حركيّة الزّمن في شرح أدعية الصحيفة السجّاديّة من خلال كتاب آفاق الروح

0

حركيّة الزّمن في شرح أدعية الصحيفة السجّاديّة من خلال كتاب آفاق الروح

محمّد خليل طرّاف*

يُعدُّ الزّمان من المواضيع الأساسيّة، والحساسة التي ترتبط بالإنسان ارتباطًا وثيقًا، إذ لا نكاد نتناول موضوعًا من مواضيع البحث العلميّ، أو الفلسفيّ، أو الدّينيّ، أو الفنّيّ، إلّا ونجد فكرة الزّمان تشكّل إطارًا للبحث، وترافق مراحله ومشاكله من البداية إلى النّهاية، فلا نكاد نضبط تاريخًا محدّدًا يشكّل بداية اهتمام الإنسان بفكرة الزّمان، فالاهتمام بهذه الفكرة قديم قِدَم الإنسان، وحديث حداثة طموحاته وأحلامه. الزّمان هذه الفكرة البسيطة التي لا يجهل أهمّيّتها أحد، هذه الفكرة الغامضة التي يعجز أن يدرك كُنهها وحقيقتها أحد، هذه الفكرة التي قال عنها الفيلسوف أوغستين: “ما الزّمان؟ حينما لا أسأل عنه أعرفه، وبمجرّد ما يتعلّق الأمر بتفسيره فإنّني لا أعرفه أبدًا”([1]).

يسمّى الكتاب المقدس للدّيانة اليهوديّة “العهد القديم”، والكتاب المتعلّق بالمسيحيّة يسمّى “العهد الجديد”، وكأنّ الدّيانتَين امتداد لبعضهما. إنّ المهمّ الّذي يمكن ملاحظته على الزّمن في هاتين الدّيانتين، هو الانتقال من الفهم اليونانيّ ذيّ الطّابع الدّائريّ التّكراريّ الذي يستقي قيمته، من حركة النّجوم والأفلاك بصفتها حركات خالدة، إلى الحركة المستقيمة التي لها بداية ونهاية، وكلّ حدث فيها لا يحدث إلّا مرّة واحدة. ففي البداية خلق الله الكون، والسّموات، والأرض، فخَلْقُ الله للكون لم يكن دفعة واحدة، بل خلقه في ستّة أيّام([2]). ومع هاتين الدّيانتين أصبح الزّمن يتعلّق بالأحداث الإنسانيّة. كان الحاضر أو الآن هو نقطة اهتمام اليونان بصفته لحظة من لحظات الخلود، أمّا مع المسيحيّة فصار الاهتمام ينصب على الماضيّ، والمستقبل، الاهتمام بالماضيّ لأنّه يمثل حياة الإنسان، والاهتمام بالمستقبل لأنّه يمثل الخلاص.

تناول القرآن الكريم الكثير من المسائل المتعلّقة بالزّمان؛ كتركيزه على الظواهر الزّمنيّة الاجتماعيّة المتعلّقة بحياة المسلم، كالصّلاة ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النّساء: 103]، والصيام ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، والحج، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وفي هذه الطقوس الدّينيّة كلّها تنبيه للمسلم إلى ضرورة الاهتمام بالوقت وقداسته، فالقداسة تشمل المكان بقدر ما تشمل الزّمان، ففي قوله تعالى مثلًا: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] دليل على فضل زمان على زمان، والأهمّيّة الفلسفيّة تكمن في مدى ارتباط الزّمن بالمقدّس. إذا أردنا الخوض في مسألة الزّمان الاجتماعيّ، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى أذهاننا هو ذلك الزّمن الذي يحتكم له أفراد المجتمع كلّهم في قياس الأحداث الدّينيّة، والعادات والتّقاليد، وحتى المواعيد، وكتابة التّاريخ، ويمكن أن نطلق على هذا الزّمن اسم التّقويم. فلقد عرفت المجتمعات البشريّة منذ الأزمنة الغابرة أهمّيّة اختيار حدث اجتماعيّ بارز وعَدُّه منطلقًا للتّاريخ، كهجرة النّبيّ محمّد(ص) من مكّة إلى المدينة مثلًا. وكذلك بدأ ربط الزّمان بمواضيع إنسانيّة صرفة كالشّعور، الحياة، الحرّيّة، الحركة، الأخلاق المتحرّكة، الدّين المتحرّك.

