النزعة الإنسانية في النقد الأدبي كتاب هويات معاصرة (في الأدب والنقد)

0

النزعة الإنسانية في النقد الأدبي كتاب هويات معاصرة (في الأدب والنقد)

لجان توما نموذجًا

د. عماد غنّوم*

  1. مقدمة

يتفق الباحثون اليوم على أنّ كلمة النقد critism تعني الحكم judgment، أي إطلاق حكم على الشيء، نجد هذا المفهوم في كلّ استعمالات الكلمة، أما في مجال الأدب فالناقد الأدبي يعدّ خبيرًا يستعمل قدرة خاصة، ومرانة في تحليل قطعة من الفنّ الأدبيّ، الّتي هي عمل لمؤلف ما، فيفحص مزاياها وعيوبها، ويصدر عليها حكمًا، ولكننا حين نتكلم على أدب النقد، أو الأدب النقديّ، فإنّنا نفهم منها كلّ تلك الكتلة من الأدب الذي كتب في الأدب، وعن الأدب أيضًا، سواء أكان الموضوع تحليلًا، أم تفسيرًا، أم تقديرًا، أم كل هذه مجتمعة. فالشعر، والدراما، والرواية تتناول الحياة مباشرة، وأمّا النّقد فيتناول الشّعر، والدراما، والرّواية، بل يتناول النقد نفسه وهو مفهوم نقد النقد. فإذا كان الأدب تفسيرًا للحياة في صور متعدّدة من الفنّ الأدبيّ، فإنّ الأدبّ النقديّ يعرّف بأنّه تفسير لهذا التفسير، ولصور الفنّ وقوالبه الّتي يوضع فيها. تطرح مسائل النقد اليوم العديد من التساؤلات حول الأدب وماهيته ودوره، ومنذ خرجنا من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، انتقل مفهوم النقد إلى مجالات أخرى، أعادت مركزيّة الإنسان في العمل الأدبيّ، والفعل اللغويّ، بعد أن قتلت البنيويّة النقدّية المؤلف لصالح القراءة الآليّة للنصّ التي شيّأت الأدب والإنسان معًا، لذلك برز النقد الثقافيّ الذي يشكلّ النقد الثقافيّ اليوم أحد أهمّ المدارس النقدّية في مرحلة ما بعد الحداثة، وينصب جهد هذه المدرسة على تقديم قراءة تأويليّة مختلفة عن المدارس النقدّية التي انبثقت عن بنيوي “دي سوسور” وبرزت مع بداية القرن العشرين حتى منتصفه. وفي الواقع، يحاول النقد الثقافي إبعاد المحوّرية عن وجود النص الأدبيّ منفصلًا بذاته عما سواه، كما يحاول طرح النسق بديلًا محوريًا للنقد الأدبيّ، والفكريّ، والسياسيّ، إذ يدّعي النقد الثقافيّ أنّ قراءة العمل الأدبيّ منعزلًا عما يحيط به من عوامل، وأفكار، وإيديولوجيّات أمر لا جدوى منه، وأنّه لا بدّ في سبيل تقديم تأويل عميق للنص من محاولة قراءة النسق الثقافيّ، والسياسيّ، والاجتماعيّ، والنفسيّ…إلخ الذي ولد فيه.     إلى هذا النوع من الأعمال النقديّة ينتمي كتاب جان توما[1] هُويات معاصرة (في الأدب والنقد)[2]، فهو لا يدرس النص الأدبيّ بمعزل عن سياقه الثقافيّ، والاجتماعيّ، والإنسانيّ، بل يكشف جان توما في نقده عن الأبعاد الإنسانيّة الكامنة في النص والمتوارية تحت الكلمات، كما أنه يطرح المشكلات الإنسانية، ويعالج مشاكل الإنسان في كل ما يختاره من نصوص ليدرسها في كتابه المذكور. سيسعى هذا البحث إلى الكشف عن أبعاد النزعة الإنسانيّة في نقد جان توما، وسيدرس تجلياتها في ما قدّمه من نصوص متنوّعة في هذا الكتاب،  في العديد من مجالات الحياة. وسنبدأ البحث بتناول اتجاهات النقد الحديث والمعاصر، لا سيما مفهوم النقد الثقافيّ، ونقد النقد، فما هو النّقد الثقافيّ؟ وما هي أهميته؟ وما دور نقد النقد في الكشف عن دوره؟

  1. اتجاهات النقد الحديث والمعاصر

يُلاحظ اليوم في عالم النقد الأدبيّ تراجع المنهج البنيويّ على مستوى التنظير النقديّ، وإن كان النقد البنيوي لا زال يُمارس واقعيًّا في بعض الدراسات الصادرة هنا وهناك، وإن كان معظم الدارسين يرى أنّ الشكلانيّة والبنيوّية “قد ظهرتا معًا كردّ فعل ضدّ اللاعقلانيّة الرومانسّية، وعلى التحليلات التي تربط الأدب بمحيطه الاجتماعيّ، خصوصًا النزعة الماركسّية”[3]. فذلك بسبب كون البنيويّة حاولت وسم الدراسات الأدبيّة بطابع العلميّة الصرفيّة، تلك الميزة التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين. يقول ديتش: “أدّت الثورة ضدّ الجهل الأدبيّ – مع استعماله للتاريخ والسيرة استعمالًا غير محدد – إلى ثورة على نحو ما على التاريخ والسيرة، أو قل: أدّت إلى القول بأنّهما أداتان لا حاجة للناقد بهما، فالمَهَمَّة الأولى للناقد هي أن يصف الآثار الأدبيّة بدقّة مستقصية، وأن يحدّد قيمتها على أساس من الوصف، فتركّز الاهتمام على تحليل الأثر الأدبيّ معزولًا عن أيّ قرينة، بدلًا من الإجمال التاريخي لعصر من العصور”[4]. كما تعد فلسفة “كانط” Kant التي لا تؤمن إلا بالظواهر الحسّية التي تقوم على الوقائع التجريبيّة، هي الأساس الفكريّ، والعقدّي عند البنيويّة. فالبنيويّة إذًا تؤمن بالظواهر كبنية منعزلة عن أسبابها، وعللها، وعما يحيط بها، وتسعى إلى تحليلها، وتفكيكها إلى عناصرها الأوليّة من أجل فهمها وإدراكها، إذًا فإنّ شيوع هذه الفلسفة وتأصلها في عقول رواد البنيوّية يُعدّ من أهم عوامل نشوء البنيويّة في النقد الأدبيّ. لذلك شاع في النقد البنيويّ مصطلح “قتل أو موت المؤلف” في إشارة إلى تطبيق عزل النص عن قائله، وعن بيئته، ومجتمعه، وسياقه الثقافي، والمعرفي الذي أدّى إلى إنتاجه، ونلاحظ أنّ البنيوية سعت إلى إقصاء كلّ ما هو إنساني، أو يتصل بالثقافية الإنسانيّة عن النص. وعلى الرغم من ازدهار هذا التيار النقديّ في أواسط القرن الماضي، لكننا نشهد منذ عقود ردّة فعل على هذا الاتّجاه، حيث تحاول العديد من المناهج المعاصرة في زمن ما بعد الحداثة إعادة السلطة إلى العناصر الثقافية الإنسانيّة، والسياقات الاجتماعيّة في محاولّة تحليل العمل الأدبي، والظاهرة الأدبيّة، فالعمل الأدبيّ أو النصّ ظاهرة إنسانيّة، لا يمكن دراستها بمعزل عن بُعِدها في الثقافة الإنسانية على مرّ العصور. ويُعدّ النقد الثقافيّ من أهمّ المناهج الحديثة التي تسعى إلى إعادة مركزيّة “الإنسانيّ والثقافيّ” في عملة النقد الأدبي.

  • ما بعد البنيويّة

يقول الناقد محمد عزام: “إذا كانت البنيويّة قد انطلقت في النصف الثاني من القرن العشرين فملأت الدنيا وشغلت الناس، فإنها بدأت بالتراجع منذ إضرابات الطلاب الراديكاليّة في فرنسا عام 1968، ما جعل البنيويين يعيدون النّظر في مواقفهم، ومنهجهم الّذي خرجت من رحمه مناهج نقديّة عديدة كالأسلوبيّة، والسيميائيّة، والتفكيكيّة، بالإضافة إلى الألسنيّة، التي هي عماد هذه المناهج النقديّة جميعًا”.[5] كما أنّ كثيرًا من المفكرين والفلاسفة لم يتقّبلوا البنيوية – على الرغم من انتشارها السريع – بل وصفوها بالمنهج اللاإنسانيّ، ومن أبرز مَن واجهها ونقد روّادها وساهم في تقويضها: الفيلسوف الفرنسي لوك فيري Luc Ferry. وما يدلل على عدم جدوى هذا المنهج، وضرورة التخلص منه أن بعض أبرز روّاده قد تحوّلوا عنه وتطوّروا – كما سلَفَ ذِكره – ويرى الناقد البريطاني ليونارد جاكسون Leonard Jackson أنّ تغيّرًا في أسلوب المعرفة قد حصل في الواقع[6]، كما يصرّح بالسبب الذي أودى بالبنيويّة وأَمَاتَها هو أنها منهج ينطوي على تناقضات، على الرغم من أنّ أصحابه أرادوه أن يكون متمتّعًا بخصائص الكمال والتماسك، “في حين إنّ أيّ نظرية ترمي إلى الكلّيّة هي مستحيلة من حيث المبدأ”[7].

