” لهلال البادي في دلالة على ارتباط كثير من النصوص الأدبية العُمَانِيَّة بواقع المجتمع المحيط من نواته إلى أقصاه الحدودية في عالمنا الأرضي الكبير، والمعاناة من مشكلاته، وسياساته المحبطة والمتأزمة دومًا التي على إثرها، وبسبب صمتنا وجهلنا بطرائق البقاء ومناهجه في هذه الدنيا لأمد طال أم قصر؛ علينا أن نعيشه بطرائق صائبة وقرارات حاسمة تهمُّ مصيرنا المحتوم موتًا أو حياة، حيث لا بُدَّ من التضحيات لأجل الغد وأبنائه وأحفاده، ليتمتعوا بكامل حقوقهم في الحرية والعيش الكريم.

ومما لاحظه الشحات أن النص الإبداعي للمرأة العُمانيّة، كما أطلق مصطلح (الرواية الأنثى) على رواية “فيزياء” لفاطمة الشيدية، يركز بين ثنايا سرده، ومجرى شريان حياته على قيمتها كامرأة، وحقوقها التي لن تتنازل عن رَدِّها ولو بالقوة، وسِرُّ هذه القوة وسلاحها هو الفكر والعلم، والاحتفاظ بحقوقها إلى الأبد، التي كان بالفعل مسلوب جلها – إِنْ لم تكن كلَّها – لدى الأجيال التي سبقتها بعشرات السنين، التي رُدَّتْ إليها كاملة في العهد الجديد. ونصرة لهذه الحقوق؛ نجد اضطراد العجلة التقدمية لإعادة الأمور إلى نصابها صوابيتها واستقامتها، في نصوص المبدعين الرجال، ونجد أيضًا إشادة وتأييدًا من قبل المؤسسات والأفراد في المجتمع المحلي، والعربي، والعالمي بالنوع الأنثوي وفكره، وعظمة وجوده، ودوره الشريك، والرائد والقيادي في بعض الأحيان، وأحايين كثيرة.  ويرى أيضًا أن رواية “فيزياء” ومن ورائها المؤلفة؛ استطاعت، بقدرة فائقة، إثارة الكثير من الجدل الثقافي المحموم، الأمر الذي يجعل الباحث يحدس، بحس استشرافي، بأن شجرة الرواية العُمَانية توشك أن تنضج، وتثمر ثمارها الإبداعية شريطة أن يَعِيَ الكُتَّاب العُمَانِيُّون، والكاتبات العُمَانِيَّات – كما ورد في بداية سياق التحليل – أن الأفكار العظيمة لا تكفي وحدها أبدًا لبناء رواية عظيمة، بل هي “الصنعة”، كما كان يقول (بيرسيل وبوك) في كتابه القديم عن “صنعة الرواية”. وهو أمر لا ينفصل أبدًا عَمَّا قاله هنري جيمس، منذ زمن بعيد؛ أنه يمكن سرد الحكاية الواحدة بمئة ألف طريقة، لكنْ تبقى وجهة النظر؛ هي العامل الذي يحكم فنّيّة هذه الحكاية، وعدم فنّيّة تلك الحكاية أو القصة.[25]

خلاصات واستنتاجات بشأن نقاط الاتفاق والاختلاف مع الرؤى النقدية المقارَبة المتقدّمة

وختامًا، ومن خلال هذه الدراسات والتحليلات، وغيرها – في ظَنِّي وتوقُّعي الأكاديمي؛ نستنتج ما يلي:

أوَّلًا: إن النظرة التكاملية لأيِّ عمل فَنِّي شعري، أو نثري؛ هي المفترضة بالاستخدام في الاشتغال في تحليل، ودراسة أيِّ عمل أدبي، متوفر الشروط الفنية، أو تنقصه بعضها، وهذه دعوة إلى استخدام المنهج التكاملي في تحديد الرؤى والمعايير والجماليات، ونقاط القوة، وسقطات كل عمل، مهما كانت جودته وقيمته الفنية، ونَسَبَهُ الأدبي.

ثانيًا: إننا عند قراءتنا للأدب العُمَاني الحديث؛ نتلمَّس إمكانية تطبيق المنهج التعديلي في تحليل النصوص الأدبية ودراستها، وبيان قيمتها الفنية والجمالية؛ فالنُّقَّاد التعديليون يسألون كلَّ عمل، وكلَّ مؤلف، وقد عرف كيف يرد على أهل عصره: هل عرفوا أيضًا كيف يردون على عصرنا؟ وبعامة تظهر هذه التعديلات من الصراع بين الأجيال، وتُنَاقَش في حقل الجدل، وترتفع بنا وتنخفض، وهكذا يضطر المؤرّخ أن يفتح عينيه، وأن يقبل أن الأدب ليس مادة مقدسة؛ إنَّما موجة حيَّة من القِيَم موضع جدال. حتى إليوت التقليدي المحافظ يقول: “من حين لآخر، لنقل كلَّ مئة عام بالتقريب، من المرغوب فيه أن يظهر ناقد ما ليراجع ماضي أدبنا، وليضع الشعر والشعراء في نظام جديد”[26].

