قراءة مقارنة في مفهوم النخبة بين «توم بوتومور» و«بيار بورديو»

0

قراءة مقارنة في مفهوم النخبة بين «توم بوتومور» و«بيار بورديو»

ظافر محمد رمضان

ظافر محمد رمضان([1])

تمهيد

يُعد مفهوم النُخبة (Elite) من المفاهيم الأساسيّة في مقاربة تَشكّل وتكوين المُجتمعات والجماعات، بالإضافة إلى فهم عمق الظواهر الأيديولوجيّة للحياة السياسيّة والاجتماعيّة الطبقـيّة، وذلك ضمن سياق التفاعل والتكامل لها. فلدراسة تاريخ المُجتمعات الإنسانيّة ورصد وتحليل التغيّرات والتغييرات التي تتعرّض لها، نحتاج إلى فهم ودراسة مُعمّقة لدور النُخب السياسيّة والاجتماعيّة التي تحركها. إذ نادرًا ما يخلو بحث علمي في هذا المجال من الاشارة إلى ظاهرة النخبة والبحث في تأثيراتها، حيث تجاوز هذا المفهوم دراسات علم الاجتماع إلى العلوم الأخرى، كالعلوم السياسيّة والاقتصاديّة وعلوم الإعلام والاتصال… إلخ. فمُقاربة الباحثين للتفسير والإجابة عن مُعظم التساؤلات التي تُطرح، كما الاهتمام بالفئات الاجتماعيّة وما تحوزه من خصائص مُتعددة، القوة والنّفوذ والقدرة على التأثير داخل المُجتمع والجماعات التي تنتمي إليها، جعل تعريف وضبط المصطلح والمفهوم والبحث في تطوراته من الإشكاليات المهمة، غربًا أو شرقًا، كما مُقاربة الدور الذي تمارسه هذه النُخب، كقوة فاعلة قادرة على صناعة التاريخ، من خلال قيادة الجماعات الاجتماعيّة في مُختلف المجالات وتوجيها.

حيث أنّه لا يوجد مُجتمعات قد تجاوزت ظاهرة التباين الاجتماعيّ بين أفرادها، أصبحت هذه الظاهرة من الموضوعات التي اهتم بها الفكر السسيولوجي، في ظل الكثير من مظاهر الخلاف والجدل بين علماء الاجتماع، كظاهرة سياسيّة اجتماعيّة مهمّة استقطبت جُهود الباحثين، أبرزهم «باريتو» (Pareto) وكتابه «العقل والمجتمع – 1916م»، «موسكا» (Mosca) وكتابه «الطبقة الحاكمة- 1939م»، «توم بوتومور» (Thomas Bottomore) وكتابه «الصفوة والمجتمع- 1964م»، بالإضافة إلى روبرت ميشيل وبيرنهام ورايت ميلز… وغيرهم. إذ لا يُمكن إغفال دورها الفاعل والمهم، لا سيّما القضايا الاجتماعيّة التي تتصل بالعلاقات الاجتماعيّة والسُلطة والطبقات الاجتماعيّة وتوزيع الثروة والتطور الاجتماعيّ والتنميّة… الخ، حيث شكّلت تاريخيًّا حقلاً للتنظير الأيديولوجي ما بين الماركسيّة الكلاسيكيّة واتّجاهاتها الجديدة، بالإضافة إلى الاتجاهات السوسيولوجيّة النقديّة في مُختلف مراحل تطوّر الفكر الإنساني في النصف الثاني من القرن العشرين. لقد قاربت الماركسيّة «المُجتمع» على صعيد الفكر السياسي باشتماله على فئتين: الأولى حاكمة قليلة العدد، والثانية محكومة كثيرة العدد. الأولى تستحوذ مقاليد السُلطة والقوة في المُجتمع، تُصدر القرارات وتستولي على مقاليد الحُكم، أما الثانية فهي الفئة المحكومة التي تُطيع الفئة الحاكمة وتُنفّذ قراراتها. لذا تُصبح الفئة الأولى مُمثّلة للنُخبة الحاكمة، من برجوازيين ورأسماليين وغيرهم، نتيجة لطبيعة بناء القوة في المُجتمع، والفئة المحكومة من عامة الشعب (ماركس وانجلز، 2015)، والتي عبّر عنها بالبروليتاريا «الطليعة»، كما قيادات الطبقة العاملة، بالإضافة إلى اللجان الحزبيّة (أشتي، 1997). وحين تصل النخبة إلى مراكز القوة والسيطرة، فإنها تتّجه للحفاظ على ما امتلكته، مُسخرة لذلك كل ما تملك من قوة وشرعيّة ووسائل إعلام، “كأدوات إكراه مادية ومعنوية، قدرتها التنظيميّة أو خصائصها السلوكيّة، احتكارها للموارد الإنتاجيّة الاستراتيجيّة في المُجتمع، وقد تكون الهيمنة ناتجة من قيم دينيّة أو اجتماعيّة ترتبط بتقاليد المُجتمع” (عبد الغفار، 1978، ص 9)، فتتجه إلى تشكيل أيديولوجيا فكريّة وذلك لإحكام سيطرتها.

لذا، وبناءً على ما سبق، وحيث أنّه لا يوجد نظام سياسي في أي مُجتمع يخلو من «نُخبة»، وبعد تقديم تأصيل لغويّ مفاهيميّ مُختصر لمصطلح النُخبة، سأحاول تقديم مُقاربة علميّة عبر قراءة مُقارنة لمفهوم النُخب لدى اثنين من أبرز المُفكرين المُعاصرين الذين قاربوا هذا المفهوم كُل من وجهة نظره، «توم بوتومور» و«بيار بوردو» (Pierre Bourdieu)، في مُحاولة للكشف عن مُحاولاتهم الفكريّة التي قارباها لتبيان أوجه التقارب كما التباين بينهما، قدر الإمكان.

