جدلية الشّاعر المعاصر ووظيفة الحداثة

0

جدلية الشّاعر المعاصر ووظيفة الحداثة

د. علي أحمد الأحمد

د. علي أحمد الأحمد([1])

المقدمة

وظيفة الشّعر العربيّ المعاصر، ولا سيما شعر الحداثة، نلتقي بالكثير من الأشكاليات، بحسبان اللغة هوية وتراثًا وتاريخًا وبُعدًا حضاريًّا، بالإضافة إلى وظيفتها في المنظومة الاجتماعيّة، وما يعنينا في هذا المقام هو وظيفة الأدب الجديد المرافقة هذه الظواهر، تلك التي تصدر عن علائقها الماديّة والرّوحيّة التي تعود إلى نفسية المبدع وبيئته المادية، ومحيطة الحضاريّ ووعية الأيديولوجيّ والأصول الفنيّة التي يضع نظامها إبداعه الشّعري، ونخلص إلى أنّ اللغة الشّعريّة التي يستخدمها الشّاعر المعاصر أو الحديث، حيث “يتغيّر إحساسنا من لحظة إلى أخرى. فمن المستحيل أن نعبر عن إحساساتنا كما نحسها، بواسطة اللغة الموضوعة. ولكل شاعر ذاتيته الخاصة، ولكل لحظة من لحظات حياته نغمتها. ومن مهمة الشّاعر أن يبتكر اللغة التي تستطيع أن تعبر عن ذاتيته ومشاعره”([2]) كي تصف أو تصور المعنى الذي يريد وصفه، أو تصويره، والإشكاليّة تكمن في زمنيّة هذا العصر ومقاييسه الأدبية، إنما تقوم بأداء ذلك المعنى ما مكن الشّاعر من تحويل قدراته التخيليّة إلى أدوات لغويّة ترقى بالقصيدة إلى أعلى مستويات الفن الشّعريّ من خلال جعلها تخلق واقعًا لغويًا قائمًا بذاته. يأخذ بخط من الأساليب الحديثة في الإبداع والنقد في العصر الجديد ليتذوق مفهوم الشّعر وتكسب الشّعراء بالشّعر، إلى عالم يتجدد أبدًا بكل ما يأتي به التجديد من تقديم القيم الإنسانيّة الدّاخلية والخارجيّة، وفيما يتعلق بالإبداع الثقافيّ في عامه وبالفن بصفه خاصه، حيث “تتجاوز علاقة الفن بالحياة المستوى الزّمانيّ والمكانيّ، لتغدو علاقة عضوية، علاقة في الذات”([3]) ولا شكّ أنّ الثقافة والإبداع الفكري والفنيّ هما بمنزلة الرّصد والركيزة لمواكبة التذوق الأدبيّ لإستمرار الحركة الفنيّة والثقافيّة على الصعد كافة في المجالات الإبداعية، لإبراز المزايا العقلية التي فضل بها الله سبحانه وتعالى الإنسان على غيره من المخلوقات، وقد ساعدت تلك الميزة البشريّة على التّطور منذ أقدم العصور عن طريق حل المشكلات وإيجاد الطرق لسد الاحتياجات الأساسيّة وتوفير إمكانيات الرّفاهيّة وقد حدد العلماء عدة مستويات للأبداع منها الفردي الذي يعتمد على الخصائص الفطرية للإنسان كالذكاء بأنواعه والمواهب المختلفة، من حيث الإثارة والتلقي إذ لا يزال صداه ينبعث من الأعماق ويتردد على الألسنة، والفرضية تقوم على إثبات الكثير من المعطيات الأدبية، إذ يعد الفن ثروة فنية هائلة ونمطًا شعريًّا متفردًا في الإبداع والتّذوق والصياغة. لأنّ النّص الشّعري قابل لتعدد القراءات واختلاف التأويل، بل هو يتجدد في القراءة والاختلاف، وهو كالذهب الذي لا يؤثر فيه أن يكون مطمورًا تحت التراب، ولا يمكن إغفال دور مؤسسي أرباب الشّعر في ريادة شعر التفعيلة، ومساءلة النموذج الشّعري العربيّ القديم ومحاولة تجاوزه، فالمسألة هذه لم تكن مجرد تجديد في الوزن والقافية بقدر ما كانت مراجعة لمفاهيم ظلت سائدة زمنًا طويلًا حول مفهوم القصيدة وسمات وظائفها، إذ لا بد من وضع هذه المحاولة في إطارها الزمنيّ وعدم تحميلها أثر ما جاءت به، ولولا المساءلة العامة لما جاءت المساءلة الأكبر مع قصيدة النثر والتوجه نحو حداثة الكتابة. والصحيح أنّ الكثير من الشّعراء لم يتجاوزوا القصيدة الكلاسيكيّة تمامًا لكنهم طوروا العناصر التي رأوها مناسبة، بوصف الشّعر العربيّ فاعلًا في الحياة، والأكثر أهمّيّة أنّهم فتحوا التساؤل حول مفهوم تذوق الشّعر. وقد نتسأل عن إشكاليات الإيقاع في الشّعر المعاصر وإشكالية اللغة والهويّة: وكيف يحصل الوضوح؟ ثم ماهي قوة أهمية التجدد في الأسلوب؟، وما هو أكثر شيء أهمّيّة في العمل الفنيّ كما تتطور في ذهن المتفنن حال لحظة التعبير؟ والسؤال عن دور الذوق في النقد الأدبيّ، وعن حدوده وشرائطه الحداثية، وعن المدى الذي ينبغي أن ينطلق فيه، والمدى الذي يتوقف عند آلياته الفنية؟

 الشّعر العربيّ الحديث: السمات والوظائف

إنّ للشّعر العربيّ الحديث سمات كثيرة بعضها عام وبعضها خاص، والبعض يتصل بالأسلوب والبعض بالموضوع، سمات للشّعر وسمات للشّاعر… إنّ البحث يبدو لأعيننا زاخرًا بالعناصر، غنيًّا بالمواد، على مقاييسه، وغير طابعه، وصحيح له القيم والمفاهيم. لنبدأ بالسّمات العامة لشعرنا المعاصر، إنّ من الظاهرات الجديدة تبلور شخصية الشّاعر المعاصر الذي فطن إلى مكانه الصحيح من الموكب الإنسانيّ، حيث “العمل الأدبي ينتمي إلى البنية العليا للمجتمع، لأنّه جزء من المذهب الفكريّ لكل طبقة من طبقات المجتمع”([4]) فهو لم يعد مزهرًا بالغناء والحداء والإطراء والهجاء، بل رام منزلة أكْرِم حين اضطلع بتوجيه الجمهور الهادر بشعره التقدمي… أصبح قوة دافعة وقدرة لاهية، وطاقة معينة تحفز وتثير…الشّاعر المعاصر يحيا في دنيا تموج بالحركة والألوان والأحداث وهو فيها سائر متطلع متفتح ملهوف الرغبة، عريض الآمال، نهم الاحساس، ظمآن النظر، طامح الروح، حار الإشراق… حيث “إنّ الشّعر يجب أن يقترب، جهد الإمكان، من لغة الكلام وأن يحرر نفسه في سطوة اللغة القديمة”([5]) والحياة بدورها تعكس على هذا السائر المشوق صورها على اختلافها، فيعكسها في شعره مستعينًا بما فيها من صدق الواقع وحرارة الصدق ونبض الحياة من المعارضات الشّعريّة، صناعة الاسترخاء والتقليد الذي لا حسّ فيه يدفع ويلون، وحين أسقط الشّاعر المعاصر من حسابه مدح الآخرين وذمهم، ثاب إلى نفسه يستقر بها.ويتحسس مشاعرها ويستكنه أسرارها.

زهد الشّعر المعاصر في الفخر الشّخصي حين استيقظ فيه الشعور الوطني والإحساس بالشّعبيّة، أدرك رسالته، لم يعد من تحف العصور أو أبواق السادة بل ارتفع إلى مقام القيادة والتوجيه، وأصبحنا نرى شباب الشّعراء خاصة يصرون على السير في المقدمة لأنّ رسالتهم لا يمكن أن تنفصل عن الشّعب الذي خرجوا من أعماقه فالكاتب أو المفكر أو الفنان أول من يحس بما نعانيه والملايين، وما تأمله وما تكافح وتضحي بدمائها من أجله… وهم يدركون في عمق الوعيّ الذي استيقظ في ضمير شعوبنا أنّ التخليّ عن رسالة التعبير عن الشعب وآلامه وآماله معناه الخيانة.. والخيانة الواضحة للشعب وللفن وللفكر وللعدالة وللحرية ولكل القيم الإنسانيّة التي هي أساس حياتنا.

الشّعر المعاصر كالفن الحديث تلفه حيرة وقلق، وشك وعذاب من عمق شعور صاحبه بمرارة الواقع حوله، تلك المرارة التي يزيدها إظلامًا شعوره من ناحية أخرى بتفوقه لهبة الفن، وتفتحه من ذكاء الفطرة، ووعيه من نضج معاني الوطنية والحرية والعدالة في فكره وضميره. وقد صور هذا الصراع النفسي للفنان رسامًّا وشاعرًا. “ولهذا فأنت تجد أدبًا وشعرًا في الغابر من التّراث الإنسانيّ، في الموروث من الآداب الشّعبيّة، وأدبيات الحضارات المختلفة، إلى الفلسفة ذاتها حيث صاغها العديد من الفلاسفة شعرًا”([6]) ومن السّمات الجديدة في الشّعر المعاصر وحدة الموضوع، فلم يعد البيت هو وحدة القصيدة poem بل أصبح الشّاعر الحديث يؤمن بمذهب علم النّفس الذي يرى أنّ القصيدة تتألف من وثبات لا من أبيات، بل تجاوزت الوحدة القصيدة إلى الديوان فبدت في الشّعر الوحدة الدّيوانيّة، وأصبح عندنا ديوان كامل في موضوع بعينه مثل (من وحي المرأة) للشّاعر عبد الرحمن صدقي و (وسعاد) للشّاعر زكي قنصل، و (أنات حائرة) للشّاعر عزيز أباظة، يتناول كل منهما موضوعًا واحدًا… ولكن هذه الظاهرة تحمل بدورها ظاهرة أخرى… فالدّواوين الثلاثة نشيج، فهل تذوق الحزن أقوى العواطف حتى استطاع أن يفجر هذه العيون؟ وقد يقول قائل أنّ تذوق الحبّ أقوى من الألم وما من ديوان يخلو من الغزل على تفاوت في المقدار، ولكننا نرى تذوق عاطفة الحب تظاهرها دوافع وعوامل ومشاعر شتى بعضها الألم نفسه، ألم الهجر، وألم الفراق العارض، والحب نفسه لا يمد الفن إلا إذا انصهر في الفداء والتضحية والولاء المجرد، إذًا؛ هو الألم بألوانه الذي يجيش النفوس ويجلو جوهرها، حيث قال الشّاعر في قصيدته:

أين ابتسامتُك النَّديّةِ تملأُ العشَ ابتساما

وتشيعُ في ما حولها أرجاءً كانفاسِ الخزامى

أين احتجابُك يستثير الضحكَ في بابا وماما

ينسابُ دمدمةً وينزلُ في فؤادينَا سلاما

لم تلفظي حرفًا ولكن كنت أفصحُنا كلامًا([7])

هذه القطرة من ذلك النبع أصفى وأكرم جوهرًا من دموع الفرح. إنّ الفرح يزيد العمر طولًا، ولكن الألم يفسح في عرضه مدى واسعًا، ولكننا نؤثر الدّموع الأخرى، دموع السعادة فليستأثر الفنّ وحده بالدّموع الصافيّة فإنّه يزهر بها لا يذوى مثلنا!

ومن تنوع الشّعر المعاصر بين مقفى ومرسل وحر ومنثور تنوع النغم في الشّعر الحديث بين ارتفاع وانخفاض، وخرج على الرّتابة التقليديّة في موسيقى الشّعر العربيّ القديم. والأمثلة مبثوثة في دواويننا الحديثة في سائر الأقطار العربية، ويتصل بظاهرة التّحرر من القافيّة ظاهرة أخرى هي وثبة الخيال في الشّعر الحديث وثبة واسعة (اقرأ مملكة السماء)([8])، وهي من الشّعر المنثور ما أعان صاحبتها… وليس التّحرر من القافيّة في كل مواضعه دليل ضعف، ولكنه كثيرًا ما يكون عن إيمان بالرّحابة والتطلق في التعبير، عن أنّ القافية أداة معوقة لحبسها وتضيقها على الشّاعر ومعانيه.

يحس هذا إحساسًا عميقًا الشّباب ممن ثقفوا ثقافات جامعة منوعة وأعجبوا بأمثال شكسبير وورد وزورت وبرونننج من أصحاب الشّعر المرسل، وهؤلاء الذين استقوا من أدبين أو أكثر إذا توفرت المادة الفنيّة لديهم وتكاثرت المعاني في نفوسهم وتفتقت صدموا بالقافية تعترض انسيابهم، فيكسرون حاجزها المعوق ويخرجون عليها ليتحدروا كما يشاؤون. وإنّنا نؤمن أنّ الجيل القادم والذي يليه سيؤثرون الشّعر poetry المرسل والشّعر المنثور فليس على الشّاعر ولا في استطاعته أن يحبس نفسه طويلًا يتصيد القوافي ويسلسلها، حسبه أن يؤدي معانيه وخيالاته واشراقاته في شفافية ونور وموسيقى، أيّ تذوق موسيقى تبلغ من القلوب مواطن الحب والتقدير، ولا ينقص الشّعر المرسل والشّعر المنثور الحرارة والتأثير والرنين… فالكلام يتجسد متى نفحت فيه الروح الملهمة الخالقة حياة. والتجسد الشّعري هو الشّعر كله، وهذا ما يحاول أن يخلقه شعراء اليوم في أدبنا العربي، فالشّاعر هو من يرى الأشياء أشياء غيرها ([9]) ولكننا هنا نريد أن نسجل كلمة عدل من واجب الدّراسة أن نقولها عندما نقارن بين قديم وجديد وحديث أو القدماء والمحدثين، هذه الكلمة هي أنّ الألوان الجديدة والاتجاهات الجديدة والموضوعات الجديدة والأساليب الجديدة، وكل جديد في الشّعر المعاصر زاده عن الشّعر القديم لم يكن من عمل الشّعراء المحدثين وحدهم لتجنح به كفتهم على القدماء، ولكن الخصائص الجديدة التي عرضت لها ترجع في كثير من عوامل ظهورها إلى روح العصر الذي نعيش فيه، وطابعه وقيمه ونوع حضارته فانّ التاريخ يعلمنا كما يقول الاستاذ على أدهم: إنّ مقدارًا كبيرًا من قوة الشّاعر مرده إلى عصره، وإنّ شيئًا كثيرًا كذلك من ضعفه مرجعه إلى عصره، لا بد لتكوين شاعر كبير مكتمل النواحي ناضج الشّاعرية من قوتين، قوة العصر وقوة العبقرية، فإذا أقبل إلى الدّنيا شاعر كبير في عصر لم تكن الحياة الفكرية فيه جارية متذفقة مزدهرة نامية، وإذا التأمت القوتان وتعاصرتا، فهناك يظهر الشّاعر الكبير، لذا يأتي كبار الشّعراء في أزمنة النضج الفكري وثورة الآراء وازدحام الأفكار واحتفال الخواطر ([10]) وبحسب ما نرى فإنّ ظاهرة الغموض في الشّعر الحديث مرتبطة بظاهرة أخرى، تعد من السمات المهمّة التي تميز هذا الشّعر، ونعني بها ظاهرة (التعبير بالصورة) فقد بات النقاد والشّعراء معًا يعتقدون أنّ الحالات النفسيّة المعقدة والتجارب العاطفية والفكرية المركبة، لا يمكن التعبير عنها تعبيرًا فنيًّا بغير الصور النّامية، لقد طرحت الحاجة إلى التعبير بالصورة في أكثر من مناسبة ودراسة.