وإني لأرى أنَّ تمكُّن الدارسين والباحثين من الأساتذة الأكاديميين وغيرهم من هذه السمات والمعايير والأدوات النقدية الفنية المتخصصة والمثقفة؛ تجيز لهم تتبُّع سَيْرَ أيِّ عمل أدبي، وإظهار مدى استقامته على الأدبية، والفنية، وتعزيز نقاط قوتها، والتوصية بالإجراءات الواجبة للانطلاق بها خارج نطاق الحدود المحلية الضيقة في الانتشار الأدبي والثقافي، أو حياده عنها ومعالجة جوانب القصور فيها. وأقول: إنه ليس من الجائز حتمًا – من قبل المتخصصين من الأكاديميين، والباحثين في دراسة الأدب العُمَاني أو العربي ونقده – الحُكْمُ على تجربة إبداعية شابة على أنها، مهما كانت قيمتها الفنية والأدبية؛ ليست إلَّا محاكاةً وتقليدًا لتجربة أخرى سابقة لها؛ إنَّما ما أراه، ونراه جميعًا، ما هو إلَّا تلاقح أفكار، وإيجاد كوني ووجودي متشابه، كما هو كائن في بني البشر من حيث ملامحهم، وبُنْيَاتهم، وسمات خَلْقهم، وتكوينهم في أرحام أمّهاتهم على وجه البسيطة من مشرقها إلى مغربها، ومن أقصاها إلى أقصاها، ألَّا يخلق من الشبه أربعين ويزيد، “ويخلق ما لا تعلمون”، وما هو إلَّا تلاقٍ غير مقصود لغايته ألبتَّة غالبًا؛ لضمان الجودة، والإشادة، والقيمة الفنية، والموضوعية للعمل المبدع، وما كان هذا التلاقي ليكون ويُوْجَد إلَّا نتيجة للظروف المعيشية المتقاربة المتباعدة، والوجع العام المشترك، ويبقى لكلٍّ تميُّزه وفرادته عن غيره، وخصوصيته وأصالته وانتماؤه، والكَيِّس الفطن المبدع الفنان الحقيقي لا يرضى – قطعًا – أن يكون نسخة، مهما كانت هذه النسخة تقارب الأصل أصالةً، أو أنها كما في المخطوطات التراثية أَصْلًا ثانيًا؛ إنَّما من الشرف والرفعة التعالي عن كونه نسخة إلى أن يكون عمله أصلًا يُحْتَذَى به، مُسْتَحِقًّا للدراسة والإعلاء من مكانته؛ متى كان صاحبه خلَّاقًا ومُبْدِعًا، ومتمكِّنًا، ومُؤْمِنًا إيمانًا مطلقًا برسالته الفطرية التي أُوْجِدَتْ فيه إيجادًا، خارجًا عن إرادته، تَلَبَّسَتْهُ، وتَلَبَّسَها، مُنْتَشِيًا بكنزه الدفين، المتجدِّد، الذي لا ينبغي أن يكون وإِلَّا سيَفْنَى ويضمحل؛ بل عليه أن يستثمره ويتعهده بالرعاية لينموَ، ويربوَ، ويُصْقَلَ، ويترعرعَ، ويتكاثرَ، ويَفِيءَ ظِلالًا على البشرية جمعاء، فمُبْدِع العمل لا يرضى بنسبة لُقَطَاء إليه. وليس معنى هذا في المجمل – وهو اعتراف صريح مِنَّا – أن نَعُدَّ تمثُّلنا، وتلاقي أفكارنا مع غيرنا من المبدعين المتقدمين، أو المعاصرين، أن نَعُدَّهُ عيبًا، أو عارًا أدبيًّا، أو أخلاقيًّا؛ بل هو شرف، وتلاقح أفكار، ومثاقفة قصدية واعية مع الآخر العربي، أو الغربي، أو معهما معًا. وأستطيع أن أؤكِّدَ؛ أن الشعراء العُمَانِيِّين في العصر الحديث – كما صَرَّحَ أغلبهم، أو جُلُّهُمْ – قطعًا لا يزهدون تراثهم، ولا يقللون منه، وأَنَّى لهم ذلك، وهم الثمار الناضجة لشجرته اليانعة دومًا، بل إنَّني أَعُدُّ هذا، ظَنًّا أو سوء فهم عند بعض الباحثين، والدراسين للشعر العُمَاني الحديث خصوصًا، ولعلَّ الرأي القائم في أذهانهم وواقع الشعر العُمَاني الجديد من حيث الشكل والموضوعات يجانب الصواب على أن التراث ليس قادرًا على الوفاء بمتطلبات الشعر الجديد؛ ولكنِّي على الرغم من ذلك أرى – مُحَدِّثًا ومتفائلًا بمستقبل مشرق في الرُّقِيِّ بالأدب العُمَاني ونقده – بناءً على معطيات دراسات حديثة أخرى جديدة تاريخيًّا، وموضوعيًّا وقيمة فنية، والبعض منها أشار إليها واستنتجها باحثون مِمَّنْ رَأَوِا النظرة التشاؤمية – ويمكن أن تكون هي الحدث الواقعي في كثير من ملامحه – أنَّ الشاعر العُمَاني – مثله مثل أيِّ إنسان موهوب وذِيْ مَلَكَة، إِمَّا بالفطرة والسليقة، أو أنه قد اكتسب هذه الموهبة وتبنَّاها في نفسه وعقله، ومَكَّنَها أن تكون جزءًا من روحه، يحيا معه، وليس له غنى عنه،  وغَذَّاها بالدُّربة والممارسة، ورَواها بالقراءة، والاطلاع، وخوض التجارب، أو بالاثنتين معًا، ينشد مع تقدُّمه وتقدُّم ما حوله؛ من خلال الثورة المعرفية الشاملة للمادة والعقل، ينشد التطور والرُّقِيَّ والتغيير، و(التشويه الجمالي)[27] لتراثه؛ وذلك عن طريق تغيير أسلوب العرض التراثي القائم منذ الأزل، إلى جانب عدم إنكاره، واستخدامه أحيانًا، لطرح موضوعات، وقضايا، واهتمامات حياته العصرية المتجددة، وتلبية احتياجاته النفسية، والاجتماعية، والفكرية. وهذا التحليل يُلِحُّ علينا بمواجهة السؤال الأزلي لسبب الوجود، وأراه يجيب عن بعض نواحي الكيفيات التي ينبغي أن ننتهجها في أن نحيا الحياة بأبعادها كافةً؛ أَلَا وهو: لماذا هذا التقوقع المكاني والزهد الفكري الذي أُعَبِّرُ عنه بتسمية أخرى أَحْرَى به وأَبْلَغَ، وأَبْيَنَ لمضمونه وكُنْهِهِ بِمُسَمَّى (الجمود الفكري)، وهل قدرُنا أن نظلَّ رهائن محبس، أو محبسين، أو ثلاثة، أو أربعة… إلخ؟! أُجِيبُ: بالتأكيد لا؛ فالحق للجميع مكفول، مهما كان البَوْنُ بيننا وبين تراثنا شاسعًا، شكلًا وموضوعًا، ولا يتجاوز الأمر هذا الحَدَّ مطلقًا؛ فإننا نظل متلبِّسين بقِيَمِهِ الأخلاقية المضمنة في موضوعاته وأطاريحه، ومبهورين بِقِيَمِهِ الفنية المتَّسِمة بها نتاجاته، وبروحه في عموم إنتاجاتنا وإبداعاتنا مهما كانت لها من سمات الجِدَّة، والجلدة الحديثة، ننهل من مَعِيْنِهِ، وكيف لا؟! ونحن امتداداته الحاضرة، وفروعه الممتدة إلى أعماق جذوره، تشمخ إلى الأعلى، وتغوص هي في سحيق الأعماق التليدة، وهو رسوخنا الماضي، الثابت والحاضر دومًا، وهُوِيَّتُنا التي نعتزُّ بها، اعتزازًا يشهد لعظمته كلُّ عارف للتاريخ السياسي، والأدبي العربي. ولنقرأْ قول الله عَزَّ وجَلَّ تأكيدًا على هذا المعنى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ(10)﴾[28]. وإِنِّي لأتساءل عَمَّنْ وَضَعَ الانقطاع عن التراث وبَتْرِهِ من الهُوِيَّة والحياة شرطًا للجِدَّة والحداثة؟!  لدرجة أن البعض من غير الواعين بالحقيقة والواقع يَعُدُّهُ قانونًا أزليًّا واجب التطبيق وإِلَّا عُدَّ من الجَهَلَة الحائدين عن الصراط المستقيم ارتدادًا؛ فاستحقَّ على إِثْر ذنبه الموت والفناء، ومَنِ اتَّبَعَهُ كان من الخالدين المنعمين؟!