أولاً- التّأصيل اللغويّ والمفاهيميّ

جاء في لسان العرب نُخبة من كل شيء، المُختار، أي «نخبة الأدباء»، ونُخبة من الناس المُنتخبون، المُتقون، وانتخب الشّيء أي اختاره، والنُخبة ما اختاره، ونُخبة القوم ونُخبتهم أي خِيارهم. والانتخاب أي الانتزاع والاختيار والانتقاء، ومنه النُخبة وهم الجماعة تُختار من الرجال فتُنتزع منهم (ابن منظور، د.ت.، ج 27). وقد أشار معجم «المصطلحات السياسيّة والدّوليّة» إلى أنّ مُصطلح (Elite) يقابلهـا في اللغة العربيّة مُصطلح «النخبة»، أي «علية القوم»، وهم أقليّة ذات نفوذ تحكم بدورها الأغلبيّة، إذ تؤدي هذه النخبة دورًا قياديًّا وسياسيًّا لإدارة جماعاتهم من خلال الاعتراف التلقائي بهـم وبصفتهم (بدوي، 1989). كما تدل كلمة النُخبة على الاختيار، والانتخاب هو الاختيار والانتقاء، فنُخبة القوم تعني خِيارهم وصفوتهم على المُختار من كل شيء وعلى الاصطفاء في كل أمر، حيث تضمّنت معانيها أيضًا على الخبرة اللسانيّة الصرفة التي وردت في قواميس اللغة العربيّة للدلالة على نُخبة القوم وصفوتهم (ابن منظور، د.ت.، ج4). ففي اللغة الفرنسيّة، على سبيل المثال، كانت أولى الاستخدامات لمُصطلح النُخبة للإشارة إلى «السلع المُنتقاة» وفق مواصفات خاصّة لتكون دلالة على جودة الصنف، فهو مُصطلح يُشير إلى الأفضل أو المُختار، وقد تطوّر لاحقًا ليُصبح مُعبّرًا عن الامتيازات في مُختلف الميادين (بوتومور، 1988).

تُعدُّ النُخبة، كما الصّفوة كما الأعيان وعلية القوم، بأنّها “أقليّة ذات نفوذ تسود جماعة أكبر حجمًا، ويكتسب الانتساب إليها بالوراثة في بعض المُجتمعات. فالأفراد المُنحدرون من أسلاف تنتسب إلى بعض الطوائف، أو بعض أصحاب الامتيازات، يتمتّعون بالمراكز نفسها بمُقتضى حقّ الميلاد. ونُشاهد في المُجتمعات التي تسود فيها المُنافسة الحُرّة حركات صعود الأفراد الذين يتمكّنون من الارتقاء إلى مراكز يُنظر إليها بوصفها مُرتفعة، وينجح بذلك هؤلاء الأفراد في الانضمام إلى النخبة التي يُعترف بها في المُجتمع أو جانب منه” (زكي، 1982، ص 129). كما يحمل مُصطلح النُخبة دلالة على التفوّق، وفي التّحليل الاجتماعيّ المُعاصر يُستخدم كأقليّة قويّة تؤثر على النتائج العامّة كما السياسة في المُجتمع بطريقة منهجيّة ومهمّة. فتأثير النُخبة يعكس السيطرة على «مصادر القوة» المُركزة في المُنظمات الكبيرة، كرأس المال، السُلطة، وسائل السيطرة، وسائل الاتصال، المعرفة، الكاريزما، كمجموعات من النُخب التي تعمل بشكل متضافر، إذ تظهر في جميع المُجتمعات المُنظمة، خاصة التي لديهم أنظمة بيروقراطيّة قويّة (Turner, 2006).

من جهة أخرى، تُعدُّ النُخبة بأنّها جماعة من الذين اعتُرِف بقوة تأثيرهم وسيطرتهم في شؤون المُجتمع، الذي تُشكل النُخبة فيه أقليّة حاكمة يُمكن تمييزها عن الطبقة المحكومة، وفقًا لمعيار القوّة والسُلطة، فتمتلك القوّة والنفوذ والتأثير في المُجتمع أكثر ممّا تتمتّع به الطبقة المحكومة، لامتلاكها مميزات القوة والخبرة في مُمارسة السُلطة والتنظيم داخل المُجتمع، الأمر الذي يؤهلها لقيادته. ولكنّها تخضع لقانون التغيّر والتبدّل وفقًا لمُقتضيات التطوّر الذي يمر به المُجتمع، فتُستبدل بنُخب جديدة بهدف تحقيق التوازن الاجتماعيّ بمفهومه الشّامل والمحتوي للواقع السياسيّ، الاقتصاديّ، الاجتماعيّ، كما التنظيميّ (شطب، 2013).

لذا، يُمكنني القول إنّ النُخبة هي مجموعة من الأفراد تتمتّع بإمكانيّات فكريّة وإبداعيّة أو مالية، على شكل مصادر قوة، تجعلها صاحبة سُلطة قادرة على تيسير الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة في المُجتمع أكثر من غيرها، مُستمدة شرعيّـها من قبل أفراد المُجتمع أنفسهم، إما قسرًا أو طواعيّة، وقد تأخذ أشكالًا مُتعدّدة انطلاقًا من الحالة الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة أو التنظيميّة أو التمثيليّة لها.

ثانيًّا – توماس بوتومور (1920- 1992)