جذور الجدلية في الجاهلية وقيم البطولة

الشّعر هو صناعة تجتمع لها في كل لغة، من المصطلحات والتقاليد. ومن يرجع إلى صناعة الشّعر العربيّ في أقدم نماذجه يرى صعوبة هذه الصناعة، وأنّها ليست عملًا سهلًا، بل هو عمل موسوم بتقاليد ومصطلحات كثيرة. كان الشّاعر الجاهلي شاعر “الخضرمة”([11]) يحاول أن يوفّر في شعره كثيرًا من القيم الصوتية والتّصويريّة، وحدسيّة هي المعطيات الكليّة المشتركة بين الألسنة، ومن الحقائق الثابتة التي تُفسر ظاهرة اكتساب اللسان بصورة عامة، وظاهرة اكتساب اللسان، الأم بصورة خاصة، وما تتصف الظاهرة من جوانب لافتة تكاد معها أن نتكلم الإعجاز، كما تفسر عملية الأداء الكلاميّ بعالمه الفردي المتوج الذي يجاوزُ مجاوزةً بعيدة حدود قواعدنا النظرية ومحدوديّتها.

فالشّعر الجاهلي ليس تعبيرًا فنيًّا حرًّا” ومن يرجع إلى مدلول الكلمات التي عبر العرب بها عن الغناء يجد بعضها يدل على ضروب من الحركات الجسميّة كما يدل على ضروب الشّعر”([12])، وانطلاقًا من قيم الفخر تتبلور مُشكلةُ الأخلاق العربيّة كلّها التي لم يأتِ الشّعر الجاهليّ إلا ليكون لها أناشيد الدّعوة والتأييد والتّغني بها، ولو تساءلنا ما الذي جعل عربي الصحراء يفتخر دائمًا بموضوعات معينة تعود إلى ثلاث قيم أساسيّة هي: أصالة النّسب والشّجاعة في الحرب، والكرم في الأخلاق ethics، لوجدنا أنّ الحماسة التي تقود إلى موقف الفخر، إنّما هي نوعٌ من التأكيد الوجودي، والواقع، ليس شعب من شعوب الحضارات القديمة ربط وجود الكلمة ووجود الإنسان كالشّعب العربي آنذاك، وتمتعت القصيدة العربية بنظاميّة محددة ودقيقة، حيث إنّ الشّاعر الجاهليّ قد قسمها إلى أقسامٍ، فالقصيدة عادة تبدأ بذكر الدّيار والدّمن والآثار، يشكو فيها الشّاعر ويبكي، يخاطب الرّبع، ويستوقف الرفيق ليكون ذلك ذريعة لذكر أهلها الذين نزحوا عنها وفارقوها، ولقد اهتم النقاد اهتمامًا كبيرًا بمطلع القصائد، فطالبوا الشّعراء أن يبذلوا في استهلال قصائدهم، لأنّها هي الأثر الأول الذي يواجه المتلقي، فيندفع السّامع أو القارئ إلى الإقبال والإنصات لهذا العمل أو العزوف والنفور منه، فإذا كان من حقّ القارئ النّاقد أنّ يغيب ذاته مؤقتًا في مواجهة التّجربة الإبداعيّة، فمن وجه أولى أن يُسكت وعيه المعرفيّ والفنيّ والنّهجيّ والعلميّ واللغويّ الحديث لمرحلة زمنيّة ريثما يستوعب الحركة الزّمنيّة لأيّ تجربة إبداعيّة، فالقارئ أو المتذوق الذي يتحلى بهذه السمات يرفع درجة الفطنة والحذر لديه، وينميّ أصالة الحس والتذوق، ويتجه كثيرون إلى القول: إنّ دور الذوق يتراجع عادة كلما ارتقى النقد، ودنا من مشارف الموضوعية والعلم، لأنّ الأحكام الأدبية عندئدٍ تقوم على أصول وقواعد بوحي من الاحساس بأهمية الذوق الشخصي، وارتقاء النقد ارتقاء لثقافة الإنسان وخبراته وتعدد معارفه، وهو يؤدي عمله، في تحليل الأدب ودرسه وتقويمه من جميع المعارف والعلوم والخبرات المتاحة في هذا العصر، كعلم النّفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، والمذاهب الإنثروبولوجية وغيرها ([13])، ولهذا عندما تتقارب الألفاظ العربيّة على لسان شاعرٍ ما، تتقارب أيضًا معانيها، وتوشك النّفس أن توجد بِهذْيَتها لوحدة نزعتها ووضوح إحساسها بالدّلالة.

نحن لا نلقي هذه الدّلالة في التفسيرات التّجريديّة أو النحويّة، فالحق أنّ مضمونها كامن في الحادثة العربية، الموجودة دائمًا والغنية والخصبة، إذ يمكن أن تكون ركازًا لكل التبريرات العقليّة، التي تقام فوقها. وحينما نقول حادثة عربية، “فالتاريخ، والمجتمع البشريّ والعلم والطبيعة والأفلاك والعالم الروحي والاختبار الشخصي، والحركات الشّعبيّة وغيرها، كلّها مفتوحة أمامه ومعروضة لديه ليستخلص ما يريد من المعلومات والعبر، ويتقلّب كما يشاء بين المشاهد والحوادث، وليعكس ما يستخلصه وما يراه مصطبغًا بصبغة شخصيته”([14])، وهذا المسار قد حفل بالمحطات المتغيّرة التي حفلت بدورها بمحطات أخرى قصيرة أو طويلة المدى،غير الواقع العربي الأصيل الناصع، وتقول. إليزبيت دور: إنّ الذوق الشّخصي سيظل متباينًا بحسب ما للإنسان من فرديّة وميول شخصية، لأنّ لون ثقافتنا ومبلغ وعينا يدفعاننا إلى اتخاذ بعض المقاييس الفنية، وطرح بعضها الآخر([15]). إنّ الإنسان مدعوّ دائمًا لأن يكون البطل، ولكنّ الإنسان العربيّ وحده هو الذي لا يوجد إلا بطل. والبطولة على الطريقة العربيّة نزعة خارقة لتجسيد المثل الأعلى، الذي لا يعلو على الواقع إلا بالقدر الذي يمكن لنفس البطل أن يكتشفه ذوق مصقول مدرب، ثقفته التجربة والخبرة، وهذبه المراس والمدارسة، ولا يكتشفه إلا وهو على هذه الحالة العظيمة من التأله ضمن شروط الإنسانيّة، من الوجد الصوفي الحيّ، الذي يناقض تمام المناقضة صوفية عصر الانحطاط، فهو محاولة رائعة لتركيز الإنسان حول معناه الواقعيّ، بينما الصوفيّة الشوهاء تبديد للإنسان في الفراغ، وإغراء سخيف بالموت الفقير، ومعرفة مصطنعة للوجود الضائع في الوجد الأصيل ينبشق الإله الحقيقيّ من أعماق الإنسان، من أصوله. وفي الوجد المزيف يهبط الإله على الإنسان من أعلى ويمحوه بظله. فالإله في الأول حياة داخلية مجسدة، وهو في الثاني فكرة مجردة خارجية غريبة، وعلى حدّ قول عبد الرحمن شكري: “كثير الحيرة والشك على الرغم من غروره يترك ما يعنيه إلى ما لا يعنيه، أيّ أفكاره وعاداته الجديدة، فهو في قديمه وجديده غارق بين لُجَّتين أو مثل كرة في أرجل المقادير فإلى أين تقذف به المقادير؟”([16]) وهذه الصورة بالغة في التّكلف، وهي خير ما يصور الحضارة العربيّة في هذا العصر وكيف أنّها أخذت تصعّب في طرق أدائها؟، وليس من شك في هذا يدل من بعض الوجوه على ما أصاب العقل العربيّ من تصنع في الأداء ينحاز به عن الطرق الطبيعية في التعبير.

ولذلك كانت وسيلة التّعبير عن الوجد الأول، الشّعر، ولكن ليس شعر العصور القديمة في خصائصه العفوية عند معلميه الأوائل. إنّه شعر إنسانيّ يقوله إنسان ويلقيه بين جموع من البشر، فهو حي واقعي مليء بالحادثة والعاطفة والتلون المتطور الخصب. والشّعر الثاني المعبر عن الوجد الثانيّ المصطنع شعر وهمي رمزيّ (بمعنى اللغز لا بمعنى الرمزية الحديثة). ولأنّه سطحيّ فهو سري ملغز، ويتفق أن يشعر بفقره “والكلام في الشّعر الرمزي هو ذاته في الأدب الرّمزي، ولكنه هنا ذو مفاهيم عامة تنطبق على الشّعر والنثر في حد سواء، ولولا الخصوصيات المهمة التي سلكها الشّعر الرّمزيّ، وجعلت منه قلب المدرسة الرّمزيّة، لما كان لهذه الفقرة الجديدة من داع”([17]) ولا يكون هذا الشّعور إلا بواسطة نفس عربية شاعرة، فيتحول إلى الأرض وإلى الغادة وإلى الحب والجمال والخمرة، كما فعل ابن عربي وابن الفارض. وبينما تكون الغادة واسطة ومعبرًا لله، تصبح هي ذاتها غاية، وهذا دليل على عقم تجربة الوجد الآخر التي تحاول أن تخلص الإنسان من ذاتيته وأرضه. فالبطولة العربية إذًا، كانت مجاورة للشّعر، وعندما يفخر الشّاعر بمناقب قومه، فهو إما أنّه يعبر عن عمل واقعيّ موجود يلتزمه قومه وأخلاقه خاصة يتحلون بها. والذّوق الأدبيّ أو الخطابيّ في أصله فن بلاغيّ مكتسب، لأنّه هبة طبيعيّة تولد مع الإنسان منذ طفولته. وتنمو معه شيئًا فشيئًا فيعبرعنها الموهوب بصفاء الذّهن وخصب القريحة والخيال الرّصين ويضعها في قوالب أدبيّة أو خطابيّة بأسلوب فني بليغ تطرب له المسامع. وأمّا أنّه يحث على هذا العمل وهذه الأخلاقيّة قبل أن يتحققا تمامًا. وفي كلتا الحالتين يحاذي الشّعر النزعة. والنّزعة في حقيقتها واقع موجود وغير موجود معًا، لأنّه تطور وصيرورة. وكلمة صيرورة أصح في هذا المجال لأنّها أوسع من مفهوم التطور الذي قد يكون حالة من حالاتها فحسب، وهنا لا بدّ من التميز في دراسة هذه الظواهر، بين علاقة الأدب بالذّات والمجتمع والظواهر الفنيّة، وبجدلية الواقع في مختلف تطوراته وتغيّراته، لأنّه في ذلك تبلور لوظيفة الأدب التي يمكن أن تمضي بوضوح بين جوانب الحياة كلها بما ينعكس إفادة للمجتمع وتطوّره، ولا يقتصر الذوق الأدبي على إبراز الجمال في كلام الناس وإنّما يتعداه إلى البحث في جماليات القرآن الكريم والإبداع القرآني، الذي يتصل في فهمه وإعجازه باللغة وادابها، التي محورها التّذوق الأدبيّ ([18])

نخلص مما تقدم إلى أنّنا إذا كنا نربط بين مصير الفنّ ومصير البطولة الإنسانيّة في التجربة العربية، فلا يعني هذا أنّ الشّاعر البطل يقف دائمًا على ذروة انتصار وتفوق ونبالة، بل قد يقع أحيانًا في حضيض آنكسار وانحطاط ومذلة. ففي المرة الأولى يقول الشّعر كم، وفي المرة الثانية يقول الشّعر أيضًا، غير أن شعر الذروة واقع كله بملكية هذا الواقع، بينما شعر الحضيض واقع عارض، وصيرورة معكوسة وشعور بالعدم إلا من الحقد السلبيّ، والحنين الإيجابيّ إلى الذّروة. ففي الشّعرين إذًا ذروة بادية، “مع أنّ ينابيع الفن مختلفة كثيرًا ما بين الكلاسكيين والرومنطيقين في الأولى، المصير الإنسانيّ هو الذي يسيطر. وفي الثانية: القدر.إنّ شعر الأقدمين فنيًّا أكثر، أكثر صفاءً من شعر المعاصرين الذي يبعث فينا مزيدًا من الدّموع، ولكن المسألة، ليست في الأختلاف بين المدرستين، بل بين التقليد، الذي تعتمد عليه الأولى، والاستحياء الذي تعتمده الثانية”([19]) وإذا قارنا قيمة الاثنين، بدا لنا أنّ الثاني أقوى حقيقة وأعنف إرادة وأعظم رسالة، ويضعنا الحديث عن ماهية الشّعر أمام الكم الهائل من التعريفات التي أنتجها الفكر الإنسانيّ، وجلها تحاول الاقتراب من طبيعته، على تفاوتها بحسب العصور من جهة وبحسب المؤثرات التي ألقت بظلالها على النّقاد من جهة أخرى، ولسنا في سياق حصر التعريفات جميعها أو تحليل أبعادها، وإنّما غاية الأمر تأكيد تفاوتها في تحديد ماهية موضوع واحد، فكل منها له نظرة خاصة من زاوية معينة. إنّ الشّعر عند مالك الذروة قد يمثل جزءًا من وظيفة الترف، وزاد من حدّة الأزمة الفكرية في العالم العربي بأوضاعه الراهنة، حتى قيل عن الشّاعر: “ليس شاعرًا اليوم من يقصر ثقافته على الثقافة الشّعرية فحسب؛ الشّاعر الحقيقي، مثقف بالمعنى العميق والشامل للكلمة: مثقف ثقافة شعرية وسياسية واجتماعية وفنية، أي هو شاعروثائر وفنّان، ورجل علم اجتماع ونفسي، وفيلسوف ذو قدرة على النفاذ والتحليل، والرؤية الجدلية للأشياء والعالم. الشّاعر الحقيقي: مناضل ثوري في سبيل الخلق والتغير”([20]) وتنطبق هذه الوظيفة الأدبيّة على كثير من الشّعراء والأدباء الذين عاكسوا الريح، ووجدوا أنّ كلمتهم يجب أن تكون كالرصاصة، وأنّ الشّاعر ينبغي أن يكشف الحقائق، وإنّما تتجاوز إلى شيء آخر.