إن التراث يثأر لنفسه – كما يقول الناقد التونسي والأكاديمي الدكتور محمد لطفي اليوسفي[29] – في الإبداعات الحديثة لمبدعي العرب ومنهم العُمَانِيُّون – منتصرًا لنفسه، رغم المحاولات المستميتة والصارمة والمتعصبة من قبل البعض من أهل الفكر والمعرفة والثقافة لدحره ووَأْدِهِ إلى الأبد، متجسِّدًا ومُنْدَسًّا بين أصلابها، حيث إن الكثير من الصور والثيمات والمفردات التراثية الثابتة حضورًا، وتاريخًا، وستظل مستقبلًا، تتلون وتندس، أو تظهر جليَّةً في عمق جسد النَّصِّ. وإِنْ حاولنا أن نهرب منه، بتغيير حُلَّة وعباءة النَّصِّ الإبداعي بثوب الحداثة والتجديد في مظهره ومخبره؛ فلن نفلح. وعند تركيزنا بالنظر باعتبارنا قارئين ومختصين بالتحليل والنقد في النصوص الأدبية العُمَانية لتبيُّن الذائقة فيها؛ نجد أن كثيرًا من أعمالنا الأدبية – بفخر – تحظى بكثير من القِيَم الفنية والجمالية، سواء كان ذلك في نصوص المحترفين أو الموهوبين أو الهاوين، مع اختلاف مستوياتهم الفنية، ونجد لدى مبدعينا حرصًا على الانتشار الأدبي والثقافي، والفني، ليس على أساس هُوِيَّتِهم الاجتماعية الجغرافية والسياسية؛ إِنَّما على أساس وشرف هُوِيَّتِهم وانتمائهم الثقافي، والسير على خُطَا الكبار في ركب الانتشار الثقافي، والمساهمة فيه، وطبع البصمة العُمَانية على سِفْرِهِ، تشريفًا للنفس والانتماء والهُويَّة، والمجال الإبداعي. فهلِ الذائقة هي التي تتحكم بالمنهج المتَّبع في تحليل النص الأدبي، أم المنهج يتحكم فيها ويحددها؟ أم هُمَا معًا يشكِّلان رؤية وتطبيقًا، ويعملان مُتَّحِدَيْنِ متلازِمَيْن أيًّا كان نوع المنهج المتَّبع، ونحن نرقى بالإنتاج إِنْ وُجِدَتْ ذائقة عليا لدى منتج النَّصِّ للمرة الثانية؟

إن الإجابة بين ثنايا هذا التساؤل نفسه، ولا مبرِّر للبحث عنها خارجه؛ فمن خلال تحليل نصوص الأدب العُمَاني عن طريق الاشتغال عليها بواسطة المناهج النقدية التحليلية المختلفة؛ تتبادر إلى ذهنِي مجموعة تساؤلات، تتطلب إجابات ذوات نفع وفائدة ورجع علمي وأدبي، منها:

– هل يختلف الاشتغال على النصوص الأدبية العُمَانية حديثة المظهر والثوب العصري (القصيدة الحرة وقصيدة النثر) في طرائقه وأساليبه ومعاييره وتحليلاته، إلى أن نصل إلى نتائجه عن طبيعة ومعايير الاشتغال على نصوص أخرى من إنتاج عُمَاني ولكنها تنتمي إلى العهد القديم ما يُسَمَّى (الشعر التقليدي) الذي ينبغي ألَّا ننكره، أو نطعن فيه أيًّا كان وجه الطعن هذا – كما فعل العديد من المفكرين الكبار، وبعض أعلام الشعر الحديث كذلك؛ بل علينا أن نُجِلَّه، ونحلِّله، ونُبَيِّن مَوَاطِن الجمال فيه، ونستفيد من تميُّزه وفرادته، ليس لدرجة التقديس بالطبع؛ فالتقديس للقدسي الإلهي فقط، ولكنْ هو تراث أصيل، وكائن وجودي يعيش في ذاكرتنا، ومتعايش مع واقعنا، وكثير من مبدعينا قد اعتنقه منهجًا بنائيًّا لموهبته ومَلَكَتِه الشعرية، والأفذاذ من مبدعينا يتناوبونه مع إبداعاتهم الشعرية الحديثة؛ حرصًا على التنوُّع الشكلي، وبالتأكيد أيضًا الموضوعي في إبداعاتهم.