فالزّمن هو الماضيّ الّذي انقضى، وهو الحاضر الذي نعيشه، وهو المستقبل الذي ننتظره ونتطلّع إليه. ليس هناك فرق بين زمنٍ وزمن في ما هو الخطّ الطبيعيّ في النّظام الكونيّ، فالأيّام الآن كالأيّام الماضية، وهي كالأيّام في المستقبل، ولكنّ حركة الزّمن تنطلق من خلال حركة الإنسان فيه.

كتاب آفاق الرّوح

يُعدُّ كتاب آفاق الرُّوح في شرح أدعية الصّحيفة السجّاديّة، للإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، بجُزأيه (الأوّل الذي يقع في 658 صفحة، والثّاني الذي يقع في 646 صفحة) أطروحة إنسانيّة شاملة، انفرد فيها السّيّد فضل الله في طريقة شرحه لهذه الأدعية، إذ جعل من هذه الشّروحات أدعية بحدّ ذاتها. فكان هذا الكتاب خلاصة فكره، وعصارة عمره، في أن يضع للنّاس ما يفتح لهم الآفاق الرّحبة للوصول إلى الله، من خلال توضيح معالم الطّريق الذي يسلكونه إليه، وطريقة التّعبير، ومخاطبة الله، لا بطريقة الرّسميّات التي لا تخرج من القلب، ولا تعدو كونها لقلقة ألسن، وإنّما أراد السّيّد أن يقول للنّاس تكلّموا مع الله بأيّ طريقة تريدون، ولتكن هناك صداقة مع هذا الربّ الودود الرّحيم الكريم، فالله يستحقّ المحبّة، والانفتاح عليه. كان انفتاح السّيّد فضل الله في هذا الكتاب على الله، وفي شرح الأدعية بطريقة دُعائيّة يخاطب فيها ربّه، ويطيل البث والشّكوى، أو الشّرح والتّفصيل، والإلحاح والرّجاء، وكذلك الشّكر والثّناء، ويكرّر السّؤال لله. وقد عبّر السّيّد فضل الله عن هذا الأمر في غير مناسبة وغير كتاب، بأنّ “الله يعلِّم رسولَه محمّدا أسلوب الدّعاء، ويبيِّن له النّقاط التي يريد له أن يتحدّث بها معه في حالة الابتهال ليركِّز ذلك في شخصيّته، وشخصيّة كلِّ مَنْ يتَّبعُه، ليعيش الجوّ الذي يشعر فيه أنَّ الله تعالى بعظمتِه يُوجّهه، ويُعلّمه كيفيّة تركيز خطواته على الطريق المستقيم، وعندها يدرك الإنسان عظمة إنسانيّته من خلال ما يرفع له ربُّه من مستوى إنسانيّته”([3]). ويشدّد السيّد على مسألة ربط الأدعية بالحياة وعدم جعلها تجريديّة معلّقة في الهواء، لأنّها نماذج من الأدعية الإسلاميّة التي لم يحاول مُنشِئوها أن يجعلوا الإنسان يبتعد بها من حياته، بل حاولوا أن يشدّدوا معها على صلته بالحياة، ويرشدوه إلى المجالات التي يستطيع أن ينتبه فيها إلى مواضع الخطأ فيصلحها، وإلى مواطن الانحراف فيصحّحها، وإلى زيغ النّيات فيخلّصها من الشّوائب، فهذا الأمر “يجعلنا نستوحي منها الفكرة التي تقول: إنَّ الإسلام يريد من المسلم أن لا يصرف بوجهه عن حياته حتى وهو بين يدي اللّه، بل يريد منه أن يندمج بالحياة بكلّ قوّة، يجسّد كلّ إرادات اللّه وكلّ تعاليمه التي تغدو الأرض معها جنّةً مصغّرةً، نتعلّم فيها كيف نمارس نعيم اللّه في الدّنيا، قبل أن نعيش معه في الآخرة”([4]).

ارتباط الزّمن بالإنسان

لا بدّ لنا من أن ندرس الزّمن في الإنسان، لأنّ الإنسان هو الذي يعطي الزّمن معناه، هو الّذي يعطيه معنى الوعيّ، وهو الّذي يعطيه معنى النّصر، ومعنى الهزيمة، ومعنى التقدّم والتأخر.

