الإعلامُ وجدليّةُ الاتصال والتواصلِ التّفاعلي

0

 

الإعلامُ وجدليّةُ الاتصال والتواصلِ التّفاعلي

د.علي رضا كركي1

(مقاربة تحليلية لإجابات أساتذة وطلاب الجامعة اللبنانية – الفرع الخامس)

د.علي رضا كركي*

 

تمهيد:

إن ما وصلت إليه المجتمعات العربيّة من تباعد وتشرذم يطرح وبشكل قوي، ضرورة الوقوف عند هذه الظاهرة لما تشكله من خطورة على البناء الاجتماعي وذلك من خلال تناولها بالدراسات والأبحاث بهدف فهمها وتفسيرها وتلافي مخاطرها، ولعلّ الإعلام والاتصال والتواصل والتفاعل يشكلون المفاتيح المهمة لأيّ هدف بحثيّ. لذا، كان قد وقع الاختيار على هذه المفاهيم  كأساس للبحث والدّراسة.

الإعلام : 

بدايةً، كان الإعلام عِبرَ الإشارة والكتابة التّصويريّة أو الرسوم، فضلاً عن الإشارات الصّوتيّة كالدّق على الطبول إبان الحرب، وكذلك كان الحمام الزاجل أداة إعلاميّة إخباريّة بالإضافة إلى إضرام النار، وتصاعد الدّخان للدّلالة على شيء ما، كالمضافات للمسافرين. وكان الإعلام أيضًا يأتي عبرَ نحت القوانين على الصّخور في عهد حمورابيّ، وكانت الدّعايات تُنقش على شكل رسوم أيام الفراعنة في المعابد وداخل الكهوف.

تغير الإعلام كثيرًا من حقبة إلى أخرى، فمن عصر العلامات والإشارات، إلى عصر التّخاطب واللغة، ومن عصر الكتابة إلى عصر الطباعة، ومن ثمَّ كان الانتقال إلى عصر المعلوماتية([1]).

لقد ظهرت الحروف الأبجدية المصرية الفرعونية في القرن الثالث والثلاثين قبل الميلاد وتجلّت في أربع وعشرين حرفًا. وقد عُدّت أنّها أقدمُ أبجديّة. كما ظهر القلم والورق والحبر والحروف في زمنهم، فمارس الفراعنة الصّحافة، وكتبوا منذ ما يقارب أربعة آلاف سنة على أوراق البردى. وأصدروا “جريدة القصر وكانت هزليّة في الأغلب، ودعائية نادرًا”([2]). كانت هذه الجريدة دورية تتناول أحيانًا قضايا الملوك والحكام، والغاية منها إلهاء الشعب، وإصدار الأوامر للحفاظ على ولاء الشّعب للحكام.

شاعت في العصر اليوناني الخطابة كما شاع النشاط الإعلاميّ، وقد تجسّد الإعلام في ذلك العصر في الخطابة السياسيّة والشّعر الحماسيّ كإلياذة هوميروس، وقد وضع في ذلك العصر أفلاطون كتاب الجمهورية الذي تضمن تعليمات لكلّ من الحكام والمحكومين، إذ يرى أفلاطون “أن الإعلام والتّعليم وسيلة مهمة لاستتباب الأمن والسّعادة”([3]).

وضع أرسطو، في العصر اليوناني كتابه بعنوان البلاغة، وقدّ عُدّ أول كتاب في دعاية الإغراء وهي الدّعاية القائمة على الحديث والخطابة. عمل أعلام العصر اليوناني أمثال جالينوس، وأرخميدس على التأثير في الجمهور من خلال التشكيك في عقائده وسلوكه، وذلك عن طريق الخطابة والدّعاية والإعلام وكتابة الشّعر. وقد عمل أنبياء الله على نشر الإعلام، والدّعاية في عمليات التبشير بالدّين الجديد، كالنّبيّ موسى والمسيح عيسى اللذين بشرا الناس عبر كتابيهما “التوراة والإنجيل”. وقامت مهمة التبشير على الإعلام، فكان المبشرون الأوائل خصوصًا المسيحيين، ينشطون بنشر تعاليم المحبة والسلام، كما الوعيد الذي ينتظره الناس إذا خالفوا تعاليم الدّين.

تطور الإعلام في العصر الرومانيّ أيام يوليوس قيصر، فأصدر الرومان صحيفة أسموها “الحوادث اليوميّة”، حيث تضمنت كثيرًا من الأخبار المختلفة خصوصًا السياسيّة والاقتصاديّة والفكاهيّة.

كانت الأسواق في العصر الجاهلي تعج بقضايا المبايعة والمزاوجة والمناقشة والإعلام، تفاخروا بالشعر، وحسبكم بعبقر ناقل الشّعر بسرعة البرق. فكان بيت الشعر الواحد يرفع قومًا أو يذلّ قومًا.

مع الإسلام أعطيت أهمية كبيرة لكُتّاب الحديث وناشري الدّعوة، وكان للكتابة مكانة كبيرة، وقد ارتبط تعليم الكتابة بحريّة الأسير، إذ يجب على كل واحد منهم أن يعلّم عشرة أميين الكتابة لكي يطلق سراحه.

ارتكز الدين على الدّعوة، وما الدعوة سوى نشر تعاليم الدّين الجديد من خلال الحملات الإعلاميّة التي قام بها المسلمون. وقد اشتدت الحملات الإعلاميّة بعد وفاة النبي(ص)، ما بين الأمراء والمناهضين حتى ذكر ابن خلدون “كانت أبواق الدولة العباسيّة تطعن بالنّسب الفاطميّ، ويؤولون أعمال الحاكم الحسنة تأويلاً سيئًّا”([4]).

اشتد أثر الإعلام، مع مرور الزمن في السياسة والاقتصاد، حتى قال نابليون هناك “أربع جرائد ترهبني أكثر من مئة ألف بندقية”([5]). اهتم نابليون بإصدار الصحف في بلاده، وفي البلاد التي احتلها، وذلك لتعزيز مواقفه، وحشد التأيّيد له ولحملاته الحربية. تاليًّا أصبح الإعلام في العصر الحديث جزءًا من حياة الناس، واستُخدم لأجل تقوية الرأي العام في احتضان الحكومة أو لتقديم حزب على آخر أو كوسيلة انتخابية أو تسويقية.

لقد اضطلع الإعلام بمهام تضليليّة عندما ركز الإعلام الغربيّ قبل نكبة فلسطين في العام 1948، على “أنّ فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض”([6]). وكذلك عندما ركز البريطانيون القول على إنّ قناة السويس شريان حيويّ للإمبراطوريّة البريطانيّة التي لا تغيب عنها الشّمس، فعدُّوا أنّ احتلالها يضيف جوهرة إلى التاج البريطانيّ.