– كذلك، هل يختلف تطبيق أيِّ منهج على أحد الشكلين المنسجمين، لِلْهُوِيَّة الواحدة في المعايير التحليلية، أم يتفق ويتشابه في العملية التحليلية؟

فإذا أخذنا مثالًا تطبيق المنهج التاريخي؛ نجد أن النصوص القديمة تحكي تاريخًا عامًّا في الغالب، يَهُمُّ الجماعة ذات المكان الواحد والتاريخ المشترك والهُوِيَّة الواحدة والسيادة الواحدة في بقعة جغرافية واحدة، أو يحكي سيرة شعب، أو أسرة حاكمة، أو سيرة دولة في شخص حاكم. في المقابل؛ نجد أن النصوص الجديدة تحكي تاريخًا شخصيًّا في الغالب، تغلب عليه سمات الخيال، والتأثُّر بالثقافات الغربية، وتمثُّل معانيها وأعلامها، وسرد الرحلات والأسفار، والتنقلات في بلاد الغرب والمعاناة الذاتية الخاصة، والحنين الدائم للوطن، ومرارة الغربة، والاشتياق للعودة، مهما كان التوطُّن الخارجي، والاستيطان وسهولة العيش، ووصف المدن الأوروبية، وما تحويه وتملكه، مقارنة بالوطن البعيد المكان الساكن في القلب. ولا بذكر للدين أو المبادئ والقيم، والحكم الحياتية، أو دروس مستفادة، ولا تؤدي غرضًا شعريًّا مُعَيَّنًا؛ إِنَّما تكاد تكون – إِنْ صَحَّتِ التسمية – سردًا فَنِّيًّا، ولا أحد ينكر روعته، والجميع يعترف بوجوده وكينونته، ومكانته، ويُلْحَظ عليه أنَّ صُوَرَهُ الشعرية تطفح بالرمزية. ويمكن أن تكون هذه النصوص استرجاعًا لمقروء أجنبي بلغة عربية، أو حتى تقليدًا أعمى وكفى، وهؤلاء ليسوا هم المعيار والقاعدة؛ إِنَّما الشَّواذُّ منهم، من ذوي التجارب المبتدئة، أو مِمَّنْ يَدَّعُونَ الشعر والفَنَّ والجودة. بخلاف الشعر العمودي الواضح الصريح ذي الهدف المحدَّد الغرض الشعري، وهو يمثِّل لسان حال الجماعة، وما يحلم به من آمال وطموحات، وما يعتريها من هموم وصراعات… إلخ. وعندما نتحدث عن إنتاج النَّصِّ نجد منابع تكوُّنه، والكيفيات التي يتمُّ بها، والأشكال الإبداعية التي يأتي عليها؛ نجد أنه:

1 ـ بالإمكان أن يأتي إنتاجًا فطريًّا خالصًا، ويتأتى ذلك بانتقاء الألفاظ المناسبة، والصور والمعاني، وأسلوب الطرح، أَيْ: طريقة العرض.

2 ـ هذه الألفاظ والصور والمعاني والأساليب وطريقة العرض تأخذ صورًا عِدَّةً في ظهورها:

أ ـ إِمَّا أن تكون اتِّبَاعًا أعمى – مظهرًا وجوهرًا – للنصوص الأجنبية؛ كما نجد في بعض قصائد النثر الحديثة جِدًّا، منها مِمَّا للمبتدئين ومُدَّعِي الشعر خصوصًا.

ب ـ يمكن أن تكون مثاقفةً قصديةً واعيةً بين أجناس الأدب المتفقة نوعًا العربية منها؛ بالعربية أو العربية بالأجنبية.

ج ـ يمكن أن تكون تَنَاصًّا مع رؤى وأشكال شعرية أو أدبية نثرية أخرى، محلية كانت أو عالمية، نتيجة تأثيرات وتأثُّرات معينة.

د ـ أو أنها تُظْهِرُ اتِّباعًا وتقليدًا لِلنَّصِّ العربي الأصيل (الشعر العربي الملتزم بالقافية الواحدة) شكلًا وغرضًا شعريًّا.

فهكذا يصنع الناقد أو القارئ؛ يضع المعايير القياسية الخاصة به هو، التي حَدَّدَها منظارًا ينظر به من خلاله للعمل القريب البعيد الذي أمامه، ويمكن أن يتَّسَعَ أو يضيق هذا المنظار وفقًا لتطوُّره وتقدُّمه، أو قِدَمِه وتخلُّفه. يعود كل هذا الاختلاف والتباين بين السعة والضيق، وعلاقته بالنتائج المتحصَّل عليها من وجودة الإضافات، أو قبحها، وكذلك جمالية الصورة من تشويهها؛ إلى خبرة كلٍّ من القارئ والناقد وثقافتهما التخصصية والعامة، وسعة مداركهما، وتجاربهما وخبرتهما في المجال أيضًا، ومدى تمكُّنهما من أدوات قياسهما، وصواب تطبيق تلك الأدوات من عدمه. ولا يظلم المبدِع في مضمون نَصِّه، واختياره لألفاظه، فالمعنى في فكره جوهريًّا متساميًا، وعظيمًا، عمل كل جهده الفريد والمكتسب من أجل أن يخرج بعمله في أبهى الحُلَل، وأحلى الصور له وللجميع. ولا أرى الثقافة تعني سعة المعلومات بمقدار ما تعني اكتساب اللغات، فاللغات هي التي تلد الحضارات وتخلِّدها وتحكي عنها، وكلما اكتسب الإنسان العادي لغة؛ عَرَفَ حضارة وثقافة متنوعة، فالأحرى بالمبدِع في الفنون – خصوصًا الأدبية منها – أن يكتسب ثقافات تلك اللغات بكميتها ونوعيتها، وأن يُلِمَّ بتراث شعوبها وحضارتهم عبر الأزمنة؛ ليستفيد من خلاصة تجاربهم في الحياة، وكيفية إدارتها، ويأخذ من توجُّهاتهم، ما يتناسب ومبادئ حياتنا الفطرية ومنهجية ديننا الحنيف.

