الكلمة، دلالتها وأقسامها عند علماء أصول الفقه

0

الكلمة، دلالتها وأقسامها عند علماء أصول الفقه

د. علي منتش

د. عليّ منتش([1])

1ـ أاقسام الكلمة بين اللغويّ والأصوليّ

التقسيم اللغويّ

كلامُنا لفظٌ مفيدٌ كاستقِمْ           واسمٌ وفعلٌ ثمّ حرفٌ الكَلِمْ([2])

 

قسَّم النّحويّون الكلمة إلى ثلاثة أقسام: اسم؛ وفعل؛ وحرف.

ودليلهم على هذا التقسيم ما يلي:

1ـ الاستقراء والتتبُّع لآراء أئمة اللّغة العربيّة، كسيبويه، والخليل.

2ـ الكلام المنسوب لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) في خطابه لأبي الأسود الدُّؤَلي: «الكلام اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ».

3ـ «القسمة العقليّة»: بعد تتبُّع كلام العرب ثبت أن اللّفظ لا يخلو من حالاتٍ ثلاثة، وهي:

أـ ما كان صالحًا لأن يقع في الجملة مسندًا، ومسندًا إليه، فهو«الاسم».

ب ـ ما كان صالحًا لأن يكون مسندًا فقط، فهو«الفعل».

ج ـ ما لا يصلح لأن يكون مسندًا، أو مسندًا إليه، فهو «الحرف».

أورد بعضُ النّحويّين هذه القسمة العالية الحاصرة، للأقسام الثلاثة، على أساس الدّلالة على المعاني التي وُضعت لها، على الشكل الآتي:

الكلمة إمّا أن تدلّ على معنىً في نفسها؛ أو لا تدلّ. فإنْ لم تدلّ فهي «حرفٌ»؛ وإنْ دلّت على معنىً في نفسها فإمّا أن تقترن بأحد الأزمنة؛ أو لا. فإنْ اقترنت بالزمان فهي «الفعل»؛ وإلّا فهي «الاسم». وعلى ما تقدّم يمكن تعريف أقسام الكلمة بما يلي:

«الاسم»: كلمةٌ دلّت على معنىً في نفسها من غير اقترانٍ بزمان.

«الفعل»: ما دلّ على معنىً وزمان.

«الحرف» ما لم يدلّ على معنىً في نفسه، بل في غيره.

التقسيم الأصوليّ

لقد تأثَّر قدماء الأصوليّين بتقسيم النّحويّين، على أحد التقسمين المتقدّمين، فوافقوا عليه وتبنّوه، وإنْ جدَّدوا في شرح الأقسام وتعريفها، كتعريفهم للاسم مثلًا بأنّه: «ما دلّ على معنىً في نفسه، ولا يلزم منه الزمان، الخارج عن معناه لبنيته»([3])، وللفعل أيضًا: «ما دلّ بهيئةٍ على أحد الأزمنة الثلاثة»([4]). وقسّم ابن الحاجب المفرد إلى «اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ؛ لأنّه إمّا أن يستقلّ بالمفهوميّة أو لا. والثاني الحرف؛ والأوّل إمّا أن يدلّ على الزّمان ببنيته أو لا. والثاني الاسم»([5]).

أما المدرسة الأصوليّة الحديثة فقسّمت «الكلمة» أيضًا إلى أقسامها الثلاثة المذكورة، ولكنْ اختلف تحديدُها وتعريفُها للأقسام. فحقيقة «الاسم» أنه مستقلٌّ بالمفهوميّة تمامًا؛ لذا يقع مسندًا تارةً، ومسندًا إليه أخرى. وحقيقة «الحرف» أنه لفظٌ غير مستقلٍّ بالمفهوميّة مطلقًا؛ لذا لا يقع مسندًا، ولا مسندًا إليه. وحقيقة الفعل هي أنه مستقلٌّ بالمفهوميّة من جهة الإسناد فقط، ولذا لا يقع إلّا مسندًا. وبناءً عليه لا يكون المائز بين الفعل والاسم دلالة الفعل على الزّمان؛ لأنهم أنكروا أن يكون الفعل دالًّا على الزمان، بمادّته، وهيئته. وإنّ علماء المدرسة الأصوليّة الحديثة عند تحليلهم لأوضاع المفردات من حيث الدّلالة على المعاني، والذي هو أساس التمايز عندهم، جعلوها صنفين: المعاني الاسميّة؛ والمعاني الحرفيّة.

المعاني الاسميّة: وهي التي يمكن إدراكها وفهمها بصورةٍ مستقلّة عن الجملة، وهي تشمل: الأسماء؛ وموادّ الأفعال (أي أصل الاشتقاق).

المعاني الحرفيّة: وهي التي لا يمكن إدراكها وفهمها بصورةٍ مستقلّة عن الجملة، وإنّما هي روابط لا تتألف الجملة من دونها، وأدخلوا تحتها الحروف وهيئات الفعل (صيغ الأفعال)، وهيئات الجمل وعلامات الإعراب، والضمائر أحيانًا. ولتوضيح المعاني الاسميّة والحرفيّة نورد جملةً؛ لنتعرف إلى معاني مفرداتها؛ لتقريب المورد، كجملة «سافر عليٌّ إلى مكّة». فالمعاني الاسميّة في هذه الجملة هي ما يلي:

أـ كلمة «عليّ» أو كلمة «مكّة» تحتفظ بمدلولها ومعناها، سواء أكانت جزءًا من هذه الجملة أم لم تكن، فهي تدرك بصورةٍ مستقلّة عن الجملة.

ب ـ كلمة «سافر» فما تدلّ عليه هذه الكلمة (السفر) هو معنىً يمكن إدراكه وفهمه بصورةٍ مستقلّة عن الجملة.

أمّا المعاني الحرفيّة في الجملة السابقة فهي ما يلي:

أـ كلمة «إلى»، وهي التي تدلّ على نقطة النهاية، فإنّها لو فُصلَتْ عن الجملة لا نجد لها معنىً مستقلًّا.

ب ـ هيئة فعل «سافر»، وهي تدلّ على نسبة تحقُّق السفر من «عليّ». وهذه الصيغة «فاعل» لا نجد لها معنىً مستقلًّا إذا فُصلَتْ عن مادّتها، أي «الحروف».

ج ـ وبما أنّ «الفعل» بحَسَب علماء الأصول ينقسم إلى: مادّةٍ؛ وهيئة، فألحقت المادّة عندهم بمعاني الأسماء، والهيئة بمعاني الحروف، لذلك أفرد علماء هذه المدرسة قسمًا ثالثًا له، وبذلوا جهدًا كبيرًا لتوضيحه، كما سيأتي.

2ـ معاني الحروف

«وضع علماء العربيّة بإزاء كلّ حرفٍ معنى معيّنًا، فـ «مِنْ» موضوعه للابتداء، و«في» للظرفيّة، و«هل» للاستفهام، وهكذا. وقد لاحظ علماء الأصول أنّ هناك فرقًا واضحًا بين شرح اللّغويّ وتحديده لمعاني الأسماء أو الأفعال، كأنْ يقول مثلًا: «الأسد» هو الحيوان المفترس أو «جلس» بمعنى قعد، وبين تحديداتهم تلك لمعاني الحروف؛ من حيث إن شرح الاسم أو الفعل يُنبئ عن مرتبة من الترادف والوحدة في المعنى بين الكلمة المشروحة والكلمة الشارحة، إذ يصحّ استبدال إحداهما بالأخرى في مجال الاستعمال، من دون أن يختلّ التركيب الذهنيّ لصورة المعنى المعطاة بالكلام، بينما لا يتأتّى ذلك في معاني الحروف. فالظرفيّة مثلًا لا يمكن أن تستعمل بحالٍ من الأحوال بَدَلًا من حرف «في»، ولا الابتداء بدلًا عن «مِنْ»([6]). فهذا الفرق في كيفيّة تصوُّر الذهن للمعاني الحرفيّة وتصوّره للمعاني الاسميّة، الذي يؤدّي إلى عدم إمكان استعمال أحدهما مكان الآخر، على الرّغم من كونه شرحًا له، وتحديدًا لمحتواه، دفع الأصوليّين للبحث والتنقيب ليخرجوا بالتحليل النهائي، والذي على أساسه يمكن تفسير الفَرْق بين المعاني الحرفيّة والمعاني الاسميّة. واختلفوا في بيان معاني الحروف وفرقها عن معاني الأسماء إلى ثلاثة اتجاهات، وهي:

الاتّجاه الأوّل: إنّ «الحرف يساوي الحركة الإعرابيّة»، فهي لم توضع لمعنىً خاصّ، وإنّما هي مَحْض تنبيهٍ على أن مدخولها مبدوءٌ به أو منتهىً إليه، كما أن الضمّة علامةُ الفاعل، والفتحة علامة المفعول به. لذلك اصطلحوا على هذا الاتّجاه بتسمية «علاميّة الحروف» نسبةً إلى علامة الحركة الإعرابيّة.

الاتّجاه الثّاني: آليّة المعنى الحرفي. وهو أنّ معاني الحروف هي نفس معاني الأسماء ذاتًا، والفرق بينهما إنّما هو في «الوضع»؛ فالاسم وُضع ليدلّ على معناه في نفسه، بينما الحرف وُضع ليدلّ على معناه بما هو آلةٌ وحالةٌ لغيره، لذلك لا يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر.

الاتّجاه الثالث: «نسبيّة الحروف». وتوضيح ذلك أن المعاني الموجودة في الخارج على نحوين، هما:

الأوّل: ما يكون موجودًا في نفسه كـ «زيدٌ قائم»، فزيدٌ موجودٌ، وقيامه موجودٌ أيضًا.

الثّاني: ما لا يكون موجودًا في نفسه، بل وجودُه متقوِّمٌ بغيره، وهو نسبة القيام إلى زيد في المثال المذكور. «والدّليل على كون هذا المعنى لا في نفسه أنه لو كان للنِّسَب والروابط وجوداتٌ استقلاليّة للزم وجود الرابط بينها وبين موضوعاتها، فننقل الكلام إلى ذلك الرابط، والمفروض أنه موجودٌ مستقلّ فلا بُدَّ له من رابطٍ أيضًا، وهكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط، فيلزم التسلسل، وهو باطلٌ. فيُعلم من ذلك أن وجود الروابط والنِّسَب في حدّ ذاته متعلّق بالغير، ولا حقيقة له إلّا التعلّق بالطرفين»([7]). ومثل الحروف هيئات الأفعال؛ فإنها معانٍ ليست موجودةً في نفسها، بل وجودها متقوِّمٌ بغيرها. فالفعل له مادّةٌ وهيئةٌ؛ مادته مدلولٌ اسمي؛ وهيئته مدلولٌ حرفي. فالفعل «ضرب» مادته «ض ر ب» له معنىً ووجودٌ مستقلّ بنفسه، فهو معنىً اسمي كما مرّ؛ ولكن هيئة الفعل «ضرب»، وهي صيغة الماضي، غير موجودةٍ، بل هي متقوّمةٌ بمادّة الفعل، فعليه تأخذ معنىً حرفيًا، وليس معنىً اسميًا استقلاليًا. ولو كان للهيئة معنىً اسميٌّ لأمكن التعويض عنها بذلك الاسم الدالّ على المعنى، ولكنّ هذا غير ممكنٍ. «وبعد أن عرفنا معنى كلٍّ من الحرف والهيئة نعرِّج على حكمة الواضع الذي أراد أن يضع بإزاء كلٍّ من المعنيين؛ فوضع بإزاء المعاني المستقلّة «الأسماء»؛ وبإزاء المعاني غير المستقلّة «الحروف» و«الهيئات». فإذا قلنا: «جئتُ إلى المدرسة» فهنا عدّة معانٍ غير مستقلّة، منها: نسبة المجيء إلى فاعله، دلَّت عليه هيئة الفعل؛ ونسبة المجيء إلى المدرسة، الذي دلَّ عليها كلمة «إلى». ومن هنا عُلم أنّ المعاني غير المستقلّة رُبَما تكون لفظًا مستقلًّا كالحرف؛ ورُبَما تكون هيئة في اللّفظ، كهيئة الأفعال والإعراب، وهي معانٍ غيرُ قابلة للتصوّر مستقلّةً، بل تُتصوَّر في ضمن مفهومٍ آخر. إلى هنا اتّضح أنّ الحروف روابط المفردات المستقلّة المؤلِّفة للكلام الواحد، فمعنى الحرف مندكٌّ في الطرفين. وكذا الهيئات، كهيئات الأفعال، وأسماء الأفعال. وهذا هو الذي أشار إليه أميرُ المؤمنين(ع) بقوله المعروف في تقسيم الكلمات: «الاسم ما أنبأ عن المسمّى؛ والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى؛ والحرف ما أوجد معنىً في غيره»([8]).