أمّا في ما يخصّ مصطلح ما بعد البنيويّة Post – structuralism فهو مصطلح صاغه أكاديميون أمريكيون ليشيروا إلى أعمال متعدّدة لسلسلة من المفكرين الفرنسيين ذاع صيتهم عالميًا في عقدي الستينيّات والسبعينيّات من القرن[8] الماضي[9]. ويضم المصطلح أساسًا التصورات الفكرية للفلاسفة، والمنظرين الفرنسيين، والبارزين في منتصف القرن العشرين[10].

بدأت البنيوية في الانهيار في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، وظهر مكانها في فرنسا ما اصطلح على تسميته ما بعد البنيويّة. وكان رولان بارت Roland Barthes وجاك دريدا Jacques  Derrida أهم فلاسفتها. وكان بارت قد تحول عن البنيوية إلى ما بعد البنيوية، وانتقل في دراسته من أهمية الكاتب في تركيب النص الأدبيّ باعتماد معايير وبُنى جاهزة الصنع إلى دور قارئ النص في توليد معاني جديدة لا نهاية لها. وجاء هذا في مقالته موت كاتب(1968) La mort d’un auteur” التي أعلن فيها استقلالية النص وحصانته ضد أي تقييد له بمعايير، أو بحدود مضمونة، أو بحدود ما قصده الكاتب منه، فيصبح القارئ بهذا هو المنتج للنص، ولمعان متجددة فيه. يؤكد بارت في كتابه «متعة النص» (1975) “Le Plaisir du Texte” أنّه في غياب الكاتب تصبح عملية إيجاد تأويلات للنصّ عمليّة عبثيّة لا نهاية لها، لكنها ممتعة، وتأتي المتعة من امتلاك النص لإمكانات «اللعب» بالمعاني. ولكن هذا لا يعني تخليًا فوضويًا عن كلّ القيود، وإنما تفكيكًا وهدمًا منظمين لإنتاج معانٍ أخرى، وكأن القارئ يعيد كتابة النص، فيصبح منتجًا له وليس مستهلكًا، وهذا أساس المذهب التفكيكي، الذي طوره ديريدا، وهو أساس “ما بعد البنيويّة”، كان لمقالة ديريدا الشهيرة “البنية والدال واللعب في خطاب العلوم الإنسانية” (1966) أكبر الأثر في الخطاب ما بعد البنيويّ، إذ شكك فيها بأسس البنيويّة بقوله: “لكي لا تنهار يجب أن يكون لها مركز خارج هذه البُنى”، ووجود هذا المركز يدحض فكرة البنيويّة ويظهر تناقضها من الداخل. وهو يرى أن هذا المركز غير ثابت، فمثلًا إذا نظرنا إلى المتضادات الثنائيّة على أنّها الأحجار التي تشكل البُنى، نرى أنها تعمل بصورة نسقّية هرميّة إذ تسيطر واحدة على الأخرى وتتمايز عنها (مثل ثنائيّة ذكر/ انثى)، ولكن إذا قلبت علامة التمايز هذه يتولّد منطق تفكيكيّ يهدم البنية، ويهزّ استقرارها ليعيد خلق معان جديدة دائمة التغير. وإضافة إلى ديريدا كان فوكو Foucault ولاكان Lacan، في مجال التحليل النفسيّ، ناشطَين في حركة ما بعد البنيويّة على الرغم من أنهما كانا في البداية بنيويين، إذ طرح فوكو في كتاباته نظريته بأنّ أيّ نظام علاماتي لا يمكن أن يعمل بمعزل عن علاقات السيطرة التي تربط المفاهيم ببعضها، وطرح لاكان أن اللاوعي وليد اللغة وليس العكس.

وفي حين يرى البنيويون أن الإنسان لا يملك وسيلة للوصول إلى الحقيقة إلاّ عبر اللغة وبنيتها وليس العكس، فإن ما بعد البنيويين يرون أنّه من المستحيل الوصول إلى الحقيقة، حتى عبر اللغة، فكل شيء تابع “لميتافيزيقية الوجود” والدال الكلامي مائع يسبح دائمًا بعيدًا ومتحررًا عن المدلول. وبهذا تصبح اللغة مائعة قابلة «للانزلاق»، و«للانسكاب»، والعلامات تتركب عشوائيًا، لأنها تملك ديناميكيّة لا تظهر إلاّ في النص المكتوب، حيث تعيد خلق معان جديدة ضد المعنى الظاهر، ولا سيما أنّ النص يبقى بعد موت الكاتب، فيعمل النص ضد ذاته. وهكذا لا يمكن لمعاني الكلمات أن تكون ثابتة، فالكلمات مشوبة بعكسها، مثلًا: لا يمكن إدراك «الليل» إلا بالرجوع لمفهوم “النهار”. وقلب العلامة بين المتضادات يؤدي إلى عدم استقرار اللغة الذي هو أساس فلسفة ما بعد البنيويّة التي تركز على قراءة النصّ ضد نفسه، والبحث عن “لاوحدته” بدل وحدته، وعما كتب فيه في «اللاوعي» بدل الظاهر السطحي. وقد تأثر ما بعد البنيويين بفلسفة نيتشه Nietzsche  وهايدغر Heidegger وفرويد Freud  الذين رأوا فقدان «المركز» في عالمنا الفكري، بالمقارنة مع عصر النهضة الذي كان الإنسان فيه هو المركز، به يقاس كلّ شيء؛ فإنسان القرن العشرين فقد هذا «المركز» في عملية عدم تمركز، بسبب الأحداث السياسية مثل الحرب العالميّة التي كانت نهاية الوهم بأن أوربة هي مركز الحضارات والثقافات، أو بسبب ثورة الاكتشافات العلميّة مثل التوصّل إلى نظرية النسبيّة التي قضت على مفهوم أنّ الوقت والزمان مطلقان مركزيان، أو بسبب الثورة الفكريّة والفنيّة مثل حركة الحداثة في الفنّ والأدب التي رفضت الانسجام في الموسيقى والسرد الزمنيّ ووحدة النصّ في الرّواية. ولا يزال هناك جدل كبير حول إذا ما كانت ما بعد البنيويّة امتدادًا للبنيوية أم ثورة عليها، ومع أن ما بعد البنيوية سيطرت وتفوّقت على البنيويّة إلاّ أنّها يمكن أن تُعد مجرد مراجعة وصياغة جديدة لها. تنفي ما بعد البنيويّة إمكانيّة إجراء دراسة حقيقيّة للإنسان ،أو الطبيعة البشريّة، لكن يمكن تحليلها من خلال سرد التطوّر التاريخيّ (التطور التدريجي من الخرافة إلى السببيّة كان ضروريًا للوجود الإنسانيّ). وهكذا نستنتج أنّ ما بعد البنيويّة ظهرت كاستجابة للبنيويّة التي رأت بأن الثقافة الإنسانيّة يمكن فهمها عن طريق الوسائل البنيويّة على غرار اللغة (بنيويّة اللغة) والّتي يمكن أن تميّز بين تنظيم الواقع وتنظيم الأفكار والخيال[11]. تتعدّد طرق نقد البنيويّة بين أتباع ما بعد البنيويّة على الرّغم من الأسس المشتركة بينهم على رفض البُنى الذاتيّة التي تفرضها البنيويّة، ومعارضة تشكّل تلك البنى[12] من أهمّ كتّاب ما بعد البنيويّة ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجيل Gilles Deleuze، وجوديث بوتلر Judith Butler  وجوليا كريستيفا Julia Kristeva.  لقد نسجت هذه الحركة النقدّية علاقات قريبة بما بعد الحداثة.كما أثرت الظاهراتيّة عليها ويقول كولين ديفيد بإنّ ما بعد البنيويّة يجب أن تسمى ما بعد الظاهراتية[13].

وقد انتقد البعض مابعد البنيويّة بأنها نسبيّة وعدميّة، كما اعترض البعض على تطرفها وتعقيدها اللغوي ورأوا فيها تهديدًا للقيم التقليدية والمعايير المهنيّة العلميّة. رفض العديد من المنتمين لهذه المدرسة اسم ما بعد البنيوية[14].