فلا يليق، ولا يصلح لنا – نُقَّادًا وقارئينَ متخصِّصينَ – أن نضع المعايير فوق الأعمال الموزونة وموازينها؛ بل يجب أن يتماشى معه قياسًا لجودة العمل، واختبارًا لمدى معالجته للمعاني والتعبير عن المشاعر من خلال التجربة الفردية أو عن طريق الإحساس بالتجربة الجماعية، والبوح عنها، وأَلَّا نحمل الموزون ما لا يطيقه من معايير الميزان، وكما يعرف ويُقِرُّ الجميع – وهو الثابت معرفيًّا وأدبيًّا، تنظيرًا وتطبيقًا – أن عملية القياس والمقاربة هذه لا يمكن أن تكون مطلقًا من أجل إطلاق الأحكام؛ بل من أجل إيجاد انتصارات وفتوحات جديدة للعلم والمعرفة والعمل بهما، وتحقيق الغاية منهما. لنقرأ ما ورد في رواية “سقف الكفاية” لمحمد حسان علوان[30] بشأن أقدار الكاتب الضعيف، وكيفية تنفُّسه وتنفيسه عن مكنونات صدره، والبوح بما لديه، وعَمَّا يعانيه، ساعة مخاض ولادة أَيِّ من أعماله، خاصَّةً الصحية منها والقوية، نقرأ: (يا لأقدار الكاتب الضعيف؛ إنه لا يتخلص من قيود حياته إِلَّا بقيود خياله، ولا يلبث أن يضع ثيابه من الليل حتى يلبس ذاكرته من النهار، وكأنه لا يستطيع أن يبقى عاريًا أبدًا وإِلَّا تآكل جلده، أتذكَّرُ أنَّ جَدِّي كان يقول: “كدتُ أن أكون شاعرًا قبل أن يُقْسِمَ علي أبي أَلَّا أفعل”، تأمَّلْتُ رحيل عينيه إلى سرمد الماضي، لماذا ذلك التعهير المبكر للشعر؟ قال لي كهل آخر والثمانون تقرض أسنانه: “حرمني أخي من الشعر؛ لأنه يضعف القلب، ويورث الحزن، ويجلب الهم، ويفضح الستر”، ولم أفهم آنذاك كيف كِيْلَتْ كل تلك الاتهامات لهذا المخلوق الطيب، ولكني أشعر الآن بها حقًّا. الكتابة، نقص المناعة المكتسبة للروح، كما هو الإيدز، نقص المناعة المكتسبة للجسد…)[31]. إذًا، فالكاتب متلبِّس؛ متلبِّس بهواجس وأفكار ومضامين ورؤى ومعاناة أعماله، طوال ساعاته الأربع والعشرين، ففكره حامل للأجنة دومًا، تنتظر بذرة التكوين، واكتمال النُّمُوِّ في الرحم، إلى أن يوضع هذا الجنين، وهكذا.. تستمر دورة الحياة لبقية الأجنة. وليس شرطًا أن يكون هنالك تلاقح فكري مع الآخر من أصحاب المهنة والحرف والقلم؛ إِنَّما يكفي أن يلامس شعوره شغف كبير التأثير، وإن كان ضئيل الحكم والتكوين، حتى يحمل في أحشاء فكره جنينًا آخر، يدور الدورة نفسها، إلى أن يخرج للوجود كائنًا حَيًّا، أو يُبْعَث من الموت إلى الحياة، طافحًا بها، مندفعًا إلى خوض غمار التجربة الوجودية، ليحبه من يحبه، ويكرهه من يكرهه. وتظل هذه الدورة الحياتية قائمة؛ لضمان استمرارية النوع متلون الألوان، ومتنوع الأشكال والأحجام والمؤثرات والتأثيرات والنتائج. إن قراءة القراءة تعني – كما أراها وأتلمسها:

1 ـ المتعة أثناء التلفظ والمحاورة والهيام والصعود بالفكر، والنطق إلى السمو والمعالي، ورتب المجد اللفظي، والعزة اللغوية والقومية، وتعزِّز الهُوِيَّة التراثية والحضارية للأمة. وهي السباحة بالفكر في الخيال لاختيار الألفاظ السلسة المعبرة المتناغمة، والرؤية الجمالية للوجود والكون والأفكار الطافحة، والتفاعل الحسي والمعنوي مع الكائنات الوجودية، متمثِّلًا كل ذلك في الكلمات وتراكيبها وسياقاتها الصحيحة، الثابتة القواعد، المضبوطة وفق ضوابط ومعايير اللغة في كافة صورها، وثوابتها: نحوًا، وإملاءً، وبلاغةً، وأسلوبًا، وصرفًا، وتذوُّقًا معنويًّا، ولفظيًّا سواء كانت اللغة شكلًا شعريًّا عاطفيًّا ذا إيقاعات مقفَّاة عموديًّا، أو كما هو الحال في القصيدة الحرة، وكذلك نلمس ذلك عند قراءة القصيدة النثرية، أو كانت نثرًا فَنِّيًّا أدبيًّا.