3ـ أصل الاشتقاق والمشتقّ

انقسم علماء أصول الفقه في مسألة «أصل الاشتقاق اللّغويّ» إلى فريقين، وهما:

الفريق الأوّل: المدرسة الأصوليّة القديمة، وقد اختلف علماؤها إلى ثلاثة مذاهب، وهي:

أـ إنكار الاشتقاق مطلقاً؛ فإنّ الفعل أو المصدر كلاهما أصلٌ مستقلّ بنفسه؛ لأنّها كلماتٌ وردت مستعملةً في معانٍ معيّنة، ولا دليل يدلّ على أسبقيّة بعضها في الوضع؛ لتكون أصلًا للاشتقاق.

ب ـ الاعتراف بوجود الاشتقاق بين «اسم الفاعل» و«الفعل»، وبين اسم الفاعل والمصدر، كما نجد ذلك بالوجدان، ولكنْ لا نعلم هل أخذت الأسماء من الأفعال أو العكس؟

ج ـ موافقة مذهب «البصريين» من أهل اللّغة في أصالة المصدر، وأنه أصلٌ لكلّ الاشتقاقات، ومثاله: «الضرب» هو المصدر، وأصل الاشتقاق للفعل «ضرب»، ولاسم الفاعل «ضارب»، وهكذا.

الفريق الثّاني: المدرسة الأصوليّة الحديثة: وانقسمت إلى رأيين، وهما:

أـ إنّ اسم المصدر هو أصل المشتقّات، لا المصدر، ولا الفعل، على أنّ اسم المصدر موضوعٌ من ناحيةٍ لفظيّة بوضعٍ واحد، لمادّته وصيغته؛ ومن ناحيةٍ معنويّة لمعنىً واحدٍ هو «الحدث الساذج». وهذان (اللفظ والمعنى) هما المادّة السارية في سائر المشتقّات، بما فيها المصدر والفعل، الدالّان على الحَدَث وزيادة([9]).

علّق على هذا الرأي السيد السيستاني قائلًا: «وأمّا اسم المصدر، وهو الدالّ على الحدث بما هو؛ فإنْ أُريد به الدّلالة على أصل الحَدَث مع كونه (لا بشرط) بالنسبة إلى حيثيّة الانتساب لفاعلٍ ما فهذا هو الجامع الانتزاعي بين جميع معاني المشتقّات، وهو فكرةٌ متطوّرة يتوصّل لها الذهن البشريّ بعد مروره على ألفاظ المشتقّات، فالمناسب كونه متأخّراً على المشتقّات في الوضع، لا أصلًا لها.

وإنْ أُريد به الدّلالة على الحَدَث مع كونه (بشرط لا) عن معنى الانتساب فهو مغايرٌ حينئذٍ لمفاهيم بقيّة المشتقّات، فلا يصح كونه أصلًا لها»([10]).

توضيحٌ وبيان

من أجل توضيح النقاش وجدنا أنّه لا بُدَّ من تفسيرٍ لكلٍّ من: «المصدر»؛ و«اسم المصدر»؛ إذ اختلف رأي الأصوليّين عن رأي أهل اللّغة في التفريق بينهما. فأهل اللّغة فرَّقوا بينهما لفظًا، فما كان جاريًا على فعله فهو المصدر، كما في«ضَرَبَ» و«ضَرْب»، و«أَكَرَمَ» و«إكرام»، وما لم يكن جاريًا على فعله فهو اسمٌ للمصدر، كما في «أعطى» و«عطاء»، و«توضّأ» و«وضوء»؛ فإنّ المصدر هنا لم يَجْرِ على فعله كما ترى، فاعتبره أهل اللّغة اسمًا للمصدر.

أما الأصوليّون فقد ساوَوْا بين المصدر واسمه من الناحية اللّفظيّة؛ فاسم المصدر هو اللّفظ الدالّ على الحَدَث مجرّدًا عن أيّ لحاظٍ، سواء أكان جاريًا على فعله أم لم يكن؛ والمصدر هو اللّفظ الدّال على الحَدَث مع لحاظ انتساب الحَدَث إلى فاعلٍ ما، سواء أكان جاريًا على فعله أم لم يكن. فالتفريق بين المصدر واسمه يكون من جهة الدّلالة على المعنى، لا من جهة الحروف والألفاظ. أمّا بحَسَب الصيغة في اللّغة العربيّة فقلَّما يحصل التغاير بين الصيغتين، بل الغالب أن يعبَّر عنهما بصيغةٍ واحدة، كالضرب مثلًا؛ فإنه يُراد به تارةً المعنى المصدري؛ وأخرى ذات الحدث، فهما مشتركان في صيغةٍ واحدة. وأما في اللّغة الفارسيّة ففي الغالب أن لكلّ واحدٍ منهما صيغةٌ مخصوصة، فيقال: «كتك»، و«زدن»، و«كردش»، و«كرديدن»، و«أزمايش»، و«آزمودن»([11]) ، إلى غير ذلك([12]).

انطلاقًا مما تقدّم نرى أن في «المصدر» و«اسم المصدر» لحاظًا زائدًا على الحدث المشترك بينهما، وهو لحاظ انتساب هذا الحدث إلى فاعلٍ ما، أو لحاظ عدم انتساب هذا الحدث إلى فاعلٍ ما. وهذه الزيادة في كلَيْهما مانعةٌ من جعل أيٍّ منهما مبدأً للمشتقّات.

لذا ذهب جماعةٌ من علماء المدرسة الحديثة إلى الرأي الثّاني، وهو الآتي:

ب ـ أصالة المادّة اللّغويّة، أي جذر كلّ لفظٍ، كالضاد والراء والباء في «ضرب» أو«الضرب». فهذه المادة اللّغويّة هي أصل المشتقّات، بما في ذلك «المصدر» و«الفعل»، فالمادّة بمثابة المضمون المشترك بين جميع المشتقّات؛ بينما الصيغة هي الشكل الذي يميِّز كلّ فرعٍ عن غيره، المشترك معه في نفس المادّة.

4ـ المشتقّ

إنّ «المشتقّ» عند النّحويّين هو ما يقابل الجامد؛ بينما المشتقّ عند الأصوليّين هو ما توافر فيه شرطان، وهما:

1ـ «أن يكون جاريًا على الذات، بمعنى أنه يكون حاكيًا عنها وعنوانًا لها، نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأسماء المكان والآلة، وغيرهما…

2ـ أن لا تزول الذات بزوال تلبُّسها بالصفة، بمعنى أن تكون الذات باقيةً محفوظة لو زال تلبُّسها بالصفة؛ فهي تتلبّس بها تارةً؛ ولا تتلبّس بها أخرى، والذات تلك بالذات في كلا الحالين»([13]). ومثال ذلك: كلمة «ضارب»؛ فإن الضرب يزول وتبقى ذات الضارب، فالنسبة بين «المشتقّ» عند أهل اللّغة وبين «المشتقّ» عند علماء أصول الفقه هي «العموم والخصوص من وجهٍ»، بمعنى أنهما يجتمعان في بعض المصاديق، ويفترقان في أخرى؛ فهما يجتمعان فيما يُحمل على الذات، وهو قابلٌ للتصريف، كاسم الفاعل، مثل: «ضارب»، فإنه يُحمل على الذات، فيقال: زيدُ ضاربٌ، فهو مشتقّ عند الأصوليّين، كما أنه قابلٌ للتصريف، فيقال: ضاربٌ، ومضروبٌ، فهو مشتقّ عند أهل اللّغة أيضًا؛ ويفترق «المشتقّ» الأصوليّ في نحو: «زوج»، فإنه يحمل على الذات، فيُقال: «زيدٌ زوجٌ لهند»، فهو بهذا اللحاظ مشتقٌّ أصوليّ، وبما أنه غير قابلٍ للتصريف فهو جامدٌ، وليس بمشتقٍّ عند أهل اللّغة. أما المشتقّ النّحويّ فيفترق عن «المشتقّ» عند الأصوليّين في الأفعال والمصادر، نحو: «ضَرْب» و«قيام»؛ فإنهما يتصرّفان، فهما مشتقّان عند أهل اللّغة؛ بينما ليسا بمشتقّين عند علماء الأصول؛ لأنّهما لا يحملان على الذات، فلا تستطيع القول: «زيدٌ قيام».

أدخل الأصوليّون هذا البحث في مباحث الألفاظ عندهم؛ لأنّه بحثٌ لغويّ لفظيّ، يُراد به تحديد المعنى اللّغويّ «للمشتقّ» سعةً وضيقًا، وأن مدلول الكلمة هل هو واسعٌ، فيشمل ما تلبّس بالمبدأ، وإنْ انقضى عنه التلبّس، أم ضيّقٌ، فيختصّ بالمتلبِّس بالمبدأ؟ وهذا ما أُشير اليه في أحد شرطَيْ «المشتقّ» عند علماء أصول الفقه، ومثال ذلك: ما ورد من كراهة الجلوس للتغوُّط تحت الشجرة المثمرة، فمحلّ النّزاع فيما لو زالت الثمرة عن الشجرة، هل يبقى اسم المثمرة صادقًا عليها حقيقةً؛ لتبقى الكراهية حينئذٍ، أم أنّه يزول بزوال الثمرة، فلا يكون معنىً لبقاء الكراهية؟

«فالمشتقّ» في المثال هو كلمة «المثمرة»، والنزاع في تحديد معناها سعةً، فتشمل ما انقضى عنه الإثمار، وضيقًا فلا تشمل إلّا المثمرة فعلًا عند إطلاق الكلمة. كذلك ما ورد من كراهة الوضوء والغسل بالماء المسخَّن بالشمس؛ فمَنْ قال: إنّ المشتقّ حقيقةٌ في خصوص المتلبِّس بالمبدأ فلا بُدَّ أن يقول بكراهية الوضوء والغسل بالماء المسخَّن بالشمس إذا انقضت عنه الحرارة. وليس النزاع في إمكان الإطلاق وعدمه؛ فصحّة إطلاق «المشتقّ» على ما انقضى عنه المبدأ وعدم صحّة ذلك متوقِّفةٌ على معرفة الموضوع له المشتقّ، أي مدلول الكلمة. كما أنه لم يقع النزاع في صحّة استعمال لفظ المشتقّ في ما زالت عنه الصفة؛ لأن مرحلة الاستعمال متأخِّرة عن تحديد المعنى الموضوع له اللّفظ، فيثبت بعدها أنّ الاستعمال للألفاظ المشتقّة على نحو الحقيقة أو المجاز.

معنى المبدأ، واختلاف المنشأ

نعني بالمبدأ الصفة التي تتلبَّس بها الذات، والتي على أساسها يصدق «المشتقّ». ويمكن تصوُّر المبدأ بأنحاء أربعة، وهي:

1ـ تارةً يكون المبدأ من الفعليّات.

2ـ وتارةً يكون المبدأ من المَلَكات.

3ـ وتارةً يكون المبدأ من الحِرَف والصناعات.

4ـ وتارةً يكون المبدأ ما فيه قوّة واستعداد، كالمفتاح والمنشار.