  • النقد الثقافي

لقد انطلق النقد الثقافي رسميًا سنة 1964 عندما تأسست مجموعة بيرمنجهام في “مسمى Birmingham center for contemporary cultural studies أي مركز بيرمنجهام للدراسات الثقافية المعاصرة”[15]. وإن كان هناك محاولات في مجال الدراسات الثقافيّة، والحضاريّة قبل انطلاق النقد الثقافيّ، من خلال الدراسات الاجتماعيّة، والسياسيّة، والأنطولوجيّة التي ظهرت منذ منتصف القرن التاسع عشر. وقد أشرنا سابقًا إلى كون النقد الثقافيّ أفاد منذ أواسط ستينيات القرن الماضي من العديد من النظريات النقديّة التي قامت في مواجهة البنيويّة، ]كنظرية ما بعد الحداثة، والنظرية التفكيكيّة، ونظرية التعددّية الثقافيّة، والنقد النسويّ، والمادية الثقافيّة، والماركسيّة الجديدة، والنقد الكولونياليّ (الاستعمارّي)[… “ولكننا نعزو الظهور الفعليّ والحقيقيّ للنقد الثقافيّ إلى عام 1985، وذلك في الولايات المتحدة الأميركيّة. “بظهور مجلة النقد الثقافي التي كانت تصدرها جامعة مينسوتا في شتى المجالات الثقافّية”[16]. وبعد ذلك أصبح النقد الثقافيّ يدرّس في معظم الجامعات الأميركيّة التي كانت تهتم كثيرًا بتدريس العلوم الإنسانيّة. “بَيْدَ أن مصطلح النقد الثقافيّ لم يتبلور منهجيًا إلاّ مع الناقد الأمريكي فنسان.ب.ليتش، الذي أصدر، سنة 1992م، كتابًا قيمًا بعنوان: “النقد الثقافي: نظرية الأدب لما بعد الحداثة”. وفليتش هو أول من أطلق مصطلح النقد الثقافي على نظرية ما بعد الحداثة، واهتم بدراسة الخطاب في ضوء التاريخ، والسوسيولوجيّا، والسياسة، والمؤسساتيّة، ومناهج النقد الأدبي”[17]. وتستند منهجية ليتش إلى التعامل مع النصوص، والخطابات ليس من الوجهة الجماليّة ذات البعد المؤسساتيّ، بل تتعامل معها من خلال رؤية ثقافيّة تستكشف ما هو غير مؤسساتيّ، وما هو غير جماليّ. كما يعتمد النقد الثقافي عند ليتش على التأويل التفكيكيّ، واستقراء التاريخ، والاستفادة من المناهج الأدبيّة المعروفة، والاستعانة بالتحليل المؤسساتيّ… كما أن منهجيّة ليتش هي منهجيّة حفريّة لتعرية الخطابات، بغية تحصيل الأنساق الثقافيّة استكشافًا، واستكناها، وتقويم أنظمتها التواصلية مضمونًا، وتأثيرًا، ومرجعيّة، مع التركيز على الأنظمة العقليّة واللاعقلية للظواهر النصّيّة لرصد الأبعاد الإيديولوجيّة، متأثرًا في ذلك بجاك ديريدا، ورولان بارت، وميشيل فوكو… وتكمن وظيفة “النقد الثقافيّ” في كونه يُشرّح العمل أو الخطاب؛ معلّلا ديمومته وذيوعه، من خلال الوقوف على المعاني الباطنّية، والدّلالات الكامنة خلف الألفاظ المباشرة، وأهمّيّته تكمن في أنّه:

– يبتعد عن الانتقائيّة المتعاليّة، فكلّ خطاب داخل فيه دون انتخاب لخطاب بعينه.

– يربط العلوم الإنسانيّة بالأدب ما يُساهم في إثراء النص.

– يتذوّق النصّ بوصفه قيمة ثقافيّة، لا بوصفه قيمة جماليّة فقط.

– يكشف عن جماليّات أخرى للنص لم يُلتفت إليها من قبل.

– يكشف عن القيم الفعلية للخطاب الأدبي ووضعها في حيز التطبيق.

– يهتم بالنصوص المهمّشة.

– مجال عمله ورواده: يدرس النقد الثقافيّ وفق هذه النظرة كلّ خطاب بغضّ النظر عن كونه شعرًا أو نثرًا، أو حتى كلامًا شعبيًّا، لذلك نجد من مجالاته العلوم، والتكنولوجيا، والرواية التكنولوجيّة، والخيال العلميّ، وثقافة الصورة، والميديا، والثقافة الجماهيريّة، والاستشراق، والدراسات النّسْويّة، وثقافات البيئة، والعولمة Baligation، والدراسات الأدبيّة. ويُعنى النقد الثقافي بالمتلقى الجماليّ، والمتعلم، والشعبيّ. لذلك لم يكن غريبًا على الناقد الفرّنسي “رولان بارت” أن يبرح النقد النصّي للأدب إلى كتابة المقالات النقديّة حول سباق الخيل، والموضة، والأزياء…، وقد تبنىّ النقد الثقافيّ في كتاباته.

  • النقد الثقافيّ والهُوية الإنسانيّة

تتساءل الباحثة كاثرين بياسي: “ما الذي يجعلنا بشرًا؟ لا بدّ أنّ للثقافة دورًا في ذلك، ولكن ما حجم هذا الدور؟ وهل الثقافة وحدها مصدر هويتنا؟”[18]. هل نستطيع قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات المُهِمَّة أن نحدد مفهوم “الثقافة”، فمن “المعلوم أنّ مصطلح الثقافة عام، وعائم، وفضفاض في دلالته اللغويّة، والاصطلاحيّة، ويتعدّد من حقل معرّفي إلى آخر، وهو من المفاهيم الغامضة في الثقافتين الغربيّة والعربيّة على حدّ سواء”[19]. ونتيجة لتعدّد المفاهيم لمصطلح الثقافة، انعكس ذلك على المنسوب إليها (النقد الثقافي)، لذلك يحدث تقاطع بين الأدب والثقافة بوصفهما مفهومين قديمين ومتداخلين”[20]، الأمر الذي دفع إلى التقاطع مع معارف إنسانيّة مجاورة أهمّها: “نظريّة الأدب، وعلم الجمال، والتحليلين النفسيّ والفلسفة، والنظريّة الماركسية، والتاريخانيّة الجديدة، والإنتربولوجيّة، وعلم الاجتماع، والسيمياء وغيرها. ونلاحظ أنّ اللغة بوصفها فعلًا إنسانيًا تشكّل الرابط بين هذه الميادين، ويرى مارتن هايدغر “اللغة تبرز عالم الأشياء، مظهرة للعيان كِيانات، وأشياء، وألونًا، وأصواتًا منفصلة. بناءً عليه يدّعي هايدغر أنّ اللغة تشكّل الوسيلة الّتي ينهض من خلالها تاريخيًا عالمُ أيّ شعب من الشعوب، ويلاحظ هايدغر في الوقت نفسه أنّه بينما تشير هذه الصورة إلى ما يمكن قوله، تجلب اللغة أيضًا إلى العالم ما لا يقبل القول”[21]. نستطيع أن نستنتج العلاقة القائمة إذًا بين الثقافة واللغة، فالثقافة حقل معرفيّ يتمظهر من خلال اللغة الّتي تسمي الواقع والأشياء، بل الّتي تجلب غير الممكن والواقعي إلى حيّز الوجود من خلال التعبير عن المتخيّل بالكلمات. هذا المتخيّل الوهمي، أو الأسطوري يتحوّل مع الوقت إلى جزء من الثقافة الإنسانيّة السائدة، بل إنّه يتحوّل دليلًا على طبيعتها وشكلها، إذ تشكّل دراسة المتخيّل (خصوصًا الأسطوري) جانبًا مهمًا من دراسة ثقافات الشعوب. وهكذا يتحّدد موضوع النقد الثقافيّ بأنّه الفعل الإنسانيّ المعرفيّ الّذي قد يتجلّى بشكل نصيّ (نصوص الأدب)، وقد يكون له أشكال، وتجليات أخرى، من هنا يتسم النقد الثقافيّ بالشّمول.

ويرى كلّ من سعد البازعي، وميجان الرويلي “أنّ النقد الثقافيّ، كما يوحي اسمه نشاط فكري يتّخذ من الثقافة بشموليتها موضوعًا له ولتفكيره ويعبّر عن تطوراتها وسماتها”[22]. فيقف على عمليات إنتاج الأشكال الثقافّية من المؤسسات أو الأفراد وطريقة توزيعها واستهلاكها، فلا يهتم بدراسة النصّ ونقده، بل يتناول النص من خلال ما يكتشف عبره من أنظمة ثقافيّة “تتشكّل داخل منظومة مؤسساتيّة (أي ما وراء النصّ وليس النصّ نفسه)”[23].

ويبيّن الدكتور صلاح قنصوة “أنّ النقد الثقافيّ ليس منهجًا بين مناهج أخرى، أو مذهبًا، أو نظرّية كما أنّه ليس فرعًا، أو مجالًا متخصّصًا بين فروع المعرفة ومجالاتها، بل هو ممارسة تسعى إلى دراسة كلّ ما تفرزه الثقافة من نصوص سواء كانت ماديّة أو فكريّة، ويعني النص هنا كلّ ممارسة قولًا، أو فعلًا تولد معنى، أو دلالة”[24]. فالنقد الثقافيّ نقدٌ واسع المساحة ميدانه النشاط الإنسانيّ في المجتمعات كافة أينما وُجدت سواء أكانت بدائيّة أم متحضّرة؟، وهو لا يقف عند حدود النتاجات الإنسانيّة الفكريّة، بل يتعداها إلى نتاجاته المادية. فالنقد الثقافيّ موضوعه المقروء، والمسموع، والمشاهَد، فهو يبحث في النصوص اللغويّة كما يبحث في اللوحة، والمنحوتات، والموسيقى، والدراما، والسينما، والإعلانات، وغيرها من النشاطات الأخرى. والنقد الثقافيّ يعتد بالنتاجات الفرديّة لذا فهو لا يلغي نصوصًا، ولا يهمّش فئة ثقافيّة على حساب فئة أخرى، بل يحتوي الآخر ويصدر عنه. فهو ينطلق من حقيقة أنّ القواعد العامّة نتاج حالات فرديّة. لذا نراه يُعنَى بثقافات الشعوب البدائيّة، ويحتوي الآخر المغاير له ويهتمّ به، أو بالثقافات الشعبيّة، فضلًا عن النشاط النخبويّ، والمؤسساتيّ ونقده. والنقد الثقافيّ لا يرصد الظاهرة آنيًا، بل ينقب عن جذورها، ويكشف عن ارتباطاتها الفكريّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة، والاقتصاديّة، والتاريخية وما إلى ذلك، ولا يقف عند حدود المعالجة، أو النظرة السطحيّة التي تمسّ ظاهر الأشياء، بل يوغل في تحليل الظاهرة، واستخراج كوامنها، والكشف عن أنسقاها الخفيّة، لذا فهو لا يستوقفه جمال الظاهرة بقدر ما يسعى إلى اكتناه دواخلها، وسبر أغوارها، والوصول إلى ما يستقرّ فيها. ولمعرفة وظيفة النقد الثقافيّ لا بدّ من التعرّض لمفهوم جماليات الثقافة، وتتمثّل في مجموع القيم، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات، وأساليب التفكير، وطرق المعيشة المرتبطة بالجانب الثقافي، وهذه الجماليات تستلزم وضع آليات جديدة في النظرة إلى النصّ الأدبيّ، وتوسيع آفاق الرؤية[25]. ويبدو أنّ العلاقة بين الجماليات الثقافية، والجماليات الأدبيّة أنّ الثانية تندرج تحت الأولى، لكون الجماليات الأدبيّة – رغم ضروريتها في نقد الخطاب الأدبيّ – فإنّها غير كافية لمشروع النقد الثقافي[26].