يشكِّل هذا التفاعل والاندماج – كَكُلٍّ متكاملٍ مطَّرِدٍ مع بعضه في توازن غير مخلٍّ – واسطة تمثِّل الصور المعتملة في نفوسنا، في محاولة لعيش اللحظة الأولى لولادة العمل الأدبي؛ من أجل الإحاطة بتجربته تذوُّقًا أدبيًّا، وتحليلًا نقديًّا موضوعيًّا. وإذا كان مبدِع العمل معاصرًا للتحليل النقدي والتذوق الأدبي؛ فمن الواجب الجلوس إليه، والاستماع لِحَكْيِهِ بشأن معاناته وتجاربه الحياتية التي عاشها، والتعرُّف إلى مخاضات ولادات إبداعاته، الطبيعية منها، والقيصرية، ودراسة أشكال وأنواع المواليد التي ينتجها، من حيث النَّوع والكَمِّ، ومدى رضاه عن هذه الناشئة؛ احتكامًا إلى مدى إضافتها لِقِيَمِهِ وقِيَم مجتمعه الاجتماعية والثقافية والسياسية، وغيرها، وقوة قدرتها التعبيرية المحاكية لشعوره، ونتائج تجاربها التي مَرَّتْ بها، خلال فترة تكونها وظهورها إلى النور، وسلامة نُمُوِّها وغذائها في رَحِم الفكر المبدِع. وكما يجب أن نقرأ القرآن – شرعًا قانونيًّا وضمانًا للأجر والثواب الإلهي – مُرَتَّلًا ومُجَوَّدًا، ولا يجوز التغني به، والمبالغة في الترتيل والتجويد إلى درجة اللحن نتيجة الفهم الخاطئ، والعادة المنبوذة؛ فَيَقِرَ في الأذهان ويعتمل في النفوس، وينطبع على السلوك عند القارئ والسامع، وبما أن اللغة المشرَّفة بنزول القرآن بلفظها هي اللغة العربية، لغة ضاد العرب؛ يجب كذلك – احترامًا لِلُّغَة، وصونًا لها، ولعرضها، وشرفها وكرامتها، وقدسيتها الدينية، والدنيوية – يجب الوقوف، جَالِّيْنَ، فطرة تكوينها، وعِظَم قَدْرِها، منذ عهد الجاهلية، وتَلَا ذلك سُمُوُّ منزلتها السماوية والأرضية عند الخالق – جَلَّ وعَلَا – وعند الخلق، من أهلها وغير أهلها، من المسلمين، والمستشرقين الدارسين لها، والناطقين بغيرها. فمتى تحقَّقَ الطَّرَبُ، وبانت المعاني في ثوبها القشيب غير المغالَى في زركشته، ومتى اعتدل جمال اللغة باعتدال لسان ناطقها، وقلم كاتبها، ومتى كان زِيُّها الأنيق بسيط المظهر، جليل القيمة؛ كانت المعاني بعيدة قريبة للمغامر المتمرس، والغواص الماهر الذي يصل إلى الأعماق، وكأنها عند متناول يديه، وأمام عينيه، فيقدمها للجمهور بضاعة مجانية، لا توزن بميزان قيمة؛ لأنها فوق كل الموازين. والمهتمون بهذه البضاعة رائجة القيمة لا يساومون عليها؛ بل يزايدون عليها ليحظَوْا بعناقها للرفع من قيمتها، ويضيفون لِقِيَمِها الموجودة قِيَمًا أخرى، وهي لا تكسد، ولا يغالط مُرَوِّجُها في قيمتها؛ بل تزداد عُلُوَّ شأن يومًا بعد يوم، في شَتَّى ميادين تفوُّقها، وسبقها الدائم على كل شيء في هذا الوجود، وهي أثمن الموجودات الأثرية متاعًا معنويًّا غير مادي، باقيًا وخالدًا إلى أبد الآبدين، وهي لغة أهل جنة الخلد، وهي تعني أيضًا الذوق الرفيع في اختيار الهُوِيَّة… وتعني اللحن الجميل للشفاه، والإيقاع البياني الساحر… وتعني البلاغة والجمال اللفظي الدال والمعبِّر البَيِّن الفصيح ذا السمات الفنية اللغوية السامية. وأرى أنها تعني أيضًا: قراءة النصوص بعد إنتاجها للمرة الأولى من قبل مبدِعها الأصلي؛ فهي ليست نَظْمًا جديدًا، أو إعادة صياغة لغوية بهيكلية جديدة، وبأسلوب آخر مختلف عن أسلوب كاتب النَّصِّ الأصلي؛ إِنَّما نستطيع أن نقول – ظَانِّيْنَ – ننشد بِظَنِّنَا هذا اليقين والجزم النِّسبي، كونُ المعرفة تراكميَّةً متجدِّدةً وليست بِكْرًا ، ولا يعتريها الترمُّل أو الفناء – جوازًا – أن قراءة القراءة للنصوص؛ إِنَّما هي إعادة جائزة، واجبة من أجل فائدة مرجوة بموضوعية وإنصاف وَفْقَ رؤًى ومعايير متمكَّن منها بنسبة تخوِّل لهذه الإعادة الهيكلية لهيكلة النَّصِّ ومضامينه من أجل أهداف معرفية، وأدبية، وفنية، ونقدية سامية أخرى، الغرض منها: الإفادة والتحليل؛ لاكتشاف مكنونات الأعمال الخالدة، والكشف عن قِيَمِها الفنية والمعرفية؛ من أجل الإفادة الفكرية والمعرفية بها للميدان المعرفي، واللغوي، والأدبي. وإن من أبعاد قراءة القراءة – التي أراها – ما يلي:

1 ـ إن المعاني مطروحة في الطريق فعلًا.

2 ـ إن متعة القراءة أرقى، وأعظم، وأكثر أجرًا، وبَثًّا للحياة من أكل الطعام وشرب الشراب. (يجب أَلَّا نأكل أيَّ شيء لنملأ معداتنا؛ ولكنْ يجب اختيار الصحي، والنافع، والباني منها، وكذا الحال مع ما يُقْرَأ).

3 ـ إن الترتيل والتجويد للقرآن الكريم يؤدي دورًا فاعلًا، وواجبًا في القراءة اللفظية الصحيحة، وإظهار المعاني العظيمة للقرآن الكريم، ومغازي الآيات الشريفات وأهدافها، وهذا هو (معيار القراءة الصحيحة التي تُجِلُّ المعنى وتخلب الألباب)، وكذلك للقراءة النقدية، والاستيعابية الصحيحة للأدب بأنواعه أسلوب ومعنى له معاييره التي يقوم عليها ويتصف بها.

4 ـ إن قراءة الشعر ليست كقراءة النثر من حيث الفَنِّيَّات القرائية واللوازم المعنوية التي تخدم المعنى، ولا تجحفه حَقَّهُ.