فإذا اتّصف زيدٌ بأنه قائم فهو يتحقَّق إذا تلبَّس بالقيام فعلًا؛ إذ إنّ القيام يؤخذ على نحو الفعليّة مبدأً لوصف قائم، ويفرض الانقضاء بزوال فعليّة القيام عنه. أمّا اتّصاف زيدٍ بأنّه عالمٌ أو مدرّسٌ أو مديرٌ فليس بمعنى أنه يعلم فعلًا، أو مدرّسٌ فعلًا، أو مديرٌ فعلًا، بل بمعنى أنّ له مَلَكة العلم، أو منصب المدرِّس والمدير. فما دامت مَلَكة العلم والمنصب والوظيفة موجودةً فهو متلبِّسٌ بالمبدأ حالًا، وإنْ كان نائمًا أو غافلًا.

نعم، يصحّ تعقُّل الانقضاء إذا زالت المَلَكة، وزالت الوظيفة عنه، فحينئذٍ يجري النزاع في أنّ وصف العالم والمدرِّس والمدير هل يصدق حقيقةً على مَنْ زال عنه؟

وكذلك إذا اتّصف زيدٌ بالنجارة والحدادة والخياطة، واتّصفت الآلة بالمنشاريّة، فليس ذلك بمعنى أنه منشغلٌ بالنجارة أو الحدادة أو الخياطة، أو أن الآلة تنشر بالفعل، بل بمعنى أنّ زيدًا عنده مَلَكة النجارة والحدادة والخياطة، وأن الآلة من شأنها النشر، فإذا زالت الحِرْفة، وزالت شأنيّة النشر، فقد انقضى المبدأ عن الذات، فصحّ النّزاع. أمّا إذا كانت المَلَكة موجودةً، والشأنيّة للنشر موجودةً، إلّا أنّ الخياط نائمٌ، والمنشار في الحقيقة لا ينشر، فليس معنى ذلك انقضاء المبدأ عن الذات؛ إذا الزوال والانقضاء للصفة في كلّ شيءٍ بحَسَبه»([14]). كما وقع النّزاع بين العلماء في تركيب المشتقّ وبساطته. إلّا أنّ هذا النّزاع لا علاقة له بالمدلول اللّغويّ للمشتقّ، لذا لم نجد فائدةً من ذكره. والصّحيح أن «المشتقّ» موضوعٌ حقيقةً لخصوص ما تلبّس بالصّفة، فهو لم يوضع لمَنْ لم يتلبّس بالصفة، ولا لمَنْ انقضى عنه التلبُّس بالصّفة. وإذا استعمل في ما انقضى عنه التلبّس بالصفة فالاستعمال حينئذٍ يكون مجازيًا؛ بلحاظ طروّ الصّفة عليه سابقًا. والأدلّة على ذلك هي:

1ـ التبادر: فإن المتبادر من لفظ المشتقّ عند أهل اللّغة هو خصوص المتلبِّس بالصّفة، كما نرى في المتبادر من لفظ «عالم»، وهو خصوص مَنْ يحمل صفة العلم فعلًا.

2ـ صحّة السَّلْب: فصحّة سلب الصّفة عمَّنْ زال عنه التلبُّس بها دليلٌ على أنّه موضوعٌ لخصوص المتلبِّس بالوصف، فيُقال: «هذا ليس بعالمٍ» لمَنْ كان عالمًا فيما سبق، وزالت منه صفة العلم.

3ـ التضادّ: فلو كان المشتقّ حقيقةً في الأعمّ من المتلبّس بالصفة ومَنْ زالت عنه الصفة لوقعنا بالتضادّ، فيصحّ أنّ زيدًا عالمٌ وأن زيداً ليس بعالمٍ في آن معًا. وهذا باطلٌ.

وحاول البعض الاستدلال بثبوت الأحكام الشرعيّة من الآيات الشريفة لمَنْ تلبَّس بالمبدأ، وبقاء هذه الأحكام إلى ما بعد انقضاء التلبُّس، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي…﴾([15])، و﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ([16])، إلى غير ذلك من الآيات. فلولا صدق المشتقّ على الأعم من التلبّس لما صحّ دوام هذه الأحكام. وهذا مردودٌ؛ لأنّ الحكم يثبت عند قيام الفعل، وبلحاظ تلبُّسه بتلك الصفة، وأقصى ما يمكن أن تدلّ عليه هذه الخطابات هو ثبوت الحكم، لا صحّة أو عدم صحّة صدق المشتقّ على مَنْ انقضى عنه التلبُّس.

5ـ الفعل وأزمنته

هو مصطلحٌ نحويّ يُراد به الكلمة الدالّة بمادّتها على معنى المصدر ـ أي الحَدَث ـ، وبصيغتها على زمان وقوع ذلك الحَدَث. فالفعل عند النّحويّين مركَّبٌ من أمرين، وهما:

الأوّل: الحَدَث، والذي دلّت عليه مادّة الفعل.

الثّاني: الزمن، والذي دلّت عليه صيغة الفعل.

وأما علماء أصول الفقه فعرّفوا «الفعل» بأنه ما أنبأ عن حركة المسمّى. فالفعل كلمةٌ دلَّتْ على حَدَثٍ صادرٍ أو منسوبٍ إلى فاعلٍ ما. فلم يعترفوا بدلالة الصيغة على الزمن، كما مرّ سابقًا، بل هو مستفادٌ من طريقة توليف الجملة، وسياق الخطاب، والقرائن المحفوفة به. «فالأصوليّ» يتّفق مع «النّحويّ» في المدلول الزمنيّ للفعل؛ ولكنّه اختلف معه بالطريقة التي يُستفاد منها الزمن. فالزمن في الفعل عند أهل اللّغة مستفادٌ من نفس وضع الصيغة، لتصبح دلالة الفعل عندهم على الزمن دلالةً تضمّنيّة، أي إن الفعل يتضمَّن الزمن بصيغته وهيئته؛ أما الأصوليّون فرأَوْا أن دلالة الفعل على الزمن إنّما تكون من خلال الاستعمال، والقرائن المقاليّة أو المقاميّة، وأنكروا دلالة الصيغة على الزمن؛ للملاحظات الآتية:

أوّلاً: لأنّ الصيغة الواحدة قد تدلّ على الأزمنة الثلاثة، وذلك بحَسَب وضعها في الجملة، والقرائن المحيطة بها. فصيغة «يفعل» تارةً تستعمل للحاضر؛ وأخرى للماضي؛ وثالثة للاستقبال. فلو دخلت أداة النّفي «لم» عليها كان الاستعمال للماضي، ولو لحقتها «السين» أو «سوف» كان للاستشراف والاستقبال.

ثانيًا: قد تستعمل صيغة الفعل دون أن تدلّ على أيّ زمانٍ من الأزمنة، كما في الأفعال الواردة في عقود البيع والنّكاح وغيرهما؛ والإيقاعات، كالوقف والطلاق؛ أو كاستعمال الصِّيَغ في المناجاة، والتمنّي، والاستفهام، وغير ذلك، والأمثلة التي تساعد على ذلك كثيرةٌ:

كما في قوله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً([17]). وفي هذه الآية (جَعَل) بصيغتها لا تدلّ على أيٍّ من الأزمنة الثلاثة. وكما في الحديث: «مَنْ أفتى الناسَ بغير علمٍ فليتبوَّأْ مقعدَه من النار»([18]). فالنهي عن الإفتاء لم يُلاحَظ فيه أيُّ زمنٍ.

ثالثاً: إنّ القول بدلالة الصيغة على الزمن في الفعل الماضي لا يتناسب مع وضع بعض موادّ الأفعال التي تدلّ على الدوام والاستمرار، كما في قولك: «دام الأمر» أو «بقي الأمر» أو «استمرّ الحال»، فثمّة تناقضٌ بين المادّة الدّالة على الدّوام والاستمرار والصيغة التي تدلّ على الانقضاء والزوال.

6ـ الأمر

هو من الأبحاث المهمّة «في مباحث الألفاظ» عند علماء أصول الفقه؛ وهذا إنما يقع لأن خطابات الشارع وقعت بصيغة أوامر ونواهٍ، فالبحث فيه عند العلماء من جهة أن هذه الصيغ تقع عناصر مشتركة تعين على استنباط الحكم الشرعيّ. والبحث فيه في مسائل، هي:

الأولى: تعريف الأمر

عرَّفه البعض أنه «استدعاء الفعل، بالقول أو الإشارة أو الكتابة ونحوها، من العالي». وهذا التعريف يشمل الأمور الآتية:

أ ـ إنّ الأمر من قبيل: الطلب؛ إذ هو استدعاءٌ، ومعلوم أنّ الكلام إمّا طلبٌ؛ وإمّا خبرٌ.

ب ـ إنّ الأمر طلب الفعل، وذلك بخلاف النهي، فهو طلب الكفّ.

ج ـ تقديم الأمر بالقول لأنه مصداقٌ جليّ، وبعده تأتي الإشارة والكتابة.

د ـ إنّ الأمر يكون من العالي وإنْ لم يستعْلِ، أمّا إنْ كان الآمر في رتبة المأمور فهو التماسٌ، وإنْ كان أدنى منه فهو دعاءٌ أو رجاءٌ.

الثانية: مادّة الأمر

المقصود من مادّة الأمر الحروف التي تتألَّف منها كلمة «أمر»، وهي هنا: (أ م ر). وهذه الكلمة «أمر» لها معنيان، وهما:

الأول: أمر بمعنى طلب. وتُجمع على «أوامر»، وتقبل الاشتقاق. فيُقال: أمَرَ، يأْمُر، آمر، مأمور، ومثاله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ…﴾ ([19]).

الثّاني: «أمر» بمعنى الشيء. وتُجمع على «أمور»، ولا تقبل الاشتقاق.

والمعنى الأوّل هو الذي يبحث فيه الأصوليّون.

الثالثة: دلالة الأمر على الوجوب

اتّفق المحقِّقون من علماء أصول الفقه على دلالة الأمر على الوجوب.

وقد استدلّوا على ذلك بأمور، وهي:

1ـ الآيات الشريفة الواردة في كتاب العزيز، كقوله تعالى:﴿…لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ([20]).

والأمر ظاهرٌ في الوجوب؛ لأنه عزَّ وجلَّ رتَّب العذاب الأليم على مخالفته.

وكذلك ما ورد على لسان امرأة العزيز في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيَسْجنَنَّ…([21]). فعدم امتثال يوسف(ع) لأمرها موجبٌ لسجنه. وهي دلالةٌ واضحة على وجوب الامتثال بما أمرَتْه به.

2ـ الأحاديث الصريحة بدلالة الأمر على الوجوب، كقول الرسول(ص): «لولا أنْ أشقّ على أمّتي لأمرتُهم بالسِّواك»([22]). ووجه الاستدلال أن المشقّة لا تكون إلّا مع الوجوب، فلا محلّ لها مع النّدْب.

3ـ سيرة السَّلَف بامتثال الأوامر وطاعتها، وفهم الوجوب منها دون تردُّدٍ أو استفسار.

4ـ التبادر عند أهل المعرفة باللّغة؛ وبناء العُرْف على لوم المولى إذا ما تخلَّف عن امتثال أمر سيِّده.

الرابعة: صِيَغ الأمر

إن للأمر صيغًا أربعة، وهي:

1ـ فعل الأمر. وصيغته: «افْعَلْ»، كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ…﴾([23]) .

2ـ الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، ومثاله:﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾([24]).

3ـ اسم فعل الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ…﴾([25]).

4ـ المصدر النائب عن فعل الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ…﴾([26])؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…﴾ ([27]).

إن دلالة هذه الصِّيَغ على الوجوب هي كدلالة مادّة «الأمر» عليه؛ وذلك إما للتبادر؛ أو لسيرة العقلاء، كما مرّ.

أما البحث فتركَّز على تفسير هذه الدّلالة، وتحديد منشئها؛ واختلفوا على أقوال ثلاثة، وهي:

1ـ إن دلالة المادّة والصيغة على الوجوب هي بالوضع على حدٍّ سواء؛ فعندما وضع الواضعون الألفاظ للمعاني وُضعت هذه الموادّ والصيغ للدلالة على اللزوم والأمر؛ وذلك للتّبادر الواضح الذي يحصل عند التوجُّه بالطلب من العالي.