إنّ النقد الثقافيّ كمذهب فكري يشهد ثراءً معرفيًا هائلًا، لأنّه يقوم على فكرة الثقافة التي تقوم بوظيفة مُهِمَّة في التطورات الاجتماعيّة، والسياسيّة، وكذلك في تطوّر هُويّة الفرد، وهذه الهُويّة تختلف من مجتمع إلى آخر، وهي سمة مائزة تجعل كل مجتمع يمتلك خصوصياته الثقافيّة التي ابتكرها، وأنتجها، وعايشها، ومن ثـــَمَّ فإنّ النقد الثقافي سيكون صالحًا للتطبيق على نصوص تنتمي إلى بيئات متعدّدة، ولغات متنوّعة لأنّه سيرتكز على سمات بيئة النصّ الثقافيّة، وقراءة لغته، وحياة أفراده الاجتماعيّة، والفكريّة، وعبر كل هذا لا بدّ من أن يتسلّح المنشغل بالنقد الثقافي بالتحليق في أفق العلوم الإنسانيّة كلها، ولا يتورّع في طرق أيّ باب يجد فيه ولو سببًا مفيدًا لفتح مغاليق النصّ الإبداعيّ[27]. وبعد استعراض الواقع النقدي اليوم، وعلى ضوء مستجداته، وأساليب تعامله مع الواقع، ننتقل إلى الكلام على الناقد الأديب جان توما وكتابه هويات معاصرة في الأدب والنقد.

  1. جان توما الناقد والإنسان

ولد جان عبدالله توما عام 1955 في مدينة الميناء طرابلس – لبنان، في أسرة أرثوذكسية محبة للعلم، تلقى جان توما علومه الأولى في مدارس مدينته، وصولًا إلى نيله شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية عام 2001، مارس التعليم في عدد من مدارس مدينة طرابلس والميناء، علّم في الجامعة اللبنانية، وحاز رتبة بروفسور، كما علم في جامعتي البلمند وسيدة اللويزة. وهو حاليًا رئيس قسم اللغة العربيّة في جامعة الجنان، ومشرف على رسائل الماستر، وأطاريح الدكتوراة في المعهد العالي للدكتوراة في الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعية في الجامعة اللبنانية، وجامعة القديس يوسف، ناشط في ميدان العمل الثقافي والاجتماعي، من مؤسسي عدد من الجمعيات، والمحافل الثقافية، والفكرية، له ما يقارب العشرين مؤلفًا في اللغة والأدب والنقد، فضلًا عن عدد كبير من الأبحاث، والدراسات النقديّة المحكّمة، والمقالات الأدّبية، منها: إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان، البحر وحضوره في ثقافة مدينة الميناء، المنتخب، والمختار في النّوادر، والأشعار لابن منظور، أدب الرّحلة والرّحالون العرب، وجوه بَحريّة، يوميات مدينة، هُويّات معاصرة في الأدب، والنقد الذي هو ميدان هذه الدراسة[28].

كل المنخرطين في الشأن الثقافي في طرابلس يعرفون جان توما، ويعرفون نشاطه الدائم وهمّته العالية، وبصمته المميزة في العمل الثقافي، كما يعرفه معظم أبناء المدينة بابتسامته الهادئة، ومحبته الكبيرة لطرابلس ومينائها، حيث تفتح وعيه الأول على نداء البحر وحكايات البحارة، وعلى أصوات الأمواج تعزف سيمفونيتها الأبدّية على وقع أصوات أجراس الكنائس ونداء المؤذّنين في المساجد في محبة وتآلف ووئام، يختلط فيها صوت تراتيل القداديس مع صوت تلاوات القرآن في حارات الميناء، وشوارعها المختلطة التي تجمع أهلها على المحبة والقداسة. في هذا الجو الإيماني العابق بالمحبة، والألفة، والتاريخ تفتّح وعي جان توما الأوّل، ونشأ فكره المعرفيّ والثقافيّ الذي انعكس لاحقًا في كل ما أنجزه، وأنتجه، وحقّقه في ميادين الثقافة، والمعرفة، والأدب، والنقد، فكان أولًا جان توما الإنسان الكونيّ، والناقد الشامل ذلك الذي يرى من بعيد الصورة الإنسانية كاملة، الناظر في الأعماق الذي يتبحّر في أعماق النفس البشريّة، ويرى دواخلها، ويطّلع على أسرارها، ويشرح كوامنها، ويفسر أحلامها، وتطلعاتها بما أوتي من حكمة وعمق نظر.

1.2. كتاب هويات معاصرة في الادب والنقد

في هذا الكتاب انعكاس لما أشرنا إليه، فتنوّع موضوعات الكتاب، وشمولها يعكس ذلك الغنى الثقافيّ في فكر جان توما، كما أن عمق المعالجة، والنفاذ إلى أعماق تلك الموضوعات يعكس رؤية توما الإنسانيّة، والشاملة، والعميقة للأدب، والإنسان، لذلك فإنّ قراءة هذا الكتاب هو مغامرة إنسانيّة ثقافيّة أدبيّة، ونقديّة بكل المقاييس، لن تخرج منه من دون أن تغني الفكر، والعقل، والذوق معًا. يقع هذا الكتاب في ثمانية أقسام، ومع أنّ الحدود بين أقسامه غير صارمة وحاسمة لتداخل موضوعاته التي يجمع بين حبّاتها خيط إنساني متين، لكن الكاتب قسّم موضوعات الكتاب: القسم الأول حمل عنوان دراسات وهو مجموعة من الدراسات النقديّة الأكاديميّة المحكّمة والدراسات النقديّة الثقافيّة التي أعدّها توما وشارك فيها في مؤتمرات وملتقيات محليّة ودولّية أو نشرها على صفحات المجلات، وحمل القسم الثاني عنوان مراجعات كتب عرض فيه الكتاب للدراسات والمداخلات التي أعدّها حول العديد من الكتب الأدبيّة والأكاديمّية الصادرة في طرابلس ولبنان، وقد نشر العديد من هذه المداخلات والمراجعات النقديّة في الصفحات الثقافيّة للصحف والمجلات المحليّة، أما بقية الأقسام فقد جاءت تحت العناوين التالية: مقدمًا لكتب صادرة – مداخلات ندوات وتقديم – تقديم ندوات ولقاءات – تاريخ وتراث ومواقف – وجوه – أبحروا في الذاكرة. ونلاحظ من خلال هذه العناوين أن الكاتب جان توما جمع في هذا الكتاب خلاصة نشاطه الفكري والثقافي في سنوات ٢٠١٧ وما بعدها إذ سبق وأصدر كتاب “إطلالات على الأدب المعاصر في لبنان” عام ٢٠١٦، وهو يؤرخ للحركة الأدبية والحياة الثقافية في طرابلس ولبنان عبر الإصدارات المتنوعة مطلع القرن الواحد والعشرين، وأرّخ من خلاله لحضوره البارز في ميدان الثقافة في طرابلس والشمال، بل على امتداد الوطن، كما أن موضوعات الكتاب تشكّل بحدّ ذاتها تأريخًا للحركة الثقافيّة الّتي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة، وهنا تكمن الأهمية الكبرى للكتاب الذي بين أيدينا، ففي ظلّ غياب المؤسسات الثقافيّة المعنيّة بتسجيل النشاطات المعرفيّة والثقافيّة الّتي تشكّل مادة مهمة لدراسة المجتمعات، يأتي هذا الكتاب ليؤدّي دورًا مهمًا في هذا المجال. وننتقل الآن إلى دراسة الأبعاد الإنسانيّة في كتاب “هُويات معاصرة”، والنزعة الإنسانيّة في النقد عند جان توما.

  1. النزعة الإنسانيّة في النقد عند جان توما

سنحاول الآن تحديد أبرز الأفكار الإنسانية التي تجلّت في المقالات النقديّة في كتاب “هُويّات معاصرة”، وقد قسمنا المباحث وفق الشكل التالي:

  • البُعد الدينيّ في النزعة الإنسانيّة.
  • البُعد الوطنيّ في النزعة الإنسانيّة.
  • البُعد الأكاديميّ والعلميّ في النزعة الإنسانيّة.
  • البُعد الاجتماعيّ في النزعة الإنسانيّة.

نرى بوضوح من خلال هذه المباحث أنّ الناقد جان توما يعكس إنسانيّة شاملة تطال مناحي الحياة وجوانبها العديدة، إذ لم يقتصر بُعْدُ الإنسانية عنده على جانب محدّد، بل نراه يسكب إنسانيته على الحياة الّتي يعيشها، فتسيل بين كلماته وأفكاره، وتنعكس في عمله النقدي.