الشّعر العربيّ بوصفه فاعلًا في الحياة

إنّ الإرادة تعني الولادة، والفنان وحدة هو الذي يقدر قيمة الجنين الذي لم يولد بعد والوليد الذي تتداوله المتاحف لكم يشقى ويوجد للأول، ويضجر ويسأم الثاني! فشعر الفخر ليس من ناقلة القول للآخر، ولا صنوه شعر الرّثاء. إنّ الاثنين يمثلان طرفيّ البطولة، وليس أروع من الشّعر عندما تكون مبالغاته حقيقية، أيّ لها جذور في الواقع. صحيح أنّ الشّعور العربيّ عميق الجذور لدى عامة الشّعب، وأنّه يثب على الرّغم من كل الصدأ العالق به، صدأ السنين، وعلى الرّغم من كل الرّياح الخانقة التي تحاول طمسه، وصحيح أنّ الفكرة العربية هي أكثر الفكر حياة في النفوس وغليانًا في العروق، ولقد كان الشّعراء العرب يقرأون كثيرًا، ويستوعبون مؤثرات مختلفة لذوق الأعم هو الذي يشترك فيه كل النّاس بحكم طبيعتهم البشريّة فهم يحبون الجمال ويتذوقون بديع بيانه، ووقفوا أمام استخدام الشّعر في بيان الموضوعات التاريخيّة ورفضوا التفاهة التي غلبت على الحياة والشّعر. وهذا القدر المشترك بين البشرية هو الذي يجمع بينهما وبين الأدباء والعلماء منها في الإعجاب بهوميروس وشكسبير وجوتة والمتنبي والمعري والخيام ثم يجمع بينهم في إعجابهم بمشاهد الطبيعة الخلابة، وبالفضائل العامة والخصال الحميدة. والشّعر العربيّ في صميمه ليس مطلقًا تصويرًا سلبيًّا للحياة، إنّه يشارك في هذه الحياة، بل أنّه مؤثر في حوادثها، فاعل في حركتها، “فهو إذًا، واحد من الفنون التي تتميّز عن سائر النشاطات الإنسانيّة، بوصفها أرقى أنواع العلاقات الجماليّة والإبداعيّة في واقعنا. كما أنّه يتميّز عن سائر الفنون بتميّز أداته: التي هي اللغة، لأنّها أداة العلاقات الإنسانيّة برمتها، وهي علة قيام المجتمعات وتفاهم الأقوام، ولأنّها تختزن سياقًا تاريخيًّا اجتماعيًّا يرقى إلى بداية التكوين الإنسانيّ”([21]). فهو عندما يبرز صفة أو عملًا في الفخر يخلقها من جديد ويضعها في مستواها الفني الخالد. وعندما يعبر عن نزعة يساعد في نزعها نفسه. والرثاء نوع من الإلحاح على النقيض لتحقيق النقيض الآخر. وهكذا يكون الشّعر العربيّ والحياة العربية من ورائه تتبع في صميمها قانون الديالكتيك الحقيقي المبدع، فالصّورة الفنيّة واحدة من الأدوات التي يستخدمها الأديب في بناء عمله وتجسيد الأبعاد المختلفة لتشكيل رؤيته الأدبيّة، فبواسطة الصورة يشكل الشّاعر أحاسيسه وأفكاره وخواطره في تشكيل فني محسوس وبواسطتها يصور رؤيته الخاصة للوجود وللعلاقات الخفية بين عناصره، وإذا كان الشّاعر الحديث بشكل عام يستخدم إلى جانب الصورة أدوات وميكانيكية شعرية أخرى، فإنّ هناك من الاتجاهات الشّعرية الحديثة ما يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على الصورة كالسريالية، ويستمد الأديب مكونات صورته من الطبيعة بكل ما تنطوي عليه من أشياء وجزئيات وظواهر،([22]) ولكن الأديب لا ينقلها إلينا في تكوينها وعلاقاتها الموضوعية، إنّه يدخل معها في جدل، إنّ هذا يعني أنّ الصورة الأدبية انبثاق تلقائي حر يفرض نفسه على الأديب كتعبير وحيد في لحظة نفسية انفعالية تريد أن تتجسد في حالة من الانسجام مغ الطبيعة. ومن خلال هذا التصميم الشّامل للشّعر العربيّ الأصيل يتاح لنا الآن أن نلج إلى مضمونه الجديد الذي تحتاجه حياتنا الاجتماعيّة. أفلا نرى جميعنا الاختلاف البين بين الشّعور العربي وبين تطبيقاته العملية؟ أفلا نرى الفرق الكبير بين عواطف الناس تجاه القضية العربية وبين أرائهم العملية في بعض الأمور التي تعرض لهذه القضية؟.

آية ذلك أنّ الفكرة العربيّة قد جاوزت منذ زمن بعيد مرحلة العاطفة، وغادرت ذلك الطور الذي كانت فيه فورة ضد الاستعمار بصورة مباشرة أو بوجه آخر، فأصبحت مدعوّة منذ سنين إلى أن تحدد خطوطها وترسم معالمها رسمًا واضحًا، لقد أصبحت مطالبة بتكوين مذهب عربيّ واضح العناصر، يقابل مذاهب المستعمر السائدة في العصر الحديث، ولقد كان طبيعيًّا أن يكون أول ما عرف من تلك المطالب العلمية والحاجات الثقافيّة متصلًا باللغة العربية. ذلك أنّ اختلاط العرب بالشعوب المغلوبة لهم واقبال أبناء هذه الشّعوب على اللغة العربية قد عرّضها للفساد في النطق والإعراب، ووراء هذا ما وراءه من عواقب وخيمة تبلغ حد الإخلال بالقرآن الكريم لفظًا ومعنى. وما يستتبع هذا البحث حتمًا من النظر في الآثار الأدبيّة، ابتغاء معرفة الأحوال الضابطة للغة نطقًا وإعرابًا بحيث يستطيع العربي والدخيل على اللغة العربية أن يجيدها تعليمًا بعد ما عجز عن أن يجيدها فطرة وسليقة. وازدهر هذا الحقل الثقافيّ المتصل باللغة وآدابها ازدهارًا مرموقًا قي عصر الأمويين، وزادته ازدهارًا أسباب أخرى تضاف إلى سبب الحفاظ على القرآن الكريم، ومنها رغبة العرب في مباهاة الشعوب المغلوبة لهم بجمال لغتهم وروعة آدابها، وميل القبائل العربيّة إلى مفاخرة بعضها لبعض بقوة البيان، ومن الواضح أنّنا لا يمكن أن نقبل أن يكون شعرنا اليوم خاضعًا للتصنيف الجاهلي القديم، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون. فكما أنّنا نؤمن بأنّ زمن الاجترار قد بار وأنّ أشكال الحياة العربية قد اندرست تمامًا، فلا بد إذًا من أن نعتقد بأنّ الشّعر القديم، وهو أعظم تلك الأشكال، ليس لنا أن نجتره ولا أن نمثل ظروفه، ولا أن نضعه في غير موضعه. فإنّه مع إيماننا أنّ التاريخ تبدل، وأنّ لكل مرحله منه قيمتها وحاجاتها، وبشرها الذين يعيشون ظروفهم الخاصة بهم، مع هذا فلا بد لنا من أن نبرز خصوصية التطور في التاريخ العربيّ لا سيما فيما يتعلق باسلوب التعبير عن التاريخ وهو اللغة العربية نفسها. صحيح أنّ الأحداث تتغير؛ ولكن هذه الأحداث لا تتحقق من تلقاء ذاتها، وفي الفراغ ؛ إنّها مرتبطة باناس يلتزمزنها، وهؤلاء الاناس بدورهم ينتمون إلى أمة وحضارة معينة، والحضارة شخصية، وكل ما يصدر عنها من أعمال إنّما تنحل في آخر الأمر، في المعنى هذه الحضارة والمعنى شيء بديء أصيل يكون دفعة واحدة لا يتطور ولا يتغير، كما لا تتغير هوية الشخصية مهما صدر عنها من أعمال وتصرفات متبدلة، إنّها كلها تلزم صاحبها وتنبئ عن شخصية واحدة. هذا بالنسبة إلى جميع الأمم والحضارات. فما بالنا بالنسبة إلى الأمة العربيّة التي تصل فيها الأصالة إلى حد المعجزة، إلى حد البداءة المتافيزيقية! تمثّل في مقولات بعض الزاعمين إصلاح العربية “عبر دعويين: دعوى القصور في اللغة الفصيحة عن أداء دورها في العصر الحديث، ودعوى صعوبتها إزاء سهولة العامية”([23]) الرجوع إلى ما هو كامن في النّفس العربيّة، مع أنّها عريقة لها تاريخ طويل في العطاء الفكريّ والإبداعيّ واللغّويّ والحضاريّ والعلميّ، لذلك كان هذا الكمون يعطي العرب حافزًا على ضرورة التغيير، عبر الاعتقاد بأنّ ما هو جاهز عندهم قادر على تطوّرهم، بعدما بدأت أسباب انغلاقهم تضمحل بالتطورات السياسيّة الحاصلة في بلادهم، وأن لا حياة للعرب خارج اللغة، بها يقدّمون شخصيتهم إلى العالم، ومنها ينطلقون في التعبير عنها، ومن دونها يبقون في غربة وتراجع، وبوساطتها يستعيدون خصائص وجودهم، لذلك كان البحث عن وظيفة جدّية للغة، وكانت وظيفتها هذه المرّة عامة ومساوية للحياة نفسها، وظيفتها هنا شكلت تدبير نفسها كَلُغَة، وبالتالي التعبير عن الحياة. وإنّ كان الثاني يحصل خارج نطاق البنى اللغوية، فإنّه في اللغة العربية يغدو جزءًا منها، وإن لم نقل المكوّن الأكبر لها، أو المعطى المرادف لها. ذلك أنّ ثمّة من يرى أنّ في العربية تماثلًا للناس أنفسهم، لا يكاد يميّز بينهما، حتى أصبحت “بنية ذهنية، تكوّنت من نوازع نفسية طبيعية، تراصفت تاريخًا، فغدت بوتقة تصهر ما يوضع فيها، وتشكلّه وفاق طابعها، حين ملاءمته للصهر، فيكون له منحى خاص في الحوار والتّعبير والسلوك والنظرة إلى الواقع وما بعده من آفاق وتطلعات تتجاوز المحسوسات، إنّها النفس العربية بكلّ ما فيها من انعطافات ونتوءات” ([24]) وليس هذا محل البرهنة على أصالة الأمة العربية، غير أنّنا نريد من كل هذا أن نبلغ إلى أنّ اللغة العربيّة التي هي فن الأمة العربيّة الأول، ومجال فلسفتها ونظرتها إلى الوجود ومحل قيم القومية العربية، ونوع الأخلاقية التي تلزم أبناءها بها، هذه اللغة في أصولها ثابتة لا تتغير، لأنّها تمثل معاني الأمة ونظرتها إلى بيئتها في الحياة والوجود بشكل عام.

إنّ اللفظة الشّعرية نظرة حية ومطلقة في الوقت نفسه، وكل لفظة تقابل حالة وجودية حدس بها مبدعها في ظروف حياتي معين انتقل منه إلى معناه، فليست اللغة العربية إذًا تركيبية، والاشتقاق فيها لا يكون مصطنعًا أو نحويًّا، إنّه نوع من القدرة المبدعة، وقد اكتفى الشّعر العربيّ بتقديم الصور عن الواقع من دون رسم الخطط المستقبليّة، إلا بعض الإرهاصات التي كانت شبه تعميمات تقول بوجوب ضرورة الانتقال إلى مراحل جديدة. وقد حفلت تجارب الشّعراء العرب بهذه الواقعية الانتقادية، ونُقِلَ الكثير من مشكلات واقعهم، لقد اكتشفوا الضمور في إيجاد السّعادة البشريّة ضمن ظواهر العالم الحاضر (القروي والأخطل الصغير وبدوي الجبل وسواهم…) وتلمسوا تناقضات المجتمع الرأسمالي (الياس أبو شبكة وأحمد الصافي النجفي) وقد اعتمد هؤلاء الشّعراء على رؤية كل منهم لواقعه، متأثرًا بوضعيه الذاتي داخل المجتمع والفئة التي ينتمي إليها، وتبعًا لذلك نرى في شعر الرصافي تركيزًا على القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والتربويّة، ومع أنّ الواقعيّة الانتقادية تركز على أشكال الكتابة الدقيقة، فإنّ معظم الشّعراء العرب الانتقاديين قدموا في أساليبهم الطابع الشّمولي الذي يحفل، في أحيان كثيرة بالتفاصيل والجزئيات والوقائع، كما يرى محمود أمين العالم، في ” مشاركة جدّية في الحياة، تتخذ مادتها من الواقع الإنسانيّ العام، وصياعتها من طبيعة حركة الحياة، وحياة الشّعر ليست في مفردات مستحدثة، ولا أخيلة محلقة، ولا معان مبتكرة، وإنّما في مقدار ما يأخذ من الحياة وما يعطي لها، وفي مقدار ما يتأثر بها ويؤثر فيها ذلك، لأنّ الشّعر فعل حيّ وحركة جدية، تؤرّخ لنا واقعنا النفسي تاريخًا لا يقوم على المصدر والوثيقة، وإنّما على المعايشة والوجود، وهو بهذا التأريخ الحي يؤازر بين حركاتنا ويطوّر تجاربنا، ويجعل من حياتنا طريقًا إلى أي شيء”([25]) وإذا عرفنا أنّ فن اللغة العربية والحياة العربية الأصيلة هو الشّعر، أدركنا أنّه بالتالي لا بد من أن تكون له جذور ثابتة، كما أنّ له حياة متبدلة متغيرة ضمن تفتح معناه البديء، فيما ينتجة شعراء العربية خلال العصور المتوالية، فلغة أي لغة من المجتمعات تمثل الوعاء اللغوي لثقافة هذا المجتمع، فاللغة تعد أقدم تجليات الهويّة، على أساس أنّ اللغة المشتركة هي التي تجعل من كلّ فئة من الناس جماعة واحدة، ذات هويّة مستقلة، ويزداد الاهتمام باللغة والهويّة معًا، ويشيع الحديث عنهما، في المفاصل التاريخيّة في حياة الجماعات. وفي الغالب يحصل الربط بينهما ويتماهيان إلى درجة أنّهما يكادان يصبحان شيئًا واحدًا، كما يمتاز كل شاعر أو أديب في شعره بمعجمه الخاص، ولا بد له من أن يكون قادرًا على تميز تجربة من أخرى، “ولكل شاعر تعامله الخاص مع اللغة وله معجمه الذي يستقي منه ألفاظه ومفرداته، ويبني من تلك الألفاظ والمفردات أبنيته وتراكيبه اللغويّة التي تشكّل النسيج الفني للصوره الشّعرية التي تتبلور من خلالها رؤيته الفنية للواقع”([26]) واللغة العربيّة تعبير وفهم وتذوق وابداع، وصياغة تتحدى جمال النظم وصحة الأسلوب وروعة البيان، وهذا ما يهدف إليه الشّعراء المعاصرون في أغراضهم إلى تكوين الذوق الأدبي في نفوس القراء، حتى يتجلى ذلك في تعبيرهم.