2ـ إن الدّلالة على الوجوب تكون بحكم العقل؛ حيث إنّ العقل يحكم بأنّ وظيفة العبد تجاه مولاه تقتضي امتثال ما أمره به، واعتبار المأمور به عزيمةً لا يمكن التخلُّف عن تنفيذه، إلّا إذا وردَتْ رخصةٌ من المولى.

3 ـ إن الدّلالة على الوجوب ناشئةٌ من الإطلاق ومقدّمات الحكمة. وبما أنّ المولى أطلق الأمر ولم يبيِّن فيه ترخيصًا بالترك، وكان الوجوب هو المصداق الأكمل، فيتعيَّن حينئذٍ. ولو أراد النَّدْب أو الاستحباب لنَصَبَ قرينةً على ذلك.

الخامسة: دلالة الأمر على الفور أو التراخي

انقسم علماء أصول الفقه في الأوامر المجرَّدة عن القرائن الدّالّة على الفور أو التراخي إلى أربعة فرقٍ، وهي:

1ـ إنها موضوعةٌ للفور.

2ـ إنها موضوعةٌ للتراخي.

3ـ إنها موضوعةٌ لهما على نحو الاشتراك اللّفظيّ.

4ـ إنها غيرُ موضوعةٍ للفور، ولا للتراخي، ولا للأعمّ منهما»([28]).

وحاول بعضهم الاستدلال على وجوب المبادرة إلى امتثال الأوامر بأدلّةٍ ثلاثة، وهي:

أوّلًا: النصوص القرآنيّة الدالّة على وجوب المسارعة، كقوله تعالى:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ…﴾ ([29])؛ و﴿فَاسْتَبِقُواْ الخَيْرَاتِ…﴾([30]).

ثانيًا: الوضع اللّغويّ يدلّ على وجوب الإسراع في التلبية؛ فإن السّيد لو أمر عبده فلم يمتثل، فعاقبه، لم يكُنْ للعبد أن يعتذر بأنه فهم التراخي من الأمر.

ثالثًا: تحصيل اليقين والقطع ببراءة الذمّة إنّما يكون بالمبادرة إلى الامتثال للأوامر الصادرة من العالي.

الصّحيح أنّ الأمر بمادّته وصيغته لم يوضَعْ للفور أو التّراخي، ولم يدلّ عليهما. وإنّ إطلاق الأمر يحتمل الفوريّة أو التّراخي، إلّا أنْ تقوم قرائن خارجيّة أو مقاليّة أو مقاميّة تصرفه إلى أحدهما. «والجوابُ عن الاستدلال بكلتا الآيتين: إن الخيرات وسبب المغفرة كما تصدق على الواجبات تصدق على المستحبّات أيضًا، فتكون المسارعة والمسابقة شاملتين لما هما في المستحبّات أيضًا، ومن البديهيّ عدم وجوب المسارعة فيها، كيف وهي يجوز تركها رأسًا؟! وإذا كانتا شاملتين للمستحبّات بعمومهما كان ذلك قرينةً على أنّ طلب المسارعة ليس على نحو الإلزام، فلا تبقى لهما دلالة على الفوريّة في عموم الواجبات»([31]).

كما أن الآيتين لو دلّتا على وجوب المسارعة للزم تخصيص الأكثر من الواجبات؛ فإنّ أكثر الواجبات يجوز تأخيرها. ونحن نعلم أن تخصيص الأكثر مستهجنٌ. والظاهر من «المغفرة» في الآية الأولى هي الدعوة إلى التوبة المُوجِبة للغفران، ولا علاقة لها بالواجبات، فضلًا عن الفوريّة، كما هو ظاهر الآية الثّانية؛ حيث إنّ الاستباق دعوةٌ إلى فعلٍ ما حتّى لا يفوته بسبق غيره له، وهذا ينسجم مع نوعٍ واضح من أنواع الواجبات، وهي الواجبات الكفائيّة، التي لا يمكن للجميع الإتيان بها، بل يقوم بها بعضٌ، ولذا كانت الدعوة إلى المسابقة للإتيان بها.

السادسة: دلالة الأمر على المرّة أو التكرار

اذا أمر المولى بفعلٍ ما، كالحجّ أو الصلاة أو غيرهما، فهل خطاب الشارع المحتوي على الأمر يدلّ على الإتيان بالفعل مرّةً أو يدلّ على التكرار؟ ومثالُه في الإتيان بفريضة الحجّ، فهل كلّما استطاع المكلَّف وجب عليه الإتيان به؛ امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله:﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا…﴾([32]). وقد سأل أحدُ الجالسين في مجلس النبيّ(ص) عندما نزلت هذه الآية قائلًا: أَوَكلَّما استطَعْنا وجب؟ فقال(ص): واللهِ، لو قلتُ: نعم لوجب، ولكنّ الحجَّ في العمر مرّةً([33]). نجد هنا أن المدلول اللّغويّ للأمر بحَسَب الوضع لا دلالة فيه على المرّة، ولا على التكرار، بل لا بُدَّ من دالٍّ آخر يشير إليهما، ويدلّ على أحدهما. ويُكتفى بالمرّة الواحدة، كما هو ظاهر إطلاق الأمر؛ لأنه القَدْر الذي يتحقَّق به امتثال الأمر على الأقلّ، وأما الزيادة فلا دليلَ عليها، ومادّة الأمر وصيغته لم تتعرَّضا لها.

السابعة: الأمر بعد الحَظْر

اتفق علماء أصول الفقه على عدم دلالة صيغة الأمر على الوجوب إذا جاءت بعد النهي. وتوضيحه في الآيات التالية: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ…﴾([34])؛ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا…﴾([35])؛ و﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ…﴾([36]). فالأوامر في خطاب الشارع عزَّ وجلَّ جاءت بعد ورود النهي عن الصيد والبيع والقتال، فهي تعود إلى ما كانت عليه قبل ورود النهي؛ فإنْ كان مباحًا، كالصيد في الآية الأولى، والبيع في الثّانية، فيعود إلى الإباحة؛ وما كان واجبًا، كالقتال في الآية الثالثة، فيعود الأمر واجبًا. يظهر من الأمثلة أنّ الحَظْر والتحريم كان محدَّدًا بزمنٍ، ولم تكُنْ الغاية من صدور الأمر التحريك نحو الفعل، وإنّما الإشارةُ إلى انتهاء زمن الحَظْر وإطاره، فيعود حكم الفعل إلى ما كان عليه قبل النهي؛ وإنْ لم يكن له حكمٌ سابق فصيغه الأمر هنا تفيد الإباحة، لا أكثر. والله أعلم.

الثامنة: التعبُّدي والتوصُّلي

قسَّم علماء الأصول الواجب المستفاد من الأوامر إلى قسمين، وهما:

الأول: التّعبُّديّ. وهو الواجب الذي لا يصحّ ولا يسقط أمره إلّا بإتيانه بقصد التقرُّب إلى الله تعالى، كالصلاة والصوم ونحوهما. وتُسمّى هذه الواجبات بالتعبُّديّات.

الثّاني: التّوصُّليّ. وهو الواجب الذي يسقط أمره بمجرّد الإتيان به، ولا يشترط فيه قصد التقرُّب إلى الله تعالى، كأداء الدَّيْن، وإنقاذ الغريق، وإنْ كان قصد القربة إليه تعالى يزيد من الثواب. وتُسمّى هذه الواجبات بالتّوصُّليّات. «وهذا هو القسم الكبير في الشريعة المقدّسة، وجعله من الشارع، رغم أنّه لا يُعتبر فيه قصد التّقرُّب، إنّما هو لأجل حفظ النظام، وإبقاء النّوع، ولولاه لاختلَّتْ نُظُم الحياة الماديّة والمعنويّة»([37]).

هذا كلّه إذا علمنا حال الواجب؛ وأمّا اذا لم نعلم حاله، وشكَكْنا في كونه تعبُّديًا أو توصُّليًا، فالقاعدةُ الصّحيحة أنّ الدّليل الذي يدلّ على وجوب شيءٍ وقيده نلتزم بذلك الشيء مع قيده؛ وإنْ كان الدّليل على إطلاقه غير مشير إلى قيدٍ، وشكَكْنا في دخول قيدٍ فيه، كـ «قصد القربة إلى الله»، فيمكننا حينئذٍ أن نتمسَّك بالإطلاق لنفي ذلك القيد؛ لما يُذْكَر في بيان مقدّمات الحكمة من أنّ المولى في مقام بيان الحكم من جميع الجهات، ولو أراد القيد لبيَّنه، وحيث إنّه لم يبيِّنْه نتمسَّك بالإطلاق لنفيه، ويكون الواجب توصُّليًا. ذهب جماعةٌ إلى أنّ الأصل في الواجب عند الشكّ أنْ يكون تعبُّديًا؛ تحصيلًا للفراغ اليقينيّ بإسقاط الواجب. والمرجع في ذلك هو الاحتياط المنحاز للشريعة.

التاسعة: الواجب العينيّ والتعيينيّ والنفسيّ

الواجب العينيّ هو المتعلّق بكلّ مكلَّفٍ بعينه، ولا يسقط عنه بقيام الغير به، كالصلاة والصيام.

يقابله الواجب الكفائيّ، وهو الواجب الذي يُطلَب فيه وجود الفعل من أيّ مكلّفٍ كان، فإذا قام به بعضٌ سقط التكليف عن باقي المكلَّفين، وإذا لم يقُمْ به أحدٌ فالجميع مأثومون ويستحقّون العقاب. كما يستحقّ الثواب كلّ مَنْ شارك به. والأمثلة على هذا القسم من الواجب كثيرةٌ، ومنها: تجهيز الميّت، والصلاة عليه، وإنقاذ الغريق، وإزالة النجاسة عن المسجد، والحِرَف والمِهَن والصِّناعات، ومنها: الاختصاص بعلوم الدِّين واللّغة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. فإنْ دلّ دليلٌ على أنّ الواجب عينيٌّ أو كفائيٌّ أخذنا به؛ وإنْ لم يدلّ دليلٌ، وشكَكْنا، فالأصل أنْ يكون الواجب عينيًّا؛ لأنّ إطلاق صيغة الأمر تقتضي أن يقوم كلُّ مكلَّفٍ بامتثال الأمر، سواء أتى بهذا الفعل غيره أو لم يأتِ به، لأنّ سقوط الأمر وبراءة الذمّة بفعل الغير للأمر تحتاج إلى بيانٍ خاصّ.

أما الواجب التعييني فهو «ما تعلَّق به الطلب بخصوصه، وليس له عِدْلٌ في مقام الامتثال، كالصلاة والصوم في شهر رمضان؛ فإنّ الصلاة واجبةٌ لمصلحةٍ في نفسها، لا يقوم مقامها واجبٌ آخر في عَرْضها»([38]) .

يقابله الواجب التخييريّ، وهو الواجب الذي له بديلٌ عنه، وعِدْلٌ له في عرضه، نحو: كفّارة الإفطار العمديّ، حيث يتخيَّر المكلَّف بين: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكينًا.

فإذا علمنا أنّ الواجب تعيينيٌّ أو تخييريٌّ أخذنا به؛ وإذا شكَكْنا فمقتضى إطلاق الصيغة هو وجوب ذلك الفعل بنحو التعيين، لا بنحو التخيير، سواء أتى المكلَّف بفعلٍ آخر أو لم يأتِ بأيِّ فعلٍ.

الواجب النفسي هو الواجب لنفسه، لا لأجل واجبٍ آخر، كالصلاة والصيام.

يقابله الواجب الغيري، وهو ما وجب لغيره، كالوضوء للصلاة، والغُسْل للصوم.

فإذا دلّ دليلٌ على أنّ الواجب المأمور به لنفسه أو لغيره تعيَّن، وإذا شكَكْنا فمقتضى الإطلاق أنْ يكون الواجب نفسيًّا؛ لما مرّ في الواجبين السابقين.

العاشرة: تكرار الأمر

«إذا تعلّق الأمر بفعلٍ مرّتين فهو يمكن أنْ يقع على صورتين:

1ـ أن يكون الأمر الثّاني بعد امتثال الأمر الأوّل. وحينئذٍ لاشبهة في لزوم امتثاله ثانيًا.