عالم اجتماع بريطاني، ماركسي التوجّه، شغل منصب رئيس قسم الاجتماع والانتربولوجيا بجامعة «سيمون فريزر» في مدينة فانكوفر في بريطانيا. ظل سكرتيرًا للجمعية الدولية لعلم الاجتماع من العام 1953 وحتى العام 1959، كما أشرف على تحرير مجلة «Curent Scociology» من العام 1953 حتى العام 1962، وقام بتحرير «المجلة الأوروبيّة» لعلم الاجتماع، وقد أصبح أستاذ علم الاجتماع بجامعة «ساسكس» مُنذ العام 1968 حتى العام 1985 (بوتومور، 2004). كتب «بوتومور» في ميادين النظرية السوسيولوجيّة والتدرج الاجتماعيّ والماركسية، فصدر له مؤلفات عديدة، منها «كارل ماركس: كتابات مختارة في علم الاجتماع والفلسفة الاجتماعيّة- 1956م»، «علم الاجتماع: مدخل للمشكلات والتراث- 1962م»، «كارل ماركس: الكتابات الاولى- 1963م»، «الطبقات في المجتمع الحديث- 1965م»، «الصفوة والمجتمع- 1964م»، وغيرها من المؤلفات. يستخدم «بوتومور» مُصطلح الصفوة مُرادف لمُصطلح النُخبة، لمُقاربة أنظمة الحُكم القائمة آنذاك. فمن خلال «نظريّة الصفوة» قسّم المُجتمع إلى فئتين أساسيتين: «الفئة الحاكمة»، وهي قليلة العدد تتولى مقاليد القوة بحيث تُصبح صاحبة السُلطة والتقرير، و«الفئة المحكومة»، أيّ بقيّة الجماهير، وهي كثيرة العدد وتنحصر مُهمتها في الطاعة والتنفيذ (بوتومور، 1988). تستند نظرية النخبة لدى «بوتومور» حول فرضيّة بناء القوّة في المُجتمع، التي تقوم على سيطرة قلّة حاكمة تمتلك القوة وتُمسك بزمام الأمور في المُجتمع في وجه الكثرة المحكومة، فتصبح الديمقراطيّة لديه حكم الشعب من خلال نُخبة تُمثّلهم، بوصفها أكثر واقعيّة من حكم الشّعب للشّعب (بوتومور، 1988). إلا انّه بسبب التباين والاختلاف في تعريف النُخبة جعله غير قادر على الحسم لإعطاء تعريف متميز، حيث خلص من خلال مجموعة من التعريفات لمن سبقوه، أمثال باربتو وموسكا وروبرتو ورايت ملز، إلى تحديد مُراده في كتابه «النخبة والمجتمع». إلى أنّ المُجتمع الحديث يتّسم بالتخصص والتنوّع في الأنشطة التي تُنشدها عدة نُخب، ولكل نُخبة دور تُمارسه في المُجتمع، مُرتكز على النُخب التي تمارس دورًا مهمًّا في مجال الشؤون السياسية من الذين يتفوقون في مجالات عملهم (بوتومور، 1988)، راسمًا تصورًا هرمياً، مُشابهاً لـ«هرم مالتوس»، يُقسّم من خلاله المُجتمع إلى ثلاثة اقسام؛ في قمته الممارسون للسلطة السياسية مُطلقًا عليهم اسم «النخبة السياسيّة»، وفي قاعدته بقيّة أفراد المُجتمع ذات الوظائف المتميزة وهي «الطبقة الاجتماعيّة»، وفي وسطه الأقلية الصاعدة من القاعدة والتي تُشارك في الحياة السياسية طمعًا في المُشاركة في السّلطة أو الاستحواذ عليها، والتي يسميها بـ«الطبقة السياسية». إذ يخلُص إلى أنّ المجال الأضيق للنُخبة، التي تتشكل منها الطبقة الحاكمة، تقتصر في حُكمها على مواصفات ذاتيّة تُميّزها وتؤهلها لاحتكار المناصب (أبراش، 1998)، فهي الفئة التي وصلت قمة الهرم التدرّجي عبر الأنشطة المختلفة، فاحتلت المناصب وامتلكت الامتيازات بواسطة دخلها أو نفوذها (ملحم، 1993). لقد أشار «بوتومور»، من خلال دراسته للأحزاب السياسية، إلى قُدرة هذه النّخب على السيطرة من خلال مُمارساتها، مُستنتجًا أنّ كل التنظيمات التي تشهد نُموًّا في جهازها الإداري تستبعد الديمقراطيّة الحقيقيّة، على الرغم من اعتناقها أيديولوجيّات تؤكّد على المُساواة وتكافئ الفرص. ولكن حال وصول القادة إلى مراكز القوّة يُصبحون جزءً مُكمّلاً للنخبة الحاكمة، فتُصبح بالضرورة مصالحهم مُعارضة لمصالح الجماهير من عامة الشّعب، بعد تدعيم أوضاعهم، فيقومون بإيهام الجماهير بضرورة تحقيق الوحدة الداخليّة، الاستقرار في سبيل مواجهة أخطار الخارج، مُروّجين لتحوّل مُعارضتهم الدّاخليّة إلى عُنصر تخريب يُفيد الأعداء، فتُبنى أسطورة الدّيمقراطيّة كتعبير لإرادتهم الجمعيّة كما في القائد المُنتخب (بوتومور، 1988). بالإضافة إلى ذلك، يعدُّ «بوتومور» أنّ النُخبة المُسيطرة تملك مزايا تضمن إمكانيّة السيطرة الدائمة لها، وحال وصولهم كقادة للأحزاب سيتحولون إلى نُخبة من البُرجوازيّة. من خلال نظرية الصفوة والمجتمع، وبعد دراسة الجماعات الاجتماعيّة التي “تشغل مكان الصدارة في التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة الهائلة التي حدثت في القرن العشرين” (بوتومور، 1985، ص 85)، إذ عدَّها العامل الحيوي لإدارة المجتمع وتوجيهه، قسّمها «بوتومور» (1985) إلى ثلاثة أنواع على الشكل الآتي:

  • الإداريّة: وقد قسَّمها إلى فئتين أساسيتين؛ تشمل الأولى العُلماء والمتخصّصين في التكنولوجيا ومُديري عمليّة الإنتاج والقائمين على تنظيمها. الثانية تضم المُديرين بالمعنى الحقيقي، كالتنفيذيين أو مُديري الشركات. إذ يعدُّ أنّ المُديرين غالبًا هم من المُلّاك والأثرياء، كما لهم أسهم في الشّركات التجاريّة، أمّا بالنسبة إلى تعينهم فغالبًا ما يكون من بين الطبقات العُليا للمجتمع. لذا يبدو واضحًا أنّهم من ذوي المُلكيّة، مُترابطين إلى حُدود تشكيلهم لجماعة اجتماعيّة واحدة.
  • الثقافيّة: يصعب تحديد مدى نفوذها، إذ تنقسم إلى شريحة عُليا وشريحة دُنيا، العليا تضم أولئك الذين يشغلون مهناً فنيّة عالية، أمّا الدُنيا فهي تشمل كل من يزاولون أعمالًا كتابيّة روتينيّة. يُنظر إليهم بوصفهم يشكلون الجماعة التي تُساهم في ابتكار ونقل الأفكار ونقدها؛ المؤلفون، العلماء، المُفكّرون، المُعلّقون والسياسيّون، كما يصعب تبيان حدودها لأنّ المستويات الدُنيا منها تختلط بمهن الطبقة الوسطى كالتدريس والصحافة. هذه النخبة موجودة في مُعظم المُجتمعات، ولكنها ليست جماعة وراثيّة، كون الانضمام إليها يحتاج إلى المُنافسة العامّة، فهي الأقل انسجامًا وتكاملًا، وغالبًا ما تكشف عن درجة كبيرة من التباين في الرأي، ما حدّ من قدرتهم على أن يُصبحوا نخبة حاكمة.
  • السياسيّة: ويُعبّر عنها «بكبار موظفي الحُكومة» التي غالبًا ما ينظر إليها على أنّها وريثة وظائف الطبقات الحاكمة القديمة والعامل الحيوي في خلق أشكال جديدة للمجتمع. ففي المُجتمعات النّامية، تزداد أهميّة هذه النخبة القادرة على توجيه السّلوك بفعاليّة وسيطرتها على الأحداث، وبوجود نقص الخبرة لدى الجماهير الذين يُعانون من الركود والخضوع والسيطرة من قبل الحكام الأوتوقراطيين، ما يسمح لهم بتشكيل نخبة راديكاليّة مُتماسكة تؤدي دورًا مهمًّا في الحياة السياسيّة. وعلى الرّغم من أنّ القادة السياسيين الوطنيين لديهم قوّة فعّالة، المُتمثلة في ذكريات وطقوس الصّراع من أجل الاستقلال والتّحرر، كما الرّغبة في بناء أمّة قادرة ومُتطورة، إلا أنّهم يواجهون صعوبات بالغة منشأها الصّراع بين التقليديين والمُجدّدين داخل الطبقات التي ينتمون اليها وعلى نطاق المجتمع ككُل.