إشكاليّة اللغة والهوية في المنظار الثقافيّ

يرى الكثير من الباحثين في الفكر واللغة أنّ اللغة والهويّة هما وجهان لشيء واحد، وأنّ الإنسان في جوهره ليس سوى لغة وهويّة اللغة تعد بالنسية إليه فكرة ولسانه وانتماءه، وهذه الأشياء تجسد حقيقته وهويته، التي تسهم وضع سياسات لغوية وطنية تعمل على تعزيز اللغة العربية السليمة وحمايتها من الإقصاء، وتمكينها من إثبات ذاتها في مواقعها الطبيعية بقوة القانون، وبما يسهم في وحدة المجتمع ويدعم الاستقرار والسيادة الوطنية، وإعادة إنتاج المجتمعات العربية بلغتها الجامعة والموحدة التي تحافظ على هويتها، وتعزز ولاءها وانتماءها لأوطانها ولعروبتها، وتحافظ على مرجعياتها وثوابتها وقيمتها. فشعرنا اليوم، إنّ كان أصيلًا مخلصًا، لا بد له من أن يشفّ عن قيمته الفنية، بوصفه هذه الحياة العربية المثلى عندما تنقلب فنًّا، ونحن الآن نعيش هذا المثل من قاعدته، من أسفله، من حضيض الذروة التي فقدناها. فالمرثية القديمة شعرًا، هي بابه الوحيد، ولكن شرط أن تشبع بتفاصيل المأساة الجديدة، إنّ المرثية تعني الفقد، والفقد يتناول الإنسان والأرض والقيمة الاجتماعيّة والجمالية. فوضعنا اليوم يتحدد في جميع مستويات الحياة، من وجهة نظر الفقد هذه. وفقدنا غني: فنحن تاريخ حاضر ومستقبل وإرادة حرة، والحرية هي خالقة التاريخ وخاصة التاريخ العربي، لأنّنا الآن دون اتحاد لأنّنا مفككون في الأرض والنفس، لأنّنا نعيش في أحط شروط مادية عاشها العربي طيلة تاريخه. وقد تجسم كل ذلك في هذه البؤرة المحرضة المخيفة التي يجمع فيها موتنا وبعثنا، عبوديتنا، مذلتنا وكرامتنا. إنّها فلسطين: فقدُنا القضية الأكبر، شعرنا إذًا مرثية طويلة، والمرثية تتغذى من جميع تناقضات المأساة الحاضرة. فمن هذه النظرة، من هذا المقياس وحده، يمكننا أن نقيّم كل شعر مبدع جديد على أنّه أصيل أو مصطنع. والأصالة في الحقيقة هي حكم الوجود على كل انتاج عربي، يسبق حكم القيمة، وكل تقدير فني تكتيكي آخر، وهو مقياسنا الوحيد كعرب أحسن من تجلت لديهم العفوية والأصالة، وتعتبر القضية الفلسطينية من أهم القضايا العربية الحديثة والمعاصرة، وفلسطين بجذورها التاريخية تتألف من عناصر سامية توطنت فيها ابتداء من الألف الثالث قبل الميلاد عندما نزحت شعوب شبه الجزيرة العربية إلى أرض كنعان وإلى فينيقيا وإلى ما عرف باسم السواحل السورية أو الشامية، فالعنصر العربي عنصر أصيل في فلسطين يعود تاريخه إلى خمسة آلاف عام على الأقل، وقد شهدت فلسطين والمناطق العربية وجود مختلف الأديان على مرّ التاريخ، وكما قامت الثورات وردود الفعل المستمرة في فلسطين ضد البريطانيين والهجرة اليهودية التي بدأت بالتزايد إلى الأراضي الفلسطينية، ([27]) وكذلك قامت ثورات في منطقة جبل عامل في لبنان وردود فعل واسعة في بيروت وطرابلس وبعلبك وصور وسواها ضد الاستعمار الفرنسي وضد الاستعمار البريطاني، كما قامت الثورة السورية الكبرى في بلاد حوران والمناطق السورية ضد ممارسات فرنسا الإستعمارية والتقسيمية. وفي فلسطين قامت ثورات عديدة ضد المشروع الصهيوني وفي مقدمتها ثورة 1935 بقيادة عزالدين القسام ([28]) ومن الملاحظ أنّ بريطانيا كانت تخادع الشعب القلسطيني باستمرار، فكلما قام الشعب الفلسطيني بثورة، اضطربت بريطانيا لإرسال لجنة تحقيق بريطانية لتحقق في التطورات الفلسطينية وفي المشكلات التي كانت تحدث بين الفلسطينين واليهود. وقد يكون من الواجب الإشارة إلى أنّ الشّعر اللبناني الذي تفاعل مع هذه الأحداث العربية وغيرها، وأخدت الجدليّة الفكرية تظهر في المنشورات العربية، لكي تتزيا بحلة جديدة،وإنّه لمن الطبيعي أن تزيد كمية الشّعر في هذه المرحلة مع ما يستلزم بحثنا الحاضر من تعديل بنشوء بعض النزعات والمقومات الجديدة ([29]).

وخطورة وظيفة الشّعر في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية في أنّه كان يمثل موقفًا من الحياة والكون وما يجري فيهما، كان موضوعه الإنسان ومعاناته، والشّاعر يعالج المشكلة عن طريق الرؤيا التي بها يحاول أن يعيد صوغ العالم على نحو جديد وأيديولوجيته مستمدة من واقعه والعالم الذي يعيش فيه، ولفن العروبة من شعر أصيل، يشكل بذاته قوة جبارة من قوى الطليعة المناضلة.

إنّ هذه القيم تتابع حركة النفس العربية الواعية وهي مغمورة في خضم الأحداث المتتالية على عالمنا العربي، فهي سلبية كلها، إيجابية كلها. سلبية لأنّها تتنبأ بالواقع الأفضل نبوءة فاعلة تتكشف للملهمين، فتعمل منذ أن تنكشف لاصحابها على استدعاء وبناء هذا الواقع الجديد، وكل هذا من خلال موقف وجودي دائم يلتزم الشّاعر عن عفوية ووعي، والمهم أن نذكر أن تجارب هؤلاء الشّعراء جميعًا لم تخرج في معظمها عن إطار الشكلية الاتباعية إلا في حدود اللفظ والمعنى، أما تركيب القصيدة فلم يتغير، وهذا مصدر ما نستثعره في أشعارهم من ازدواج وتجانف بين المضمون والصياغة.

 الشّاعر المعاصر والتجدد في الأسلوب

إنّ الشّاعر المعاصر يعود إلى مجتمعه بالأمل بالحياة، بالكفاح المستنير، وهو يشارك مشاركة جادة مع الشّعراء من أمثاله، والمفكرين من أمثاله في معركة بناء الحياة الجديدة. وهم شعراء صغار، صغار في أعمارهم، صغار في تجاربهم، صغار في تعابيرهم ولكنهم كبار، كبار حقًّا في هذه الأعباء الإنسانيّة الكبرى التي يتحملونها، والقيم التي يؤمنون بها، ولم يُنضجوا في عملية بناء الحياة الجديدة، مضامين جديدة فحسب لاشعارهم بل تمرسوا بقيم شكلية جديدة تتفق وهذه المضامين المشرقة، وإن تفاوت هذا بين شاعر وشاعر، والحديث عن الشّعر الجديد يتعلق بأمور أعمق وأدق، ومن الخصائص العامة المهمّة ، ويتميز هذا الشّعر الجديد أولًا بعودة شاعره إلى الارتباط بالحياة الاجتماعيّة العامة. ولقد اتخذ للتعبير عن هذه الرّسالة الأساسية للشّعر سبيلًا جديدًا، فهو لا يعرض للقضايا العامة كما كان يفعل حافظ وشوقي ومحرم عرضًا تقريريًّا، بل إنّه يتمثل هذه القضايا العامة خلال تجاربه الذاتية، وهكذا جمع الشّاعر الحديث بين ظاهرتين متعارضتين في المدارس الشّعرية السابقة، جمع بين التعبر التقليدي العام والتعبير الذاتي، جمع بين التّجربة الشّخصيّة والقضية العامة، فخلّص القضية العامة من الجمود والتقريريّة، وخلص التّجربة الذّاتية من الخصوصيّة والانعزال، فقضية إنسانية كبرى كالسلام، لم يعد الشّاعر الجديد يدبج فيها القصائد التحليليّة المطولة، وإنّما هو يتلقفها ويتمثلها خلال تجاربه الخاصة، وهكذا يمكن القول إن الصفة الأولى لوظيفة الشّعر الجديد أنّه يشارك في القضايا الإنسانيّة العامة، ويعبر عن التجارب النمطية تعبيرًا ذاتيًّا من داخل القصيدة. والخاصة الثانية لهذا الشّعر، صياغته الجديدة والشّاعر الجديد يعتقد، كما يعتقد عبد الرحمن الشرقاوي أنّه قد قضي على الشكل نهائيًّا، إنّ الشّاعر الجديد إذًا، يحذر الشكل الذي قضي على المضامين القديمة بالجمود والضحالة، ولهذا لا يود أن يعترف بأن الشكل شيء غير ما عبّر عنه، ولكن ما عبر عنه،إنّما هو الحقيقة، خبرة مشكّلة مصاغة، تختلف عن الصياغة القديمة اختلافًا حاسمًا جديًّا. والمظهر الأول لهذا الاختلاف هو استناد الشّعراء على التفعيلة الواحدة لا البحر الكامل أو مجزوئه أو البحر الطويل، أوالبسيط وما شابه للتعبير الشّعري. وهي تجربة ترجع إلى محاولة قديمة للشاعر. على أنّ هذا الأساس النغمي ليس هو وحده الذي يعطي للصياغة الجديدة دلالتها الجوهرية. حقًا هو احدى وسائلها المسعفة. ولكننا قد نجد بين الشّعراء من يستخدم البحور الكاملة، ولا يحرمه هذا من التجديد في الصياغة، وأن حرمته البيتية الكاملة من طواعية التفعيلة الواحدة وانفساح التعبير بها، وشأن التفعيلة في ذلك شأن القافية، فالشّعر المعاصر يتخلص من القافية، إلا أن تخلصه من القافية ليس هو المحك الحاسم كذلك على جدته. وفي الأبنية الشّعرية الجديدة نلتقي بالقافية أحيانًا. حقًا إنّها لا تتلاحق في رتابة وجمود، بل تلمع هنا وهناك في ارتباطات متراوحة طيّعة. على أن التخلص من القافية الرتيبة إحدى الوسائل المسعفة كذلك على البناء الفني الجديد وليس شرطها القاطع، أما المظهر الجدي للصياغة الجديدة فهو الخروج من التقريرية إلى التعبير بالصور تعبيرًا بنائيًّا. فلنسمع إلى ما قاله نعيمة عن الشّعر: “إنّ من استيقظت عواطفه وأفكاره وتمكن من أن يلفظها بعبارة جميلة التركيب، موسيقة الرنة كان شاعرًا. إنّ العواطف والأفكار هي كل ما نعرفه من مظاهر النفس. فالشّعر إذا لغة النفس، والشّاعر هو ترجمان النفس، وكما أنّ الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها، بل بالصلاة الخارجة من أعماق القلب، هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي بل بدقة ترجمة عواطفها وأفكارها… فلا الأوزان ولا القوافي من ضرورة الشّعر، فرب عبارة منثورة جميلة التنسيق موسيقية الرنة كان فيها من الشّعر أكثر مما في قصيدة من مائة بيت بمائة قافية. وربّ صلاة خارجة من القلب مفكر فوق رمال الصحراء أدركت غايتها، وذهبت كصرخة في وادٍ صلوات خارجة من مئات الأفواه بين مئات من القناديل والشموع تحت سقوف مرصعة وقبب مزركشة”([30]) وهناك طائفة من الشّعراء المحدثين تستخدم التفعيلة الواحدة أساسًا، ووتخفف من حدة القافية، وتبقى صياغتها مع ذلك تقريرية جامدة. تستطيع أن تجمع مقطعاتها فتركب منها قائد قديمة. وطائفة أخرى لم تجرب التفعيلة الواحدة، ولم تتخلص من حدة القافية الرتيبة، ولكنها نجحت في بناء صور متداخلة متكاملة المظهر الأصيل للشّعر المعاصر، كما يبدو لنا، هو استعانته بالصور المتآزرة النامية لإبراز مضمون العمل الشّعري، وبلورة عناصره، وقد يتخذ الشّاعر إلى جانب تعبيره بالصور وسيلة أخرى هي الحوار الجاني لإبراز عنصر، أو كشف صراع، أو تطوير حدث، أو استحداث صورة، أو تضخيم زاوية رؤية. وعلى هذا، فالتفعيلة الواحدة وانعدام القفية والقفية المتراوحة والحوار الجاني والتعبير بالصور، كلها وسائل صياغية متكاملة لإبراز المضمون إبرازًا فنيًّا، ويخفت المضمون أو يرف بحسب مقدرة الشّاعر على استخدام أدواته الصياغية. والخاصية الثالثة الجديدة هي ما نراه من زوال الازدواج بين الحسّ والفكر، بين التعّقل والشعور، وقيام تفاعلٍ فني خصب بينهما، وكذلك خاصية خارجية للشّعر الحديث، وهي في الحقيقة تنبع من خاصيته الأولى، خاصية ارتباطه بالحياة الاجتماعيّة، هذه الخاصية هي قابلية للانتشار في شكل شعبي واسع. والخاصية الرابعة، هي خاصية ليست للشّعر الجديد، وإنّما هي للشاعر المعاصر، وهي مصدر ما في شعره من جدة، ونضارة وحركة وحياة سواء في المضمون أو الصياغة، تلك الخاصية هي اشتراكية الفعلي في عمليات الكفاح بين مواطنيه. ويجهر شعر عبد الرحمن الشّرقاوي وكمال عبد الحليم والكثير الكثير من الشّعراء، والأمثلة كثيرة في القصائد لهم بهذه المشاركة والانضواء في الكفاح. ولا نجد هذه الخواص التي ذكرناها إلا لدى قلة من الشّعراء المعاصرين، وتتحقق عندهم كل منهم بتفاوت واضح. وهناك طائفة أخرى من الشّعراء، تشارك بقسط وافر في حركة الشّعر الجديد وإن تكن تقف موقفًا وسطًا، تخنقها ازدواجية في موقفها الاجتماعي والصياغي على السواء. وعلى إبراز القسمات وتجسيد الرؤيا واصطناع الصور في جو رمزي غيبي، والمهم أن نذكر أن تجارب هؤلاء الشّعراء جميعًا لم يخرج في معظمها عن إطار الشكلية الاتباعية إلا في حدود اللفظ والمعنى، أما تركيب القصيدة فلم يتغير، وهذا مصدر ما نستشعره في أشعارهم من ازدواج وتجانف بين المضمون والصياغة.