5 ـ إِنْ تجاوز مرحلة الحروف والحركات الخاصة بتعليم اللغات العربية للمستويات التعليمية الدنيا ذات المراحل العمرية الصغيرة، أو للفئات ذات الحالات الخاصة بتعسُّر القراءة الصحيحة المنفردة الكلمات والجمل منها، والاسترسالية إلى التلذُّذ والاستمتاع بالجوهر القرائي والتعبير عن المعاني هو الواجب والمفروض؛ لندخل عالم المناهج النقدية، والأذواق الأدبية.

6 ـ تُعَدُّ قراءة اللغة قيمة تاريخية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية مؤثِّرة ومتأثرة بطبيعة شعوبها العرب، وغير العرب من المسلمين، وبإنجازاتهم.

7 ـ المفوَّهون، والخطباء، وأصحاب الفكر، أساس تفوُّقهم تسلُّحهم بسلاح اللغة، والعلم، والمعرفة بالأمور والوعي بالحقوق والواجبات. وهؤلاء أكثر من يخافهم الحكام المتسلِّطون، والسبب في ذلك يرجع إلى أن ألسنتهم الفصيحة المعبِّرة المتناغمة مع فكرهم وثقافتهم وسعة مداركهم سيوف مُسْلَطة على رقابهم فهم قادرو على أن يقيموا الشعوب ويقعدوها بكلمة.[32]

8 ـ إنَّ تخاطُر الوجدان وتناغمه مع أعضاء النطق، والأعضاء الوظيفية في جسم الإنسان التي تتعلق بمخارج اللغة وإشاراتها، مدعَّمَة بالمَلَكَة اللغوية الموهوبة، أو المهارات المكتسبة، والاثنتان يقيِّمهما التمكُّن والممارسة التطبيقية، والخبرة اللغوية في التحدث، والحوار، والمساجلة اللفظية، ودَحْض الحُجَّة بالحُجَّة بأشكالها اللغوية المتعدّدة (المقروءة، والمكتوبة، والمسموعة، والمرئية)، إلى جانب الثقافة الكمية المتنوعة؛ هي مؤهِّلات لا بُدَّ منها للمبدِع الثاني، والثالث والرابع… إلخ للعمل نفسه.

9 ـ إنَّ القارئ المبدِع المنتِج لِلنَّصِّ الأصلي للمرة الثانية، أو أكثر هو الذي تكون له مَلَكَة التذوق الأدبي، والنقد البَنَّاء، وكذلك الناقد ذو البصيرة الأدبية والنقدية النافذة إلى غَوْر النَّصِّ؛ فتكشف عن دواخله، وظلماته الساكنة المتحركة التي تحفل بالبصيص النوراني الذي يتتبّع غموضه المطلوب المحمود الذي يُطْلَبُ طلبًا، ويحكي أدبًا، إلى أن تتكشف لهذا القارئ كل أضوائه الساطعة؛ فيقدمها للمهتمين.

وأَخْلُصُ من خلال قراءاتي ومقاربتي المتواضعة لبعض الدراسات والبحوث التحليلية، وبعض النصوص الأدبية، وتذوُّقي لها، وممارستي للكتابة – حاليًّا – في بداية تكوُّن مشروعاتي المبدئية التي آمل تحقُّق حضورها وخروجها إلى النور وترقيتها بتجارب وأعمال مسؤولة، تقوم بمهمتها، وتضيف جديدًا، أَخْلُصُ إلى الاجتهاد بالقول أنَّ هنالك نوعين من الذائقة والتذوق الفني في هذا المجال هما التاليتان: الأولى هي الذائقة الأدبية، وهي المتقدمة والسابقة على النوع الآخر منها، وهي ذائقة المبدع الأول، أو ذائقة الإنتاج الأول، أو الذائقة الأدبية الإبداعية للمؤلِّف الأصلي؛ تتمثل في الملامح التالية:

– الرؤية المعنوية للفكرة قبل خروجها إلى الوجود، ومدى اعتمالها وتمكُّنها في نفس المبدِع.

– اختيار الألفاظ بطريقة تلقائية وعفوية، حَسَنَة الاختيار، بشكل مبدِع متميز، هذا الاختيار التلقائي؛ يميِّز المؤلف عن غيره، ويُكْسِبُهُ السِّمة الإبداعية الأدبية الفنية، يستحق بتمكُّنه منها، واتصافه بها أن يُطْلَق عليه مصطلح “المبدِع”، وتكون له مخصصاته من البحث والدراسة والتحليل، والأحكام النقدية البنَّاءة، المعنى نفسه بلفظ آخر؛ أنه عليه أن يضيف جديدًا من خلال إبداعه إلى الساحة؛ ليستحق عمله النظر إليه بتقدير، من خلال النظر فيه بعين الدراسة والتنظير النقدي، والتحليل الفني، ويستحق أن يكون قدوة أدبية للشروع، والانطلاق المستقل في مراحل نموه وتطوره المستقلة والخاصة.

– الحُلَّة الفنية التي أظهرَ من خلالها المبدِع فكرته متشبعة بمشاعره وآرائه، وتفاعلاته النفسية والإنسانية، لتخرج إلى المتلقين؛ للتقييم والعرض الفني، ومعرفة مدى نسبة قبولها، أو حتى الحكم عليها بالرفض، أو أن تكون في مستوى لا يقبل فنيًّا وفق معايير مجال التقييم التي دخلت فيه.