قارب «بوتومور» النخبة بوصفها مفهومًا علميًّا وأداة لتحليل النّظم السياسيّة، بالإضافة إلى أنّها تعبيرًا عن أيديولوجيا عامّة تحكم أي مُجتمع من المُجتمعات. لقد أولى أهميّة لمفهوم النُخبة والدور الذي تؤديه في تحليل مصادر القوة السياسيّة والتغيرات الأساسيّة التي تطرأ على النظام السياسي، عارضًا تحليل مُتخصص للنُخب التي تُمثل المُثقفين والمُديرين والبيروقراطيين، بالإضافة إلى ارتباطها بالطبقة الحاكمة، والتأثير الذي تمارسه في المُجتمع بشكل عام ومحاولتها الدائمة لامتلاك مقاليد القوة والسيطرة في المُجتمع.

أولى «بوتومور» أهمية الطبقة الوسطى في المُجتمع، كما في دول ما يُسمى بالعالم الثالث، بأنّها تُمثل المجال الحقيقي الذي من خلاله تظهر النُخب، وعلى الأخص نُخبة المثقفين وموظفي الحكومة. إلا أنّ تركيز تحليله وتتبعه لمفهوم النُخبة، بناءً على قُدرتها لتشكيل نُخبة حاكمة تستلم مقاليد القوة والسيطرة، اتّجه في مُقاربته لنُخبة المُثقفين، في وصفهم مُنشغلين بقضايا تخصصيّه بحكم اتجاهاتها وانتمائاتها العلميّة، بأنّهم “غير قادرين على تشكيل تنظيم جماعي مُنظم أو أيديولوجية، وبالتالي حدّ هذا الأمر من قُدرتهم على أن يشكلوا نُخبة حاكمة” (بوتومور، 1988، ص 92).

ثالثاً: النُخبة لدى بيار بورديو (1930-2002)

بيار بورديو (Bourdieu) عالم اجتماع فرنسي، درس الفلسفة في «المدرسة العليا» الفرنسيّة. بعد انتهاء خدمته العسكريّة، عاد إلى الجزائر، التي كان فيها، ليتابع دراسته عنها، وقد كان مُحاضرًا في كلية الآداب في عاصمتها، إذ تحوّل خلال تلك المرحلة إلى عالم الاجتماع الذي نعرف. أنجز أبحاثًا إثنية نتجت عنها كتب مثل «سيسيولوجيا الجزائر- 1958م» الذي تناول فيه مقاطعات القبائل، حيث كانت الحرب على أشدها. بعد الاستقلال، أصدر «العمل والعمال في الجزائر- 1963م». بعد عودته إلى فرنسا، أصبح أستاذًا مُساعدًا في جامعة باريس، وقد نشر كتاب «الورثة- 1964م» الذي كرّسه عالم اجتماع بين أقرانه، وقد استمر في الكتابة عن الجزائر فكان «تخطيط أوّلي لنظريّة خاصة بالممارسة- 1972م»، و«الحسّ العمليّ- 1980م»، إذ اعتمد في كتابه «الهيمنة الذكوريّة- 1998» على ما صادفه في منطقة القبائل، وقد تنقّل خلال تلك المدّة بين عدد من الجامعات قبل أن يُعيّن أستاذًا في «كوليج دو فرانس» في العام 1981 (Lisahunter & others ,2015). عمله في المجال العام جعل شهرته تتخطى العالم الأكاديميّ، وهو المُنتقد لدور الإعلام الذي يُسهم في قولبة الوعي حسب النمط المهيمن والقيم السائدة، وقد رأى أنّ نظرياته وريثة علم الاجتماع الكلاسيكي، أبرزها «الانعكاسيّة»، «الهابتوس»، بالإضافة إلى «الحقول الاجتماعيّة» التي تُعدُّ من المفاهيم المهمّة في نظريّة المُمارسة الاجتماعيّة لديه المُنتجة للنُخب الاجتماعيّة. إذ يعدُّ أنّه من خلال الحقول الاجتماعيّة يؤدّي كل فرد فيها وظيفته، كما يُنتظم بداخلها كل أنساق المواقف والتفاعلات، فلكل حقل بُنيته التي تحددها حركة الفاعلين وعلاقاتهم بداخل الحقل، والفرد الفاعل هو طرف أساسي ولكن باختلاف الموقع الذي يحتله في مجاله الخاص (بورديو وفاكونت، 1997).

يرى «بورديو» أنّ “العلاقات الموضوعيّة” (Bourdieu, janvier 1980, p 2-3) كما «العلاقات الاجتماعيّة» تنقسم إلى «حقول» أو فضاءات اجتماعيّة مُتعدّدة. إذ إنّها حيز لعلاقات وفقًا لتسلسل هرميّ، والوصول إلى المراكز المهيمنة مسألة تنافس دائم بين فاعلين للتمكن من من ممارسة السّلطة أو النّفوذ، وبالتالي السّعيّ إلى الوجود في مجال اجتماعيّ ما، بدلاً من أن يكون كمية مهملة في المُجتمع لا أكثر (لاكروا، 2012)، إذ يتنافس فيها الأفراد لاحتلال مواقع سيطرة ما، مُعتمدين على سلاح اجتماعيّ أطلق عليه بورديو اسم «رأس المال»، الّذي هو طاقة اجتماعيّة موروثة أو مُكتسبه “تُستعمل كوسيلة للسيطرة” (خضرة، 2000، ص 65)، ولكنّه في الوقت نفسه هدف لهم.