إنّ المنهج الإسلاميّ التّربويّ يعمل على التّخطيط لليوم الزّمني، ليتحسّس الإنسان وجوده كجزء من الوجود الكونيّ، وحركته كجزء من حركة الإنسان في الوجود الإنسانيّ العامّ، وليعيش الإحساس بأنّه مخلوق الله وعبده الخاضع له في تكوينه، ولذلك كان المطلوب أن يعطي الإنسان للزّمن مضمون عقله، وروحه، وقلبه، وشعوره، وحركته، فيكون الزّمان بما يعطيه الإنسان، زمان خير أو شرّ، أو صلاح أو فساد، أو تقدّم أو تأخر. بهذا تتميّز مرحلة زمنيّة عن مرحلة زمنيّة أخرى في المعنى الكامن فيها، من خلال نشاط الإنسان فيها بما يصدر منه، إذ يتّحد الزّمن في الإنسان، فيكون عمره ووجوده، كما يتّحد الإنسان في الزّمن، فيكون عمقه وروحه وحركته، وهكذا يكون الإنسان كائنًا زمنيًّا كما يكون الزّمن معنى إنسانيًّا.

الزّمن ومناسبات الأدعيّة

نلاحظ في أدعية الصّحيفة السجّاديّة، المنهج التّربويّ الإيحائيّ الذي ينطلق فيه الدّاعي في دعائه، ليدخل في أجواء يومه وليلته، وفي أجواء المناسبات التي جعلها الله مباركةً بما أودع فيها من خصوصيّة، فعلى الإنسان أن يكون واعيًا لمقام ربّه في مسؤوليّته، ومسؤوليّة يومه في قضيّة حياته، وحركة دنياه في مصير آخرته، فلا يهمل لحظةً من الزّمن، بوصف أنّها تمثّل جزءًا من عمره الذي لا بدّ من أن يملأه بما يخلّصه عند ربّه. وهذه هي الخطوط التّربويّة العامّة للدعاء، عندما يقف للسؤال عن عمره كيف أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه؟!

بداية اليوم ونهايته

يبدأ يوم الإنسان مع صلاة الفجر، هذا الوقت الذي جعله الله إيذانًا لبداية يوم الإنسان مع ربّه، فلا أحد معه، وقد جاء في الآية ﴿إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]، معنى هذا أنّ وقت الفجر هو الخطّ الفاصل بين اللّيل والنّهار، “ففيه بعض ملامح اللّيل في هذا الغبش الضّبابيّ المثقل بالظلام وهو يتنفّس النّور، وبعض ملامح النّهار في حركة النّور الباحث عن الشّمس في موعد الشّروق. وبذلك تشهده ملائكة الليل وملائكة النّهار، ويشهده الله قبل ذلك وبعده”([5]). ولعلّ التّعبير عن صلاة الصّبح بالقرآن من دون سائر الصلوات، بوصف أنّها الصّلاة التي يتمثّل فيها الجوّ القرآنيّ في روحانيّته المتميّزة بهدوء الفجر وانفتاح النّور، لتكون الوجه الذي يشير إلى الصلوات الأخرى بأبلغ تعبيرٍ، وأروع صورةٍ. ففي شرح دعاء “دعاؤه عند الصّباح والمساء”، يقول السّيّد فضل الله: “يا ربّ، إنّني هنا، وبكلّ وج دانيّ، أحمدك بكلّ مشاعريّ وأحاسيسيّ وروحيّ وعقليّ، لأنّك أطلقت لنا الصباح من قلب الليل، والضياء من عمق الظلمة”([6])، فهو الحمد لله على النِّعَم المتكرّرة، إذ يُخرج الله الحياة للإنسان من العدم، وهنا يسأل الله أن يجعله ممّن يتجدّدون في كلّ يوم في إحساسهم بالزّمن، على أساس أنّ استغراقهم في النّوم هو حال موتٍ مؤقَّتٍ، ويقظتهم هي حال بعث، وتجدّد للحياة، فهناك زمن يموت بانقضائه، وهناك زمن يولد بامتداده. ثمّ يقول في مقطع آخر: “املأ هذا اليوم ـ في ما بين الصّباح والمساء ـ حمدًا نحمدك به بكلّ محامدك”([7]). فليس الزّمن سوى مسؤوليّة، مسؤوليّة حمد الله، بالقول والفعل، الحمد على النّعمة، والحمد بمشاركة النّعمة مع الآخرين. فيكون اليوم زمنًا يملأه الخير والعطاء والشّكر، إذ لا ينتهي الزّمن بانتهاء ساعات اليوم، بل يبقى ويستمرّ في حساب الله، وهذا ما عبّر عنه في مقطع آخر “إنّنا نريد – يا رب – عمرًا يتحوّل الزّمن فيه إلى خطٍّ تصاعديّ يتّجه إلى معارج القدس عندك في كلّ يوم، وينطلق نحو مدارج الأنس في القرب منك في كلّ لحظة”([8]). فليس هناك زمن خارج الزّمن الإلهيّ، فامتدادات عمر الإنسان كلّها مرتبطة بالله، وفي سبيله، وسبيل إنسان الله على الأرض.