الحداثة موقف من الحياة

أنْ تعيش تجربة خاصّة وجديدة، يفترض بك أن تعبّر عنها بطريقة خاصّة وجديدة، بعد ذلك، نعود إلى التأكد أنّ الحداثة موقف كيانيّ من الحياة، لا من الشّعر وحده، وهي تتجاوز الأشكال إلى الجواهر، وأنّ سيادة الإنسان وحريته تلزمان عليه تجاوز الأطر والأنظمة التقليدية بعمق للعمليّة الشّعريّة، ومن الطبيعيّ القول إنّ هذا لا يتوجّه إلى جماعة “شعر” فهؤلاء يقفون إلى جانب الأديب، يناضلون معه، وليسوا بحاجة إلى إقناع، بل إنّه يتوجّه إلى الناس العاديّين، القرّاء، المثقّفين الذين لا يزالون حائرين في اتّخاذ موقف من المعركة القائمة بين جماعة الشّعر الحديث وجماعة الشّعر التقليديّ أو الكلاسيكيّ، وإذا كان التواصل يعدّ الوظيفة الأساسية للشّعر، فإنّ في استعمال الرمز في الصورة الشّعرية الحداثية، قد أوجد خللًا في هذا التواصل، لأنّ هذا الغلوّ “يذهب بغاية الشّاعر الأولى: قوّة التواصل”([31])، والتواصل والاتصال وظيفة جوهرية، ولها متعلقات لا تقتصر على اللغة وحدها، والذي اختلط لديه النضال بالفن تمامًا على طريقة الشّاعرية القديمة، عندما تلتحم الحياة بالفن، لتجعل من أمة أشبه شيء بانتاج عبقري خارق مستمر، وهو مرتبط بالغريزة، تلك الطاقة المحركة له التي تحوّله إلى معنى حسّي تقوم به الحواس التي بدورها تصبح وسيلة تعبير تعتمد على الصوت والحركة الجسدية والإنماء والإشارة والتنفس واستعمال الجوارح عمومًا، الأمر الذي يذكّر بدور اللغة الراقية التي معها تصبح الحالة الشعورية نظمًا تتطور وتتحقق لغويًّا في ميادين الحياة الواسعة والمواطنة، التي تحتاج إلى اتصال ولا تتم إلا بالكلمات الحقيقية التي يحددها العقل فيسمّي ويصوغ الدلالات.([32]) وعلى الرغم من الدراسات التي قام بها علماء اللغة إلا أنّها تظل بحاجة إلى المزيد من البحث والاستقصاء ” فالخواص الأسلوبية العامة للغة العربية في مستواها التواصلي التداولي لم تبحث بالاستقصاء العلمي الكافي حتى الآن، ما يجعل القول بارتباط إحدى المتغيرات بالمجال اللغوي البحت، أو الأدبيّ، موضع تساؤل، ويضفي ظلًا من الشك على مناسبة التفسير الجمالي لها. ويجعل من الأجدى بالنسبة إلى الألسنيين العرب أن يتوفروا على استكشاف مجالات أساليب اللغة وتحديد ظواهرها كأساس يعتمد عليه النقاد في تحليلهم لأساليب الأدب، وعندئدٍ تمضي حركة البحث التجريبي في مسار مأمون”([33])، ولقد اعتمدت لغة الشّعر عل القواعد النحوية “فانتظام لغة الشّعر محكومة بالمتطلبات البنائية التي يسديها الوزن أو الإيقاع هو الذي جعل القوانين النحوية تبزغ أول ما بزغت انطلاقًا من الأساليب الشّعرية، فالشّعر هو الذي أنتج النحو في حقيقة الأمر وليس العكس”([34]) فالصورة الطبيعيّة التي يغرق فيها متذوق الشّعر العربيّ هي أنّ الشّاعر على ذروة والأمة من حوله يحدثها عنها، يغنيها غناءها، يبرز وجودها في القصائد العربية، الكلام والعمل شيء واحد، النغم والحركة شيء واحد. اليد التي تهتز مهددة بالشّعر هي نفسها حاملة العز والقلم… شعرنا العربي يضعنا على أبواب المعركة دائمًا، فهو للمعركة وفي المعركة وبعد المعركة، ولن يفهم بدونها، إنّ التحام الشّاعر بالأمة ذلك الالتحام الوجودي، لا يعرفه غير الفن العربي في اللغة العربية، الحرية والكرامة نغمان أصيلان لكل قصيدة، إنّهما كيان الإنسان العربي. لذلك يساءل الدكتور. عبد المجيد زراقط حول هويّة أدبنا العربي وملاءمتها للمستحدث من الأنواع الأدبيّة قائلًا: “يكفي للدلالة على مستوى هذه المرحلة من الأهمية أن يكون أوّل أسئلتها ما يأتي: هل نملك، في هذه المرحلة، أدبًا يجسّد همومنا ويتناولها، ويمثّل ثم هويتنا في خصوصيتها التاريخية؟ وهل يعرف هذا الأدب، ومن ثم نقده، مذاهب أدبية تمثّل رؤى شاملة إلى العالم، وإلى طبيعة الأدب ووظيفته وعملية إبداعه؟ واستطرادًا، كيف ينشأ عندنا، مثل ذلك الأدب ومثل هذا النقد؟ وكيف يتطوّر في السّياق التاريخي الذي غدا سياقًا عالميًّا يقتضي، في الوقت نفسه الذي ينتج فيه الأدب المتّصف بخصوصية، التفاعل الحضاري وبلورة الخصوصية والهوية؟”([35]) وبذلك تتبلور وظيفة جديدة أو متجددة للأدب العربي الذي أصبح أكثر واقعية وأكثر اندماجًا بقضايا النّاس ومشكلاتهم.

إشكاليات الايقاع في الشّعر المعاصر

ولا شك في أنّ أول خطوة نتخذها نحو تذوق الشّعر هي الوقوف على الأصول الثلاثة التي يرتكز عليها، وهي الوزن والقافية والايقاع، لأنّ الشّعر في الواقع يقوم عليها، إنّها بمنزلةِ الأدوات التي تربط بين سحر الشّعر وأيماءات المنوم المغناطيسي وتعبيراته. والتذوق الأدبيّ يشمل الشكل والمضمون معًا، أي أنّنا حين نقرأ على سبيل المثال قصيدة أو مسرحيّة أو مقالة أدبية فإنّ تذوقي لها لا يقف، ولا يمكن أن يقف، عند التشكيل اللغويّ أو البناء الدّراميّ. فحسب، بل يمتد إلى كل شيء في العمل من لغة وموسيقى وبناء فني وأفكار وعواطف وخيالات وقيم اجتماعية أو سياسيّة أو دينيّة وهلم جرا، فالشّعر بين هذه الأشياء ضرب من التنويم المغناطيسيّ، إذ يجعل جزءًا من نائمًا لكي يجعل الجزء الآخر أشد تنبهًا ونشاطًا. والواقع أننا إذا وضعنا إرادتنا ضد المنوم المغناطيسيّ، فإنّه يصبح عاجزًا. وهذا ما يحدث بالضبط إزاء القصيدة، فإنها ستفشل حتمًا في الوصول إلى غرضها الرئيسي وهو التحدث مباشرة إلى القلب، إذا ما نحن قاومنا تأثيرها، وتتخذ فضاءات هذا الشّعر بحسب الحاجة الجمالية التي ارتأوا أنّها ملاءمة لهم، ومتمشية مع طباعهم، ومعبرة عن ميولهم، فكانت الفنون الأدبية الأولى هي الأفضية الرئيسة التي صبّوا فيها شعرهم. فتغذوا بذواتهم، وتغزلوا ومدحوا وهجوا ورحلوا ووقفوا على الأطلال، وصوروا حروبهم وتغازيهم وقالوا الخواطر والحكمة والموعظة، وعبّروا عن التجارب الخاصة والعامة داخل القبيلة وخارجها، وفي الأساس، إنّ “المدرسة الأدبية هي استجابة لحاجات جمالية في واقع تاريخي اجتماعي محدد، لا تنشأ بإرادة فنان فرد ولا باتفاق مجموعة من الفنانين، وإنّما هي جزء من بناء ثقافي عام، معبّر عن مرحلة اجتماعيّة من مراحل تطور المجتمع، أي أنّ المدرسة الأدبيّة تستجيب في مضمون نتاجها الأدبيّ للمثل العليا الفكرية والروحية في مرحلتها الاجتماعيّ”([36]) لكن الشيء الذي لا يمكن التسليم به هو الزعم بأن من الممكن اقتصار التذوق الشّعر على الجانب الفني من إبداعات الأدب، فضلًا عن القول إنّ هذا اللون من التذوق هو أفضل ألوانه، ولتذوق الأدبيّ ومظاهره المتعددة، معايير موضوعيّة يمكن الحكم على القدرة على تذوق نواحي الجمال المختلفة في التّعبير وأثره في النّفس.

إنّنا بلا ريب، نصدم الكثير من محبي الشّعر المعاصر، إذا نحن أخبرناهم بأنّهم لا يحبون الشّعر، وإنّما الذي يحبونه هو المعنى النثري الذي يستخلصونه من القصيدة أو الرسالة الاجتماعيّة التي قد يتضمنها هذا الشّعر، وأنّ الكثيرين ليسألون الشّعراء عوضًا عن ثقتهم المفقودة، أو توجيهًا، أو قيمًا جديدة، أو معنى من المعاني الإنسانيّة، ولا يهمهم أبدًا إذا ما خرج كل هذا في شعر مهلهل النسيج وربما بالطبع أنتج الشّعر هذه التأثيرات وهو لا يزال شعرًا، ولكن هذه التأثيرات تأتي تباعًا، وإنّ التجارب الشّعري الحقّ هو ولا شك واحد من أصفى المسرات، ونحن لا نستطيع تعويد أنفسنا على مثل هذه الأحاسيس بدراسة الأعمال النقدية بأكثر من قدرتنا على التعود على كيفية الإستمتاع بغروب الشّمس قراءتنا لدراسة عن الأشّعة، على الرّغم من أنّ الكتب المتعلقة بالبحث في الشّعر لا تستطيع أن تخلق فينا هذا التجاوب، “ويرد أرسطو إلى طباع الشّعراء ونفسياتهم نشوء أنواع مختلفة في الأدب، إذ لما كان الشّعر محاكاة، ولما كان الناس ليسوا على شاكلة واحدة من حيث مسلكهم وأخلاقهم، فقد جاءت محاكاتهم الشّعرية موافقة لطباعهم”([37]) إلا أنّها تستطيع على الأقل أن تعمقه وتنميه، بل هي تساعدنا على تعلم أصول الشّعر وتذوقه، وفي الحقيقة أنّ القصيدة الجيدة التي تهبنا الامتاع هي كل ما نحتاج إليه من مدروس في هذا الصدد.

إنّ الإيقاع الشّعري يوجد في الوزن والقافية، وهذ الايقاع مستمد مباشرة من دلالة الكلمات، ولكن في كل قصيدة جيدة يوجد إيقاع أكثر تعقيدًا، وهو الناتج عن تتابع الصور في القصيدة، صورًا تبع صور، وكل قصيدة في الواقع هي الوعاء المرئيّ لأحاسيس الشّاعر، وهي الطريقة والخطوة إلى تجربته الخاصه وتجاه المعنى والصدق الشّعري لهذه التجربة، أما الوزن والقافية والإيقاع بأكثر من أدوات يتمكن بها الشّاعر من تقصي الصدق، إنّها الأدوات التي يسجله لنا بها، وبالنسبة إلينا وله يكون نجاحها مقياسًا بواسطة قاعدة هي التحقق، فهو يتحقق أخيرًا من الصدق الذي كان يعمل تجاهه، وليس بالصدق هنا الصدق العلمي وإنّما المقصود بالضبط هو الصدق الشعوري، الصدق الحاسيّ، الصدق الرّوحيّ.

فمعنى القصيدة ليس هو ما يمكن أن تعنيه إذًا لكل قارئ عندما يترجمها إلى أجزاء من تجربته الروحية، ويمكننا القول إنّ الشّعر فوق كل طرق استعمال الالفاظ للتعبير عن أشياء كان من الممكن أن تقال بطريقة أخرى، أشياء لا توجد في صورة معنى حتى تولد أو بالأحرى يعاد ولادتها في الشّعر، مستسلمًا للكلمات، دون أعمال فكره لاستخلاص معانيها، لتعطيك مسرة شعرية، نعني بهذه المسرة النقيّة التي تحصل عليها من لوحة فنية أو قطعة موسيقية، لتفضي شعور البهجة والاتفاق الشّعوريّ، فالشّاعر في حالة الحزن أو بسبب ما، قد يدمن على الخمر، فالشّعر هو المقصود، والطريقة الوحيدة التي تبدأ بها في اكتشاف الشّعر هي أن تقرأه. لنكتشف في أنفسنا مرة التجارب الشّعري الحق وليكن أبداع على إبداع من ثقل المعاناة والتجارب.