لا تقتصر مهمة الإعلام على إيصال المعلومات أو تصحيحها وملء الفراغ والترفيه، بل تتعداها إلى التأثير في الأفكار والمعتقدات، وتشكيل التصورات واللعب على المخيلة الثقافية للشّعوب، والتّحكم بالسّوق والصناعة والتجارة والتقنية إنتاجًا وتسويقًا، وكذلك التنبؤ بالمستقبل (لقد زادت أرباح شركات غربيّة بشكل كبير عند استخدامها للإعلام كوسيلة تحقق الغاية، وذلك عندما ذكرت بعض الصّحف الغربيّة أن هذه الشّركات ستزيد أرباحها بشكل كبير في المستقبل المنظور، كالدّراسات التي تتنبأ بفوز أحد المرشحين للانتخابات، فذلك إشارة إلى النّاخبين بوجوب انتخابه، كونه فائزاً حكمًا).

أصبح الإعلام وسيلة تخدم مصالح مختلفة، وقد أصدر رؤساء تحرير الصّحف الآسيويّة بعد مؤتمرهم (المائدة المستديرة) ما يلي: “هناك دور مهم يتعين على وسائل الإعلام الاضطلاع به، وهو التّعجيل بالتّطور الاجتماعيّ والاقتصاديّ في آسيا، ذلك أنّ مشروعات التنميّة لا تنجح إلا بمشاركة الشّعوب، الأمر الذي يتحقق بمساعدة وسائل الإعلام، أيّ بمساعدة الصّحافة المطّلعة وبرامج الإذاعة والتلفزيون”([7]).

ولا يكون لوسائل الإعلام هذه القدرة، ما لم يتوفر لها التّمويل والدّعم الدّائمان. لقد حقق الإعلام في المنطقة العربيّة إنجازات كبيرة كمًّا ونوعًا خلال العقد المنصرم، فقد تعزز دور الفضائيات الخاصة كأداة إعلام أساسيّة في المنطقة، “إذ ارتفع عددها من مئة قناة في العام 2004 إلى 450 قناة في العام 2009 إلى 1100 قناة في العام 2012، 600 منها على الأقل مجانية”([8])، ويتابع هذه القنوات جمهور كبير من البلدان العربيّة، إذ وصل إلى “250 مليون مشاهد”([9]). وقد شهدت المنطقة “ارتفاعًا ملموسًا في عدد الصحف المستقلة”([10])، على الرّغم من إقفال عدد من الصّحف إلا أنّه ظهرت أشكال جديدة من المطبوعات، “فازداد عدد الصّحف في البلدان العربيّة من 144 (مئة وأربعٍ وأربعين) صحيفة في العام 2003، إلى 189 (مئة وتسع وثمانين) صحيفة في العام 2009”([11]).

هذا وقد شهدت المنطقة العربيّة ارتفاعًا في استخدام وسائل الإعلام الجديدة، ولا سيما في صفوف الشّباب. كما ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت بين عامي 2000 و2011 بنسبة 3458 بالمئة، “ليبلغ 107 ملايين مستخدم للإنترنت”([12]).

لقد تزايد عدد مستخدمي الإنترنت مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة الشّرق الأوسط، فقد شهدت صفحات الفايسبوك إقبالًا كبيرًا ما بين عامي 2010-2012، كذلك أطلق “تويتر” موقعًا باللغة العربيّة “في تشرين الأول من العام 2009”([13])، مؤديًا بذلك دورًا بارزًا في الحركات الشّعبيّة.

أمّا على الصّعيد النّوعيّ، فقد أشار تقرير التنميّة الإنسانيّة العربيّة للعام 2002 إلى هذا التّطور حين تطرق إلى الدّور المحتمل لوسائل الإعلام الجديد كبدائل عن وسائل الإعلام الرسميّ “التي يمكن أن تستخدمها المنظمات غير الحكوميّة لجمع الآراء وتنسيق الأنشطة وحشد التأييد”([14]).

فالجيل الصّاعد هو الأكثر إقبالاً على استخدام الإنترنت، وذلك بحسب الفرضيّة القائلة بتغير المرجعيات، فقد استبدل هذا الجيل مرجعيّة الكبار بمرجعيّة الشّبكة العنكبوتيّة، وقد أصبحت له اهتماماته وانشغالاته المرتبطة بشبكات الإنترنت، بينما لا يزال كبار السّن مهتمين بوسائل الإعلام التقليديّة كالتلفاز والصّحف اليوميّة. ومع تغير هذه المرجعيات أصبح للجيل الصّاعد عائلته ومرجعيته المتمركزة في العالم الافتراضيّ.

إذًا، استبدل الجيل الصّاعد عائلته الواقعيّة الصغيرة بعائلة عالمية متغيرة ومتغايرة كمًّا ونوعًا، وسكن بيتًا كونيًا، أعمدته خطوط الشبكة العنكبوتيّة.

أصبح كل فرد من أفراد هذا الجيل مراسلًا صحافيًّا من خلال تصويره ونقله للأحداث التي يشاهدها ثم بثِّها على مواقع الإنترنت. وبذلك صار المواطن الجديد شريكًا لوسائل الإعلام أكثر بكثير من أي وقت مضى.

أسهم التّطور في جعل الشّباب والجيل الجديد مالكين منصات إعلاميّة، وقد استطاعوا التحرر من قيود الملكية الخاصة للقنوات الإعلاميّة، فيمكن لأيّ شخص امتلاك موقع إلكترونيّ أو صفحة يشاهدها آلاف الناس، إلا أنّه وعلى الرّغم من ذلك تبقى إمكانيّة التغيير محدودة بسبب الهيمنة العالمية على مقدرات البلاد، وإن تطورت وسائل الإعلام والاتصال تبقى قاصرة عن كسر قاعدة الخطوط الحمر التي ترسمها الغرف الدّوليّة والمصالح الرّأسماليّة.

لم يُسهم الكمّ الكبير لوسائل الإعلام والاتصال في تغيير نمط الحكم في المنطقة أو تغيير الانصياع الشّعبيّ لحكومات بعض الدول، حيث تركز معظم قنوات البث الفضائيّ على البرامج العائلية والترفيهيّة من دون الاهتمام بقضايا التنمية، ومن دون الاهتمام بتمكين ثقافة حرية التعبير.

فالحكومات في دول العالم الثالث تسعى دائمًا إلى تقويض دور الإعلام وحريته، وزاد من ذلك قلة وسائل الإعلام المستقلة، والتي تخضع بدورها إلى قوانين خاصة، هدفها تعزيز الربحيّة وليس الهدف تعزيز الوعيّ والتّرقيّ المعرفيّ والسياسيّ.

أضف إلى ذلك، “تشير الإحصاءات إلى أنّ من بين القنوات الفضائيّة العربيّة التي بلغ عددها 450 قناة تقريبًا في 2009، عشر قنوات فحسب تُعد تعليميّة”([15]). ما يؤكد دور الإعلام على أنّه ربحي متناغم مع أجهزة الحكم المسيطرة في نطاقه.