2ـ أن يكون الأمر الثّاني قبل امتثال الأمر الأوّل، وحينئذٍ يقع الشكّ في وجوب امتثاله مرّتين أو كفاية المرّة الواحدة في الامتثال؛ فإنْ كان الأمر الثّاني تأسيسًا تعيَّن الامتثال مرّةً أخرى؛ وإنْ كان تاكيدًا للأمر الأوّل فليس لهما إلّا امتثالٌ واحد»([39]). ولتوضيح ذلك نقول: إن في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة أوامر موجَّهة إلى المكلَّفين في كلّ زمانٍ ومكان. وهذه الأوامر الواردة يمكن تصوُّرها على أربعة أنحاء، وهي:

1ـ أنْ يكون الأمران معاً واردَيْن على شيءٍ واحد، وغير معلَّقين، كالأوامر المتكرِّرة في فروع الدين، كالصّلاة والزكاة؛ فإنها تُحْمَل على التأكيد.

2ـ أنْ يكون الأمران معلَّقين على شرطٍ واحد، كموضوع نقض الوضوء بالحَدَث، فالأمر بالوضوء بعد الحَدَث يُحْمَل لو تكرَّر على التأكيد للأمر الأوّل.

3ـ أنْ يكون أحد الأمرين معلّقًا، والثّاني غير معلّق. ومثاله: «اغتسِلْ من الجنابة»، ثمّ يَرِدُ: «اغتسِلْ من الجنابة إذا أردْتَ الصوم»، فيُحْمَل الأمر الثّاني على التأكيد للأمر الأوّل.

4ـ أنْ يكون الأمر الأوّل معلّقًا على شيءٍ والأمر الثّاني معلّقًا على شيءٍ آخر، كما في المثال التالي: «إذا كنْتَ جُنُباً فاغتسِلْ»، و«إذا مسَسْتَ مَيْتاً فاغتسِلْ». ففي هذه الصورة يُحْمَل الأمر الثّاني على التأسيس لحكمٍ جديد. ولا يُفْهَم هنا التأكيد؛ لأنّ الداعي في الأمر الأوّل، وهو الجنابة، يختلف عن الداعي في الأمر الثّاني، والذي هو مسّ المَيْت. نعم، الاكتفاء للأمرَيْن بامتثالٍ واحدٍ أمرٌ ممكنٌ، ولكنّه يحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه، كما ورد في الأحاديث أنّ غسل الجنابة يُجْزي عن كلِّ غسلٍ آخر.

الحادية عشرة: الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمرٌ بذلك الشيء حقيقةً؟

وتوضيحه فيما لو أمر المولى عبده أن يأمر عبده الآخر بفعلٍ معيّن، فهل هو أمرٌ بذلك الفعل، فيجب على العبد الثّاني الامتثال والتنفيذ؟

وهذا يُتصوَّر على نحوَيْن، وهما:

الأوّل: أن يكون المأمور الأوّل مبلِّغاً لأمر المولى إلى المأمور الثّاني، كما هو حال خطاب الشارع مع الأنبياء، بتوجيه الأوامر إليهم لإيصالها إلى المكلَّفين. ومثاله: قول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ…﴾([40]). وهنا لا يشكّ أحدٌ في وجوب الصلاة على المأمورين. «وكذلك قوله(ص) لعمر بن الخطّاب: «مُرْهُ فليُراجِعْها»؛ فإنّ لام الأمر في قوله: فليراجِعْها صدرَتْ منه متوجِّهةً إلى عبد الله بن عمر، فيكون مأمورًا بلا خلافٍ»([41]).

الثّاني: أن لا يكون المأمور الأوّل مبلِّغًا، بل هو مستقلٌّ في توجيه الأمر إلى الثّاني، كتوجيه الأئمّة(ع) الأوامر للآباء بأنْ يأمروا أولادهم بالصلاة أو بالصوم، كقول الإمام الصادق(ع): «إنّا نأمر صبياننا بالصّلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فأْمروا صبيانكم بالصّلاة اذا كانوا بني سبع سنين. ونحن نأمر صبياننا بالصوم إذا كانوا بني سبع سنين، بما أطاقوا من صيام اليوم…» ([42]).

وقع النقاش في هذا النّحو ؛ فإذا علمنا بأنّ غرض المولى يتعلَّق في فعل المأمور الثّاني، وأن الأمر بالأمر هو مجرّد طريقٍ لامتثال وتحقيق المطلوب، فلا شَكَّ أن الأمر يكون أمرًا بذلك الشيء حقيقةً، فيجب امتثاله على الثّاني. فلو علم الثّاني بمضمون الطَّلَب، دون أن يأتيه الأمر من المأمور الأوّل، لوجب عليه التحرُّك لامتثال أمر المولى؛ وأمّا إذا علمنا أنّ غرض المولى يتحقَّق بمجرّد صدور الأمر من الأوّل، من دون أنْ يكون مضمون الطلب مرادًا له، فحينئذٍ لا يكون الفعل مطلوباً من المأمور الثّاني، وعليه لا يكون الأمر بالأمر بالشيء أمرًا حقيقيًا.

الثانية عشر: اقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ.«لا شَكَّ أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضدِّه من حيث اللّفظ؛ إذ لفظ الأمر غير لفظ النهي.

أمّا من حيث المعنى فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه؛ فإنّ قولك: اسكُنْ مثلًا يستلزم النهي عن الحَرَكة؛ لأنّه لا يمكن وجود السكون مع التلبُّس بضدّه، وهو الحركة؛ لاستحالة اجتماع الضدّين»([43]).

لكنّ هذا المنع اللازم للوجوب ليس منعًا مولويًا ونهيًا شرعيًا، بل هو منعٌ عقلي تَبَعي، من غير أن يكون هناك من الشارع منعٌ ونهيٌ وراء نفس الوجوب. وسرُّ ذلك واضحٌ؛ فإنّ نفس الأمر بالشيء على وجه الوجوب كافٍ في الزَّجْر عن تركه، فلا حاجة إلى جعلٍ للنهي عن الترك من الشارع زيادة على الأمر بذلك الشيء»([44]).

المراد من الضّدّ الوارد عند الأصوليّين مطلق المعاند والمنافي، فيشمل نقيض الشيء، أيْ إن الضدّ ـ عندهم ـ أعمُّ من الأمر الوجوديّ والعَدَميّ، وهذا اصطلاحٌ خاصّ للأصوليين في خصوص هذا الباب، وإلّا فالضدّ مصطلحٌ فلسفي يُراد به ـ في باب التقابل ـ خصوص الأمر الوجوديّ الذي له مع وجوديٍّ آخر تمام المعاندة والمنافرة، وله معه غاية التباعد. ولذا قسّم الأصوليّون الضدّ إلى: (ضدٍّ عامّ) وهو الترك، أي نقيض؛ و(ضدٍّ خاصّ) وهو مطلق المعاند الوجوديّ»([45]). والمثال على ذلك الأمر بالصلاة: «صَلِّ». فالضدّ العامّ هنا هو ترك الصلاة، والضدّ الخاصّ هو الأكل مثلاً، الذي يكون فعله ملازمًا لترك الصلاة. تظهر الفائدة في صحّة الضدّ حال القيام به إذا كان عبادةً، كما لو توجَّه إلى المكلّف خطابٌ آمر بوجوب إنقاذ الغريق، فترك المكلَّف امتثال الأمر، وتوجَّه لأداء الصلاة، والتي يكون الانشغال بها ضدّاً ومنافياً لإنقاذ الغريق؛ فإذا قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فتكون هذه الصلاة منهيًّا عنها؛ للأمر بإنقاذ الغريق، والنهي عن العبادة يوجب بطلانها؛ وأمّا إذا قلنا بأنّ الأمر بالشيء لا يقتضي نهياً عن ضدّه، كما بيَّنّا، فتقع الصلاة صحيحةً، وإنْ عصى بترك امتثال الأمر بالإنقاذ.

الثالثة عشر: الترتُّب في الأمر بالضدّين

«إنّ كثيرًا من الناس نجدهم يحرصون ـ بسبب تهاونهم ـ على فعل بعض العبادات المندوبة في ظرف وجوب شيءٍ هو ضدٌّ للمندوب، فيتركون الواجب، ويفعلون المندوب. كما نجدهم يفعلون بعض الواجبات في حين أنّ هناك عليهم واجبًا أهمّ يتركونه؛ أو واجباً مضيَّق الوقت مع أنّ الأوّل موسَّع، فيقدِّمون الموسَّع على المضيَّق؛ أو واجبًا معيّنًا مع أنّ الأوّل مخيَّر، فيقدِّمون المخيَّر على المعيَّن. ويجمع الكلَّ تقديمُ فعل المهمّ العباديّ على الأهمّ؛ فإنّ المضيَّق أهمّ من الموسَّع، والمعيَّن أهمّ من المخيَّر، كما أن الواجب أهمّ من المندوب»([46]). فـ«الترتُّب» هنا معناه وجود أمرين، أحدهما أهمّ من الآخر، والامتثال لأحدهما مانعٌ من امتثال الآخر. ونحن نعلم أنّ الأوامر الشّرعيّة يجب على المكلَّف امتثالها. ومع وجود التزاحم بينها فمن الطبيعي تقديم الامتثال بالأمر الأهمّ، كما لو صدر من المولى أمرَيْن:

أحدهما: بوجوب أداء الدَّيْن؛ والثّاني: يقضي بوجوب الحجّ، والمفروض أن المال الذي بحوزته يكفي لامتثال أحد الأمرين، فأداء الدَّيْن أَوْلى بالتقديم والامتثال. ولكنْ لو ترك المكلَّف المدين أداء الدَّيْن، وتوجَّه لأداء فريضة الحجّ، فهنا وقع الكلام في صحّة حجِّه. «والصّحيح ما تقدَّم في المسألة السابقة من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي الشرعيّ عن ضدِّه، ولا مانع عقلاً من أنْ يكون الأمر بالمهمّ فعليًّا عند عصيان الأمر بالأهمّ. فإذا عصى المكلَّف، وترك الأهمّ، فلا محذور في أنْ يفرض الأمر بالمهمّ حينئذٍ»([47])؛ فإن صدور الأمرين من المولى معًا يوجب على المكلَّف امتثالهما معًا، فأحدهما مع أهمّيته لا يلغي الآخر، فإذا لم يقدّم المكلّف المهمّ من الأمرين تبقى ذمّته مشغولةً بامتثال الأمر الثّاني.

الرابعة عشر: الأمر بالشيء هل يسري إلى المقدّمة؟

إذا توقَّف امتثال الواجب على مقدّمةٍ فتكون هذه المقدّمة واجبةً على المكلَّف بحكم العقل. وهو محلُّ اتفاقٍ بين علماء أصول الفقه؛ لأنّ المولى إذا أمر بفعل شيءٍ، وهو يعلم بتوقُّف الامتثال على مقدّمةٍ ما، فإنّ العقل يحتِّم على المكلَّف الإتيان بكّل ما يتوقَّف عليه تحقيق المأمور به؛ تحصيلًا له. ومثاله: الحجّ الواجب بعد الاستطاعة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ([48]). وبما أن أداء الفريضة متوقِّفٌ على السفر وقطع المسافة؛ للتواجد في مكّة زمن الحجّ، فالعقل يحكم بوجوب السفر؛ تحصيلًا لامتثال الأمر بالحجّ.

وقع البحث في هذه الملازمة بين الخطاب الباعث لوجوب شيءٍ وبين وجوب مقدمّته؛ فإنْ كانت هذه الملازمة بيّنةً وظاهرةً من نفس صيغة الأمر فتدرج لذلك من بين العناوين التي بحثها علماء أصول الفقه في (مباحث الألفاظ)؛ أمّا لو كانت الملازمة غير بيّنةٍ من اللّفظ، كما ادّعى بعضٌ، فتقع المسألة في مباحث (المستقلّات العقليّة)؛ لأنّ وجوب المقدّمة حينئذٍ يُستفاد بحكم العقل، فيقع تحت قاعدة: (إن ما حكم به العقل حكم به الشرع).