والآن نستطيع أن نصقل هذا التجاوب، والخطوة الأولى نحو الصقل هو التعرف على الذّهنيّة الشّعرية، وطبيعة الشّخصيّة الشّاعرة. ومهما كان من أمر تعميق الإحساس المرهف بالشّعر، “فالشّعر الدّرامي أكمل أنواع الشّعر، هو شعر الشّعر، يجمع بين العالمين الظاهر والباطن، فيمثل التاريخ والطبيعة والنفس، ولا يزدهر إلاّ في أرقى الشعوب حضارة”([38]) بهذا نقدر وظيفتهم، ونشعر بهذا التعاطف الطبيعي العظيم نحو عالم الإنسان والطبيعة الذي هو في الواقع الينبوع الحق للنهر الخلاق، والخطوة التالية هي الوقوف إلى مناهج الشّعر، ولذلك يوجد كثيرون من القراء ممن غرسوا في أنفسهم حبًّا حقيقيًّا وفهمًا عميقًا للشّعر القديم، يشعرون أنّه ينبغي لهم أيضًا تذوق الشّعر الحديث ولكنهم لا يستطيعون، وأنّهم ليقعون في خطأ كبير حقًا إذا ما فكروا في الشّعر الحديث كشيء منفصل تمامًا عن الجسم الرئيس للتراث الشّعري.

وما من شكّ في أنّهم قد خدعوا بواسطة هذه الأصوات التي ما تنفك تهمس بأنّ الشّاعر الحديث لا يحمل أي تقدير للتقاليد الشّعرية الموروثة في النظم، وهذا ليس صحيحًا، فإنّ كل شاعر مجيد في حقبة من الحقبات هو شاعر حديث، وكل شاعر ثائر في أيّ زمن لا بد وأنّه قد تأثر بعمق بهذه التقاليد الشّعرية التي يثور عليها الآن، لأنّ شعر هذه التجربة يتعامل مع اللغة تعاملًا خاصًا وجديدًا، كما يتعامل مع ظواهر الحياة بالمنهج نفسه، ولو أنّنا حلّلنا هذا المنهج لارتدّ بنا إلى تلك الوظيفة الحيوية التي حققتها اللغة وحققها الشّعر في البداية. لقد صار الشّعراء المعاصرون على وعي كاف بتلك الوظيفة، حيث أدركوا أن الكشف عن الجوانب الجديدة في الحياة يستتبع بالضرورة الكشف عن لغة جديدة، ([39]) وهذا يعني أنّ الكلمة وبالتالي اللغة، لا توضع إلا إذا كان لها وظيفة محددة في نطاقها الاجتماعي أولًا والفردي ثانيًّا.

والشّعراء الحقيقيون هم الذين يحطمون عندما قوانين الماضي يقومون بصنع قوانين جديدة للمستقبل. وإذا نحن نظرنا إلى شعرنا في الوقت بإمعان كما ننظر الآن إلى شعر المدرسة الرومانتيكية على سبيل المثال نرى أنّ هذا الشّعر كآخر مرحلة في نهر عظيم، والشّعر يبقى هو الشّعر،لأنّ القصائد مصنوعة من العبارات لا من الأفكار فقط، فإذا ما استأثرت صورة بمخيلتك فعكف عليها، فربما كانت هي نقطة البداية التي يبدأ منها الجمال الرّوائي في التكثيف لك، وهذه هي القصيدة بدورها سوف تتفتح لك على عالم من الأحاسيس الجديدة من التعاطف المثير، المسرة الحية، لأنّ الحياة نضال مستمر في عالم الأدب.

الحداثة ورسالة الشّاعر

يبدو أنّ كثيرًا من أدباء العربية وشعرائها قد أدّوا رسالتهم وفي ظنّهم أنّهم يخلقون نماذج فريدة من نوعها، تنطلق من الحياة نفسها لتبشّر بفهم جديد لها يكون ديدنًا لسواهم، يرشدهم ويقدّم لهم صفحات من السلوك الإنسانيّ، فيها المواقف والآراء الشيء الكثير، الأمر الذي ينير الضوء أمام إخوانهم، ويحملهم إلى الأحداث حملًا رفيقًا ويحثّهم على المشاركة فيها بعد أن يوضح لهم جوانب مهمة من المسيرة الطويلة التي يسيرونها، وعلى ما يظهر لنا بأنّ بدر شاكر السياب واحد من هؤلاء الشّعراء الذين نذروا أنفسهم لخدمة مجتمعهم من مناظيرهم الخاصة، ولا بد لنا من أن نعترف بأنّ هناك علاقة أكيدة ما بين التّطورات السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة في المجتمع، والتطورات الأدبية والفنية، لكن هذا الوثوق في العلاقة لا يقطع لنا بأنّها مرآوية ميكانيكية تطابقيّة، لكن يمكننا الركون إلى أنّ هذه العلاقة هي أقرب ما تكون إلى الجدل والمرونة، وما بين هذه العلاقة الوطيدة وبين تطور الأدب (الشّعر) والمجتمع، وهي ليست بنظرة ميكانيكية متطابقة الانعكاس، ذلك أن المسارات حتمًا تتطابق بشكل آلي بقدر ما هي تطورات جدلية تأثرية متبادلة ما بين الأدب بمجملة وتطورات المجتمع، فوظيفة علم الاجتماع الأدبي تكمن في نقد النظام الاجتماعي ومنظومات القيم والعادات والتقاليد والقوى الاجتماعيّة الأخرى.

لا شك أن ثقافة هذا المجتمع هي التي تحدد شكل وعرض وأسلوب نتاج هؤلاء الأدبي، وهذا الاحتكاك لا شك يعدّ بمنزلة مؤثر اجتماعي قوي يساعد على إيجاد شكل جديد من الشّعر، فكان بداية ثورة على شكل الشّعر القديم وبنائه، فالثقافات تتحاور وتتجاذب، والتجارب تنتقل بفعل الاحتكاك والاتصال، واللغة هي الطريق القوي الذي يساهم مساهمة شديدة بهذا الاحتكاك والاتصال مع الأخرين الذي يولد التجارب، واللغة بلا شك هي معطى اجتماعي بامتياز،كما يقول الكواكبي: “إنّ الاستبداد المشؤوم يؤثر على الأجسام فيورثها الأسقام ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم، بناء عليه تكون التربية والاستبداد عالمين متعاكسين في النتائج، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، ([40]) فكان السياب إلى جانب شاعريته الفذّة أنموذجًا سحقه الظلم واستولى عليه العصر العربي الحديث فحمل تناقضاته واعتنق أبعاده وغاص في خصائصه، حتى لتبدو قصة حياته شبيهة بقصة هذا الزمن العربي في علوه وانخفاضه، وتقدمه وتراجعه ومآسيه وأفراحه وقلقه واطمئنانه في انتصاره وهزيمته. السيّاب إنسان اشترك في الأحداث العربية المعاصرة في تكوينه فجاء بلونها مضطربًا لا يلوي على اليقين بشيء، وإذا كان هناك من هدف بيّن لهذا البحث يتركّز في الكشف عن السيّاب أنموذجًا عصريًّا لم يكتمل، فذلك أنّ الحياة العربية المعاصرة بدورها لم تكتمل، وإذا كان متقلبًا فهي كذلك متقلبة لا تزال تبحث عن استقراءها في ركام الأحداث المتسارعة على أرضيها، وتتمحور هذه المعاني حول موضوع التنقيع لتدل على أمر أساسي هو أن المرسل، سواء أكان شاعرًا أم متكلمًا أم معبّرًا بالإيماءات والإيحاءات والإشارات والإيحاء، يحاول أن يغطي الوجه الحقيقي لكلامه أو هيئته بوضوح آخر يدعيّه، وهو بذلك نوع من التستر يوظفه الشّاعر أو الكاتب لقول كلام غير مباشر ليعبر عن حقيقة من الحقائق، والوظيفة المشتركة المهمة التي يؤدّيها القناع([41]) يظهر هذا البحث أنّ بدرًا وحياة قومه ضوان متشابهان، فيهما طموح لحل قضاياها العالقة وبناء دولة العدل والمساواة والحرية، وفيه شوق إلى معانقة هذه الأقانيم المهمة، تواجهها مشكلات صعبة هي نفسها التي واجهها هو وبذل نفسه من أجلها.

وإذا كان الضياع يلفُّ الكثير من تجاربها ومصيرها، فإنّ الضياع كان كبيرًا ومصيره كان تعيسًا، وإذا كان اكتمالها لا يزال بعيدًا، فإنّ اكتماله لم يحصل، ذلك بدر شاكر السيّاب وتلك هي حياة قومه، محاولة لتقديم الأفضل وشراسة في المواجهة للوصول إليه، وإذا كان طريق الفن شائكًا وصعبًا، فقد عاشة بدر وذاق مرارة الفشل إنسانًا لكنه نجح شاعرًا. وفي الشّعر، تبدو حقيقة القناع في هذا الإبداع الذي يخلقه الشّاعر، عندما يتمثل شعره بالوشائج التي تربطه بمادة قناعه، والابتعاد عن التجهل، وهي نتيجة ثقافته وانسجامه مع تلك المادة التي يتفاعل معها وتتحدد وظيفتها عمومًا، انطلاقًا من وظيفته الأساسية في وجودها الخاص وظروفها وزمنها وعصرها، حيث تنتقل هذه كلّها إلى المقنّع لتؤدي دورًا مماثلًا أو معدّلًا ليخدم وظيفة معينة يريدها الشّاعر، “ويجدر بنا أن نشير إلى ما يبدو للمراقب في هذه المرحلة سباقًا مطردًا مستمرًا في الشّعر العربيّ الحديث كان ينزع به نحو الوصول إلى المعاصرة مع الشّعر العالمي. وكأنّما كان على الشّعر العربيّ أن يمر بجميع التجارب الشّعرية المختلفة التي عرفها الغرب، قبل بلوغه مستوى الشّعر العالمي المعاصر، لذا نرى أن إنجازات مدارس شعرية عديدة في الغرب حدثت فيه على مدى قرون، مرّ بها الشّعر العربيّ الحديث في ظرف عقود قليلة في نزوعه نحو المعاصرة، بتوضيح أكبر كان على الشّعر العربيّ أن يمرّ بمراحل التطور نفسها، أو ما يقاربها، التي عرفتها الحركات الأوروبية الرئيسة: أولها حركة الكلاسيكية الجديدة، وبعدها الرومانسية، فالرمزية، فالسوريالية([42]) وهي عملية لا تتوقف عند حقبة معينة، دائمًا هناك ما هو جديد في دنيا الخلق والموجودات، كما أنّ الإنسان ينسل أبناء، كذلك ينسل لغات وكذلك الموجودات لها نسلها الخاص في مضمار اللغة، وما ينسل هو حديث بالنسبة إلى سابقه، وهذا يحمل على تأكيد القول: “من الخطأ أن يشعر المرء بالتناقص بين الأصالة والحداثة، فلا تناقص، ولا ثنائية أيضًا، فليس هناك من الأصالة لا يتضمن موقفًا من الحداثة”([43]) ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك في أدبنا العربي أنّ الشّعر كان من أكثر الوسائل تعبيرًا عن البيئة العربية منذ العصر الجاهلي وإلى الآن، ومن يتصفح دواوين الشّعر العربيّ منذ العصر الجاهلي سيجد فيها مادة ثرية تحمل في طياتها أصدأ المجتمع الذي عاش فيه الشّاعر، الأفكار التي تدور في هذا المجتمع، عاداته قيمه، تقاليده، علومه، حالته الدينية والفكرية بصفة عامة، ويعبر العقاد عن هذا فيقول “إذا كان الشّعر يدل على الشّاعر كما عرفناه في حياته العامة والخاصة، فهذه آية الشّاعرية الأولى، لأنّ الشّعر تعبير، والشّاعر هو الذي يعبر عن النفوس الإنسانيّة. فإذا كان الشّاعر لا يصف حياته وطبيعته في قوله، فهو بالعجز عن وصف حياتة الآخرين وطبائعهم أولى، وهو إذًا ليس بالشّاعر الذي يستحق أن يتلقى من الناس رسالة حياة وصورة     ضميره”([44]) فالأدب يحاول محاكاة الحياة وترديد صداها وعكس سماتها، والحياة إلى حد كبير حياة اجتماعية، وذلك بالرغم من أنّ الأدب قد يتناول عالم النفس الداخلي أو العالم الطبيعي الخارجي.

الشّاعر ومفهوم الرؤية والمقف

الكاتب أو الشّاعر المستغرق في أخيلته وأحلامه سواء أكان باحثًا في مسارب نفسه وخوافيها أم كان مفتونًا بالطبيعة ومباهجها يتغنى بما يشاهده ويحسه لينقل مشاهداته وأحاسيسه للناس، ولتضاف إلى ذخائر وظيفة الأدب وتبقى في ذاكرة الأجيال المتتابعة، والكاتب أو الشّاعر عضو حساس في المجتمع وفرد من أفراده له علاقاته وروابطه، ومكانته، وموقفه ورؤيته، وهو يخاطب بفنه المجتمع ويعبر عن خفي مشاعرة بوصفه أحد أفراد هذا المجتمع([45]) ويمتاز كل شاعر أو أديب في شعره بمعجمه الخاص، ولا بد له من أن يكون قادرًا على تميز تجربة من أخرى، “ولكل شاعر تعامله الخاص مع اللغة وله معجمه الذي يستقي منه مفرداته، ويبني من تلك الألفاظ والمفردات أبنيته وتراكيبه اللغوية التي تشكّل النسيج الفني لصورة الشّعرية التي تتبلور من خلالها رؤيته الفنية للواقع”([46]) وهذه الألفاظ تكون متفاعلة داخل السياق الشّعري لتمنح دلالات جديدة، فضلًا عن دلالاتها المألوفة التي تشير إلى واقع نفسي، فهي تشكّل مع ألفاظه تزاوجًا بين موضوعات النص وطبية الشعور السائد([47]) “إنّ تجارب الشّعراء ستكون متغيرة ومتعددة، تتسع لعديد من المواقف والرؤى التي لا تحصى، والمشاعر التي تتراوح بين الحالات من حب، وغضب، وعنف ورجاء، وحزن، وهجاء، ومدح، وهذه الحالات لدى الشّاعر الناضج والمقتدر جديرة بأن تصوغ اللغة الشّعرية التي تستطيع حملها، وايصالها إلى القارئ وهي متدفقة مفعمة بحرارة تلك التجربة أو الحالة”([48]) ولا غرو في أنّ الأدب يتأثر بهذا المجتمع وما به من أحداث، وما ألم به من تغيرات، كما أنّه يتأثر بظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافيّة، ولقد كان الأدب العربي على تاريخه الطويل صورة صادقة لهذا المجتمع، حيث إنّ الأدب قد عاش معظمه على كرم الأمراء والطبقات العليا وأصحاب السلطة والنفوذ، “وكان الشّاعر أو الكاتب يرى في كنف الأمير أو ذاك حماية له من نوائب الدهر فلزمه مادحًا حتى إذا غير له وجهه انقلب عليه هاجيًا، فالمدح والهجاء في الشّعر العربيّ صورة من صور الموروث الاجتماعي في البيئة العربية”([49]) ولقد تنوعت المقالات بين مقالة أدبيّة، وسياسيّة، واجتماعيّة، وعلميّة، ولقد تنوعت الأساليب في كل نوع طبقًا لطبيعة المقال من جهة، ولطبيعة الموضوع المتناول من جهة أخرى.