أكدت هذه الأزمة “إعلان ميثاق الشّرف الإعلاميّ العربيّ في العام 2008 الذي اعتمدته الجامعة العربيّة، ووصفه تقرير التنمية الإنسانية العربيّة لعام 2009 على أنّه أداة قمع للمتنفَّس الذي توفره شبكة الإنترنت للقنوات الإعلاميّة المستقلة والخاصة”([16]). كانت ثورة الإعلام قد تحققت في القرن التاسع عشر، بينما في القرن العشرين ارتفع شأن الإعلام والتّقنيات، أمّا في القرن الواحد والعشرين فقد اتضح أنّه ” قرن التعّايش”([17]). وهذا التّعايش على ما يبدو قسريّ، وقد عولم كلّ شيء من مأكل، ومشرب وملبس وعادات وتقاليد، وعلى الجمهور القبول أو الرّفض، فالوسائط الإعلاميّة تنشر كل ما يتعلق بشؤون الحياة، وعلى مستوى الكون غير آبهة بخصائص الشّعوب وسمات الجمهور. وهنا، تواجه الشّعوب عقدة الانفتاح والتّعايش، وهي تجربة في بداياتها الأولى، والتي سوف تكون محل جذب لكثير من الدّراسات، والأبحاث لمعرفة مدى قدرة الجماعات على الاحتفاظ بثقافتها، أو التفلت منها وفي الغالب سيكون التّغير الثقافيّ والسّلوكي عنوانًا للدّراسات الآتية. ومنطلقًا للإجابة عن السّؤال الكبير الذي يطرح نفسه، هل استطاع الإعلام العالمي من اختراق منظومة قيم الجماعات؟؟

  • وهل استطاع الإعلام العالمي إنتاج علاقة تفاعلية مع الجمهور المختلف والمتغاير؟؟

لا يمكن الإجابة عن السؤال الأول، إلا أنّه يمكن الإجابة عن السّؤال الثانيّ. لقد استطاع الإعلام العالمي بقدراته المالية والتقنية خرق المجتمعات العربيّة، لا سيما في حقبة ما يسمى بالربيع العربيّ، فحدث ما حدث، لكن لا يمكن بوصف ذلك تواصلًا تفاعليًّا، لأنّ الأحداث التي شهدتها المنطقة بقيت من دون أفق، ومن دون مستقبل. لقد أكد الإعلام نفسه في هذه المرحلة أنه مصنع الفوضى الخلاّقة، والفوضى المنظمة، لقد استطاع الإعلام أن يقنع جماعات بضرورة التغيير والتّجديد والتطوير، لكن لم يلحظ مرة واحدة حاجة هذه الجماعات للتعليم والمعرفة، حيث هما القاعدتان الأساسيتان لكل تغيير وتطوير.

يؤمّن الإعلام ثلاثة أنواع من المعلومات:

  • المعلومة – النبأ، المرتبطة بالصّحافة المقروءة أو المسموعة.
  • المعلومة – الخدمة، المنتشرة على نطاق واسع، لا سيما مع ظهور الإنترنت.
  • المعلومة – المعرفة، المرتبطة بازدهار بنوك المعلومات وقواعد البيانات.

التّواصل

يمكن التواصل أيضًا ضمن ثلاث فئات، غالبًا ما تكون متداخلة ومتغيرة بحسب أولوية القائمين بالتواصل.

  • يمكن تقاسم ما هو مشترك ضمن آلية التواصل التقاسم، أن يأخذ كل متصل دوره ومركزه ويعلم بدور الآخر ومركزه، فكلا المتواصلين يعلمان بوضعية بعضهما بعضاً وعلى أساس ذلك يكون التواصل.
  • التبادل وهو تبادل الرسائل أو المعلومات لتحقيق هدف معين.
  • الإقناع القائم على مبدأ التفاوض والمحاججة.

وهكذا، يحصل التواصل التفاعليّ بعد معرفة كل من المتواصلين وضعيّة الآخر، ويتبادلان مادة التواصل بهدف تحقيق الإقناع، والوصول إلى نتاجات تفاعليّة.

التفاعل الاجتماعي

عدَّ غي روشيه الرابطة بين شخصين رابطة علائقية تفاعليّة و”أنها العلاقة بينهما أو أكثر تحديدًا هي التفاعل الذي ينتج عن علاقتهما”([18]). فالتفاعل عمليّة بنائيّة ومتواصلة، إنّ بنية معرفة الآخر تمتد وتستمر في بنية الفعل معه، ويرى روشيه أنّ الفعل مع الآخر ليس ثمرة من ثمرات المصادفة، أكثر من معرفة الآخر. فالتفاعل إذًا، يقوم على معرفة الآخر والتواصل الفعليّ معه، ويخضع بدوره لأنماط من التنظيم أو البنائيّة. إنّ بداية أي علاقة تنشأ ما بين شخصين تكون بداية لمعرفة كل منهما للآخر، وبالتالي التفاعل والتكيف. وكلّما أدرك كل واحدِ منهما الآخر تعمق التفاعل والتكيف بينهما.  وهذه العلاقة التفاعلية لا تكون إلا من خلال الاتصال المباشر، إذ لا يمكن لأيّ عملية اتصال عن بُعد أن تؤدي إلى بناء علاقة تفاعليّة بين شخصين. أمّا بالنسبة إلى منهجيّة البحث فقد اعتُمد في البحث المنحى التحليليّ من خلال استقراء آراء مجموعة من الأساتذة والطلاب في الجامعة اللبنانية – الفرع الخامس – صيدا، وتحليل هذه الآراء وفق مقاربة سوسيولوجية لكلِّ من الإعلام ووسائطه والتّفاعل الاجتماعيّ وآلياته، وكانت الاستمارة أساسيّة في جمع المعطيات، فقد أُجريت الاستمارة مع خمسين أستاذًا في الجامعة اللبنانية- الفرع الخامس بمختلف كلياتها، والأساتذة هم من الحائزين على شهادة الدكتوراه ويمارسون التعليم في الجامعة. أمّا الطلاب، فهم جميعًا من طلاب السّنة الأولى في الجامعة اللبنانيّة من مختلف الاختصاصات، وقد أجريت مئة استمارة معهم داخل قاعات الدّراسة. بالنسبة إلى الغاية التيعلى أساسها قد حصل فيها تعبئة الاستمارة من أجلها، فهي استبيان آراء مجموعتين من المتعلمين، مع إظهار الفارق التعليميّ وفارق الخبرة ما بين طلاب السنة الأولى وأساتذة يمارسون التعليم، وذلك بهدف معرفة مدى فعالية وسائط الاتصال الحديثة في عملية التّفاعل الاجتماعيّ لدى الفئات المتعلمة، بالإضافة إلى معرفة اتجاهاتهم واهتماماتهم بالإعلام المرئي والمقروء. لما كان الاتصال في السابق واقع مباشر، وقد تغيّر هذا الواقع مع التطور والتقدم الحاصل، فقد كان يحصل في السابق بين الذين يعرفون بعضهم أو بين الذين يبدأون بالتّعارف، في حين أصبح الاتصال اليوم ممكنًا بين الجميع. لذا، تتركز إشكاليّة البحث في محاولة توضيح مفهوم الاتصال من خلال مقاربته مع مفهومَي التّواصل والتفاعل، أيّ التّواصل التّفاعليّ.