فعلى الرغم من أنّ مفهوم «رأس المال» كان من المفاهيم الشائعة في ما سبق، كما في كتابات العلامة ابن خلدون، عندما أتى على ذكر «رأس المال» في مُقدمته المشهورة في قوله “…ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الرّبح إلا بعِظم العناء والمشقة، أو لا يحصل، أو يتلاشى رأس ماله…” (ابن خلدون، 2007، ص 400)، إلا أنّ مُعظم تلك الاستخدامات لمفهوم رأس المال لم تخرج من إطارها الاقتصاديّ. هذا وقد ظل مفهوم رأس المال مدّة من الزمن حكرًا على العلوم الاقتصاديّة ولغتها الانتاجيّة أبرز روادها الفكر الماركسي، إلى أن جاء «بورديو» في القرن الماضي ليعيد إنتاج مفهوم «رأس المال» سوسيولوجيًّا، فأصبح أكثر توسعًا من الإطار الضّيق الذي وضعه فيه «ماركس»، ضمن ما أطلق عليه اسم نظرية «الحقول الاجتماعيّة»، ما أثار اهتمام الباحثين والعلماء بما يُعادل الجدل والاهتمام لنظرية ماركس حول رأس المال. بشكل مُتمايز عن التصوّر الماركسي، يطال النزاع مُختلف الحقول في المُجتمع، من دون حصرها في طبقات مُعيّنة مُحدّدة، أيّ بين الأغنياء والفقراء، بل بين الحقول الاجتماعيّة للأغنياء أنفسهم، أو بين حقول الفقراء أنفسهم. هذا التنافس والصّراع يتحدد بناءً على “المصلحة الرّمزية والربح الرّمزي” (بورديو، 1966، ص: 202)، عادًا أنّ الصراع لا يتخذ دائمًا طابعًا اقتصاديًّا، فقد يكون صراعًا ثقافيًّا، أو من خلال وجود رأسمالين أساسيين لديهما دور رئيسيّ في تحريك المُجتمع، أيّ الثقافيّ والاقتصاديّ.

أصبح مفهومه لـ«رأس المال» من أكثر المفاهيم الحديثة في علم الاجتماع، إذ قام «بورديو» ببلورته عميقًا وتقديمه كنظريّة مُتكاملة، وقد ربط بين الجانب الاقتصادي والجانب الثقافي والاجتماعي كسمة أساسيّة لديه في مُقاربته تلك، وهو ينطوي على جانبين أساسيين: “رأس المال والمُجتمع” (عبد الحميد، 2010، ص 19 و20). فهو يتشكل لدى الفرد من خلال عمليّة التراكم التي تحصل خلال حياته، وليس بطريقة سريعة أو فجائيّة. هذا التراكم يُشكّل مع الوقت رأس مال اجتماعي يحمل العديد من القيم والروابط، فيصبح الفرد بدوره جزءًا من إطار جماعة اجتماعيّة، ينخرط أفرادها بشكل طوعي فيها، مُستفيدين من مُميّزات هذه الجماعة الاجتماعيّة، التي يُشكلونها بأنفسهم.

فمن خلال الاستناد إلى مفهوم القوة التي تمتلكها فئة قليلة العدد، تُمارس الحُكم من خلال نفوذها وتشرف بذلك على الجماهير الشعبيّة، قدّم «بورديو»، العديد من الأفكار والمفاهيم التي قسّمت المُجتمع إلى مجموعة من المجالات التي تتميّز كل منها بخصائص محدّدة، يتوزّع الأفراد فيها بحسب الرصيد الذي يُراكمونه من «رأس مال» نوعي مُرتبط برأس المال الخاص بكل مجال. فهو القوة الاجتماعيّة التي يعتمدون عليها لتحقيق التمايز داخل المُجتمع، فهناك رأس المال الاقتصادي المُرتبط بالمجال الاقتصادي، رأس المال الثقافيّ المُرتبط بالمجال الثقافيّ… إلخ. وعليه، يسعى المُنتمون إلى كل رأس مال نوعي المحافظة على ما وصلوا إليه، لما لهم فيه من مصالح خاصة، تجمع في ما بينهم مصلحة مشتركة لاستمرار المجال في حد ذاته، مع سعي المُجردين من رأس المال نفسه إلى تدمير البُنية القائمة ومقاومة علاقات القوة السائدة داخل هذا المجال، وقد أدرجها ضمن الخصائص العامة للمجالات تحت عنوان “قوانين المجالات” (بورديو، 1995، ص 131). فالمجال بوصفه حلبة تنافسية داخلية، هو أيضًا موقع تضامن ضمني بين أفراده، على صورة تواطئ موضوعي يشكل الأساس لسائر الخصومات. هذا التواطؤ يستند إلى حقيقة أنّ كل شخص معني بمجال ما يتقاسم مع أقرانه عددًا معينًا من المصالح الأساسيّة، وعلى وجه التحديد كل ما له صلة بوجود المجال نفسه، وهو ما يضعهم في موقع الخصومة مع الغرباء عن المجال، فيشكل هذا التضامن المجاليّ عقبة أمام التّعاون بين الأفراد المنتمين إلى المجالات المختلفة (لاكروا، 2012).