بناء على ما سبق، يوظف كل شاعر مجموعة من الألفاظ التي تشكّل قصائده الشّعرية المناسبة لكل حقبة من الحقبات الأدبية، “وكل لفظ من الألفاظ التي يوظفها الشّاعر تعطي دلالات متعددة بحسب السياق الذي يضعها فيه، وتكون قيمة مختلفة عن سابقتها ؛ وذلك لأن كل لفظة في النص تشكّل لبنة أساسية في النسيج العام الذي يشكّل النص، ويكون لها شكلًا ودلالة خاصة وفقًا للتركيب الذي يبدع الشّاعر في وضعها فيه حتى تعطي للنص شاعريته”([50]) إنّ أي نص شعري تحكمه مجموعة من الأساليب الشّعرية التي تنتج الدلالات المختلفة، فالشّعر له وظيفته التي يختص بها عن غيره، وبالتالي “تقوم الوظيفة الشّعرية في جوهرها على ضروب من الاتزانات اللغوية يفضي إتقانها إلى الأنساق التعبيرية الخاصة بالشّعر، لذلك فإنّ الشّعر يمتلك خصوصيته الأدبية انطلاقًا من هذه المعطيات التي يتفق عليها المتعاطون للنقد الأدبيّ”([51]) وقد يخطئ من يبحث للشّعر عن تعريف محيط، لسببين: أولهما أنّ تعريفًا ما لا يمكن أن يحيط كل الإحاطة بما تعطيه لفظة الشّعر من معنى، ففي طبيعة التعريف تحديد لا ترضاه طبيعة الشّعر، وثانيهما أنّ التعريف بمعناه التحديديّ، حتى لو وجد بحالة إرغاميّة، يكون داخلًا ضمن التأريخية التي تقلل من شأن المادة، فتختزل المكان ولا تسلط ضوءها الا على الزمانية التي تكون المادة، موضوع التأريخ، فتحركه ضمن مجالها.

والتأريخيّة على هذا، هي عيش زمانيّة الموضوع على حساب اضمحلال مكانيته، ونلحظ ذلك بجلاء خلال تأريخ النتاج الفكري خاصة، والشّعر عندما يستحيل إلى تعريف ويدخل في مجال التأريخي، يبدأ تدريجيًّا عملية تقلص خطوطه المميزة، أي أنّه يبدأ عملية التحول من المكانية إلى الزمانية، إنّ أي تعريف، غير تأريخي، للشّعر يخرج عن كونه تعريفًا، ويتحول إلى معرفة طبيعة الشّعر ودوافع وأشكال تكوينه والمراحل التي مر بها هذا التكوين، إنّ هذا ما سنأخذ في تبيانه، وليس من الضروري أن ينشأ بينهما اتحاد كامل في فحوى الرسالة، إذ من المنطقي أن يختلف مضمون هذه الرسالة بين المبدع والمتلقي، أو بين المتلقي ومتلقٍ أخر، وهذا ما يُسمى بوفرة التأويلات للعمل الأدبيّ، فكل منا حين يقرأ عملًا ما نجده يضفي على هذا العمل من معرفته وثقافته وأسلوبه في الحياة، ومستوى تعليمه، هذا ما يطلق عليه في النقد الأدبي الحديث اسم التناص، فلو أنّنا قدمنا بيتًا من الشّعر أو قطعة من النثر لخمسة أفراد، وطلبنا منهم شرح هذا البيت أو هذه القطعة النثرية سنجد خمسة شروح لبيت الشّعر، وخمسة شروح لقطعة النثر، وهذه الشروح قد تتقارب مع ما قصده الأديب، وقد تفترق عما أراده، كما أن هذه الشروح ستختلف حتمًا من متذوق لأخر، وذلك لأنّ طبيعة العمل الأدبي تسمح بهذا الاختلاف([52]). وإذا تذكرنا أنّ القاسم المشترك بين الإبداع والتذوق هو الخيال الابتكاري، فينبغي علينا تنمية هذا الخيال، لأنّه سؤدي إلى تنمية الإبداع والتذوق معًا. قد نلحظ ظاهرة واحدة على ما سنقوله عن الشّعر، هي أنّ الفنون الأخرى وكذلك النثر، تصدر عن نقطة الانطلاق نفسها التي يصدر عنها الشّعر، وليس في هذا ما يسيء. إنّ هناك شيئًا واحدًا يجب أن يوجد كي تبدأ سلسلة التكوين الشّعري، التي قلما يفكر فيها قارئ الشّعر ومتذوقه، فالتذوق يتطلب تفاعلًا واندماجًا من المتلقي مع العمل الأدبي، فهو ليس مجرد عملية تقبل سلبي للعمل وإنّما يفترض القيام بعمليات إيجابية، ويفترض القدرة على الاختيار والانتباه لعناصر الجمال ولخصائص العمل الفني لأنّنا عندما ندرك عملًا فنيًا لا نراه دفعة واحدة بل يأخذ في تعديل رؤيتنا وننتقل تدريجيًا من زاوية إلى أخرى. ([53]) إنّ الموضوع هو الشيء الأول الذي يجب أن يوجد ؛ ولا يكفي أن أعني بالموضوع ما يعنيه دارسو الشّعر، بعد أن يتكون من أنّه هو المضمون، أو الفكرة التي توجد راسبة في ما يسمونه الشكل؛ لأنّ الموضوع هنا وجود قبل وجود الشّعر، بل هو علة أولى لوجوده، أعني بالموضوع المادة الأولى التي توجد في الخارج، خارج الذّات الفردية للإنسان، وما يسمى بالمؤثر. إنّ هذا المؤثر له طبيعة خاصة هي الإشعاع والبث خارج مؤثر فضاء الشّعر.

إنّ المؤثر الذي يبث تأثيره يعطي حياة متحركة لهذا التأثير،لأنّ المؤثر نفسه لا يكون مؤثرًا إلا بعد أن توجد فيه الحياة الفنية التي تؤهله لعملية بث التأثيرفي الجانب الشّعري. ولكي يكون التأثير إيجابيًّا، وجب وجود الشيء المستجيب وجودًا مستعدًا للانفصال والاستجابة، إنّ هذا الشيء ما هو إلا مادة أو موضوع آخر يختلف تعقيدًا وميكانيكية عن الموضوع الأول المؤثر. هنا، في بحث الشّعر، يكون الموضوع هو الشّاعر بالذات، هذه الآلة التي ليس لها الفضل، كل الفضل، في إيجاد الشّعر وتكوينه، إنّنا يجب ألاّ نؤله الشّاعر، لأنّ ما يقوم به من عمل فني يستطيع أن يقوم به أي فنان مستجيب آخر، وواضح كما يقول(أليون) إنّ النقد النزيه والتذوق الرفيع يجب ألا يتجها إلى الشّاعر، هذا النوع الخاص من أنواع الآلة.

إشكالية ولادة الشّعر والمتذوق

الشّاعر المستجيب، أنت لا تسميه شاعرًا في المراحل الأولى من عملية تكوينه الشّعري؟ أنت وأنا نسمي الشخص شاعرًا إذا أنتج شعرًا، ولكن من الممكن أن يدعى الشخص شاعرًا قبل الإنتاج، وخلال عملية التكوين. إنّه ما دام يحمل الاستعداد للاستجابة للتأثير الصادر من الموضوع المؤثر، فهو شاعر، وقد لا يكون شاعرًا عندك الآن، كما قد لا يكون عندك بعد العملية إذا لم يكن قد أنتج شعرًا. إنّ مجرد وجود قابليّة الاستجابة لدى شخص ما يجيز وصفه شاعرًا، بوجه من الوجوه، حتى لو لم يكن قد أنتج شعرًا بعد. إنّ استعداده للاستجابة قد يكون فطريًّا وُجد بوجود العواطف المختلفة في النفس الإنسانيّة الشّاعرة، “ويؤدي الخيال الشّعري دورًا كبيرًا في تكوين الصّورة..إذ إنّ الخيال الشّعري طاقة من طاقات المبدعة التي ترافق الانسان في نشاطه العملي والذهنيّ”([54]) فعملية التذوق إذًا، هي جهد مشترك بين المبدع الفنان والمبدع المتذوق من جهة، وبين المبدع والمتلقي من جهة أخرى. لهذا فقد ظهرت مجموعة من النّظريات التي حاولت تفسير عملية التذوق سواء من جانب المبدع كمتذوق، أو لقارئ العمل الأدبيّ بوصفه الحلقة المتممة لدورة هذا العمل، وبتعدد النّظريات تعددت الرؤى، وتباينت وجهات النظر طبقًا للفلسفة الحاكمة والموجهة لكل منها وللوجهة التي نظر بها إلى المتذوق من جهة أخرى، كما تتسم صفة التذوق هذه بمواقف عدة منها، ما يعبر فيه الأديب عما يحصل من أحداث في المجتمعات أو مواقف وطنية. أو مواقف تفجر قرائحه من جمال في الطبيعة. أو ما يعانيه الأديب أو الشّاعر من حب في دواخله، من أجل ذلك شغل التّعبير الفني والأدبي بأشكاله المختلفة منزلته الجليلة في التراث الإنسانيّ، فاستمرت من جيل إلى جيل ومن لغة إلى لغة، لأنّه ينقل العاطفة الإنسانيّة في صدق فني جميل وانفعال عميق تتقارب بهما العواطف الإنسانيّة، ويزداد التخاطب والتبادل عن طريقهما بين شعوب الأرض..

ولنعد إلى الشّعر، فهو في المرحلة الأخيرة من التكوين، رسم بغير الألوان والخطوط الموجهة تسمى قصيدة. إنّ هذا الرّسم يحصل بالألفاظ المثقلة بالإيحاء والتعبير، فالشّاعر إذًا هو أمهر من يستطيع أن يرسم لوحته الشّعرية، وأحسن الشّعراء أكثرهم تقنية وأجملهم رسمًا لتلك اللوحة، لأنّ المهمة الأخيرة التي بقيت على عاتق الشّاعر، هي أن يعبر أدق وأكمل تعبير، ولكي تكون عملية التكوين الشّعري عملية إيجابية وجب أن تكون أكثر استطاعة على التعبير ونقل التجربة الشّعرية إلى مستهلكيها من قراء الشّعر ومتذوقيه، ولكي تكون القطعة الشّعرية معبرة بأمانة عن التجربة، وجب أن يكون الشّاعر ماهرًا جدًا في كيفية استغلال إمكانيات القولبة الشكلية، ولكي يهذب ويوسع هذه الامكانيات هناك وسائل دراسية كثيرة يعرفها كل منا، الشّعر إذًا غريزة المحاكاة لدى الانسان، وهي “تظهر فيه منذ الطفولة، وبالمحاكاة يكتسب معارفه الأولية، والمحاكاة لذة عند الانسان بدليل اللذة التي نشعر بها عندما نشاهد في حياتنا، كائنات أُحكِم تصويرها، مما يدفعنا إلى محاكاتها.([55])

وفيما يخص متذوق الشّعر، يجب أن تحدث إعادة للتجربة، أو اجترار معكوس تؤديه القصيدة للمتذوق. إن نقل التجربة لهذا المتذوق لا يكفي، والمهم أن يتمثل المتذوق التجربة الشّعرية، فيعاد بذلك تمثيل نفس الدور معكوسًا عن القصيدة. فقراءة الشّعر إذًا ما هي إلا إعادة للتجربة الشّعرية، لأن تمثل الفنون عامة يستند على اجترار التجربة التي تتضمنها تلك الفنون اجترارًا واعيًا وإيجابيًا. ومن خلال رصد وظيفة الأدب وتأثير العوامل النفسية في الأدباء والشّعراء، أنّ هناك روابط متينة ربطت بين الأدب ومنتجه، وقد يتخطى فردية المبدع ليشمل المجتمع الذي ينتج جميع أفراده، وأن المبدع العربي جزء من أمّة في طور إعادة التجمّع والتخلّق من جديد، فاستخدم تكوينه الإبداعيّ، بتحديث القصيدة العربية والدخول بكتابتها في أفق جديد لم تعهده في دورة حياتها السابقة، عبر محطات متغيّرة تستجيب لخطى الزمن السريع للارتباط بالوجود الشّعري في تاريخ الشّعرية العربية المعاصرة من خلال التجديد في أنماط البناء، ليعتمد صناعة فنية ظاهرة وإنّما يعد شعرًا موضوعيًّا بقدر ما يتجاوز صاحبه فيه ذاته وهمومه إلى التعبير عن العام لا عن الخاص، وعن القضايا الاجتماعيّة والعواطف والذوق العام، لا خصوصية المزاج المبدع ورؤياه الذاتية.

الخاتمة

ما لا شك فيه إنّ دراسة جدلية الشّعر المعاصر هي بحاجة إلى وقفة تأمل وتمعن دائمة وجادة، لأنّ فيه الكثير من الغموض والتعقيد، كما شهد تطورًا في بناء القصيدة العربية فلم يعد يقتصر على التقنية القديمة والتقليدية، وبناء كون جديد تعدى كل التصورات يتطلّب كلامًا جديدًا فاعلًا، ليرتبط بما هو معنوي أكثر ما هو حسيّ، وهي الوظيفة الخلقيّة التي تنكبتها اللغة، وبدت أكثر طوعية وأشواقًا، فيما أضيف إليها من مفردات جديدة وعبارات أكثر جدّة، في محمولها المساير رحلة الحياة العربية، لصورة الشّعرية المعاصرة التي أصبح في تشكيلها الخضوع لحالة الشّاعر النفسية التي انتزعتها من العالم الخارجي، ويمكن دورها في نقل انفعالات الشّاعر وشعوره وترجمة تجاربة الشّعرية، من خلال العلاقة الاجتماعيّة التي يقيمها الناس فيما بينهم، حيث تنمو المدارك وتتطوّر من المادي المحسوس إلى المجرد المعنوي، غير المفهوم إلا من سياق استعماله، لصورة الإيحائية بعيدًا من المعنى المباشر واقترنت باللغة لخلق فضاء الإبداع والتميز لإنتاج الرؤيا الشّعرية للعنصر الفني وتذوق الركائز والآليات الفنّيّة التي شكلته بأدقّ التفاصيل الممكنة، مع تطوير الوظيفة الأدبية، حيث خرجت اللغة العربية إلى دنيا الجديد مرققة الأساليب ومستهلة إياها وموضحة طرقها، أنّها العنصر الفني الذي يشكل البنية الداخلية للخطاب الشّعري المعاصر، وقام بناؤها الشّعري على عدة أنماط من الأبنية لطريقة حبك الشّعراء للفكرة وبلورة المعنى لفهم المقاصد الشّعرية، لنرى الإبداع “تدفقًا للمشاعر كما يتدفق النبع، وكما يشع الضوء من المصباح… فهي حركة تندفع أبدًا من الداخل إلى الخارج”([56]) ذلك كله أحدث وظائف قولية مختلفة للغة العربية. كما ركز الشّعراء المعاصرون على التعبير باللون، ولكل شاعر عصره وزمانه ومكانه، لذلك، فإنّ إشكالية الدراسة تتسم جانب كبير من الشّعر الحديث، فكانت للألوان صلة بالموضوعات الأدبية العديدة في المحطات الشّعرية من جوانب نفسية خاصّة، نظرًا إلى ما تحمله من شحنات عاطفية تعدّت حدود السطحية لها إلى أعمق المعاني المرسلة، من أجل الإبداع وخلق الجمل التكوينية من الأحاسيس الجميلة في النفس وبعث السرور فيها. والاستنتاج الذي يمكن الوصول إليه هوالانتاج الشّعري وبالتالي في وظيفة الشّعر وكتابته وفاق منطلقات قد تؤدي إلى الغموض، وانشغال القارئ نفسه بكشف آخر لما يريده الشّاعر، كشفان إذًا؛ كشف الشّاعر وكشف القارئ، وهذا يتطلب مستوى رفيعًا للتعاطي مع الإبداع الجديد، وفي التقدير أنّ مثل هذا الطرح قد يعرقل التفاعل بين الشّعر والمحيط، وتتحول عملية الخلق الشّعري إلى إشكالية جديدة حول فنية الشّعر ووظيفته وتجاوب الناس معه، حيث يندمج اللفظ والمعنى ويتحول مدلول الزمن ليصبح أكثر تكليفًا، وتلف الأمكنة أردية ضبابية، ويذوب الحدث في ثنايا الذات لتقدمه على صورتها في لحظة متجددة.