زمن السَّحَر

هذا الوقت هو وقت السّكينة في الحياة والوجود، فلا حركة، ولا ضجيج، ولا صخب، فالكائنات في سبات، إلّا المستغفرون العابدون في سكنات هذا اللّيل وهدوئه، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]، فقد جعل الله لهذا الوقت، وهذا الزّمن خصوصية، وفضلًا عظيمًا، فقد ورد عن رسول الله(ص): “ثلاثة معصومون من إبليس وجنوده: الذّاكرون لله، والباكون من خشية الله، والمستغفرون بالأسحار”([9]). فهذا الوقت مختصٌّ بالمناجاة لله بعيدًا من الدّنيا وزخارفها، إذ يخلو الإنسان بربّه من دون وسيط أو شفيع، ليبثّه همومه وآلامه، ويبوح له بمكنوناته من دون أيّ حرج، أو خجل، ف فاللّه يعلم سرّه وخفاياه، وهو قريب من الإنسان، ويحب أن يسمع نجواه، واستغفاره، ودعاءه الذي يمثّل القيمة الرّوحية في العبادة، إذ إنّه يمتدّ بأجواء الصّلاة إلى ما بعد الفراغ منها، ليعيش الإنسان صلاة الدّعاء في مفاهيمه المنفتحة على الله في أجواء عظمته، ومواقع نعمته، وألطاف رحمته، فتمتلئ النّفس بها، وتتعمّق في داخلها، فلا تنتهي صلاة الرّكوع والسّجود بانتهاء أعمالها، بل تمتدّ في أجواء الدّعاء ليبقى الإنسان أطول مدّة ممكنة مع الله. في شرح دعاء “بعد الفراغ من صلاة الليل”، يقول: “فهذا القيام باللّيل يوحي للإنسان، ولا سيّما إذا كان نبيًّا، بالسّمو الرّوحيّ الذي يعينه على تحمل الأعباء الثّقيلة التي يحمّله الله فيها المسؤولية”([10]). يربط السّيّد فضل الله هنا الصّلاة في هذا الوقت الذي له خصوصيّة إلهيّة، بالطّاقة الرُّوحية التي يحتاجها الإنسان المسؤول في تحمّل الضغوطات، والصدمات التي يتعرّض له في سيره في خط الله، فيلجأ إلى ربّه مستمدًّا منه هذه الطّاقة الرّوحيّة التي تكون عونًا له في نهاراته. وهذا هو الذي يفرض الحاجة إلى مزيد من الإعداد الرّوحيّ، والنّفسيّ الذي تنطق فيه صلاة الليل: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا﴾ [المزمل: 6]، إذ تعيش كلمات الصّلاة مع خفقات القلب، وهمسات الّروح، وإخلاص الذّات في هذا الهدوء الذي يلفّ الكون، فيضمّ الوجود الإنسانيّ في داخله بعيدًا من شواغل النّهار كلّها وتعقيداته، فيكون الأشدّ تأثيرًا على الرّوح، والأصوب في معرفة الحقيقة.

دخول شهر رمضان

جاء في كتاب الله العزيز التأكيد على نزول القرآن في شهر رمضان، في الآية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وفي تحديد ليلة القدر في سورتَي الدّخان والقدر، إيحاءٌ بأنَّ عظمة هذا الشّهر مستمدّة من مناسبة نزول القرآن فيه. ففي هذا الشّهر الانفتاح الكبير لله فيه على عباده بفيوضات رحمته، بما لم يجعله الله لزمن آخر في ما هي القيمة، وفي ما هو المستوى، في الكمّيّة والنّوعيّة. وهذا هو ما تعبّر عنه الكلمات المأثورة عن رسول الله محمّد(ص) في ما روي عنه من خطبته التي استقبل بها شهر رمضان، في آخر جمعة من شهر شعبان، فقد جاء فيها: “شهرٌ هو عند الله أفضل الشّهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل السّاعات”([11])، فقد خصّ الله هذا الشّهر وميّزه من باقي الشّهور بالرّحمة كلّها، والخير كلّه، والألطاف كلّها.