– الأدوات الفنية المستخدمة في الإنتاج، ومكونات العمل اللازمة من أساليب وصور، وألفاظ، وخيال، وغيرها. والنوع الثاني من الذائقة؛ الذائقة النقدية المعيارية الوَازِنة والموازنة للعمل بواسطة ميزان إنتاجه للمرة الثانية بشكل جديد، وتفكيك وتجميع نثري رؤيوي، ذلك عبر استخدام أدوات النقد البناء وحِرْفِيَّة الناقد المتمرس المتخصص والمثقف ثقافة تخصصية ومعرفية عامة عالية تؤهِّله ليكون أهلًا لإنتاج العمل وإبداعه من جديد، تتمثل هذه الأخيرة في مدى امتهانه لسبر أغوار النصوص لاصطياد دررها، والكشف عن براهينها الأدبية وقِيَمها الفنية العالية أو عن درجة مستواها الفني، وعرض هذه البراهين على طاولة النقاش والحوار التحليلي لإعادة صنعه وإنتاجه ثالثة ورابعة. وهَلُمَّ جَرًّا، ولتقييمها حق التقييم الفني، وإعطائها قيمتها الحقيقية، بعيدًا عن الزيف والمجاملة، والإعلاء والإصغار، وتحديد وزنها بين سلع الأدب المحلي والعربي (إنْ أُجِيزَ لنا التعبير)، ويمكن الخروج بها إلى العالمية إذا غَلَا ثمنها، وعَلَا شأنها بين مزايديها؛ من خلال التوصية بترجمتها إلى لغات أخرى، وتسويقها عالميًّا.

فهرس الهوامش

1 أقصد بالسباق المحموم: المأخوذ بالحياة، وعيشها ببرهها، ومتعها الحلال، ونهاية السباق فوز الجميع وانتصارهم على نفوسهم الواهنة الراكدة على مياهها، ولئلا تكون مستنقعات ومرادم، وموئلا للركام والرماد؛ تغدو مبدعة منتجة.

2 انظر: (خضير، 2009، ص11).

3 انظر: المرجع السابق نفسه، قصة سالم آل تويه من مجموعته القصصية “حَدُّ الشوف”، ص 37.

4 انظر: المرجع السابق نفسه، ص 36.

5 انظر: (إمبرت، 1991، ص 90).

6 انظر: المرجع السابق نفسه، ص92.

7 انظر: المرجع السابق نفسه، ص92.

8 انظر: (السالمي، 1931، د.ت).

9 انظر: (جونج).

10 انظر: (خضير، 2009، ص43).

11 انظر: (الشحات، 2012، ص 131 ـ 132). (جيمسون: The political Unconscious, Narrative as A Symbolic Act.- https://www.amazon.com/Political-Unconscious-Narrative)

12 انظر: (الشيدية، 2009).

13 انظر: المرجع السابق نفسه، ص132.

14 انظر: المرجع السابق نفسه، ص133.

15 انظر: المرجع السابق نفسه، راجع: الصفحات 138 ـ 139 وما بعدهما للاطلاع على مزيد من التحليل.

16 في إشارة إلى قصة يوسف وفتنة امرأة العزيز به، في سياق ليس بعيدًا أبدًا عن بعض شخصيات “فيزياء”، وما تنطوي عليه من أبعاد وعلاقات كما يرى الدكتور محمد الشحات.

17 انظر: المرجع السابق نفسه، راجع: الصفحة 141؛ للاطلاع على مزيد من التحليل.

18 انظر: (الشحية، 2009).

19 انظر: (الشحات، 2012، ص 142).

20 انظر: (المرجع السابق نفسه، ص121).

21 انظر: المرجع السابق نفسه، ص121 -123.

22 انظر: المرجع السابق نفسه، ص35، واقرأ أيضًا قصة معاوية الرواحي “مكان آخر تملؤه الخضرة”.

23 انظر: المرجع السابق نفسه، ص34-35.

24 انظر: المرجع السابق نفسه، ص36.

25 انظر: المرجع السابق نفسه، ص145.

26 انظر: (إليوت، 1932).

27 (التشويه الجمالي): مصطلح أورده الدكتور محمد الشحات في مقدمة كتابه “نحو كتابة جديدة”.

28 انظر: سورة “ق”، آية 10.

29 (اليوسفي، العام الأكاديمي 2006 ـ 2007 م).

30 انظر: (علوان، 2004، ص 15).

31 انظر: المرجع السابق نفسه، ص15.

32 انظر: (لمزيد من الفائدة؛ اقرأ الكواكبي، 1902).

فهرس المراجع والمصادر

العربية

آل تويه، سالم. من مجموعته القصصية “حَدُّ الشوف”.

إليوت، ت. س. (1932). الأعمال النثرية الكاملة؛ استخدام الشعر واستخدام النقد.

إمبرت، إنريك أندرسون. (1991م). مناهج النقد الأدبي؛ ترجمة الطاهر أحمد مكي. ط1. مكتبة الآداب. القاهرة. مصر.

جونج، كارل جوستاف. “علم النفس والشعر”، في فلسفة العلم الأدبي. طبعة إ. إرماتينجير.

خضير، ضياء. (2006). وردة الشعر وخنجر الأجداد: دراسة في الشعر العماني الحديث. ط1. وزارة التراث والثقافة.

مسقط. سلطنة عُمَان.

خضير، ضياء. (2009). القلعة الثانية: دراسة نقدية في القصة العمانية القصيرة. ط1. دار الانتشار العربي. بيروت. لبنان.

السالمي، عبدالله بن حميد. (1931). تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان؛ ج1. ط2. مطبعة الشباب. القاهرة. مصر.

سورة “ق”، آية 10.

الشحات، محمد. (2012). نحو كتابة جديدة. ط1. مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع. المنامة. البحرين.

الشحية، بدرية. (2009). رواية فيزياء. ط1. مؤسسة الانتشار العربي. بيروت. لبنان.

الشيدية، فاطمة. (2009). رواية “حفلة الموت”. ط. دار الآداب. بيروت. لبنان.

علوان، محمد حسان. (2004). رواية “سقف الكفاية”. ط2. دار الفارابي. بيروت. لبنان.

الكواكبي، عبد الرحمن. (1902). “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، تقديم الدكتور أسعد الحمراني. طبعة جديدة منقحة ومضافة. المطبعة العصرية. حلب. مجلة نزوى، ع 24، أكتوبر 2000 م.

اليوسفي، محمد لطفي. العام الأكاديمي 2006 ـ 2007 م. من محاضرات دراسية في جامعة نزوى لطلبة الماجستير.

الأجنبية

جيمسون، فريدريك: The political Unconscious, Narrative as A Symbolic Act.- https://www.amazon.com/Political-Unconscious-Narrative

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.