عليه، تنبنيّ فرضية البحث على نحو المقارنة بين جيلين مختلفين لجهة العمر ولجهة المستوى التّعليميّ؛ تختلف نوعيّة الاتصال عبر شبكات الإنترنت بين جيل الطلاب الذي يمثّل فئة الشّباب، وجيل الأساتذة الذي يمثّل فئة عمرية تختلف علميًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا عن سابقتها؛ يؤثر الاتصال في التلامذة لجهة بناء العلاقات الإفتراضيّة، واعتماد مرجعيات ثقافيّة واجتماعيّة افتراضيّة أيضًا، وهي غير معهودة لدى الأساتذة الذين يتمسكون – وعلى الرّغم من استخدامهم لهذه الشّبكات – بعادات مجتمعهم وتقاليده. وبالتالي سيقود استخدام تقنيات الاتصال والإعلام من قبل الجيل الجديد إلى بناء مجتمع يقوم على استدماج قِيم غريبة نتاج كل ما هو افتراضيّ، وعليه تتشكل العلاقات الاجتماعيّة الجديدة وسط صراع حاد بين جيلين على نحو يهدد بنية المجتمع ويهدد التماسك والتعاضد الاجتماعيين.

أمّا بالنسبة إلى المعطيات الحقليّة المستقاة من إجابات الأساتذة والطلاب، فهي كالآتي:

الجدول رقم (1) البرامج التلفزيونية التي يشاهدها الأساتذة والطلاب

نعم أو لا

إذا نعم، حدد نوع البرامج

أساتذة النسبة طلاب النسبة
نعم لا نعم لا نعم لا نعم لا
ترفيهية وثقافية 19 5 38% 10% 58 7 58% 7%
سياسية وثقافية 12 24% 23 23%
كل البرامج 14 28% 12 12%
المجموع 45 5 90% 10% 93 7 93% 7%
50 100% 100 100%

تظهر معطيات الجدول رقم (1) توزيع الأساتذة والطلاب الذين يشاهدون التلفاز على البرامج المحددة في الجدول المذكور، حيث تبين ما نسبته 38% من الأساتذة يشاهدون البرامج التّرفيهيّة والثقافيّة، و24% يشاهدون البرامج السياسيّة والثقافيّة، و28% منهم يشاهدون كلّ البرامج، بينما نجد أن نسبة الطلاب الذين يشاهدون البرامج التّرفيهيّة والثقافيّة، قد بلغت 58%، و23% منهم يشاهدون برامج سياسيّة وثقافيّة، و12% يشاهدون كل البرامج. عليه، يتبين اهتمام الطلاب بشكل لافت بالبرامج الترفيهيّة والثقافيّة، وكذلك الأساتذة، إنّما بنسبة أقل من نسبة الطلاب. تدل النّسب المتفاوتة على وجود أهداف مشتتة، حيث لم يجمع أيّ من الأساتذة أو الطلاب على مشاهدة معينة، فكانت إجاباتهم موزعة على مختلف البرامج، ولعل ذلك يدل على مرحلة انتقاليّة لم تتبلور بعد. وكذلك تدل النّسب المبينة أعلاه إلى أن نسبة الذين يشاهدون التلفاز سواء أكانوا أساتذة أو طلابًا لا تزال عالية على الرّغم من تطور وسائل المعرفة والاتصال المتوفرة في الشّبكة العنكبوتيّة، ويؤشر ذلك إلى الدور الفاعل الذي لا تزال تؤديه أجهزة المرئيّ والمسموع.

الجدول رقم (2) قراءة الصحف وأنواع القراءة

قراءة الصحف

إذا نعم، حدد نوع القراءة

أساتذة النسبة طلاب النسبة
نعم لا نعم لا نعم لا نعم لا
سياسية 25 15 50% 30% 16 56 16% 56%
سياسية وفنية 3 6% 27 27%
كل الأخبار 7 14% 1 1%
المجموع 35 15 70% 30% 44 56 44% 56%
50 100% 100 100%

 

تشير معطيات الجدول رقم (2) إلى أن 70% من الأساتذة مهتمون بقراءة الأخبار السياسيّة والفنية المختلفة، إلاّ أنّ الأخبار السياسيّة قد نالت الاهتمام الأكبر، حيث بلغت نسبتها 50%، واللافت للنظر وجود نسبة مهمة من الأساتذة الذين لا يقرأون الصحف وقد بلغت 30%.

بينما نجد في المقلب الثاني 56% من الطلاب لا يهتمون بقراءة الصحف، و44% منهم يهتمون بالأخبار، وقد نالت الأخبار السياسية نسبة 16% من قراءاتهم والأخبار الفنيّة نسبة 27%، تؤشر النسب إلى تغيّر واضح لدى الفئات المتعلمة لا سيما الطلاب، ففي السّابق كانت كل الحركات والتحركات المطلبية طلابية بامتياز، فلم يظهر اهتمام الطلاب بالأخبار السياسية مؤشرًا على تاريخهم بالعمل السياسيّ. لذا، يأتي ذلك في اطار تبلور دور جديد للطلاب وللحركات الشّبابيّة التي بدورها لم يعد الشأن السياسي همًّا يوميًّا لها، فقد أضحت مظاهر الحياة الجديدة أكثر جذبًا لها، الأمر الذي يدّل على استدماج لعادات وقيم غير واضحة، لكنها بالتأكيد هي ليست وليدة البيئة والمجال الثقافيين، ومن هنا نرى بداية تمظهر لمجتمع جديد أقرب إلى التفكك منه إلى التكاتف والتعاضد وذلك بالإشارة إلى فرضية البحث.

وتظهر معطيات الجدول ابتعادًا ملحوظًا من قبل الأساتذة والطلاب عن قراءة الصُحف، ولعل ذلك يعود إلى التّغير الطارئ في أشكال نشر الخبر، فقد أصبح هناك الكثير من المواقع الإلكترونية المهتمة بنشر مختلف الأخبار، وقد يكون ذلك أيضًا سببًا من الأسباب التي دفعت 30% من الأساتذة إلى الإحجام عن قراءة الصحف، وهو مؤشر يقلل نسبة الفرق بين الجيلين ويؤكد اهتمام الجميع بالوسائط الحديثة.

قد يعود الإحجام عن قراءة الصحف اليومية إلى التفلت من القيد اليومي لهذه الصحف، ومن نمطية الأخبار واتجاهاتها، حيث لكل وسيلة إعلامية سياستها الإعلامية وجمهورها.