في شرح دعاء “دعاؤه إذا دخل شهر رمضان”، يقول السيّد فضل الله: فإنّ هذه السُّبل لا تختصّ بالسّاحات الممتدّة في رحاب المكان، بل تشمل ساحات الزّمن – إنْ صحّ أن يكون للزمن ساحات – حيث ينفتح الإنسان على كلّ ما في آنائه من ساعاته وأيامه ولياليه وشهوره”([12]). وقد تمتلئ ساحات الزّمن بأفعال الإنسان وأقواله، لتكون حركة الزّمن في مسؤوليّته طريقه إلى الله، كما تكون حركته في المكان طريقه إلى الله في أجواء المسؤوليّة الشّرعية. فيطلب من الله أن يجعل هذا الزّمن هو الشّاهد الحي الذي يشهد له أمام الله بأنّه لم يغفل في نهاره، ولم يفرّط في ليله، بل قام بواجبه الدّينيّ، والاجتماعيّ، والأُسريّ، والأخلاقيّ، والإنسانيّ. كما يريد الله له في ذلك كلّه. وليست المسألة مسألة الشّهر في خصوصيّته، بل المسألة مسألة الزّمن كلّه في امتداد العمر، في ما يشاء الله له من الامتداد في مدى الحياة. فهو الزّمن المسؤوليّة لا زمن السّاعات، والأيّام، والشّهور كعدد.

وداع شهر رمضان

إنّ الزّمن ليس مجرّد لحظات طائرة في الفراغ، بل هو قيمة تمتلئ بالإنسان في فكره، وشعوره، وحركته في الحياة، إذ يأخذ الزّمن من الإنسان معناه وروحه، ففي شهر رمضان يولد الشّعور الرّوحي الذي يربط الإنسان به، ويتزوّد بالطّاقة الروحيّة التي تكون زادًا له في مستقبل أيّامه، فلا تذهب بذهاب هذا الشّهر، بل يعمل على التّخطيط للاستفادة منها في إغناء الزّمن القادم في غيره من الشّهور، بكلّ ما يحمله الزّمن من الخصائص الفريدة التي يمكن أن يحملها الزّمن من خلال العمق الإنسانيّ في معرفة الله والشّعور بالمسؤوليّة. في شرح دعاء “وداع شهر رمضان”، يقول السّيّد فضل الله: “ثم مضى وفارقنا، كمرحلةٍ زمنيةٍ من أفضل مراحلنا، كما يمضي الزّمن في النظام الكونيّ الذي يطوي الحياة في حدودها المعيّنة”([13]). فقد كانت الكرامة الكبرى لهذا الشّهر عندما اختصرت الألف شهر فجعلتها في ليلة، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر﴾ [القدر: 3]، وجعلت حجمها أكبر من حجم ذلك الزّمن الطويل في فضلها وثوابها ونتائجها الرّوحيّة على مستوى ما يحصل عليه الإنسان من مضمونها العباديّ من خير وثواب، وسعادة قد ترفعه إلى الدّرجات العليا في جنّتك. وبهذا كان الإيحاء الإلهيّ أنّ القيمة في معنى الزّمن في روحه في سرّ الله، ليست في الكمّيّة، بل هي في النّوعيّة، فقد لا تكون الألف شهر الفارغة من عمق الحركة الرّوحيّة في مستواها العباديّ ذات قيمةٍ عند الله، وقد تكون اللّيلة الواحدة في جهدها، وسرّها ذات قيمةٍ كبيرةٍ في حركة الفكر، والروح في ما تنتج من أفكار ومشاعر، وفي ما تنفتح عليه من آفاق الخير، أو تقترب به من ألطاف الله في الإنسان، وفي عمق شعوره بالحياة، وفي معنى الكرامة التي يكرم فيها عباده بالمغفرة، والرّحمة، والرّضوان.