«ولقد تكثَّرت الأقوال جدًّا في هذه المسألة على مرور الزمن، ونذكر أهمّها…، وهي:

1ـ القول بوجوبها مطلقًا.

2ـ القول بعدم وجوبها مطلقًا.

3ـ التفصيل بين السبب، فلا يجب؛ وبين غيره، كالشرط وعدم المانع والمعدّ، فيجب.

4ـ التفصيل بين السبب وغيره أيضًا، ولكنْ بالعكس، أي يجب السبب، دون غيره.

5ـ التفصيل بين الشرط الشرعيّ، فلا يجب بالوجوب الغيريّ؛ باعتبار أنّه واجبٌ بالوجوب النفسي، نظير: جزء الواجب؛ وبين غيره، فيجب بالوجوب الغيريّ. وهو القول المعروف عن المحقِّق النائيني.

6ـ التفصيل بين الشرط الشرعيّ وغيره أيضًا، ولكنْ بالعكس، أي يجب الشرط الشرعيّ بالوجوب المقدّمي، دون غيره.

7ـ التفصيل بين المقدّمة الموصِلة، أي التي يترتّب عليها الواجب النفسيّ، فتجب؛ وبين المقدّمة غير الموصِلة، فلا تجب. وهو المذهب المعروف لصاحب الفصول.

8ـ التفصيل بين ما قُصِد به التوصُّل من المقدّمات، فيقع على صفة الوجوب؛ وبين ما لم يُقْصَد به ذلك، فلا يقع واجبًا. وهو القول المنسوب إلى الشيخ الأنصاري.

9ـ التفصيل المنسوب إلى صاحب المعالم، الذي أشار إليه في مسألة الضدّ، وهو اشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذيها، فلا تكون المقدّمة واجبةً على تقدير عدم إرادته.

10ـ التفصيل بين المقدّمة الداخليّة، أي الجزء، فلا تجب؛ وبين المقدّمة الخارجيّة، فتجب» ([49]).

ونعرض لأهمّ هذه الآراء، مع الأدلّة التي اعتُمدَتْ من قِبَل القائلين بها، وهي التالية:

1ـ وجوب المقدّمة شرعًا، تَبَعًا لوجوب ذيها. واستُدّل على ذلك بما يلي:

أـ الدّليل الوجداني. وهو ما ذكره صاحب الكفاية بقوله: «الوجدان أقوى شاهدٍ على وجوب المقدّمة شرعًا، بالوجوب التَّبَعي؛ لأنّ الإنسان إذا أراد شيئًا له مقدّماتٌ أراد تلك المقدّمات، لو التفت إليها»([50]).

ب ـ وجود الأوامر الغيريّة. فإن وجود هذه الأوامر في الشّرعيّات والعُرْفيّات من أوضح البراهين على الملازمة؛ وذلك لوضوح أنّه لا يتعلّق بمقدّمةٍ أمرٌ غيريّ إلّا إذا كان فيها مناط الأمر، وإذا كان الملاك في هذه الموارد كان في غيرها أيضًا؛ لعدم خصوصيّةٍ فيها، وحينئذٍ يصحّ تعلُّق الوجوب بها؛ لتحقُّق الملاك»([51]) .

ج ـ لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها، وحينئذٍ إنْ بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يُطاق، وإنْ لم يبْقَ على وجوبه فقد خرج الواجب المطلق عن وجوبه، وصار مشروطاً.

2ـ عدم وجوب المقدّمة شرعًا، بعد أن ذكرنا أن المقدّمة تجب بحكم العقل؛ حيث يكون هذا الوجوب داعيًا للمكلَّف إلى الإتيان بالمقدّمة، فلا يبقى حينئذٍ مجالٌ للأمر المولويّ الشرعيّ؛ لأنه تحصيلٌ للحاصل. فالمحرِّك نحو الإتيان بالمقدّمة موجودٌ، وهو نفس الأمر الموجّه للإتيان بذي المقدّمة، الذي يحتّم على المكلَّف بحكم العقل الإتيان بكلّ ما يتوقَّف عليه امتثال المأمور به؛ تحصيلًا له. وعليه فالأوامر الشرعيّة الواردة بوجوب بعض المقدّمات، كالوضوء مثلًا، تكون أوامر إرشاديّة، تبيِّن أنّ المقدّمة شرطٌ لتحصيل ذيها، أو تُحْمَل هذه الأوامر على تأكيد وجوب المقدّمة، وشرطيّتها لامتثال المأمور به، ولا تكون من قبيل: الأوامر التأسيسيّة، التي تستقلّ بإيجاب الفعل .

أما نتائج هذا الدرس الأصوليّ لهذه المسألة فتظهر ـ على القول بعدم ثبوت وجوب المقدّمة شرعًا، وثبوتها عقلًا ـ فيما لو توقَّف الإتيان بالواجب على مقدّمةٍ محرَّمة، فيقع التزاحم بين وجوب المقدّمة وبين حرمتها، فيقدَّم الأهمّ على المهمّ. ومثاله: إذا توقف النّصر على الكفار في قتل المسلمين الأُسارى الذين تترَّس بهم الكافر، فيجوز القتل، كما ذكر السيد الخوئي: «نعم، لو تترّس الأعداء بهم (أي بالأسارى من المسلمين) جاز قتلهم إذا كانت المقاتلة معهم أو الغلبة عليهم متوقِّفةً عليه»([52]). وكذلك إذا توقّف إنقاذ الغريق على الدخول إلى الأرض المغصوبة، فيجب إنقاذ الغريق، ولا يكون الدخول إلى الأرض المغصوبة محرّمًا.

«أمّا إذا قلنا بثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أي إنّ الأمر بالشيء هو أمرٌ بمقدّمته، فيكون الوجوب في المقدّمة شرعيًّا، فيقع التعارض في المثال المذكور؛ لأنه يستحيل أن يتّصف فعلٌ واحد بالحرمة (من خلال النهي) والوجوب (من خلال الأمر بالواجب). وهذا يؤدّي إلى التنافي بين الجَعْلَيْن، أي الأمر من جهةٍ والنهي من جهةٍ أخرى، فتطبَّق قواعد التعارض، لا التزاحم».([53])

أمّا ظهور الثمرة ـ بناءً على القول بالوجوب الشرعيّ للمقدّمة الموصِلة فقط، فتكون بخصوص ما يتبعها الامتثال بالمأمور به، وهو في المثال إنقاذُ الغريق. فإذا اجتاز المكلَّف الأرض المغصوبة، ولم ينقِذْ الغريق، كان الاجتياز محرَّمًا؛ وذلك لأن مقدّمته لم تكن موصِلةً، فليست بواجبةٍ، فأصبح بين وجوب الإنقاذ وحرمة التصرُّف بالأرض المغصوبة تزاحمٌ، وطالما أنه لم يقُمْ بالإنقاذ يكون تصرُّفه محرّمًا. وعلى القول بوجوب مقدّمة الواجب شرعًا مطلقًا (موصلة أم غير موصولة)، وحصل الاجتياز ولم يحصَلْ الإنقاذ، فلا يكون الاجتياز حينئذٍ محرّمًا؛ لاستحالة أن يتّصف الدخول إلى الأرض المغصوبة بالوجوب والحرمة في آنٍ معًا.

الخامسة عشرة: هل الأمر بالأداء هو أمرٌ بالقضاء؟

قُسَّم الواجب إلى: مؤقّتٍ بزمنٍ معّين؛ وغير مؤقَّتٍ، وهو الذي لم يقيَّد بوقتٍ دون وقت. وقد يفوت الواجب المؤقَّت؛ بترك أدائه، بسببٍ أو من دون سببٍ، أو يتبيَّن فسادُه كذلك، بعذرٍ أو بغير عذرٍ. فإذا فات بأيّ نحوٍ من الأنحاء فهل يسقط الأمر، فلا يجب الإتيان به خارج الوقت إلّا بأمرٍ جديد، أو لا يسقط الأمر، فيبقى واجبًا ولو خارج الوقت؟

اختلف علماء أصول الفقه في المسألة إلى ثلاثة آراء، وهي:

1ـ تَبَعيّة القضاء للأداء.

2ـ لا تَبَعيّة في المسألة، بل يحتاج القضاء إلى أمرٍ جديد.

3ـ التفصيل بين ما اذا كان الدّليل على التوقيت متّصلًا، فلا تَبَعيّة؛ وبين ما إذا كان منفصلاً، فالقضاء تابعٌ للأداء»([54]).

ويرجع المنشأ في الاختلاف إلى المستفاد من ذكر الوقت؛ فمَنْ فهم وحدة المطلوب بين الفعل ووقته، أي إنّ المطلوب واحدٌ، وهو الفعل المقيّد بالوقت، ذهب إلى القول بحاجة القضاء إلى أمرٍ (طلب) جديد، إذا فاته الامتثال في الوقت؛ أمّا مَنْ فهم تعدُّد المطلوب، أي إن هناك طلبان: طلب للفعل؛ وطلب لأدائه في الوقت، فمَنْ فاته أداء الفعل في الوقت بقي طلب الإتيان بالفعل موجَّهًا إليه، فيجب عليه الإتيان بالفعل، ولو خارج الوقت، وهم القائلون بتَبَعيّة القضاء للأداء. وهنا التعبير بالقضاء لا يخلو من تسامحٍ؛ لأنه على فرض بقاء الأمر والطلب يكون الامتثال خارج الوقت أداءً وامتثالًا للطلب، وليس تداركًا، ولا قضاءً.

وعدّ القائلون بالتفصيل أنّ ذكر الوقت في الطلب متّصلًا دليلٌ على وحدة المطلوب، وذكره منفصلًا دليلٌ على تعدُّد المطلوب. فالوحدة أو التعدُّد تؤخذان من الاتصال والانفصال. والكلام فيهما يعود إلى ما تقدَّم في الرأيين الأوّلين.

السادسة عشر: اتّحاد الطلب والإرادة

تنقسم الإرادة إلى قسمين، وهما:

1ـ الإرادة التكوينيّة: المتمثِّلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ([55])، وهي عبارةٌ عن المشيئة المطلقة، والتي لا تستلزم محبّة الله ورضاه، وإنْ كانت حتميّة الوقوع؛ فإنّه إذا أراد شيئًا كان، وهو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ([56]).

2ـ الإرادة الشرعيّة: وهي التي تتضمَّن محبّة الله ورضاه؛ لوجود منفعةٍ ومصلحة في تحقُّق المأمور به. ولكنّها قد تقع فيما لو امتثل المكلَّف؛ وقد لا تقع إذا اختار المكلَّف الفسوق والعصيان. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ([57]). وقد وقع البحث في أنّ الطلب المستفاد من الأمر هل هو عين الإرادة التشريعيّة أو غيرها؟ فادّعى الأشاعرة المغايرة بين الطلب والإرادة؛ بدليل وجود الأوامر الامتحانيّة، والتي لا يوجد فيها إرادةٌ تشريعيّة؛ كما ذهب المعتزلة إلى الاتحاد بين الطلب والإرادة؛ فالله إذا أراد شيئًا طلبه، وإذا طلب شيئًا فهو يريده، وأنكروا وجود الإرادة والطلب الحقيقين في الأوامر الامتحانيّة. نجد نحن أنّ هذه المسألة، أي اتّحاد الطلب والإرادة، لا تترتَّب عليها أيّ فائدةٍ؛ كما أنها تصل بنا إلى مباحث كلاميّةٍ كبرى، كنظريّة الكلام النَّفْسي، أو أنّ إرادة الله تعالى من الصفات الذاتيّة، إلى مسألة الجَبْر والتفويض، إلى غير ذلك، ممّا لا يتناسب والبحث اللّغويّ.

7ـ النهي

أـ تعريفه

عرَّفه بعضُ علماء أصول الفقه بـ (استدعاء الترك، بالقول أو الإشارة أو الكتابة ونحوهما، من العالي؛ واختار بعضٌ أنّه «زجر العالي للدّاني عن الفعل، وردعه عنه»([58]).