الجدول رقم (3) استخدام الإنترنت ونوع الاستخدام

استخدام الإنترنت

نوع الاستخدام

أساتذة النسبة طلاب النسبة
نعم لا نعم لا نعم لا نعم لا
لأغراض ترفيهية 6 2 12% 4% 16 2 16% 2%
لأغراض علمية 27 54% 29 29%
الإثنان معاً 15 30% 53 53%
المجموع 48 2 96% 4% 98 2 98% 2%
50 100% 100 100%

تظهر معطيات الجدول رقم (3) شبه إجماع على استخدام الإنترنت، حيث توزعت الاهتمامات على الأغراض التّرفيهيّة والعلميّة، فنالت الترفيهيّة من اهتمام الأساتذة 12% و16% من اهتمام الطلاب، ونالت العلمية 54% من اهتمام الأساتذة و29% من اهتمام الطلاب.

كما تظهر نسب الجدول أعلاه الاهتمام الكبير باستخدام الإنترنت من قبل الأساتذة  والطلاب. واللافت أن كلا الطرفين لم يظهرا اهتمامًا باستخدام الإنترنت لأغراض سياسيّة أو لمتابعة الأخبار وما شابه، ما يؤشر إلى ابتعاد ملحوظ عن متابعة التطورات والأحداث السياسيّة عبر شبكات الإنترنت وذلك ينفي الفرض الذي ورد في تحليل الجدول رقم (2)، لجهة احتمال أن شبه احجام الأساتذة والطلاب عن قراءة الصحف إنما يعود لاهتمامهم بقراءة الأخبار عبر مواقع الأنترنت. وذلك يؤكد معطيات الجدول رقم (2) التي أظهرت ابتعادًا ملحوظًا من قبل الأساتذة والطلاب عن قراءة الصحف، وهي بالتالي، وبحسب معطيات الجدول رقم (3) لا تتابع نشرات الأخبار عبر الوسائط الحديثة، الأمر الذي يدل على ضعف التّواصل والتفاعل ما بين الإعلام الشّبكيّ والجمهور، وهو أمر غريب وطارئ على مجتمعنا، حيث كانت الحركات السياسيّة والثوريّة اليساريّة منها واليمينيّة تعتمد وبشكل كبير على الفئات المتعلمة، وقد أصبحنا اليوم بصدد ظاهرة جديدة جديرة بالاهتمام والدّرس وهي ابتعاد الفئات المتعلمة عن الشأن السياسيّ والمطلبيّ، الأمر الذي يؤشر بالإيجاب إلى فرضيّة البحث التي تمركزت حول العلاقات الاجتماعيّة الجديدة التي بدورها ستؤدي إلى بناء مستقبل غير واضح المعالم لجهة اللحمة الاجتماعيّة، ولكن اللافت هنا ظهور شبه توافق بين الطلاب والأساتذة بحيث لم تظهر معالم الصراع لجهة الاهتمام بالشأن العام. وعليه وبناء على تحليل آراء الفئة المستهدفة تتبلور صور جديدة لبداية استبطان، واستدماج لعادات وقيم جديدة قد يكون الدليل عليها التفكك الأسريّ الحاصل وكثرة حالات الطلاق وهشاشة العلاقات الاجتماعيّة التي يرتبط بها شباب اليوم والتي تأتي بمجملها افتراضية، بحيث يقضي شباب اليوم جلّ وقتهم على شبكات الإنترنت، في حين كان الشّباب في السابق يهتمون بالصداقة الفعليّة والصحبة والزمالة، وقضاء الأوقات في الأماكن العامة ونقاش موضوعات الشأن العام وأمور أخرى ذات صلة.

الجدول رقم (4) آلية التواصل مع الأصدقاء

آلية التواصل  مع الأصدقاء أساتذة النسبة طلاب النسبة
لقاءات شخصية 15 30% 20 20%
عبر وسائط الاتصال الحديثة 10 20% 27 27%
الإثنان معاً 25 50% 53 53%
المجموع 50 100% 100 100%

تبيّن معطيات الجدول رقم (4) آلية التواصل مع الأصدقاء، وقد ظهر أن أغلبية الأساتذة والطلاب إنّما يعتمدون على اللقاءات الشّخصية ووسائط الاتصال الحديثة في عملية التواصل الاجتماعيّ. ولما كانت آليات التواصل في السابق تحصل عبر اللقاءات الشّخصية أو بعض المراسلات، فقد أصبحت في الوقت الحاضر تذهب باتجاهٍ يماشي الحداثة والتطور، إذ أصبح لوسائط الاتصال دور مهم في عملية التواصل، وقد يأتي ذلك في إطار بداية تمظهر لأنماط جديدة من العلاقات الاجتماعيّة، ما يؤذن للتغيّر الاجتماعي ولفوضى منتظرة في علاقات الارتباط، وهو ما ستؤول إليه الحياة الاجتماعيّة بعد استفحال استخدام تقنيات الحداثة في مسار اللّهو وبعد عملية التثاقف  السلبي مع العالم الخارجي.

الجدول رقم (5) آلية التواصل مع الأقارب

آلية التواصل  مع الأقارب أساتذة النسبة طلاب النسبة
زيارات خاصة 26 52% 49 49%
عبر وسائط الاتصال الحديثة 11 22% 19 19%
الإثنان معاً 13 26% 32 32%
المجموع 50 100% 100 100%

تبيّن معطيات الجدول رقم (5) أهميّة وسائط الاتصال الحديثة في عملية التواصل مع الأقارب، إلا أنّ ذلك لم يؤثر في استمرار الزيارات الخاصة للأقارب، إذ لا تزال الزّيارات الخاصة في المرتبة الأولى، فقد نالت عند الأساتذة نسبة 52% وعند الطلاب 49%، مع بروز دور مهم لوسائط الاتصال الحديثة في عملية التواصل. ويعود الدّور المهم إلى استخدام هذه الوسائط إلى المعرفة المسبقة، وإلى العلاقة الإنسانيّة التي تربط ما بين الأساتذة وأصدقائهم وأقاربهم، وما بين الطلاب وأصدقائهم وأقاربهم، وذلك يكون مثل تأكيد على أن التفاعل وآلياته لا يزالان محل اهتمام ومن الممكن أيضًا أنّنا بصدد مرحلة انتقاليّة لم تتبلور معالمها بعد وذلك يرجع للانقسام الواضح ما بين التفاعل والاتصال، أيّ ما بين الواقع والوهم.

الجدول رقم (6) كفاية وسائط الاتصال الحديثة في عملية التفاعل الاجتماعي

هل تعتبر أن وسائط الاتصال الحديثة كافية في عملية التواصل أساتذة النسبة طلاب النسبة
نعم 7 14% 9 9%
لا 43 86% 91 91%
المجموع 50 100% 100 100%

بحسب معطيات الجدول رقم (6) فقد عَدّت غالبية الأساتذة والطلاب أن وسائط الاتصال الحديثة غير كافية في عملية التواصل الاجتماعيّ، ما يؤكد أن التفاعل الاجتماعيّ لا يكون إلا من خلال اللقاءات المباشرة، وذلك ما يلحظ الفرق ما بين الاتصال والتفاعل، فالاتصال علاقة محددة بزمان وآلة، بينما التفاعل يكون من خلال علاقة غير مقيدة بآلة أو مادة، إنما يكون من خلال علاقة إنسانيّة تسبقها معرفة متبادلة.