زمن عيد الفطر

وفي نهاية زمن الصّوم، وزمن العبادات الخالصة التي يجهد فيها الإنسان أضعافًا مضاعفة عن باقي الأزمان، يأتي الفرح الرّوحيّ الذي يُسبغه الله على الإنسان، فهو زمن الجوائز والعطايا، وزمن العِتق من النّار والفوز بالجنة، فأيّ فرح يصل إلى مستوى فرح الإنسان بقَبول أعماله، وطاعاته؟! فهذا الفرح طاقةٌ روحيّة يستمدّ منها الإنسان القوّة التي يستعين بها على القادم من الأزمان. في شرح دعاء “في وداع شهر رمضان”، يقول: “وهذا يوم الفطر الذي بدأنا به زمنًا جديدًا، وانطلقنا من خلاله إلى أجواء العيد في معناه العميق، لأنه يحقّق في عمق الرّوح كلّ معانيّ الفرح الرّوحيّ بالانفتاح على الله في آفاق الثّواب الإلهيّ”. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب(ع)، عن هذا: “إنّما هو عيد لمن قبِل الله صيامه وقيامه”([14])، ثمّ أطلق الفكرة العامّة في المضمون الإسلاميّ لمعنى العيد في امتداداته في الزّمن، فلا يختصّ بزمان دون زمان.. “وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد”([15]). وبذلك يمكن تجاوز المعنى الرّسميّ للعيد في اليوم المعيّن المخصّص له إلى المعنى الإسلاميّ الشّامل لكلّ حركة الطاعة الإيجابيّة في مسؤوليّة الإنسان أمام ربّه، ليكون الامتناع عن معصية الله في كلّ يوم مناسبة لاجتذاب الحالة الشّعوريّة في عمق الذّات في الفرح الرّوحيّ الذي يغمرها، لأنّها حصلت على محبة الله في هذا اليوم أو ذاك، فيلتقي عيد الطّاعة في واجبات اليوم، بعيد الطّاعة في واجبات الشّهر في شهر رمضان، لينطلقا من منطلق واحد، وهو عيد القرب من الله من خلال طاعته. فالإسلام يريد للإنسان في عيد الفطر أن لا يستسلم للّهو وللعبث، واللّعب في أجواء احتفاليّة بالعيد، ليفقد في هذا اليوم ما حصل عليه في الشّهر كلّه، بل يريد له أن يستقبل عيده بالمزيد من الاهتمام بالنتائج الرّوحيّة، والأرباح الأخرويّة، في آفاق رضوان الله وثوابه الذي ينتظره في هذا اليوم، كما ينتظر الأطفال هداياهم عيديّتهم في يوم العيد.

زمن الحجّ والوقوف بعرفة

وكما في الأدبيّات الإسلاميّة أنّه من نِعم الله على الإنسان أنّه يفتح للإنسان منافذ دائمة للرحمة والتوبة والمغفرة، ومن هذه المنافذ، بالإضافة إلى شهر رمضان، زمن الحجّ وفريضته، فهو من الأشهر الحُرم التي خصّها الله بخاصّيّة كبرى وجعل لها حرمة دون باقي الأشهر. ومن هنا أراد الله للإنسان أن يستثمر في هذا الزّمن الخاص والعبادة الخاصة، ليتحصّل على الخير الوفير في الدّنيا والآخرة، وعلى الرّحمة الواسعة والأجر العظيم. وجعل زمن الوقوف بِعَرَفَة زمنًا خاصًّا ذا قيمة عظيمة، يعود فيه الإنسان كيوم ولدته أمّه طاهرًا نقيًّا، بشرط الطّاعة والتوبة وشروطها.

ففي شرح دعاء “يوم عَرَفَة”، يقول السيّد فضل الله: “فهو اليوم الذي أعطيته الشّرف باستجابة الدّعاء فيه، ومنحته الكرامة والتّعظيم من خلال الثّواب الذي تمنحه لعبادك فيه. فقد انفتحت فيه رحمتك على العباد كلّهم، بكل فيوضاتك الرّحمانيذة في أرزاقهم وأوضاعهم وأعمالهم وآجالهم([16]). هي خصوصيّة الزّمن التي أودعها الله في يوم عَرَفَة، حتى بات يوم عَرَفَة هو الحجّ بذاته، كما جاء في الحديث عن رسول الله(ص): “الحج عَرَفَة”([17]). فهذا اليوم هو ركن من أركان الحج، ويوم له خصوصيّة في عمر الإنسان، إذ يصبح هذا اليوم الزّمنيّ يومًا ذا قيمة محوريّة، وزمنًا ارتكازيًّا، يكون منطلقًا لمستقبل الإنسان، واستئنافًا جديدًا لعمله وعباداته. فالحجّ يَجُبّ ما قَبله، أي يغسل ذنوب الإنسان ومعاصيه. هي ساعات زمنيّة تختصر العمر، وتمحو أزمانًا من المعاصيّ، لِما أودع الله فيها من الرّحمة والبركة التي تسع عمر الإنسان وأعماله التي سلفت، وتؤسّس للقادم منها.