1.3 البعد الديني في النزعة الإنسانية

لقد أشرنا سابقًا إلى حياة التعايش التي عرفها جان توما، فهو ابن أسرة مسيحية مؤمنة، عاشت في أجواء مدينة الميناء التي يختلط فيها صوت أجراس الكنائس بصوت المؤذنين، وقد تجلّى ذلك في كتاب “هُويّات معاصرة” من خلال الموضوعات التي أثارها الكتاب، والمناسبات التي ذكرها، والشخصيات التي تناولها. لقد تناول الكاتب في عمله شخصيات عديدة من المشتغلين بالأدب والفكر والثقافة ورجال الدين، ولم يميز بين مسيحي وغير مسيحي، فنجده يتكلم في مناسبات تكريم عدد من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، كما في كلمته في “تكريم الشيخ ناصر الصالح[29] مؤسس جمعية مكارم الأخلاق في الميناء والأب غريغوريوس موسى”[30] التي جاء فيها: “عندما يدعوك الشباب الطالع إلى تكريم شيخين جليلين فاعلم أن هذا الميناء بألف خير، وان شباب اليوم بألف وعي ووعي، من صفات مكارم الأخلاق أن يحترم الشباب خبرات كبارهم”[31]. نلاحظ كيف انتبه توما إلى اسم جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية في الميناء، وانتبه إلى دور الشباب في نبذ العصبيّة والطائفية، فالوطن بخير والأجيال بخير طالما أنه لا ّطائفية في قلوبهم، بل محبة وتعايش دائمين، يقول في النص نفسه واصفًا الأب غريغوريوس موسى: “سكن خمسين سنة في الميناء، مجاورًا عائلات من النسيج الأهلي المتعدّد، بمودة ورضى… وهو باقٍ على عهده في محبته التي تسع الجميع، وتتسع لتسامح الكثيرين”[32]. أليس هذا ما يجب على رجال الدين المؤمنين المخلصين أن يكونوا عليه؟!

لقد أكد جان توما على فكرته هذه في كلمته حول مفتي طرابلس الأسبق سماحة الشيخ مالك الشعار[33]، فمَهَمَّة رجل الدين نبذ الطائفية، والتعصب، وبلسمت جراح الناس، يقول متحدثًا عن سماحته: “جهر بشجاعة لا تُجارى بنبذه للمذهبيّة والطائفيّة البغيضتين، وهو بلسم ليس فقط لأبناء طائفته الكرام، إنما لكلّ المكوّنات البشريّة التي يتألف منها نسيجنا الشمالي”[34]. نقل توما عن الطرابلسيين تسمية مفتهيم بمفتي طرابلس أي مفتي المسلمين والمسيحيين على حد سواء[35]. فأيّ سماحة تجمع أبناء المدينة؟! وأيّ محبّة هذه التي وصفها جان توما. لا يقتصر التسامح الدينيّ، والنزعة الإنسانيّة عند توما على الشخصيات المسيحيّة والإسلاميّة، فالقضية أعمق من ذلك في وجدانه، وهو الذي عايش المدينة في كلّ أوقاتها، بحروبها وسلامها وتشبع من عاداتها وتقاليدها وطقوسها المقدسة على مدى الحول، فنراه يطارد المناسبات المقدّسة الإسلاميّة والمسيحيّة، ويصف أجواء القداسة المغمورة بالمحبة والتعايش، يقول واصفًا ليالي رمضان المباركة:” كانت الأمسيات الرمضانيّة وما زالت، تعبيرًا عن وحدة حال ووحدة عيش”[36]. هذه المناسبات يعيشها المسلمون والمسيحيون بفرح واحد إذ “كانت الطفلة ميشلين تنتظر صوم شهر رمضان لتصير أميرة المطابخ في حارة من حارات المدينة القديمة، إذ تنصرف بعد الظهر إلى الجيران الصائمين وخصوصًا بيت (أم أحمد)، حيث تقوم الطفلة ميشلين بتذوق طعم الطبخ من الطنجرة بملعقة لتشير إلى أم أحمد بزيادة الملح أو عدمه”[37].

في الحقيقة لا يرى جان توما الوحدة تقتصر على المشاركة في الطقوس الدينيّة، بل هي محبة أعمق واهتمام كبير يبديه الأهل والأحباب، فالصوم في رمضان تطهير للروح من العصبية والطائفية، يقول جان توما: “في أمسيات رمضان كانت نساء الحي المسلمات لا يفطرن إلا بعد أن يتأكّدن من أنّ لطيفة ونظلة تناولتا من زاد رمضان الواصل إليهما من أحبتهما في الحي، كانت لطفية ونظلة المسيحيتان في حي يقطنه مسلمون كقنديلين رمضانيين”[38].

وكما في ليال رمضان المباركة كذلك في ليلة الميلاد المقدسة، فالمؤمنون كلهم أبناء الله، وهم يحتفلون بهذه الليلة المباركة، يقول توما: “تجمع الكتب المقدسة (القرآن والإنجيل) على أن المولود هو كلمة الله تعالى، وأن السيدة العذراء مريم هي التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى وطهّرها من أجل هذه الولادة العجيبة. من هنا يأتي الاحتفال بعيد الميلاد المجيد مشتركًا بين الذين اعتصموا بحبل الله تعالى جميعًا، معلنين التزامهم قضية السلام على الأرض، ذلك السلام الذي يصنعه رب العالمين”[39].

في هذه الفقرة المعبرة يغرف جان توما من معين لا ينضب لديه من الثقافة الإسلاميّة والمسيحيّة، فنجده يستخدم مصطلحات القرآن الكريم في وصف السيدة مريم، ويتحدث عن الذين اعتصموا بحبل الله، جامعًا تحت هذا الحبل المبارك أبناء المدينة المسلمين والمسيحيين. لا يكتفي توما بالمواسم المقدّسة ليحكي لنا عن روح الإنسانيّة، والتعايش في المدينة، بل إنّ هذا التعايش فعل أصيل على مدى العام، وكلّ الظّروف والأحوال، يقول توما واصفًا سلوك أبناء الميناء من الطائفتين: “أبو مصطفى لم يتخل عن سجادة صلاته، حين دعته عائلة أبي جورج إلى مشاهدة فيلم “الرسالة”، وكانت آلة الفيديو في أول ظهورها أوائل السبعينيات… كان أبو مصطفى يتمتم “الله أكبر”. عند انتهاء الفيلم قام مع عائلته للوضوء، والانسحاب إلى ركن هادئ في الدار للصلاة. أيقن الصغار، في العائلتين على اختلافهما، أن السجدة تقي العثرات، وأن الدعاء للآخر في صلاتك يساعده”[40]. نختم الكلام على البُعد الإنسانيّ الدينيّ عند توما بقوله واصفًا مدينة طرابلس التي عاش فيها، وعايش ناسها بكلّ طوائفهم ومذاهبهم: “هذه طرابلس ادخلوها بسلام آمنين مطمئنين لأن نسيجها الأهلي. يعكس مسراها ومجراها في التاريخ والحاضر والمستقبل”[41]. يغرف توما هنا من معين ثقافته الغنيّة بالمصطلحات الإسلاميّة، وهو يبث رسالة أنّ طرابلس كانت وما زالت وستبقى للجميع، مدينة الإنسانيّة ونبذ التعصب والطائفيّة، يبدو جان توما مستلهمًا الماضي والتاريخ ليرسم مستقبلاً من المحبة والألفة، والإنسانيّة الرفيعة الّتي سيعيشها الناس في المدينة، وهنا يبرز دور المثقف الرساليّ والرسوليّ، وتوما واحد من هؤلاء.

في الحقيقة لا يقتصر البعد الإنسانيّ عند جان توما على الجوانب الدينيّة، بل هو نهج فكر وحياة، تجلى في مسيرة هذا الناقد الفذّ، والأديب الألمعيّ، سنتابع الآن مع تجلياته الإنسانية في بُعدها الوطني الشامل.