أمّا بالنسبة إلى الذين وجدوا في وسائط الاتصال الحديثة آلية كافية للتواصل، فقد عدوا أن هذه الوسائط تختصر الوقت والمسافات معًا، وهي وسيلة عصرية لا بد منها.

بالنسبة إلى الذين عدُّوا أن وسائط الاتصال الحديثة غير كافية في عملية التواصل، فقد ركزوا على أنّ التفاعل مع الآخرين لا يكون من خلال آلة، إنّما من خلال المعرفة المتبادلة، تلك التي تمكن من حل القضايا والمشكلات العالقة، الأمر الذي ينفي الفرض الذي يطال كيفية بناء العلاقات لدى الطلاب، كما يؤكد الفرضية القائلة أنّ الفئات المتعلمة المتمثّلة بالأساتذة لا تزال تتمسك بعادات مجتمعها وتقاليده. ويؤشر ذلك إلى ضيق مساحة الاختلاف بين الأساتذة والطلاب، كما يؤشر أيضاً إلى وجود دخيل جديد إلى حياتنا الاجتماعيّة.

إن إجابات كل من الأساتذة والطلاب تؤكد أنّ العلاقات الإنسانيّة التفاعليّة لا تكون إلا من خلال المعرفة واللقاءات المباشرة، تلك الممكنة لحل ما هو شائك في إطار تعاوني بين المتواصلين المتفاعلين. وعليه تكون وسائط الاتصال الحديثة إخبارية أو وسيلة تبادلية بينية يمرر من خلالها التحيات والأخبار وتحدد عبرها المواعيد.

الحصيلة

بناءً على ما ورد، وبما أن وظيفة الإعلام بث الرسالة وإيصالها إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور، فإنه لا يمكن تقييد الإعلام بمبدأ التواصل أو التفاعل، فلكل من الإعلام والتواصل مرتكزاته وأهدافه، والإعلام لا يقوم على مبدأ الإقناع المتبادل، فهو يرسل الرسالة ويهمه إقناع الآخر لكنه لا يقوم على أساس استقبال حجج الآخر والتفاوض معه في سبيل الإقناع أو الإقتناع.

إذًا، فالإعلام له منطلقاته وأهدافه التي لا تلتقي مع مبدأ التواصل التفاعليّ. وأيضًا لا يستقبل الجمهور رسائل الإعلام فحسب، بل قد يقوم برفض هذه الرسائل ورفض محتواها. وهنا تكون وظيفة الإعلام مقيدة بعقلية الجمهور وقيمه، فللأخير الحقّ في استقبال الرّسالة والاقتناع بها أو رفضها كليًّا. وبذلك تقتصر العلاقة بين الإعلام والجمهور بعلاقة أحاديّة المرسل، حيث الجمهور متلقٍ في الغالب.

عندما يرفض الجمهور رسائل الإعلام، فإنه يتحول بذلك من دور المتلقي إلى دور الفاعل، فالإعلام يرسل إلى جمهور مختلف وغير منضبط بمنظومة قيم واحدة، ولا يتحدث لغة واحدة، وهكذا، يجد الإعلام صعوبة في جعل رسالته عالمية، وأن تكون على مستوى وعيّ الجماهير المختلفة وثقافتها.

الإعلام إذًا؛ خلاف التواصل، بل التواصل أعقد من الإعلام لأسباب عديدة.

يواجه الإعلام مسألة الآخر، أي مسألة العلاقة مع الآخر، حيث المُرسل لا يكون على صلة بالمرسَل إليه، وهو لا يعرفه ولا يعرف قيمه واتجاهاته، في حين لا تشكل مسألة الآخر مشكلة في التواصل، فلا تواصل من دون معرفة، أيّ لا تواصل من دون علاقة، فالتواصل يقوم بشكل أساسي على العلاقة بين المرسِل والمتلقي. ومن الأسس الخلافيّة بين الإعلام والتواصل أن الإعلام يقوم على كمٍّ كبير من التقنيات، في حين لا يتطلب التواصل كل هذا الكمّ، إذ يستطيع زعيم ما من خلال مبدأ التقاسم، أيّ من خلال معرفته ومعرفة مركزه، ومكانته أن يتفاعل مع أكبر قدر ممكن من المتلقين عبر معلومة واحدة يتبادلها مع عدد قليل من المريدين له.

هنا تكمن قوة الجماعة المنطويّة على نفسها، والتي تتفاعل مع بعضها بوسائل خاصة بها لتمكين قوتها، ومكانتها بالإضافة إلى منع أي كان من اختراق حدودها. وهكذا، “فإنّ الإعلام معني بالرّسالة، أما التواصل فمعني بالعلاقة، وهذه مسألة أكثر تعقيداً”([19]). ولا يكون لوسائل الإعلام القدرات التأثيريّة من دون تمويل مناسب ومستمر.

إنّ التحدي واضح في عالم مشبع بالإعلام والتقنيات، ويفتقر إلى كثرة التواصل والتفاعل بين الجماهير المتخالفة، إذًا، كيف هو السّبيل لمقاربة الإعلام والتّواصل على نحو يخدم العيش والسّلام والحرّيّة وحقوق الإنسان وذلك على الرّغم من الاختلافات والغيريّات التي أصبحت كلها مرئية؟ كيف للجمهور أن يتواصل مع آخر ويتفاعل معه في ظل حقوق مسلوبة وأراض محتلة وأنظمة جائرة وحرية ممنوعة؟ كيف للجمهور أن يتواصل وهو ممنوع من الفيزا؟ كيف للجماهير أن تتواصل ولا تزال الحدود مقيدة بمنظومة دفاع معقدة؟ نعم يسمح للإعلام أن يبث رسائل كونيّة ولا يسمح للتواصل أن يكون كونيًّا، فالإعلام العالميّ الجديد يطبق على فضاء الجماهير كلها، يملك حرية البث، ومنع بث مناهض، بالتّوازي مع السياسات الجديدة وآحاديّة الحكم والسيطرة، وعليه يجدد الإعلام دوره الذي أنشئ لأجله وهو بث رسائل الحكم من دون قدرة على تحقيق التواصل والتفاعل.

يشهد القرن الحادي والعشرون انتشارًا واسعًا للإعلام ووسائطه، كما يشهد استعمالًا منقطع النّظير لمختلف تقنيات الاتصال. ولا يؤشر ذلك إلى تفوق أدب الرّسالة على آليات العلاقة، فالملاحظ أنّ هناك ثورة كبيرة في شروط القبول أو الرّفض من قبل ملايين المتلقين المتباينين، الذين لا يكونون على خط تواصل مع المرسِلين. فالمتلقيّ هو هدف الرسالة الإعلاميّة. وعند وصولها فإنّ عبورها للقارات يتوقف على انتظار قبولها أو رفضها. وعلى الرّغم من تطور الإعلام وتقنياته، فإنه لا يزال مقيدًا بأهدافه الأولى والتي لا تتخطى الرسالة، ولا ترقى إلى مستوى العلاقة القائمة على التفاوض والإقناع وفهم الآخر، وهكذا، تتوضح المسافة بين الإعلام وأهدافه وأدبياته، وبين التواصل ومنطلقاته وغاياته.