زمن يوم الأضحى

يمتلئ هذا اليوم بالفيوضات الرّوحيّة الإلهيّة التي يتحسّس الإنسان بها معانيّ الحقّ، والخير، والإيمان كلّها في آفاق العبوديّة الخالصة أمام الرّبوبيّة الرّحيمة، ففي صبيحة هذا اليوم يقف الحجّاج من المسلمين، ليصلّوا صلاة العيد جماعةً يلتقون فيها بالعلاقات الرّوحانيّة التي تربطهم بالله، وتشدّهم إليه، وتوحي إليهم أنّ اجتماعهم بين يديه يمثّل مسؤوليّتهم الجماعيّة أمامه في ما يتّصل بقضاياهم العامّة على صعيد الدّين والدّنيا، وأنّ العيد الذي يقفون للصّلاة تحت عنوانه الكبير يمثّل المناسبة العامّة التي يشعرون فيها بالفرح، والسّرور، والأخوّة التي تتعانق فيها أجسادهم بالمحبّة، وتتصافح فيه أيديهم بالأخوة، وتتحرك فيه حياتهم بالخير.

وفي شرح دعاء “دعاؤه في يوم الأضحى والجمعة”، يقول: “يا ربّ، إنّ الزّمن في امتداده خط واحد لا فرق فيه بين ساعةٍ وساعة، ويومٍ ويوم، وشهرٍ وآخر، ولكنك جعلت فيه خصوصيّة في بعض أيّامه، فباركت يومًا دون يومٍ من خلال إرادتك وحكمتك بما أودعته فيه من أعمال الخير، وخصصته بعناصر الحركة ووسائل الغفران وألوان اليمن والبركة”([18]). عَود على بدء في تكرار معنى الزّمن وخصوصيّته، وما يجعل الله لزمن ما خصائص دون زمن آخر، ففي هذا اليوم، يوم الاجتماع الأكبر للمسلمين، حيث يجتمعون من دون تمييز بين إنسان وآخر، فالكلّ يرجو غفران الله، وينتظر هذه اللّحظات ليسأل حاجاته الدّنيويّة والأخرويّة، فالتوجّه لله وحده من دون سواه. فهم يعرفون قيمة المكان والزّمان الذي هم فيه، ويحاولون الاستفادة من عنصر الزّمن، وخصوصيّته، وما يحويه قبل انقضائه، فالزّمن لا يتكرّر ولو بقي الإنسان في المكان نفسه، فعلى الإنسان أن يستثمر في هذا الزّمن وبركته، ليتحصّل الخير الكثير، والنِّعَم الوفيرة. وليبادروا – في اليوم نفسه – إلى الموقف الرّمز في رجم الشّيطان الأكبر، الذي ترمز إليه “جمرة العقبة” للإيحاء الدّاخلي بالاستعداد الكبير لمواجهة الشّيطان الحيّ في الواقع الذي يوسوس في صدور النّاس. ثمّ ينطلق الجميع ليقرّبوا قربانهم إلى الله في الأضاحي التي يذبحونها، وينحرونها من أجل الانفتاح على معنى الأضحية التي تُقدّم للفقراء والمحتاجين. وهكذا يتمثّل الأضحى يومًا تتجمّع فيه البركات الإلهيّة، وتنفتح فيه، تملأ العقل، والقلب، والشّعور، والحياة كلّها بالتّقوى في الالتزام بالخطّ التّوحيديّ في طاعة الله، والاستقامة على درب الله في كلّ ما يحبّه ويرضاه، ما يتعلّق بالمسؤوليّة عن الذّات والإنسان والحياة.