يشتمل التعريف على الأمور الآتية:

أ ـ إنّ النهي من قبيل: الطلب؛ إذ هو استدعاءٌ، كما الأمر. ومعلومٌ أنّ الكلام إمّا طلبٌ؛ وإمّا خبرٌ.

ب ـ إنّ النهي هو طلب الكفِّ والترك؛ وذلك بخلاف الأمر، فهو طلب الفعل.

ت ـ إنّ تقديم القول في تعريف النهي من باب أنّه المصداق الأجلى، والأكثر استعمالًا.

ث ـ إنّ النهي يكون من العالي وإنْ لم يستَعْلِ.

ب ـ مادة النهي

وهي الحروف التي تتألَّف منها كلمة النهي أي (ن هـ ي)، وتدلّ على المنع، فيقال: «نهاه» أي منعه؛ إذ قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى([59]). ومعناه منع النفس عن الهوى.

كما تدلّ على التحريم، فيُقال: نهى الله عن الحرام، أي حَرَّمَه.

ج ـ دلالة النهي على الحرمة

إن دلالة النهي على الحرمة هي من المسائل المتَّفق عليها. والدّليل على ذلك هو ما يلي:

أـ التبادر؛ فإنّ المتبادر في العُرْف وعند مَنْ يفهم اللّغة أنّ النّهي حقيقية التحريم، وعادة الناس توجيه اللّوم إلى مَنْ فعل ما نُهِيَ عنه من قِبَل مولاه.

ب ـ سيرة السَّلَف باجتناب ما ورد فيه النهي، بدون تردُّد ولا سؤالٍ.

ت ـ الآيات الشريفة، الصريحة بدلالتها على أنّ المقصود من النهي هو التحريم. ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المَصِيرُ([60])؛ وكذلك في قوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا([61]). والدّلالة واضحة في الآيتين على التّحريم.

د ـ صيغة النهي

إنّ صيغة النهي الغالبة هي: «لا تفْعَلْ»، وإنْ دلَّتْ على النهي صِيغٌ أخرى، كـ «إيّاك أنْ تفعل»، و«أحذِّرك من الفعل»، وغيرها. تدلّ هذه الصيغة على الحرمة، كما دلّت مادّة النهي عليها؛ وذلك إمّا للتبادر؛ أو لسيرة العقلاء. واختلف علماء أصول الفقه في تفسير هذه الدّلالة، وتحديد منشئها، على أقوال ثلاثة، وهي:

أـ إنّ دلالة المادة (ن هـ ي) وصيغة (لا تفْعَلْ) هي بالوضع. فعند وضع الألفاظ لمعانيها وُضعت هذه المادة ومعها الصيغة للدلالة على النهي والمنع، بدليل التبادر البيِّن، والذي يحصل عند صدور النّهي من العالي.

ب ـ إنّ دلالة المادّة والصيغة على الحرمة إنّما تكون بحكم العقل؛ لأن العقل يحكم بأن وظيفة العبد تجاه مولاه تقتضي اجتناب ما نهاه عنه مولاه، واعتبار المنهيّ عنه حراماً لا يمكنه الإتيان به.

ت ـ إنّ الدّلالة على الحرمة ناشئةٌ من الإطلاق ومقدّمات الحكمة، وبما أنّ المولى أطلق نهيهه ولم يبيِّن فيه ترخيصًا بالفعل كانت الحرمة هي المصداق الأكمل، فتتعيَّن حينئذٍ. ولو أراد الكراهة لأقام قرينةً على ذلك.

هـ ـ دلالة النهي على ترك جميع الأفراد

«إنّ للطبيعة المنهيّ عنها أفرادًا عَرْضيّة وطوليّة، فهل النهي يقتضي ترك جميع الأفراد الطّوليّة والعَرْضيّة، بحيث يكون النهي دالًّا على الانحلال، فيكون هناك تحريماتٌ عديدةٌ بعدد الأفراد، لا حرمةٌ واحدة، أم أنّه لا توجد إلّا حرمةٌ واحدة، كالوجوب المستفاد من الأمر؟»([62]).

فمتعلَّق النهي في «لا تَكْذِبْ» فيه ثلاثة احتمالات:

أ ـ أنْ يكون الحرام جميع أفراد الكذب، أي كلّ كذب. وهو الإطلاق الشّموليّ.

ب ـ أنْ يكون الحرام أحد أفراد الكذب. وهو الإطلاق البَدَليّ.

ت ـ أنْ يكون الحرام مجموعةً من أفراد الكذب، كالكذب على الله ورسوله مثلًا، والكذب في حالة الصوم مثلًا »([63]).

الصّحيح أنّ متعلَّق النهي من قبيل: الاحتمال الأوّل؛ إذ إنّ الاحتمال الثّاني واضحُ البطلان بحكم العقل؛ لأنّ الإطلاق البَدَليّ غير معقول في النّهي؛ فإنّه إنْ ترك المكلَّف بَدَلًا ثمّ فعل بَدَلًا آخر لصدق عدم الالتزام بالنّهي، أي بترك المنهيّ عنه. أمّا الاحتمال الثالث فإنّه يبطل بمقدّمات الحكمة؛ إذ لو كان المراد مجموعةً أو فئةً معيّنة من الأكاذيب، وكان المولى في مقام البيان، لكان عليه نصب قرينة عليه، ولأنّه لم ينصِبْ القرينة فنتمسَّك بالإطلاق لتحريم كلّ كَذِبٍ.

النّهي بخلاف الأمر من جهة انحلاله بعدد أفراد متعلَّقه، فيتكرَّر النّهي كلّما وُجِد مصداقٌ أو فردٌ له.

و ـ دلالة النهي على الفساد

إنّ هذه المسألة من المسائل التي بُحثَتْ في «مباحث الألفاظ عند علماء أصول الفقه؛ حيث إنّ النّواهي الموجَّهة إلى المكلَّفين هي ألفاظٌ تدلّ بالدّلالة المطابقيّة على التحريم، وبالدّلالة الالتزاميّة على فساد المنهيّ عنه، إذا كان ممّا يصحّ اتّصافه بالصحّة والفساد، فلا موضوعيّة للقول بأنّ النّهي عن شرب الخمر مثلًا يقتضي الفساد.

في العبادات

والنهي المبحوث هنا يشمل العبادات (كالصلاة والصوم)، وهو على أنحاء:

«أحدها: أن يتعلَّق النّهي بأصل العبادة، كالنّهي عن صوم العيدين، وصوم الوصال، وصلاة الحائض والنفساء.

وثانيها: أنْ يتعلّق بجزئها، كالنهي عن قراءة سورةٍ من سور العزائم في الصلاة.

وثالثها: أنْ يتعلّق بشرطها، أو شرط جزئها، كالنهي عن الصلاة باللّباس المغصوب أو المتنجِّس.

ورابعها: أنْ يتعلّق بوصفٍ ملازم له أو لجزئه، كالنّهي عن الجَهْر بالقراءة في موضع الإخفات، والنّهي عن الإخفات في موضع الجَهْر»([64]). والنهي عن العبادة يقتضي فسادها، سواءٌ أكان نهيًا عن أصلها أم نهيًا عن جزئها أمْ نهيًا عن شرطها أو وصفها؛ لأنّ الله إنّما ينهى عمّا لا يحبّه، والمقصود من العبادة التقرُّب إلى الله ونَيْل رضاه، ولا يُطاع الله من حيث يُعصى، ويستحيل التقرُّب إليه بفعلٍ لا يحبّه ولا يرضاه. فالفعل المُبْعِد عن المولى في حال كونه مُبْعِدًا لا يُعْقَل أنْ يكونُ مُتقرَّبًا به إليه»([65]). ومثاله: «نهي النبيّ(ص) عن صوم ستّة أيام: العيدين، وأيّام التّشريق، واليوم الذي تشكّ فيه من شهر رمضان»([66])، فلا يقع الصوم المنهيّ عنه في حديث النبيّ(ص) صحيحًا قطعًا.

في المعاملات

وكذلك يشمل البحث النهي عن المعاملة، ويمكن تصوُّر النهي على أنحاء، وهي:

أـ تعلُّق النهي بنفس السبب الذي يوجد المعاملة، وهو صيغة المعاملة، من إيجابٍ وقبول مثلاً، كالبيع وقت النّداء لصلاة الجمعة، حيث انصبّ النهي على نفس السبب، أي على إيجاب البائع وقبول المشتري؛ وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ…([67])، أي نفس العقد المؤلَّف من إيجابٍ وقبول.

ب ـ تعلُّق النّهي بالمسبَّب، أي الأثر الناتج عن المعاملة، كانتقال الثمن من المشتري إلى البائع، وانتقال السلعة المباعة من البائع إلى المشتري، كبيع العبد المسلم للكافر، وبيع المصحف للكافر، وبيع العنب ليُصنع منه الخمر.

ج ـ تعلُّق النّهي بتداعيات المعاملة، كتصرُّف البائع بالثمن الواصل إليه، أو تصرُّف المشتري بالسلعة التي ابتاعها، كالحديث القائل: «ثمن العَذَرة من السُّحْت»([68])، «وثمن الجارية المغنِّية سحتٌ»([69]). فلم يتوجَّه الخطاب في النّهي هنا إلى نفس بيع العَذَرة أو المغنِّية، بل إلى الآثار الناتجة عن المعاملة.

اختلفَتْ الآراء حول اقتضاء النهي في مثل الأنحاء المتقدّمة، على الشكل التالي:

أـ البطلان مطلقًا؛ للأدلّة التالية:

أوّلًا: قول النبيّ(ص): «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»([70])، يعني مردود، كأنّه لم يوجَدْ.

ثانيًا: إنّ الصحابة استدلّوا على فساد العقود بالنهي عنها، وهذا أمرٌ مشتهر بينهم من غير نكيرٍ، فكان إجماعًا.

ثالثًا: إنّ المنهيّ عنه مفسدتُه راجحةٌ، وإنْ كان فيه مصلحةٌ فمصلحتُه مرجوحةٌ بمفسدته. فما نهى الله عنه وحرَّمه إنّما أراد منع وقوع الفساد ودفعه؛ لأن الله إنّما ينهى عمّا لا يحبّه، والله لا يحبّ الفساد، فعُلم أنّ المنهيّ عنه فاسدٌ ليس بصالحٍ»([71]).

ب ـ التفصيل بين النهي عن السبب، فلا يقتضي فساد المعاملة؛ وبين النهي عن المسبّب أو عن آثاره، فعندها يقتضي فساد المعاملة. وتوضيحه: إذا كان النهي التحريمي عن المعاملة قد تعلَّق بصيغة المعاملة، كما في النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَّوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ([72])، فإن النهي والمبغوضيّة ليست متعلِّقة بالنقل والانتقال، وإنّما بالاشتغال بالبيع حال النداء للصلاة، فحينئذٍ لا نجد أيَّ ملازمةٍ بين النهي وفساد المعاملة، نظير: التطهير بالماء المغصوب؛ فإن حرمة استعمال الماء المغصوب لا تفقده قابليّة التطهير، فاستعماله يكون سببًا لطهارة الثوب.

أمّا إذا كان النهي التحريميّ موجّهًا إلى المسبَّب فإنّ النّهي عن المسبّب يقتضي المبغوضيّة، ومن المستَبْعَد اعتبار الشارع لما هو مبغوضٌ له. فالنّهي الدّال على المبغوضيّة دالّ على عدم اعتبار المسبّب، وهو معنى الفساد»([73]). ومثاله: تمكين الكافر من العبد المسلم، أو المصحف الشريف؛ حيث إن المبغوض هو الانتقال تحت سلطة الكافر، فتكون المعاملة المنهيّ عنها فاسدةً([74]).

أمّا إذا تعلّق النّهي بآثار المعاملة، كما ورد في الحديث: «ثمن العَذَرة سُحْتٌ»([75])، أي إنّه مالٌ حرام، يحرم التصرُّف فيه، فيكون كاشفًا عن بطلان المعاملة؛ إذ لو كانت صحيحةً فلا معنى لحرمة التصرُّف بالثمن.