بحسب «بورديو»، لا تنحصر القوة الاجتماعيّة في المجال السياسي ونُخبه، بل تمتد إلى مُختلف المجالات. إذ تتشكّل النُخبة المركزيّة من خلال التقاطع بين النخب، فترتفع مكانة الفرد عند تزايد أرصدته في المجالات المُختلفة، وبالتالي ارتفاع مكانته في البُنية الاجتماعيّة عبر تحويل أرصدته إلى شكل آخر من أشكال رأس المال، فالانتقال إلى نُخبة مجال آخر، كالأستاذ الجامعي الذي يحمل رأس المال الثقافيّ، والرأس مال الجمعي ليحصل من خلالهما على منصب سياسي، وهو ما عبّر عنه بـ “الحراك داخل الفضاء الاجتماعي” (Harker & Cheleen & Wilkes,1990, p17). فالمجتمع مجموعة من الحقول فرضها تقسيم العمل، كالحقل الاقتصاديّ، والأدبيّ، والسياسيّ، الفنيّ… ألخ، لكلّ حقل استقلاليّة معيّنة نسبيًّا، تخضع هذه الحقول للتراتبيّة والتنافس من أجل الهيمنة وتأمين وضمان المصالح، وكل مجتمع له آليّاته الخاصّة في الهيمنة والسيطرة، بحسب الخصائص التي يتمتع بها كل بلد. فالبلد الذي لا تحكمه الأطر والقوانين العالمية تصبح تقسيمات الفضاء الاجتماعيّ المعتمدة في الشأن السياسيّ، بين دولة ومجتمع مدني أو معارض، غير ذي أهميّة، لأنّ الاعتبارات يُمكن أن تكون قبلية أو عائليّة أو طائفيّة، والتي تصبح المحور التي على أساسها تقسم المجالات المجتمعيّة. كما أنّ اختيار طبقة النُخب وتشكيلها تختلف بين فرنسا وأمريكا، المُجتمعاين الصناعيين الليبراليين، إذ يعدُّ أنّ التناقض بين البلدين لناحية المركزية الإدارية وتنظيم النظام التّربوي يجعل من اختيار النخب يتحقق بطرق مُختلفة فيهما.

يتسع مفهوم «بورديو» لرأس المال ليشمل كل أنواع الرّساميل/المُمتلكات التي يستخدمها الإفراد الفاعلون في ممارساتهم الحياتية، فحددها بداية بـ”أربع فئات رئيسة لرأس المال” (بورديو، 1990، ص 74-85):

  • الرّأسمال الاقتصاديّ: يتضمّن الموارد الماديّة والماليّة والثروة والمُمتلكات للفرد، بالإضافة إلى دخله الشّهريّ والسّنويّ.
  • الرّأسمال الثقافيّ: يتضمّن الموارد الثقافيّة، كالشّهادات العلميّة والمهنيّة، المنتوج الثقافيّ من مقالات وكتب ودراسات علميّة وأعمال ثقافية وفنية، بالإضافة إلى المهارات والكفاءات والمواهب والمعارف في مجال الثقافة. أيّ كل مع هو موروث خلال عملية التنشئة الاجتماعيّة، كعناصر البُنية العقليّة ومُفردات اللغة، وكل ما هو مُكتسب من مؤهلات تعليميّة. وعلى عكس الملكيّة الخاصة، فالرأس المال الثقافي لا يمكن نقله، بل يُكتسب مع مرور الوقت، إذ إنّه يؤثر بالعادات الشخصيّة وطريقة التفكير، التي تصبح بدورها أكثر تقبلاً للتأثيرات الثقافيّة المُماثلة.
  • الرّأسمال الاجتماعيّ: ما يملكه الفرد من علاقات اجتماعيّة وصداقات شخصيّة، الصلات أو العلاقات الاجتماعيّة للفاعلين، التي تعكس ذكاءه الاجتماعي مُستفيدًا منه لتشكيل شبكة من العلاقات، كالقرابة والصّداقة وزملاء العمل.
  • الرّأسمال الرّمزيّ: وقد عرّفه بالقول: “كل الظواهر تدعو إلى التركيز على رأسمال رمزي لسلطة معترف بها، تجاهلته كل النظريات عن نشأة الدّولة، وهو يبدو كشرط، أو على الأقل مرافق لكل أشكال التركيز الأخرى، إذا كان لها أن تتمتع ببعض الاستمرارية” (بورديو، 1998، ص 136)، كما عدّه “الموارد المُتاحة للفرد نتيجة امتلاكه سمات مُحددة، كالشّرف والهيبة والسّمعة الطيبة والسيرة الحسنة، التي تُدرك وتُقيّم من جانب أفراد المجتمع” (أشرت إليه في عبد العظيم، 2011، ص 65). فهو نقطة محورية في المشروع النظري لبورديو، ويشمل الرأسمال الاقتصاديّ والثقافيّ والاجتماعيّ معًا، وهو ما يُميّز الفرد مُجتمعيًّا عن بقيّة الأفراد، أيّ من خلال الشرعيّة التي تتحقق نتيجة اعتراف الآخرين بها.

أضاف «بورديو» لاحقًا رأسمال جديد إلى نظريته وقد أسماه «الرأسمال اللغويّ». وهو عملية تفاعل وتواصل لغويّ، ولو بين شخصين، عادًّا أنّ الفرد “يصل إلى سوق التعليم، سواء أردنا ذلك أم لم نرد، نحمل توقعًا بالأرباح أو العقوبات التي تنتظرنا. ومن الألغاز الكبرى التي يجب على علم أجتماع اللغة أن يحلها ذلك النوع من معنى دواعي القبول. فنحن لا نتعلم اللغة أبدًا من دون أن نَعْلم في الوقت نفسه شروط قبول تلك اللغة، أيّ تعلّم لغة ما هو في الوقت نفسه أن تَعْلم أنّ تلك اللغة ستكون ذات جدوى في هذا الموقف أو ذاك” (بورديو، 1995، ص 116. أيضصا عبد الجواد، 2002).

لقد عدَّ «بورديو» أنّ المُجتمع وأفراده في حالة تنافس مُستمر، كل فرد يسعى إلى تشكل «رأس مال» ما للانضواء في مجال من المجالات فيتشكل بذلك حقل «رأس المال». هذه الرساميل تتنافس بدورها في ما بينها، فالكل يسعى إلى التحصيل والاستثمار، إذ من المُمكن أن تتحول بعض هذه الرساميل إلى «رأس مال رمزيّ»، وبعد الاعتراف به مُجتمعيًّا يصبح مصدرًا للسُلطة المشروعة. كما يرى أنّ كل «رأس مال»، مهما كانت الصّورة التي يتخذها، يُمارس عنفًا رمزيًّا بمجرد أن يُعترف به، يفرض المُسيطر من خلال هذ العنف “طريقة التفكير والتعبير بوصفها الطريقة الوحيدة الشرعية، لا بالعنف الظاهر بل بالعنف الرّقيق” (بورديو، 1995، ص 12)، فيُتجاهل حقيقته كـ«رأس مال» ويُفرض كـ”سيادة تستدعي الاعتراف بها” (بورديو، 2007، ص 71)، مُقتربًا بذلك من صورة ما أسماه ماكس فيبر بـ«الكاريزما»، إلا أنّه لدى الأخير شكل خاص للسُلطة، بينما «رأس المال الرمزي» لدى بورديو هو بُعد لكل السُلطة (Bourdieu, 1980, p 243).