  • البعد الوطني في النزعة الإنسانيّة

لا يقتصر الوطن عند جان توما على الحدود الجغرافيّة للبنانه الحبيب، بل إنه يرى الوطنية انتماء جامعًا إلى العروبة بكلّ ما تحمله الكلمة من قيم الثقافة والفكر والروح المتوقّدة، يؤمن توما بالعروبة “المنفتحة”[42]، تلك التي تمدّ الجسور مع الآخرين ولا تقصي أحدًا، عروبة إنسانيّة تسع الجميع. لكن أبرز مواقف توما العروبيّة والوطنيّة، إن صحّ التعبير تلك المتعلقة بفلسطين، التي دافع عنها في غير محفل، بل ربّما إنّ اختياراته للشخصيات العروبيّة والوطنية ليقدّمها أو ليقدّم بعض إصداراتها لخير دليل على هذا البُعد الوطني، يقول جان توما متحدثًا عن عبدالمجيد الطيب الرافعي[43]:” هذه الخارطة التي خطها “الطيب” في باله وقلبه امتدت منذ بدايات نضاله، إلى المدى العربيّ والقوميّ آملًا أن يحذو المسؤولون حذوه في المناداة بالعدل، وأن يتوحد العرب، وأن نبرأ من العدو الإسرائيليّ الذي يفرز السموم ليفتت الأمة”[44]. صحيح أنّ البعد الوطنيّ يصل عند توما إلى العروبة بأسمى تجلياتها، إلاّ أنّها تنطلق من انتمائه الطرابلسيّ اللبنانيّ، يقول توما واصفًا علاقته بفضيلة الشيخ ماجد درويش[45]: “إنّ طرابلس في مسامنا، والوطنية في بصماتنا، والعروبة في قلوبنا، والقدس ملاذ أفئدتنا ودعواتنا، وسماحة الإسلام والمحبة المسيحية مساحات لقاءاتنا”[46]. هكذا تبدو وطنية توما مكتملة الأقانيم، في ثلاثيّة موحّدة غير منفصلة العرى، فتوما لا يفصل لبنان عن عروبته، ولا يخرج طرابلس من لبنانيتها وعروبتها، فإذا كنت طرابلسيًا وطنيًا أصيلًا، فأنت لبنانيّ عربيّ. تتحول الوطنية والعروبة انتماء إنسانيًا لدى أديبنا، فهل العروبة تعصب، وتطرّف، وفرقة، ومذهبيّة؟! أم إنّها محبة وسماحة؟! وفوق ذلك فإنّ القضية الأساس في عروبة جان هي فلسطين، لقد عرف الكاتب أنّ فلسطين قضية إنسانيّة عادلة، وأنّ الحقّ لا يجب أن يضيع، وأن من تمام الإنسانيّة مساندة المظلوم في وجه الظالم، على هذه الأسس الإنسانيّة بنى توما موقفه من فلسطين، جاعلًا منها القضية الأبرز، بل ربما هي القضية الوحيدة الّتي توقف عندها في السياسة، إذ إننا نجد نضاله الفكريّ والثقافيّ واضحًا في عدد من القضايا، ولكننا لا نكاد نجد لتوما موقفًا سياسيًا إلا في القضية الفلسطينيّة، وكما أسلفنا، فإنّ البُعد الإنسانيّ، وعدالة القضية هما ما دفعاه إلى إعلان موقفه من هذه القضية. في الحقيقة لا يقتصر البُعد الوطنيّ العروبيّ عنده على هذه المواقف، فتجده يسعى إلى احتضان الأفق العربي الأرحب، فيتناول في ما يتناول من كتب كتابًا يهتم بالشأن العربي بأسره، وبالتنمية الثقافية في المدن العربية، هو كتاب سامر خير أحمد “إدارة التنمية الثقافيّة في المدن العربية”[47]، الذي يرى مؤلفه أنّ التنمية العربيّة تبدأ من تنمية الثقافة ودعمها، وقد اختار توما هذا الكتاب ليتحدث عنه لأنه يسعى إلى تحقيق هدف إنساني يشمل رفاهية الإنسان العربي، يقول توما: “التنمية عملية اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافية شاملة، تستهدف التحسّن المستمر لرفاهية الناس”[48].

إذًا هدف توما الأساسيّ هو الإنسان العربيّ، يؤمن به ويسعى إلى رفاهيته، ويتوسّل الفكر والثقافة لتحقيق هذه الغاية السامية والنبيلة. لا تقتصر النزعة الإنسانيّة في البُعد الوطنيّ عند توما عند الأفكار التي عبّر عنها، فنحن نستطيع أن نستشف ذلك من خلال اختيارات توما النقديّة، فهو يكتب عن كبار الأدباء والمفكرين العرب، كشوقي[49]، وملك حفني ناصف[50]، والدكتور عبد المجيد الطيب الرافعي[51]، المطران جورج خضر[52]، والدكتور خالد زيادة[53]، والنقيب رشيد درباس[54] وحسين ضناوي[55]. وغيرهم ممن حمل الفكر العروبيّ، ودافع عنه، وكتب فيه. كتاب هُويّات معاصرة (في الأدب والنقد) يحمل هُويته العروبيّة التي بثها كاتبنا في تضاعيف الكتاب، وليس ما أسلفنا ذكره سوى لمحة عن تجليات النزعة العروبيّة بشكل إنساني على صفحات الكتاب، وفي فكر جان توما الناقد والإنسان. وسننتقل الآن إلى الحديث عن النزعة الإنسانيّة في فكر جان توما العلمي والأكاديمي.

  • البعد الأكاديميّ والعلميّ في النزعة الإنسانية

أديبنا جان توما في الأصل أستاذ جامعيّ، وباحث أكاديميّ، وكان لا بدّ لعمله في المجال التعليميّ من أن ينعكس في اختياراته النقديّة، لكن ثقافة الأديب واتساعها إلى آفاق رحبة كان له أبلغ الأثر في توسعة آفاق الدكتور جان توما النقديّة، لذلك وجدنا توما يغطي أنواع الكتب، والدراسات، ومجالات البحث العلمي الأكاديمي المتعدّدة، فله دراسات حول الشعر والرواية، وكتب السيرة، والفلسفة، والفكر، والتاريخ، والنقد في ما يعرف بنقد النقد، فضلًا عن علم النفس، والفنون بأنواعها المتعدّدة، صنفها جان توما وبوّبها ورتّبها في كتابه الجامع “هُويات معاصرة (في الأدب والنقد)”. إنّ التنوّع في موضوعات الكتاب يشير بوضوح إلى العمق الإنسانيّ الّذي يجسّده الكاتب، لكن جان أخذ خطوة أبعد في نزعته الإنسانيّة، من خلال اختياراته النقديّة، إذ نجده لا يقتصر على كبار الشعراء، والأدباء، والكتّاب ليكتب عنهم، بل نراه يكتب عن المؤلفين المغمورين من أبناء المدينة المبدعين، وعن الشعراء الشعبيين، فكل أدب أصيل يستحق الالتفات إليه، ويعالج موضوعًا إنسانيًا يطال حياة البشر على هذا الكوكب فسيكون حتمًا في صلب اهتمامات جان توما، يقول متحدثًا عن أحد الشعراء العاميين: “هو يعبر عن معاناة الشعب اللبناني بشكل خاص والإنسان العربي بشكل عام مما يجري حوله من مؤامرات خارجية وداخلية لتمزيقه وزرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد”[56]. ويتابع توما في نزعة إنسانيّة تدرك أنّ قيمة الإنسان الحقيقيّة نابعة من قدرته على التعبير عن معاناة أخية الإنسان، وليس من حجم الشهادات التي يحملها، أو من أسماء المدارس والجامعات التي ارتادها، يقول: “شاعر الميناء الشعبي مصطفى غنوم لم يدرس في مدرسة أو في جامعة دراسة منتظمة، لكن دفتر البحر وكتاب الأسواق الشعبيّة جعل منه مثقفًا وشاعرًا… ليس عيبًا أن مصطفى غنوم تعلّم من أصحاب عربات الخضرة فيما كانوا ينادون على بضاعتهم”[57].

كما يهتم بالمبدعين الشباب من طلابه وتلاميذه، يقصده المؤلفون الجدد ليكتب عنهم وليشارك في ندوات حول باكورة نتاجهم الأدبيّ والفكريّ، فلا يرد أحدًا خائبًا، بل يحنو عليهم بعطف أبويّ تشجيعًا لهم على المزيد من الكتابة والإبداع.

يقول متحدثًا عن كتاب بتول دندشي[58] كثير من الحب قليل من الوقت: “تأتي ريشة “بتول دندشي” اليافعة من مقاعد الدراسة الجامعيّة لتقول كلمة في هذا العالم الأدبيّ الذي لم يبق للشباب غيره في زمن التخبّط والاضطراب”[59]. نلاحظ اهتمام الكاتب بالشباب ودورهم، وحرصه عليهم في هذا الزمن الصعب، بتول كانت طالبة في السنة الثالثة عند جان توما، اهتم بموهبتها، وآمن بها، وشجعها للتقدّم في ميدان الكتابة والإبداع، كما فعل مع غيرها الكثير من طلابه الشباب.

في الواقع نستنتج أن الكاتب لا يفكر بحسابات المصلحة والربح والخسارة، بل يعدّ أن من واجبه مساندة الشباب ومساعدتهم على التقدّم في ميادين الحياة، وهذا يعكس إنسانيته العالية، التي تتجلى في الميدان الأكاديميّ والعلميّ.

ولا يقف الأمر عند حدود الطلاّب الشباب والكتّاب الجدد، فتوما يؤمن بالشباب كلّهم وبدورهم القادم، فنجده لا يفوت فرصة إلاّ ويستغلها في الثناء على الشّباب ودورهم، يقول مستهلًا كلامه في حفل تخريج الدفعة التاسعة والثلاثين من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الذي أقيم في معرض رشيد كرامى الدولي بتاريخ 25-7-2019: “مساء العقول الراجحة والشباب الطالع. لكم معارضكم ولنا معارضنا، لكم موازنتكم ولنا موازنتنا، هؤلاء الشباب معرضنا وموازنتنا، هؤلاء أبنائي فجئني بمثلهم”[60]. وهكذا يراهن توما على الأجيال القادمة، ويرى أنهم المستقبل والأمل، وهذا يبرز موضوعيته العلمية، فالحق والخير ليس حكرًا على جيل من دون الآخر، فالإنصاف والعدل يحتم على الإنسان لتتم إنسانيته أن يرى الحق أنى وجد. ويقول في مقال معبّر عن شباب نيوز: “أن يغامر الشباب لتحقيق أحلامهم هو من مسلّمات نجاح المجتمعات في الإيمان بهم، ورفد محاولاتهم بالتشجيع والتقدير، وهو باب من أبواب الإبداع الفتي الذي لا بد من مساعدته ودعمه ليكون الشباب حافزًا على تحسين الأداء وصقله بالعلوم الوافدة القادرة على مواكبة حركة الشباب التغييريّة”[61]. يعكس هذا النص على بساطته رؤية توما الإنسانيّة إلى دور الشباب، فهم رسل نهضة المجتمع، وأدوات التطوّر والنهّوض والإبداع، وعلى المجتمع أن يشجّعهم ويدعمهم ويقدم لهم كلّ ما يستطيع، وهذا ما فعله جان توما، فكان الإنسان والأب لطلابه ولغيرهم من الشباب الطالع، يشجعهم، ويدعمهم، ويقدّم لهم من نفسه المعطاءة ليكونوا رجال الغد الفاعلين. نكتفي بهذا القدر في مجال النزعة الإنسانيّة في البعد الأكاديميّ، وإلاّ فالحديث يطول، وننتقل إلى دراسة النزعة الإنسانيّة لدى توما في بُعدها الاجتماعيّ الأرحب.