إنّ كثافة المعطيات وتنوع المتلقين يجعلان من التواصل نظرية متقدمة، فلا زيادة المعلومات المبثوثة ولا سرعة انتقالها يؤديان إلى زيادة في التواصل والتفاهم البيني. فالمتلقون أو الجمهور أو الشعوب يقاومون المعلومات والأخبار التي تزعجهم، ويبتغون تقديم ما لديهم من رؤى وتطلعات، إذ لم يلتفت الإعلام إلى حقيقة الجمهور وأحلامه وطموحاته. “إن جمهور القرن الحادي والعشرين يشاهد نفسه أكثر من أي جمهور آخر على مر التاريخ، فهو يرى نفسه في استطلاعات الرأي الخاصة بالقضايا العامة، وفي البرامج الإذاعيّة أو التلفزيونيّة التي تعرض بثًّا حيًّا، حيث يقوم المشاهدون بالاتصال بهذه البرامج، لإبداء الرأي أو الإجابة عن أسئلة، وفي مناقشات الجمهور الذي يحضر إلى الاستديوهات للمشاركة، وفي الأعمال الدّراميّة الواقعيّة المسلسلة. فالجمهور يرى نفسه في كل ما سبق، ولكنه لا يمكنه التحكم في صورته”([20]). ودائمًا ما يُستخدم الجمهور من قبل الإعلام، ففي مختلف المناسبات يستعان به لإنجاح الأهداف الإعلاميّة والدّعائيّة، وإن لم يُستخدم بشكل مباشر، فإنّ الرّسائل الموجهة إليه تكون غير متجانسة مع حاجاته وتطلعاته وأحلامه، بل في سبيل تحقيق غايات متنفذين أو سياسيين أو اقتصاديين، ليعود الإعلام مكررًا نفسه ومنطلقاته وأهدافه منذ زمن الفراعنة حتى يومنا هذا.

وعليه نضع بين أيديكم التساؤلات الآتية:

  • هل استطاع الإعلام مع ما يملكه من قدرات وتقنيات تذليل عقبات التواصل بين الشعوب؟
  • هل استطاع الإعلام وفي عصر التطور والحداثة إنتاج علاقة تفاوضيّة إقناعيّة بينه وبين الجماهير المتباينة؟
  • هل استطاع الإعلام وبرسالة واحدة احترام قيم الجماعات أو الجماهير المختلفة والمتباينة؟
  • هل تغير دور الإعلام من مرسِل فقط إلى مرسِل ومتلقٍ؟
  • هل استطاع الإعلام إنتاج جمهور خاص به، أيّ جمهور لا يستطيع العيش من دون إعلام؟

إلا أنّ الواقع يدحض أدبيات إرسال الرّسائل، ويؤكد أنّ أيّ جمهور لا يستطيع العيش من دون تواصل وفي الوقت نفسه يستطيع الاستمرار من دون إعلام.

فللتواصل نزعته الإنسانيّة، وللإعلام نزعته التقنيّة البحتة. إنّ القرية الكونيّة حقيقة تقنيّة ولكنها ليست اجتماعيّة ولا ثقافيّة ولا سياسيّة ولا مجتمعيّة. وإذا ما أردنا البحث في التقنيات التي تسمى بوسائل الاتصال الاجتماعيّ، فإنّنا نجد أنّها مجرد تقنيات تربط الفرد ككائن ماديّ بالعالم أجمع، وهي ليست وسائل تواصل، كما هي ليست وسائل اتصال اجتماعيّ.

إنّ ما نشهده من كثافة تقنيات وتطبيقات هي في الواقع غير موضوعة لخدمة الإنسان، وليست مجانية. العالم الذي نعيشه لم يشهد خدمة واحدة بالمجان، والفرد يدفع ثمن الشبكة العنكبوتية، فضلاً عن دفعه تاريخه ومستقبله من خلال انكشافه للغرف التي تدير هذه التقنيات وهذه التطبيقات.

يمكنك بسهولة أن تعرف أن فلانًا موجود On line أو أنّه غائب منذ وقت محدد بالضبط عن الارتباط بالشّبكة العنكبوتيّة Last seen، فإذا كان يمكن معرفة ذلك من قبل النّاس كافة، فهذا يعني أنّ كل أسرارنا وأعمالنا مشكوفة لواضعي هذه التطبيقات. إنّنا في الواقع شعوب مكشوفة، وبدأنا نخسر منظومة الحماية من خلال اهتمامنا واشتغالنا الكبيرين بكل جديد من دون النظر إلى واقعنا وحاجاتنا، أو العمل على تمتين ثقافتنا من الغزو الغربيّ وحمايتها من الشّلل، ما جعل من شعوبنا دمية بيد الدّول أصحاب المصالح، وما يشهده عالمنا العربيّ اليوم خير دليل على ذلك.

في الحصيلة المعرفيّة، فإن الإعلام الحديث لا يستطيع أن يؤسس لتواصل أو لعلاقة تفاعليّة مع الجمهور وسط كثرة الاتجاهات والميول والمصالح والتناقضات الموجودة في مجتمعنا، الأمر الذي يطرح إشكاليّة جديدة حول كيفيّة بناء علاقة تفاعلية مع الجمهور،  وما هي آليات بناء هذه العلاقة في العصر الحديث؟ لا سيما مع لحاظ موقف شبه موحد تجاه الإعلام وتقنياته من قبل الفئات المستهدفة، والتي عبّرت بشكل واضح عن الرأي العام.

ومن الأهميّة بمكان الإشارة إلى بداية تمظهر مجتمع جديد مختلف لجهة منظومة قيمه وعاداته وتقاليده، وهو مجتمع التباعد لا التقارب ومجتمع الفرقة لا اللحمة وهذا ما يجب أن يكون موضوعًا للدراسات والأبحاث المستقبليّة.

المصادر والمراجع

  1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربيّة للعام 2002، خلق الفرص للأجيال القادمة، نيويورك 2002.
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربيّة للعام 2003، نحو إقامة مجتمع المعرفة، نيويورك 2003.
  3. دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلاً، دار الفارابي، بيروت، 2012.
  4. ستيفن كولمان – كارين روس: الإعلام والجمهور، دار الفجر للنشر والتوزيع، مصر 2012.
  5. غي روشيه: مقدمة في علم الإجتماع العام -1- الفعل الإجتماعي، تعريب مصطفى دندشلي، مكتبة الفقيه، بيروت 2002.
  6. لينا الخطيب: التنمية الإنسانية العربيّة في القرن الحادي والعشرين – اولوية التمكين، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت 2014.
  7. محمد الحسيني الشيرازي: الرأي العام والإعلام، مؤسسة الوعي الإسلامي، بيروت 2006.
  8. محمد عبد القادر حاتم: الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية، الجزء الثاني.