رابعًا – مقارنة لمفهوم النُخبة بين «بوتومور» و«بورديو»

بعد استعراض مفهوم النُخبة عند كُلّ من «بورديو» و«وبوتمور»، يُمكن القول إنّ هذا المفهوم يعدّ عنصرًا مُهمًا من عناصر بناء أيّ نظريّة اجتماعيّة تُقارب تشكّل الجماعات الاجتماعيّة وتقاسم السُلطة في ما بينها. كما أنّ نّأنّ تناول أحد المفاهيم السوسيولوجيّة لغرض الدّراسة والتحليل، هو لتحديده واستخدامه بشكل علميّ من أجل الإلمام بطبيعة الظاهرة قيد البحث. إذ يُعد مفهوم النُخبة موضع اهتمام من قبل المفكريّن والباحثين، كما يُعد مفهومها ظاهرة متطوّرة باستمرار، وتأخذ أشكالًا متعدّدة، ارتباطًا بتطور المُجتمعات. فبالاستناد إلى خلفيته الماركسيّة، ومن خلال النظر إلى المُجتمع أفقيًّا يخوض صراعًا طبقيًّا، وفي مُحاولة لتقديم نظريّة إلا أنّها غير مُكتملة، قسّم «بوتومور» المُجتمع إلى فئتين أساسيتين: «الفئة الحاكمة»، وهي النُخبة الحاكمة والمُسيطرة قليلة العدد تتولّى مقاليد القوة بحيث تُصبح صاحبة السُلطة والتقرير، و«الفئة المحكومة»، أيّ بقيّة الجماهير كثيرة العدد تنحصر مُهمتها في الطاعة والتنفيذ، فأسماها «نظرية الصفوة»، موليًا أهمية للطبقة الوسطى المُنتجة للنُخب، ومن يُمسك بالسُلطة هو من يُمسك برأس المال، أيّ الفاعلون الاقتصاديون المُتحكمون بالمؤسسات الرأسمالية الأكثر أهمّية، فتتشكل بذلك طبقة النُخبة القائدة، أو النُخبة السياسية، التي تكون مُتقاربة في ما بينها، تنسج التحالفات في وجه الطبقة المُسيطر عليها لتأمين تقدم مصالحها. أما «بورديو»، وبخلاف «بوتومور» مُبتعدًا من الصّراع الطبقيّ (بورديو، 1998، ص 36-38)، ومن خلال دراسته المُرتكزة على الجانب التّربويّ والثقافيّ ورؤية عمودية للمجتمع، عدَّ بدايةً أنّ القوة الاجتماعيّة لا تنحصر في المجال السياسي ونُخبه، بل تمتد إلى مُختلف المجالات، فيصبح المفهوم لديه أكثر شموليّة، إذ استطاع تقديم نظرية مُكتملة وأكثر اتساعًا نوعًا ما من «بوتومور». فالنُخبة المركزيّة تتشكل لدى «بورديو» من خلال التقاطع بين النّخب، وكُل شكل من أشكال «رأس المال» يملك نُخبته الخاصة، وكل فرد في المُجتمع تتحدّد مكانته وتمايزه عن الآخر على أساس الرّصيد الذي يمتلكه من «رأس المال» النّوعيّ، فترتفع مكانته عند تزايد أرصدته، وبالتالي ارتفاع مكانته في البُنية الاجتماعيّة. فبخلاف «بوتومور»، عدَّ «بورديو» أنّ الهدف هو «رأس المال»، بوصفه موردًا ماديًّا أو معنويًّا يمكّن صاحبه من ممارسة السلطة أو النفوذ، وبالتالي السّعي إلى الوجود في مجال معين بدلاً من أن يكون كمية مهملة لا أكثر، يمتلكون بذلك القوة الاجتماعيّة التي يعتمدون عليها لتحقيق التمايز داخل المُجتمع. كما يسعى المُنتمون إلى كل رأس مال نوعي للمحافظة على ما وصلوا إليه، لما لهم فيه من مصالح خاصة، فتجمع فيما بينهم مصلحة مشتركة لاستمرار المجال بحد ذاته.

عدَّ «بورديو»، بالإضافة إلى وصف المجال كحلبة تنافسيّة داخليّة، بأنّه أيضًا موقع تضامن ضمنيّ بين أفراده، على صورة تواطؤ موضوعي يشكل الأساس لسائر المُنافسات، وهو يستند إلى حقيقة أنّ كل شخص معني بمجال ما يتقاسم مع أقرانه عددًا معينًا من المصالح الأساسيّة، وعلى وجه التّحديد كل ما له صلة بوجود المجال نفسه، وهو ما يضعهم في موقع الخصومة مع الغرباء عن المجال. وهو خُلاصة تتقاطع مع «بوتومور» الذي قارب مفهوم التواطؤ والمؤازرة، إنّما في النُخبة الحاكمة التي تسعى جاهدة إلى ذلك. لقد عدّت المدرسة الفرنسيّة ومُنظّرها «بورديو» أنّ التصادم بين شرائح النُخب هو مُعطى بُنيوي، بالإضافة إلى أنّ القُدرة الاجتماعيّة تتعلق أكثر بالتحصيل الأكاديمي، وهو ميل لتدعيم الهيمنة الاجتماعيّة المهنية كما الثقافيّة، بخلاف ميل «بوتومور» نحو النُخبة المُسيطرة التي تسعى إلى فرض الرّقابة لتحديد تمتع مجموعات المصالح بحق المُشاركة، كالنُخبة الثقافية على سبيل المثال، وبالتالي جعل الأخيرة ترى مصلحتها الأولى في الاهتمام برضى النُخبة المُسيطرة، أيّ السُلطة السياسية. إلا أنّ «بوتومور»، إنطلاقًا من المجال السياسيّ ودراسته للأحزاب، أشار إلى قُدرة هذه النّخب على السيطرة من خلال مُمارساتها، مُستنتجًا أنّ كل التنظيمات التي تشهد نُموًّا في جهازها الإداري تستبعد الديمقراطيّة الحقيقيّة، على الرّغم من اعتناقها أيديولوجيّات تؤكّد المُساواة وتكافؤ الفرص، ولكن حال وصول القادة إلى مراكز القوّة يُصبحون جزءًا مُكمّلاً للنخبة الحاكمة، فتُصبح بالضرورة مصالحهم مُعارضة للجماهير، مُطلقًا عليها صفة «التوارثيّة»، عبر وراثة وظائف الطبقات الحاكمة السّابقة، وبأنّها عوامل حيوية في خلق أشكال اجتماعية جديدة، وبوجود نقص الخبرة لدى الجماهير يُشكلون نُخبة راديكاليّة مُتماسكة تؤدي دورًا مهمًّا في الحياة السياسيّة، مُبتعدًا من ما قدمه «بورديو» الذي عدَّ الصفة التوارثية أنّها جزء من عدة أجزاء يستند اليها الفرد في بنائه لـ«رأس المال» الرّمزي الذي يوصله بدوره إلى النُخبة الحاكمة في المُجتمع، وهو بالتالي تعريف أشمل وأكثر اتّساعًا.