ج ـ التفصيل بين النّهي عن السبب أو المسبَّب، فلا تبطل المعاملة؛ وبين النهي عن آثار المسبّب، فإن النهي يقتضي البطلان. وأمّا وجه عدم بطلان المعاملة إذا كان النهي عن المسبَّب، بل يكون النهي دليلًا على صحّة المعاملة، فقد قال صاحب الكفاية: «حُكي عن أبي حنيفة والشيباني. وعن الفخر أنّه وافقهما في ذلك. والتحقيق أنّه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبَّب أو التسبيب؛ لاعتبار القدرة في متعلّق النهي، كالأمر، ولا يكاد يقدر عليهما إلّا فيما كانت المعاملة مؤثّرةً صحيحة»([76]). وتقريب ذلك أنّ متعلّق النّهي، كمتعلّق الأمر، لا بُدَّ أنْ يكون مَنْ توجَّه إليه الأمر قادرًا على الإتيان به؛ ليصدق أنّه امتثل أو خالف. وكذلك النّهي، لا بُدَّ أن يكون متعلَّقه مقدورًا عليه من المكلَّف؛ ليصدق أنّه اجتنب أو عصى. ولا يكون المسبَّب مقدورًا عليه إلّا إذا كان السبب نافذًا، والمعاملة صحيحةً، فالنّهي عن المسبَّب يستلزم نفوذ السبب، وصحّة المعاملة. عليه فبيع العبد المسلم أو المصحف الشريف للكافر يقع صحيحًا، إلّا أنّه لا يُمكَّن منهما، بل يُجْبَر على بيعهما. هذا كلُّه إذا كان الخطاب يتضمَّن نهيًا مولويًّا تحريميًّا. أمّا إذا النّهي إرشاديًّا كاشفًا على عدم حصولها ووقوعها فإنه يقتضي الفساد؛ لأنّه إرشادٌ إلى الفساد، كالنهي عن معاملة الصّبيّ والسَّفيه؛ وكذلك النهي عن بيع العبد الآبق. وهذه النواهي إرشادٌ لشروطٍ تُصحِّح المعاملة، فإذا لم تتوافر هذه الشروط، وهي: البلوغ والعقل والقدرة على تسليم المُثْمَن، فلا تقع المعاملة صحيحةً. يقع مثل ذلك في الخطابات الإرشاديّة المشتملة على أوامر؛ فإنّها لا تدلّ على الوجوب، وغاية ما تدلّ عليه هو الإرشاد إلى شرطيّة شيءٍ، كالأمر باستقبال القِبْلة حال الذَّبْح؛ فإنّ وجوب الاستقبال إنّما يدلّ على شرطيّة الاستقبال في حلِّية الذبيحة؛ أو الإخبار عن حكمٍ، كالإخبار عن النجاسة في قول الإمام: «اغسِلْ ثوبك من أبوال ما لا يُؤْكَل لحمه»([77])، ومن المعلوم عدم وجوب غسل الثوب، وإنّما المقصود الإخبار عن نجاسة الثوب.

خاتمة البحث: تقديم امتثال الأمر على اجتناب النهي

الثواب على امتثال الأمر أعظم من الثواب على ترك الحرام، والعقوبة على ترك الواجب أعظم من العقوبة على فعل الحرام؛ ففي قصّة إبليس وآدم(ع)، التي وردت في القرآن الكريم، أمرٌ ونهي؛ فالأمر توجَّه به الله تعالى إلى إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ([78])؛ أمّا النهي فكان موجَّهًا لآدم وزوجته(ع)، حيث قال: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ([79]). والنتيجة أن إبليس لم يمتثل أمر الله، وترك المأمور به، وهو الذي فعل المنهيّ عنه، وهو الأكل من الشجرة، فاستحقّ هبوط المنزلة. ولعلّ السّر في ذلك يعود إلى قوّة دلالة الأمر من العالي من جهةٍ، وأنّ مجابهة هذا الأمر لا تكون إلّا بالاستعلاء والكِبْر من جهةٍ أخرى، كما ورد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ([80])، لذا استحق أشدّ العقاب.

بينما اقتحام المنهيّ عنه من قِبَل آدم(ع) وزوجه فقد كان الباعث إليه المَيْل والرَّغبة.

فتحصَّل أنّ الغالب في ترك الأوامر هو الكِبْر والعزّة، والغالب في فعل المنهيّ عنه هو المَيْل والغريزة، لا الاستكبار والاستعلاء.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم.

1ـ ابن الحاجب (جمال الدين)، منتهى الوصول والأمل، مصر، مطبعة السعادة، ط1، (1326هـ).

2ـ ابن الناظم، شرح ألفيّة ابن مالك، بيروت، منشورات ناصر خسرو، بدون ذكر الطبعة.

3ـ ابن قُدامة (عبد الرحمن)، الشرح الكبير على متن المقنع.

4ـ ابن قُدامة (عبد الله)، روضة الناظر وجنّة المناظر، بيروت، دار الكتب العلميّة.

5ـ الآخوند (محمد كاظم)، كفاية الأصول، إيران، تحقيق مؤسّسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، ط1، (1409هـ).

6ـ الإسنوي، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت، دار الكتب العلميّة.

7ـ جمال الدين (مصطفى)، البحث النّحوي عند الأصوليّين، إيران، دار الهجرة.

8ـ الجواهري (حسن)، القواعد الأصولية، بيروت، العارف للمطبوعات، ط1، (2010م).

9ـ الجيزاني (محمد حسين بن حسن)، معالم الفقه عند أهل السنّة والجماعة، السعودية، دار الجوزي، ط2، (1998م).

10ـ الحُرّ العاملي (محمد بن الحسن)، وسائل الشيعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط6، (1412هـ ـ 1991م).

11ـ الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين، إيران، مطبعة مهرة، ط28، (1410هـ).

12ـ السيستاني (علي)، الرافد في علم الأصول، بيروت، دار المؤرِّخ العربي، ط1، 1994م.

13ـ السيوري (المقداد)، كنز العرفان في فقه القرآن، إيران، المكتبة المرتضوية، ط5، (1373هـ).

14ـ الصدر ( محمد باقر)، دروس في علم الأصول،  بيروت، دار المنتظر، ط1، (1405هـ ـ 1985م).

15ـ العضد، حاشية السعد على شرح مختصر ابن الحاجب.

16ـ الفيّاض (محمد إسحاق)، محاضرات في أصول الفقه، إيران، دار الهادي، ط3، 1410هـ.

17ـ المظفَّر (محمد  رضا)، أصول الفقه، بيروت، دار التعارف، ط4، (1983م).

18ـ المنتظري (محمد حسين)، نهاية الأصول، قم، دار الهاشمي، (1407هـ).

19ـ الهاشمي (محمود)، بحوث في علم الأصول (مباحث الدليل اللّفظي)، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، (1977م).

([1]) أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة – قسم اللغة العربيّة

([2]) ابن الناظم، شرح ألفيّة ابن مالك، بيروت، بدون ذكر الطبعة، منشورات ناصر خسرو، ص: 3.

([3]) الإسنوي، الإحكام في أصول الأحكام، ص: 1/18.

([4]) العضد، حاشية السعد على شرح مختصر ابن الحاجب، ص: 1/120.

([5]) ابن الحاجب، منتهى الوصول والأمل، ص12.

([6]) الهاشمي، بحوث في علم الأصول، ص: 1/231.

([7]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/14.

([8]) الجواهري (حسن)، القواعد الأصولية، بيروت، العارف للمطبوعات، ط1، (2010م)، ص: 1/36 ـ 37.

([9]) جمال الدين (مصطفى)، البحث النّحوي عند الأصوليّين، إيران، دار الهجرة، ص: 93.

([10]) السيستاني (علي)، الرافد في علم الأصول، بيروت، دار المؤرِّخ العربي، ط1، 1994، ص: 211 ـ 212.

([11]) «كتك» و«زدن» تعنيان الضرب؛ و«كردش» و«كرديدن» تعنيان الجولة للتسلية؛ و«أزمايش» و«أزمودن» تعنيان الاختبار. والمصدر في اللّغة الفارسية ينتهي عادةً بحرف النون.

([12]) الفيّاض، محاضرات في أصول الفقه، إيران، دار الهادي، 1410هـ، ط3، ص: 1/278.

([13]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/48.

([14]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 1/100 ـ 101.

([15]) سورة النور، الآية: 2.

([16]) سورة المائدة، الآية: 38.

([17]) سورة الروم، الآية:21.

([18]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط6، (1412هـ ـ 1991م)، ص: 18/16.

([19]) سورة البقرة، الآية: 67.

([20]) سورة النور، الآية: 63.

([21]) سورة يوسف، الآية: 63.

([22]) وسائل الشيعة، ص 2/17، أبواب السِّواك، باب3، ح4.

([23]) سورة الإسراء، الآية: 78.

([24]) سورة الحجّ، الآية: 29.

([25]) سورة المائدة، الآية: 105.

([26]) سورة محمّد، الآية: 3.

([27]) سورة الأنعام، الآية: 151.

([28]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/73.

([29]) سورة آل عمران، الآية: 133.

([30]) سورة البقرة، الآية: 148.

([31]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/74.

([32]) سورة آل عمران، الآية: 97.

([33]) السيوري (المقداد)، كنز العرفان في فقه القرآن، إيران، المكتبة المرتضوية، ط5، (1373هـ)، ص: 1/266.

([34]) سورة المائدة، الآية: 2.

([35]) سورة الجمعة، الآية: 10.

([36]) سورة التوبة، الآية: 5.

([37]) الفيّاض، المحاضرات في أصول الفقه، ص: 2/154ـ 155.

([38]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/84.

([39]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/77.

([40]) سورة طه، الآية: 132.

([41]) ابن قُدامة (عبد الله)، روضة الناظر وجنّة المناظر، ص: 2/96.

([42]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط6، (1412هـ ـ 1991م)، ص: 3/12.

([43]) الجيزاني (محمد حسين بن حسن)، معالم الفقه عند أهل السنّة والجماعة، السعودية، دار الجوزي، ط2، (1998م)، ص: 410.

([44]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/266.

([45]) المصدر السابق، ص: 1/263 ـ 264.

([46]) المصدر السابق، ص: 1/275.

([47]) المصدر نفسه.

([48]) سورة آل عمران، الآية: 97.

([49]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/261 ـ 262.

([50]) الآخوند، كفاية الأصول، ص: 1/127.

([51]) المصدر السابق، ص:1/126.

([52]) الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين، ص: 1/371، مسألة 17.

([53]) الصدر، دروس في علم الأصول، ص: 3/377.

([54]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 1/244.

([55]) سورة الحجّ، الآية: 14.

([56]) سورة يس، الآية: 82.

([57]) سورة النساء، الآية: 27.

([58]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/95.

([59]) سورة النازعات، الآية: 40.

([60]) سورة المجادلة، الآية: 8.

([61]) سورة النساء، الآية: 161.

([62]) الجواهري، القواعد الأصولية، ص: 2/19.

([63]) الهاشميّ، بحوث في علم الأصول، ص: 3/16.

([64]) المظفَّر، أصول الفقه، ص: 1/311.

([65]) المصدر السابق، ص: 1/312.

([66]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 7/383.

([67]) سورة النساء، الآية: 23.

([68]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 12/.126

([69]) المصدر السابق، ص: 12/87.

([70]) ابن قُدامة، الشرح الكبير على متن المقنع، ص: 3/318.

([71]) الجيزاني، معالم أصول الفقه عند أهل السنّة والجماعة، ص414 ـ 415.

([72]) سورة الجمعة، الآية: 9.

([73]) نهاية الأصول، ص: 287.

([74]) والمثال هنا مناقشٌ فيه؛ لأن العبودية انتهَتْ، وأما تمكين الكافر من المصحف فقد يكون واجبًا في زماننا هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾.

([75]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 12/126.

([76]) الآخوند، كفاية الأصول، ص: 189.

([77]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، ص: 2/1008.

([78]) سورة طه، الآية: 116.

([79]) سورة البقرة، الآية: 35.

([80]) سورة البقرة، الآية: 34.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.