4.3 البعد الاجتماعي في النزعة الإنسانية

يؤمن جان توما بالإنسان، ولا يقف عند حدود الإيمان القلبيّ، بل وجدناه يسخر قلمه خدمة لأخيه الإنسان في هذا العالم الكبير، ولا يمكن الحديث عن الإنسانيّة إلاّ ضمن مجتمع بشريّ يتفاعل فيه الناس في ما بينهم، ويحيون الحياة الإنسانيّة التي ارتاضاها الله لخلقه. لقد قادتنا المباحث السابقة إلى هذا المبحث، فالحديث عن البُعد الدينيّ والوطنيّ والعلميّ يأتي ليصبّ في مصلحة الإنسان الذي يحيا في مجتمعه ضمن عائلته الصغيرة وعائلته الأكبر في هذه اللحمة الإنسانيّة بكلّ أشكالها، حديث توما عن المجتمع وناسه يحمل هذه النزعة والمحبة العالية، ليكون الإنسان أخًا لأخيه الإنسان في كلّ مكان، ولا سيما ذلك الذي يحيا معه ضمن مجتمع واحد. نظر جان توما ثاقب فهو يخترق القشرة الخارجيّة للمجتمع اللبنانيّ والطرابلسيّ، ليلج إلى عمقه الكامن في العلاقات الإنسانيّة والتفاعل بين جميع أبناء المجتمع، وضمن هذا الإطار يغدو لكلّ إنسان دوره الفاعل في بيئته وفي علاقاته بالآخرين، فليس هناك عنصر مهم في المجتمع وعنصر غير مهم، فالكلّ سواء، والإنسانيّة تجمع بين طياتها الجميع. يكتب توما عن مجتمعه بإنسانيّة دفّاقة، فلا ينسى أحدًا، يكتب عن رجالات المجتمع الكبار، وأدبائه، ومفكريه، ورجال الدين كما أسلفنا، لكن توما لا ينسى البسطاء والمحرومين والمعدمين، يكتب جان توما عن الأرامل والأيتام والباعة المتجولين…وغيرهم الكثير ممن عايشهم وعايشوه في الميناء وطرابلس، فهؤلاء جزء من المجتمع الإنساني أدوا أدوارهم في مجتمعهم، أحبوا الناس وأحبهم الناس، لذلك على الإنسانية أن لا تنساهم كما يرى توما، فكلّ إنسان مهمّ فقط لأنه إنسان. يفرد ناقدنا فصلًا في كتابه تحت عنوان “أبحروا في الذاكرة”، يتناول فيه سيرة مجموعة من الشخصيّات، منها شخصيات بارزة في المجتمع، ولها حضورها الكبير في الساحة السياسيّة والفكريّة والثقافيّة، لكنه يتناول الجانب الإنسانيّ في بُعده الاجتماعيّ، من هؤلاء نائب طرابلس في البرلمان اللبناني الدكتور عبد المجيد الرافعي أو طبيب الفقراء، فجان توما لا يتحدث عن تجربة الرافعي السياسية أو الحزبية، بل يتناول الجانب الإنساني من شخصيته وعمله كطبيب، يقول: “وحدها سماعة الحكيم كانت تلملم نبضات قلوب المنكسرين القابعين في الأسواق القديمة المقهورة النائمة على جوع أطفالها وأنين مرضاهم، عبد المجيدالرافعي دخل إلى جرح المدينة العتيقة محاولًا تخفيف أوجاع من أحبه”[62].

فالدكتور عبدالمجيد الرافعي كان معروفًا بأنه في كل ليلة ينطلق مع أدواته الطبيّة ليعالج فقراء المدينة، ويشتري لهم الدواء على حسابه الخاص ويساعدهم، هذا الجانب هو ما وجده جان توما جديرًا بالذكر والتنويه، فالعمل الإنسانيّ وخدمة الإنسان هي أسمى الغايات. وعلى هذا النحو يذكر توما أوجيني منصور قرى ابنة الميناء، يقول فيها: “صرفت عمرها في الخدمة المجانيّة. كانت تعرف في قرارة نفسها أنها أم للجميع”[63]. في الكتاب ذكر للعديد من الأشخاص الذين خدموا مجتمعهم، وقدموا للناس، لا يحفل توما كثيرًا بأي إنجاز حققوه سوى هذه المحبة الإنسانيّة التي تفيض تفيض عطاء على الآخرين، يتابع متحدثًا عن أوجيني: “راحت تخدم في مجلس الرعية ومن ثم تخفّف من أوجاع العجزة وتسهر على راحتهم في بيت الشيخوخة، كانت تعرف أنه من يلطف بالشيوخ سيلطف الله به وبأحبته”[64]. سيكون ملكوت السماء لهؤلاء، فلا يمكن أن تكون إنسانًا إلا بقدر ما تفيض عطاء في المجتمع، هذه هي القيم الإنسانيّة الاجتماعيّة التي عبّر عنها توما في كتابه “هُويّات معاصرة”، لكن لم يغب عن بال ناقدنا أن يلتفت أيضًا إلى النواحي الإنسانّية المجتمعيّة في غير مكان من الكتاب، فهو تحدث عن صورة المرأة في الأمثال الشعبية[65]، وتناول دورها الاجتماعيّ والأبعاد الإنسانيّة التي تضطلع بها.

ما تناول الأعياد والمناسبات الدينيّة والعلاقات الاجتماعيّة[66]. وتحدث عن الجانب الإنساني في سلوك الناس وتواصلهم وتراحمهم ومحبتهم، ويضيق المجال عن ذكر كلّ النواحي والسلوكيّات الإنسانيّة الّتي حضرت بقوّة في هذا الكتاب.

  1. خاتمة

جان توما ناقد مفعم بالإنسانيّة في مداها الأرحب، بحث عن الإنسانيّة الحقّة في كلّ ما كتبه، لذلك انطلق من الإنسان ليصل إلى الإنسان، دخل ملكوت الإنسانية الرحب، ومنه ولج مغمورًا بالنور المقدس إلى ملكوت الله. لقد انعكست في هذا الكتاب أصداء تفكير توما وإيمانه، فلا يمكن أن يبحث عن موضوع يخلو من جانب إنسانيّ أو لفتة في هذا المجال، فالإيمان الدينيّ وسيلة لخدمة الإنسانيّة، والوطنيّة تمامها، والعلم والمعرفة سراجها، والمجتمع غايتها. كيف يمكن فهم هذا الكتاب بمعزل عن شخصيّة النّاقد الإنسانيّ جان توما؟! أو بمعزل عن الحياة الغنية الّتي عاشها بكلّ ما فيها من عطاء إنسانيّ وزخم ثقافيّ؟!

في الحقيقة يثبت هذا الكتاب أنّ الأدب والنّقد لا ينفكان عن شخصيةّ مبدعهما، وأنّه لا يمكن لنظريّة نقديّة أن تنطلق من فراغ الماديّة لتلج إلى أعماق نصّ أبدعه إنسان من لحم ودم ومشاعر وأحاسيس.

لذلك يشكلّ كتاب توما هويّات معاصرة (في الأدب والنقد) دليلًا على أهمية النقّد الثقافيّ ما بعد الحداثيّ، الذي يعيد المركزيّة للإنسان والسلطة للإنسانيّة، ويشكلّ الردّ الأبرز على الحداثة والبنيويّة وما رافقها من عزل للأديب عن نصّه، وإبعاد لكلّ ما هو إنساني عن بؤرة التركيز، والاهتمام بالشكل على حساب المضمون الإنساني، والمعنى الأعمق للأدب. في هذا الكتاب ينطلق الناقد الإنسان مع الأديب الإنسان لملاقاة الإنسان في مجتمعه، وبيئته وحياته وجميع سلوكياته، ليصل من خلاله إلى فهم الإنسان في وجوده وإيمانه، بل ليصل إلى ملكوت الله الذي جعله لعباده المؤمنين بالإنسانية. جان توما ناقد اكتملت إنسانيته، فحمل هم الإنسان وقضيته وسار بها، فانعكس ذلك إبداعًا من نوع آخر، وليس هذا الكتاب سوى إحدى تجليات وجوه توما الإنسانية. وختامًا، لا يمكن للنقد أن يكون حرفة وصنعة ومهارة يتقنها المتدربون، هذا الكتاب يجعلنا نؤمن أن النقد عمل إنساني، ومنحة إلهية يجعلها الله لخاصة أوليائه، وجان توما أحد أولئك الأبرار المباركين.