خلاصة

إنّ الزّمن ليس عددًا محسوبًا في الأيّام، والشّهور، والسّنين فقط، إنّما هو حركةٌ مستمرّة ذات أبعاد تنعكس على الكون، والحياة، والإنسان، فبقدر ما يعطي الإنسان هذا الزّمن من نفسه، ويتقرّب فيه إلى ربّه، فإنّ الله سيجعل هذا الزّمن دافعًا للإنسان إلى كلّ ما هو خير، وكلّ ما يرتفع بروح الإنسان، وقيمته عند الله وفي الحياة. هي حركة الزّمن في الإنسان، وحركة الإنسان في هذا الزّمن، فكلاهما يتأثّر، ويؤثّر في الآخر، فالإنسان من خلال حركته في الحياة يمكن أن يعطي الزّمن خاصيّة تميّزه من غير من الأوقات والأزمان، من خلال ما يُنتجه في هذا الزّمن، وما يترك من تأثير في الحياة وفي الإنسان الآخر. وفي المقابل، إنّ خاصّيّة الزّمن، سواء أكانت تاريخيّة، أو اجتماعيّة، أو دينيّة، تعطي لحركة الإنسان زخمًا خاصًّا ذا دافعيّة متحرّكة، ما يجعل الإنسان يتحرّك بطريقة لا تشبه حركته في أيّامه الأخرى، ولا أفعاله، ولا أقواله. فكما أنّ لكلّ مقام مقالًا، فإنّ لكلّ زمن خاصّيّةً، وحركةً، وتأثيرًا في الإنسان. ومن هنا كانت حركيّة الزّمن في الأدعية، من خلال ربط الإنسان بالله، والحياة، والإنسان الآخر، فليس ثمّة انفصالٌ بينهم، إنّما هي علاقة ذات أبعاد متحرّكة ومنتجة، قوامها الاستفادة من الزّمن، وقيمته التأثيريّة للحصول على نتائجَ، وأبعادٍ حيويّة بعيدة عن الجمود والتأطير.

المصادر والمراجع

  • العهد القديم، سفر التكوين، ط4، دار المشرق، بيروت، 2011.
  • ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار احياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، ط1، 1959.
  • الحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء، ط1، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1993.
  • الشيخ الصدوق، محمّد بن علي، الخصال، تحقيق محمّد مهدي الخرسان، ط1، المطبعة الحيدرية، النجف، 1971.
  • الصدوق، محمّد بن علي، الأمالي، ط1، المطبعة الحيدرية، النجف، 2015.
  • فضل الله، محمّد حسين، آفاق الروح، ط1، دار الملاك، بيروت، 2000.
  • = =، تفسير من وحي القرآن، ط2، دار الملاك، بيروت، 1997.
  • = =، قضايانا على ضوء الإسلام، ط7، دار الملاك، بيروت، 1996.
  • = =، من عرفان القرآن، إعداد وتنسيق: شفيق الموسوي، ط1، دار الملاك، بيروت، 1998.
  • النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل، ط2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1988.
  • Saint Augustin: Les Confessions, traduction Arnauld d’Andilly, Flammarion, Paris, 2020.

* طالب دكتوراه في معهد الآداب الشّرقيّة، في الجامعة اليسوعيّة في بيروت، قسم اللغة العربيّة.

[1] -Saint Augustin: Les Confessions – Livre 11, Chapitre XII.(Ce que Dieu faisait avant la création du monde) version électronique, source: http://www.augustinus.it/francese/confessioni/conf_11_libro.htm.

[2] – انظر سفر التكوين من الآية 3 إلى الآية 31.

[3] – فضل الله، محمّد حسين، من عرفان القرآن، إعداد وتنسيق: شفيق الموسوي، ط1، دار الملاك، بيروت، 1998، ص 169.

[4] – فضل الله، محمّد حسين، قضايانا على ضوء الإسلام، ط7، دار الملاك، بيروت، 1996، ص 308-309.

[5] – فضل الله، محمّد حسين، تفسير من وحي القرآن، ط2، دار الملاك، بيروت، 1997، ج 14، ص 203.

[6]– فضل الله، محمّد حسين، آفاق الروح، ط1، دار الملاك، بيروت، 2000، ج1، ص 162.

[7] -المرجع نفسه، ص 167.

[8] -المرجع نفسه، ص 180.

[9] -الميرزا النوري، حسين، مستدرك الوسائل، ط2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1988، ج12، ص 146.

[10] – آفاق الروح، ج2، ص 165.

[11] – الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي، ط1، المطبعة الحيدريّة، النجف، 2015، ص 154.

[12] – آفاق الروح، ج2، ص 363.

[13] – آفاق الروح، ج2، ص 416.

[14] – ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، القاهرة، ط1، 1959، ج 20، ص 73.

[15] – آفاق الروح، ج2، ص 427.

[16] – آفاق الروح، ج2، ص 503.

[17] – الحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء، ط1، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1993، ج8، ص 185.

[18]– آفاق الروح، ج2، ص 552.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.