مواقع إلكترونية

  1. Dubai press club, Arab Media outlook, 2009, www.dpc.org.ae
  2. alarabiya.net/articles/23/10/2010/123345.html

ملحق رقم (1)

نموذج عن الاستمارة المعتمدة

  1. العمر :
  2. الجنس: ذكر +                أنثى +
  3. الكلية أو المعهد:
  4. مشاهدة التلفاز:      نعم       +                   كلا       +
  5. إذا نعم، حدد البرامج التي تشاهدها:
  • سياسية +
  • ترفيهية +
  • ثقافية +
  • غير ذلك:
  1. قراءة الصحف: نعم +                   كلا       +
  2. إذا نعم، حدد نوع القراءة:
  • أخبار سياسية +
  • أخبار فنية +
  • غير ذلك:
  1. استخدام الإنترنت: نعم         +                   كلا       +
  1. إذا نعم، حدد نوع الاستخدام:
  • لأغراض علمية +
  • لأغراض ترفيهية +
  • غير ذلك:
  1. آلية التواصل مع الأصدقاء:
  • لقاءات شخصية +
  • عبر وسائط التواصل الإجتماعي +
  • غير ذلك:
  1. آلية التواصل مع الأقارب:
  • زيارات خاصة +
  • عبر وسائط التواصل الإجتماعي +
  • غير ذلك:
  1. هل تعتبر أن وسائط التواصل الإجتماعي كافية للتفاعل مع الآخرين؟

نعم +               كلا+

  1. إذا نعم، لماذا؟
  2. إذا كلا، لماذا؟

ملحق رقم (2)

تواريخ في مسيرة تطور الإعلام ووسائل الاتصال

  • في العام 1438 اخترع غوتنبرغ مكبس الطباعة… وبدأ عصر الصحافة.
  • في العام 1605 نشات الدوريات الصحفية المتخصصة الاولى.
  • في العام 1631 اخترعت الصحف كوسائل جماهيرية وكانت صحيفة التايمز Times أول صحيفة.
  • في العالم 1660 نشات الصحيفة اليومية الاولى في العالم وهي صحيفة المانية.
  • العام 1839 تم اختراع آلة التصوير الفوتغرافية التي حلت محل الرسم اليدوي.
  • في العام 1876 تم اختراع التلغراف.

7) وفي العام 1894 تم اختراع المذياع.

8) في العام 1895 ولدت آلة صناعة السينما مع الاخوة لوميير Lumiere.

9) في العام 1917 استفادت الثورة الروسية من التلغراف لتذيع بياناتها عبره…

10) في العام 1922 تأسست اول اذاعة في العالم واسمها “راديو لا” والراديو هو اول وسيلة اتصال في التاريخ تستطيع الوصول مباشرة الى الجمهور الكبير…

11) في العام 1923 تم اختراع كاميرا الفيديو.

12) في العام 1923 تم اختراع التلفزيون او نافذة العالم كما يسميه خبراء الاعلام  وتطورت خطوطه الى ان انتشر في العام 1948.

13)  في العام 1968 اصبح التلفزيون بالالوان..

14) في العام 1951 تم اختراع الكومبيوتر ( الحاسوب ) .

15) في العام 1957 بدأ مشروع البحث المتقدم في وزارة الدفاع الاميركية بربط 4 جامعات اميركية ببعضها بشبكة حواسيب لحاجات الجيش الاميركي.

16) في العام 1976 تم اختراع اول هاتف نقال..وبلغ تطوره  في الوقت الراهن الى حد ان يزود بكاميرات تصوير بنقاء الكاميرات الرقمية ويمكنه التواصل مع شبكات الانترنت وإرسال واستقبال الرسائل النصية SMS والعديد من الخدمات المعلوماتية والاعلامية، وهو ما استفادت منه الحركات الشبابية الجديدة .

17) في العام 1980 بدأ الانترنت بالانتشار كوسيلة اعلام جماهيرية .

18)  في العام 1982 ارسلت اول رسالة بريد الكتروني Email  على الشبكة.

19) في العام 1989 تم ولادة شبكة الانترنت العالمية المسماة بلغة الكومبيوتر الويب  Web التي تسمح بنقل الرسوم والنصوص والصور والبيانات عبر شاشة الكومبيوتر من خلال  شبكات الهاتف ويستطيع أي مشترك موصول الى الخادم الاستفادة منها،  وتكون اما على الخط مباشرة او عبر الاقراص الصلبة .

20) في العام 1993 نشات اول صحيفة الكترونية على شبكة الانترنت…

21)  في العام 1995 دخل موقع Classmate  كاول شبكة اجتماعية انترنتية.

22)  في العام 2002 انتشرت الشبكات الاجتماعيّة خاصة Face book .

23) في العام 2006 دخل موقع Twitter ومواقع استقبال وعرض الفيديو YouTube وحازت على الاقبال الجماهيري.

[1]– انظر الملحق رقم (2).

[2]– محمد الحسيني الشّيرازي: الرّأيّ العام والإعلام، مؤسسة الوعي الإسلامي، بيروت 2006، ص 326.

[3]– المصدر نفسه، ص 328.

[4]– محمد الحسيني الشيرازي: الرأي العام والإعلام، مصدر سبق ذكره، ص 341.

[5]–  المصدر نفسه، ص 342.

[6]– محمد الحسيني الشيرازي: الرأي العام والإعلام، مصدر سبق ذكره، ص 306.

[7]– محمد عبد القادر حاتم: الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية، الجزء الثاني، ص 35.

[8] – www.alarabiya.net/articles/23/10/2010/123345.html

[9]– لينا الخطيب: التنمية الإنسانيّة العربيّة في القرن الحادي والعشرين – اولوية التمكين، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت 2014، ص154.

[10]– برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي: تقرير التنمية الإنسانية العربيّة للعام 2003، نحو إقامة مجتمع المعرفة، نيويورك 2003، ص 65.

[11] –  لينا الخطيب: التنمية الإنسانية العربيّة في القرن الحادي والعشرين – اولوية التمكين، مصدر سبق ذكره، ص 155.

[12]–   المصدر نفسه، ص 156.

[13]– Dubai press club, Arab Media outlook, 2009, www.dpc.org.ae

[14] – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي، تقرير التنمية الإنسانية العربيّة للعام 2002، خلق الفرص للأجيال القادمة، نيويورك 2002، ص113.

[15]–  لينا الخطيب: التنمية الإنسانية العربيّة في القرن الحادي والعشرين – أولوية التمكين، مصدر سبق ذكره، ص 167.

[16]– المصدر نفسه، ص161.

[17]– دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلاً، دار الفارابي، بيروت 2012، ص 14.

[18]–  غي روشيه: مقدمة في علم الإجتماع العام -1- الفعل الإجتماعي، تعريب مصطفى دندشلي، مكتبة الفقيه، بيروت 2002، ص34.

[19]– دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلاً، مصدر سبق ذكره، ص 13.

[20]– ستيفن كولمان – كارين روس: الإعلام والجمهور، دار الفجر للنشر والتوزيع، مصر 2012، ص13.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.