ثبت المصادر والمراجع

  • الإدريسي الكيدي، حسناء.البنيوية في النقد الأدبي، مدخل تعريفي، بحث منشور في صحيفة “قاب قوسين” الإلكترونية، بتاريخ 11/23/2015.
  • آل وادي، علي شناوة. سليمان، سامر قحطان. النقد الفني دراسة في المفاهيم والتطبيقات، دار الرضوان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2014.
  • الأنصاري، يوسف عبدالله. النقد الثقافي وأسئلة المتلقي، أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد، جامعة أم القرى 142هـ – 2008م (http://uqu.edu.sa/).
  • بن سليم العطوي، أحمد.أنماط القراءة النقدية في المملكة العربية السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، ط 1، 2010.
  • بياسي، كاثرين.الثقافة والواقع، ترجمة باسل المسالمة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2004.
  • جاكسون، ليونارد.بؤس البنيوية. ترجمة ثائر ديب، ط2، دار الفرقد، دمشق، 2008.
  • حمداوي، جميل.النقد الثقافي بين المطرقة والسندان، من مدونته على الانترنت، تاريخ النشر السبت 7 – 1 –2012.
  • خضر حمد، عبدالله.مناهج النقد الأدبي السياقية والنسقية، دار القلم للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، لا طبعة، لا تاريخ.
  • ديتش، ديفيد.مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ترجمة محمد يوسف نجم، ط 1، دار صادر، بيروت، 1969.
  • الرويلي،ميجان.البازعي، سعد.دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت-لبنان، ط3، 2002.
  • عزام، محمد.تحليل الخطاب الأدبي. منشورات اتحاد الكتاب، دمشق، 2003.
  • الغذامي، عبدالله. النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، لبنان، بيروت، ط 3، 2000.
  • قنصوة، صلاح. تمارين في النقد الثقافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط 1، 2007.
  • ليتش، فنسنت.النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات،تر محمد يحبى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2000.
  • يعقوب، إميل.موسوعة أدباء لبنان وشعرائه، دار نوبليس، بيروت، ط 1، ص 186.
  • Bensmaïa, Réda. Post-structuralism, article published in Kritzman, Lawrence (ed.) The Columbia History of Twentieth-Century French Thought, Columbia University Press, 2005.
  • Craig, ed. 1998. Routledge Encyclopaedia of Philosophy. Vol. 7 (Nihilism to Quantum mechanics). London and New York: Routledge. ISBN 0-415-18712-5.
  • Davis, Levinas: An Introduction“; 2006; Continuum, London.
  • Deleuze, Gilles. “How Do We Recognize Structuralism?” 2002. In Desert Islands: and Other Texts 1953-1974. David Lapoujade. Ed. Michael Taormina. Semiotext (e) Foreign Agents ser. Los Angeles and New York: Semiotext (e), 2004. 170-192. ISBN 1-58435-018-0.
  • Harrison, Paul. 2006; “Post-structuralist Theories”; in Aitken, S. and Valentine, G. (ed); 2006; Approaches to Human Geography; Sage, London.
  • Martin Heidegger, Poetry language, Thought, Trans, Albert Hofstadter, New York, Hayen& Rowe.
  • G Merquior, (1987). Foucault (Fontana Modern Masters series), University of California Press, ISBN 0520060628.
  • Mark Poster (1988) Critical theory and poststructuralism: in search of a context.

 

 

 

** أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة.

[1] – مواليد الميناء، طرابلس، كاتب وناقد، مراجعة: إميل يعقوب، موسوعة أدباء لبنان وشعرائه، دار نوبليس، بيروت، ط 1، ص 186.

[2] – صادر عن مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، دار البلاد، طرابلس، لبنان، 2020.

[3]– حسناء الإدريسي الكيدي، البنيوية في النقد الأدبي، مدخل تعريفي، بحث منشور في صحيفة “قاب قوسين” الإلكترونية، بتاريخ 11/23/2015.

[4]– ديفيد ديتش، مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ترجمة محمّد يوسف نجم، ط 1، دار صادر، بيروت، 1969، ص 500.

[5]– محمد عزام، تحليل الخطاب الأدبي. منشورات اتحاد الكتاب، دمشق، 2003، ص 9.

[6]– ليونارد جاكسون، بؤس البنيوية. ترجمة ثائر ديب، ط2، دار الفرقد، دمشق، 2008، ص167.

[7]– المرجع السابق، ص 172.

[8]– Gilles Deleuze, “How Do We Recognize Structuralism?” 2002. IN Desert Islands: and Other Texts 1953 – 1974. Trans. David Lapoujade. Ed. Michael Taormina. Semiotext (e) Foreign Agents ser. Los Angeles and New York: Semiotext (e), 2004. 170 – 192. ISBN 1-58435-018-0. p.171 – 173.

[9] – Edward Craig, ed. 1998. Routledge Encyclopaedia of Philosophy. Vol. 7 (Nihilism to Quantum mechanics). London and New York: Routledge. ISBN 0-415-18712-5. p.597.

[10]– Colin Davis; “Levinas: An Introduction” 2006; Continuum, London; p. 8.

[11]– Paul Harrison; 2006; “Post-structuralist Theories”; in Aitken, S. and Valentine, G. (eds); 2006; Approaches to Human Geography; Sage, London, pp. 122 – 135.

[12]– RédaBensmaïa, Post-structuralism, article published in Kritzman, Lawrence (ed.) The Columbia History of Twentieth – Century French Thought, Columbia University Press, 2005, pp.92 – 93.

[13]Mark Poster (1988) Critical theory and poststructuralism: in search of a context, section Introduction: Theory and the problem of Context, pp.5-6.

[14]– J. G Merquior, (1987). Foucault (Fontana Modern Masters series), University of California Press, ISBN 0520060628.

[15]– عبد الله الغذامي، النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، لبنان، بيروت، ط 3، 2000، ص 19.

[16]– جميل حمداوي، النقد الثقافي بين المطرقة والسندان، من مدونته على الإنترنت، تاريخ النشر السبت 7 – 1 –2012.

[17]– المصدر نفسه.

[18]– كاثرين بياسي، الثقافة والواقع، ترجمة باسل المسالمة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2004، ص 15.

[19]– جميل حمداوي، النقد الثقافي بين المطرقة والسندان، من مدونته  على الانترنت، تاريخ النشر  السبت 7 – 1 –2012.

[20]– أحمد بن سليم العطوي، أنماط القراءة النقدية في المملكة العربية السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، ط 1، 2010، ص 10.

[21]– Martin Heidegger, Poetry language, Thought, Trans, Albert Hofstadter, New York, Hayen& Rowe. P. 74.

[22]– ميجان الرويلي، سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط3، 2002، ص 305.

[23]– عليّ شناوة آل وادي، سامر قحطان سليمان، النقد الفني دراسة في المفاهيم والتطبيقات، دار الرضوان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2014، ص 151.

[24]– صلاح قنصوة، تمارين في النقد الثقافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط 1، 2007، ص 11.

[25]– عبدالله خضر حمد، مناهج النقد الأدبي السياقية والنسقية، دار القلم للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، لا طبعة، لا تاريخ، ص 449.

[26]– فنسنت ليتش، النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات، تر محمد يحبى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2000، ص 107.

[27]– يوسف عبدالله الأنصاري، النقد الثقافي وأسئلة المتلقي، أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد، جامعة أم القرى 142هـ – 2008م (http://uqu.edu.sa/).

[28] – عن صفحته الرسمية على الإنترنت. Jeantouma.com.

[29] – هو رئيس المحاكم السنية في طرابلس ورئيس جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية في الميناء، عرف عنه العمل الاجتماعي والسعي لمساعدة أبناء مدينته طرابلس من مختلف الطوائف. (الباحث)

[30] – جان توما، هويات معاصرة…، ص 370. والأب هو المتقدم في الكهنة قدس الأب غريغوريوس موسى، عمل في السلك الكهنوتي في الميناء، وعرف باعتداله وعمله الدؤوب لخدمة أبناء الميناء وطرابلس من مختلف الطوائف. (الباحث)

[31] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[32] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[33] – الدكتور مالك الشعار، مواليد طرابلس 1948، حائز شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر، شغل منصب مفتي طرابلس والشمال، عرف باعتداله ووسطيته وقربه من جميع أبناء الطوائف العديدة في طرابلس. (الباحث)

[34] – المصدر نفسه، ص 150.

[35] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[36] – المصدر نفسه، ص 59.

[37] – المصدر نفسه، ص 60.

[38] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[39] – المصدر نفسه، ص 46.

[40] – المصدر نفسه، ص 61.

[41] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[42] – المصدر نفسه، ص 327.

[43] – طبيب وسياسي من مواليد طرابلس (1927-2017)،  نائب سابق عنها، عرف بطبيب الفقراء، كان له إسهامات في العمل الإنساني والسياسي في طرابلس. (الباحث)

[44] – المصدر نفسه، ص 444.

[45] – الدكتور ماجد درويش من مواليد طرابلس 1962، حائز شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، يحاضر في عدد من جامعات لبنان، له عدة مؤلفات. (الباحث)

[46] – المصدر نفسه، ص 360.

[47] – المصدر نفسه، ص 125.

[48] – المصدر نفسه، ص 126.

[49] – المصدر نفسه، ص 13.

[50] –  المصدر نفسه، ص 24.

[51] – المصدر نفسه، ص443.

[52] – المصدر نفسه، ص 401.

[53] – المصدر نفسه، ص 217.

[54] – المصدر نفسه، ص 114، 117.

[55] – المصدر نفسه، ص 325.

[56] – المصدر نفسه، ص 270.

[57] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[58] – من مواليد عكار، أديبة وشاعرة تمارس التعليم، حائزة على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، من جامعة الجنان طرابلس، لبنان. (الباحث)

[59] – المصدر نفسه، ص 96.

[60] – المصدر نفسه، ص311.

[61] – المصدر نفسه، ص 419.

[62] – المصدر نفسه، ص 443.

[63] – المصدر نفسه، ص 435.

[64] – المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[65] – المصدر نفسه، ص 33.

[66] – المصدر نفسه، ص46، 390.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.