المراجع

  • حمادة سلمان كمال محمد، الخطاب الشّعري عند ابن حمديس الصقلي، دراسة أسلوبية، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 2012.
  • قنصل زكي، شاعر، ديوان، سعاد.
  • أبو شادي زكي صفية، ديوان، للشاعرة الاغنية الخالدة.
  • أدهم علي، على هامش الأدب والنقد، دار المعارف، القاهرة، 1979.
  • اسماعيل عزالدين، الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الثقافة، بيروت، د، ت، ط.
  • الاشتر عبد الكريم، ألوان قراءة في بعض المواقف الإنسانيّة والحركات الأدبية، دار الرضا للنشر، دمشق، 2003.
  • اطيمش محسن، دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشّعر العراقي، دار الرشيد، العراق، 1982.
  • إليزبيت دور، الشّعر كيف نفهمه ونتذوقه.
  • الأيوبي ياسين، مذاهب الأدب، معالم وانعكاسات الرمزية،،دار الشمال، لبنان، طرابلس، 1988.
  • الأيوبي ياسين، معالم وانعكسات، الكلاسيكية، الرومنطيقية، الواقعية، دار العلم للملاليين، لبنان، بيروت، 1980.
  • بسيسو عبد الرحمن، كتاب قصيدة القناع في الشّعر العربيّ المعاصر تحليل الظاهرة المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1999.
  • بلعباس محمد، أساليب ابتداع البنية الشّعرية، مجلة مقاربات، العلوم الإنسانيّة، المغرب.
  • تليمة عبد المنعم، مقدمة في نظرية الأدب، دار العودة، بيروت، ط 2، 1979.
  • الجنحاني الحبيب،التعريب والأصالة الثقافيّة المعاصرة، كتاب مركز دراسات الوحدة العربية، نشر مقال ضمن كتاب التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية، بيروت، أيار 1982.
  • الجيوسي الخضراء سلمى،الاتجاهات والحركات في الشّعر العربيّ الحديث،ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  • حسن معلا محمد، الرؤية الفنية، أنماطها، وعلاقتها في المعجم الشّعري، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانيّة، مج، 22، ع، 15، 2000.
  • حلاق حسان، قضايا العالم العربي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 2010.
  • حمدي بركات محمد، ابو علي، في الأدب والبيان، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1984.
  • حمزة مريم، الأدب بين الشرق والغرب، مفاهيم وأنواع، دار المواسم، لبنان، بيروت، 2004.
  • الحوراني رامز، المناهج النقدية الحديثة، ساب للطباعة والنشر والاعلان، بيروت، 1995.
  • الحوراني يوسف، فصول مجهولة من تاريخ العرب ولغتهم، العدنانيون ، دار الحداثة، بيروت، 2010.
  • الخازن وليم، الشّعر والوطنية في لبنان والبلاد العربية من مطلع النهضة إلى العام، 1939، دار المشرق، بيروت.
  • د زراقط عبد المجيد، النص الأدبي ومعرفته، منشورات الجامعة اللبنانية، رقم 34، بيروت 2008.
  • ستانلي هايمن، النقد الأدبي ومدارسه الحديثة.
  • شكري عبد الرحمن الاعترافات، الاسكندرية، مصر، بدون تاريخ طبع.
  • شيّا شفيق محمد، في الأدب الغلسفي، مؤسسة نوفل، بيروت، 1986.
  • الضامن صالح حاتم، اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986.
  • ضيف شوقي، الفن ومذاهبه في الشّعر العربيّ، دار المعارف، مصر.
  • طاليس أرسطو، فن الشّعر، مقدمة.
  • العالم أمين محمود، مستقبل الشّعر العربيّ، مجلّة الأدب، أغسطس / آب، مصر، القاهرة، 1949.
  • عباس إحسان، فن الشّعر، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
  • عبد الباري شعبان ماهر، التذوق الأدبي، طبيعته، نظرياته، مقوماته، معاييره، قياسه، دار الفكر، عمّان، 2009.
  • عبود مارون، كتاب، مجددون مجترون.
  • عزام محمد، النص الغائب تجليات التناص في الشّعر العربيّ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001.
  • عصفور جابر، مقال بعنوان، مرآة الأدب، مجلة الفكر العربي، عدد 26،، آذار 1982.
  • العقاد محمود عباس، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مطبعة حجازي، مصر، القاهرة، 1938.
  • فضل صلاح، أنماط الشّعرية المعاصرة، مجلة المعهد المصري، للدراسات الإسلامية، اسبانيا، مج، 27، 1995.
  • الكبيسي طراد، في الشّعر العراقي الجديد، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، صيدا، د، ت،ط.
  • كرم يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، ط، 4، القاهرة، 1966.
  • الكواكبي عبد الرحمن، العقاد محمود عباس، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 3، 1983.
  • اللغة، ج، فندريس، تعريب عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، مكتبة الانكلو المصرية، القاهرة، 1950.
  • مزيد خليل زينب، المهجم الشّعري عند محمد صابر عبيد، دراسة في الدلالات والمعاني، مجلة آداب ذي قار، ع 10، 2013.
  • مطر حلمي أميرة، مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، دار المعارف، القاهرة، 1989.
  • المعوش سالم، الأدب العربي الحديث، دار المواسم، بيروت، 1999.
  • المقدسي أنيس، الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة دار العلم للملاين، لبنان، بيروت 1984.
  • نعيمة ميخائيل، الغربال، دار المعارف، القاهرة، 1971.

(1) أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانسة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – الفرع الخامس.

(2) عباس إحسان، فن الشّعر، دار الثقافة، بيروت، (بدون تاريخ طبع)، ص 69.

(3) شيّا شفيق محمد، في الأدب والفلسفة، مؤسسة نوفل، بيروت، 1986، ص 62.

(4) الحوراني رامز، المناهج النقدية الحديثة، ساب للطباعة والنشر والإعلان، بيروت، 1995، ص 120.

([5]) الجيوسي الخضراء سلمى، الاتجاهات والحركات في الشّعر العربي الحديث،ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 396.

(6) شيّا شفيق محمد، في الأدب الفلسفي، مؤسسة نوفل، بيروت، 1986، ص 57.

([7]) قنصل زكي، شاعر، ديوان، (سعاد)، ص 17.

(8) أبو شادي زكي صفية، ديوان، للشاعرة (الأغنية الخالدة)، ص 33، 42.

(9) عبود مارون، كتاب، (مجددون مجترون)، ص 75.

(10) أدهم علي، كتاب، (على هامش الادب والنقد)، ص 146.

(11) المخضرم، الخضرمة، هي العيش في العصرين الجاهليّ والإسلاميّ، ثم صارت تستعمل لأيّ عصرين والشّاعر (مُخَضْرم).

(12) ضيف شوقي، الفن ومذاهبه في الشّعر العربي، دار المعارف، مصر، ص 48.

(13) ستانلي هايمن، النقد الأدبي ومدارسه الحديثة، ص 12.

(14) المقدسي أنيس، الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الحديثة دار العلم للملاين، لبنان، بيروت 1984، ص 232.

(15) إليزبيت دور، الشّعر كيف نفهمه ونتذوقه، ص 10.

)16) شكري عبد الرحمن، الاعترافات، الإسكندرية، مصر، (بدون تاريخ طبع) ص 5 – 6.

(17) الأيوبي ياسين، مذاهب الأدب، معالم وانعكاسات الرمزية،،دار الشمال، لبنان، طرابلس، 1988، ص 75.

(18) حمدي بركات محمد، أبو علي، في الأدب والبيان، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1984، ص 163.

(19) الأيوبي ياسين، معالم وانعكسات، الكلاسيكية، الرومنطيقية، الواقعية، دار العلم للملاليين، لبنان، بيروت، 1980، ص 219.

(20) الكبيسي طراد، في الشّعر العراقي الجديد، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، صيدا، (د، ت، ط)، ص 321.

)21) حمزة مريم، الأدب بين الشرق والغرب، مفاهيم وأنواع، دار المواسم، لبنان، بيروت، 2004، ص 91.

(22) عبد الباري شعبان ماهر، التذوق الأدبي، دار الفكر، عمّان، 2009، ص 166.

(23) الضامن صالح حاتم، اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986، ص 381.

(24) الحوراني يوسف، فصول مجهولة من تاريخ العرب ولغتهم، (العدنانيون)، دار الحداثة، بيروت، 2010، ص 32.

(25) العالم أمين محمود، مستقبل الشّعر العربي، مجلّة الأدب، أغسطس/ آب، مصر، القاهرة، 1949.

(26) حسن معلا محمد، الرؤية الفنية، أنماطها، وعلاقتها في المعجم الشّعري، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانيّة، مج22، ع15، 2000، ص 48.

(27) حلاق حسان، قضايا العالم العربي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 2010، ص 243، 256.

(28) بعد استشهاد الشيخ عزالدين القسّام في،20/ 11/ 1935 تولى قيادة الثورة القائد اللبناني العربي فوزي القاوقجي وبعض القيادات الأخرى.

(29) الخازن وليم، الشّعر والوطنية في لبنان والبلاد العربية من مطلع النهضة إلى العام، 1939، دار المشرق، بيروت، ص 270، 271.

(30) نعيمة ميخائيل، الغربال، دار المعارف، القاهرة، 1971، ص 118.

(31) الاشتر عبد الكريم، ألوان قراءة في بعض المواقف الإنسانيّة والحركات الأدبية، دار الرضا للنشر، دمشق، 2003، ص 130.

(32) اللغة، ج، فندريس، تعريب عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص مكتبة الانكلو المصرية، القاهرة، 1950، ص 3، 6.

(33) فضل صلاح، أنماط الشّعرية المعاصرة، مجلة المعهد المصري، للدراسات الإسلامية، اسبانيا، مج، 27، 1995، ص 26.

(34) المصدر نفسه: ص 26.

(35) د. زراقط عبد المجيد، النص الأدبي ومعرفته، منشورات الجامعة اللبنانية، رقم 34، بيروت 2008، ص 40.

(36) تليمة عبد المنعم، مقدمة في نظرية الأدب، دار العودة، بيروت، ط 2، 1979، ص 161.

(37) حمزة مريم، الأدب بين الشرق والغرب، دار المواسم، بيروت، لبنان، 2004، ص 29.

(38) كرم يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، ط، 4، القاهرة، 1966، ص 284.

(39) إسماعيل عزالدين، الشّعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الثقافة، بيروت، (د، ت، ط.) ص 174.

(40) الكواكبي عبد الرحمن، العقاد محمود عباس، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط 3، 1983، ص 82.

) بسيسو عبد الرحمن، كتاب قصيدة القناع في الشّعر العربي المعاصر (تحليل الظاهرة) المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1999، ص 18 [41](

)الجيوسي الخضراء سلمى، الاتجاهات والحركا ت في الشّعر العربي الحديث، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت [42] 2007، ص 505

)الجنحاني الحبيب،التعريب والأصالة الثقافية المعاصرة، كتاب مركز دراسات الوحدة العربية، نشر مقال ضمن كتاب التعريب ودوره في تدعيم [43] (الوجود العربي والوحدة العربية، بيروت، أيار 1982، ص 379

(44) العقاد محمود عباس، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، مطبعة حجازي، مصر، القاهرة، 1938، ص 113.

(45) أدهم علي، على هامش الأدب والنقد، دار المعارف، القاهرة، 1979، ص 241.

([46]) حسن معلا محمد، الرؤية الفنية، أنماطها، وعلاقتها في المعجم الشّعري، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية، سلسلة الآداب والعلومالإنسانيّة، مج 22، ع 15، 2000، ص 48.

(47) مزيد خليل زينب، المهجم الشّعري عند محمد صابر عبيد، دراسة في الدلالات والمعاني، مجلة آداب ذي قار، ع 10، 2013، ص 127.

(48) اطيمش محسن، دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشّعر العراقي، دار الرشيد، العراق، 1982، ص 103.

(49) عبد الباري شعبان ماهر، التذوق الأدبي، طبيعته، نظرياته، مقوماته، معاييره، قياسه، دار الفكر، عمّان، 2009، ص 203.

(50) حمادة سلمان كمال محمد، الخطاب الشّعري عند ابن حمديس الصقلي، دراسة أسلوبية، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 2012، ص 49.

(51) بلعباس محمد، أساليب ابتداع البنية الشّعرية، مجلة مقاربات، العلوم الإنسانيّة، المغرب، ع، 22، ص 101.

(52) عزام محمد، النص الغائب تجليات التناص في الشّعر العربي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 29.

(53) مطر حلمي أميرة، مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، دار المعارف، القاهرة، 1989، ص 69.

(54) المعوش سالم، الأدب العربي الحديث، دار المواسم، بيروت، 1999، ص 691.

(55) طاليس أرسطو، فن الشّعر، مقدمة، ص 16.

) عصفور جابر، مقال بعنوان، مرآة الأدب، مجلة الفكر العربي، عدد 26،، آذار 1982، ص 152.[56](

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.