في نهاية بحثي، لا يسعني إلا القول إنّ هاتين المقاربتين لنظريتيّ مفهوم النُخبة قدّمت الكثير من الغِنى لمفهوم تشكّل الجماعات الاجتماعيّة، وإن كانت شبه سُلطوية بسبب تخصّصهم في هذا المجال. لقد قدّم «بورديو» رؤيته ومفهومه للنُخبة بأنّها نظرية تشمل جميع شرائح المُجتمع، في مُقابل «بوتومور» الذي توجه إلى عدّها نظريّة تبنّى وتأييد لولادة الطبقة الحاكمة صاحبة السّلطة البيروقراطيّة الّتي تُشكّل أسس الإدارة الصناعيّة أو التّجاريّة لأيّ دولة.

المصادر والمراجع

أولاً – اللغة العربية

  • ابن منظور (د.ت). لسان العرب. القاهرة: دار المعارف. جزء 27- ص 2469، جزء 48- ص 4373.
  • ابن خلدون، عبد الرحمن (2007). مقدمة ابن خلدون، بيروت: دار الفكر، ص 400.
  • أشتي، شوكت (1997). الشيوعيون والكتائب: تجربة التربية الحزبية في لبنان. بيروت: الانتشار العربي. ص 14-15، 83، 92، 293، 294-295، 296، 302.
  • بدوي، أحمد زكي (1989)، مُعجم المُصطلحات السياسيّة والدوليّة. القاهرة: دار الكتاب المصري، ص 52-53.
  • بورديو، بيار (1990). الرمز والسلطة (ترجمة: عبد السلام بنعبد العال)، ليبيا: دار توبقال، ص: 74-85.
  • بورديو، بيار (1995). أسئلة علم الاجتماع حول الثقافة والسلطة والعنف الرمزي. (ترجمة: إبراهيم فتحي)، القاهرة: دار العالم الثالث، ص 12، 131، 116.
  • بورديو، بيار (1998). أسباب عملية إعادة النظر بالفلسفة (ترجمة أنور مغيث). بيروت: دار الأزمنة الحديثة، ط 1، ص 36-38، 136.
  • بورديو، بيار و فاكونت، ج. د. (1997). أسئلة علم الاجتماع في علم الاجتماع الانعكاسي (عبد الجليل الكور: ترجمة). الدار البيضاء: دار توبقال، ص 9.
  • بورديو، بيار (2007). الرأسمال الرمزي والطبقات الاجتماعيّة (ترجمة عبد السلام بنعبد العال)، الجزائر: دار يوبقال، ط 3، ص 71
  • بوتومور، توم (1988). الصفوة والمجتمع، دراسة في علم الاجتماع السياسي (ترجمة محمد الجوهري وآخرون). مصر: دار المعرفة الجامعية. ص 5، 7، 8، 9، 11، 25، 26، 32، 33، 56، 61، 85، 91-92، 115 و116، 123.
  • بوتومور، توم (2004). مدرسة فرانكفورت (ترجمة سعد هجرس)، ط 2، ليبيا: دار أويا، ص 5-7.
  • خضرة، محسن (2000). بيير بورديو… فيلسوف العنف الرمزي، الكويت: مجلة العربي، العدد 879 نيسان 2000، ص 65.
  • زكي، أحمد (1982). معجم مصطلحات العلوم الاجتماعيّة. لبنان: مكتبة لبنان، ص 129.
  • عبد العظيم، حسني إبراهيم (2011). الجسد والطبقة ورأسمال الثقافي، إضافات المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد الخامس عشر صيف 2011، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 65.
  • عبد الحميد، أنجي (2010). دور المُجتمع المدني في تكوين رأس المال الاجتماعي: دراسة حالة للجمعيّات الأهليّة في مصر. مصر: المركز المصري للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، سلسلة أبحاث ودراسات، العدد الأول، ص 19-20.
  • عبد الغفار، رشاد محمد (1978). دور النخبة في التنمية السياسيّة، دراسة نظريّة مع مُحاولة للتطبيق على الدول الناميّة: النموذج المصري. رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة: كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة، ص 9.
  • عبد الجواد، مصطفى خلف (2002). قراءات معاصرة في نظرية علم الاجتماع. القاهرة: مركز البحوث والدراسات الاجتماعيّة، جامعة القاهرة.
  • لاكروا، ستيفان (2012). زمن الصحوة، الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية (ترجمة عبد الحق الزموري). بيروت: الشبكة العربية للابحاث والنشر، ص 18.
  • محمد شطب (2013). النخبة السياسية واثرها في التنمية السياسية. العراق: مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، العدد الرابع 2013، ص 2.
  • ماركس، كارل وانجلز، فريدريك (2015). البيان الشيوعي (ترجمة العفيف الأخضر)، بيروت: منشورات الجمل، ص 45، 48-50، 91، 100.
  • ملحم، حسن (1993). التحليل الاجتماعي للسُلطة. الجزائر: منشورات دحلب، ص 14.

ثانية – اللغة الاجنبية

  • Bourdieu, Pierre (1980). Le capital social, Notes provisoires, Actes de la recherche en sciences sociales, vol. 31, janvier 1980, p 2-3.
  • Bourdieu, Pierre (1980). Le Sens pratique, Paris: Éd de Minuit, p.243.
  • Harker, Richard & Mahar, Cheleen & Wilkes, Chris (1990). An Introduction to the Work of Pierre Bourdieu. London: Macmillan, p: 17.
  • Lisahunter, Dr & Smith, Wayne & Emerald, Elke. (2015). Pierre Bourdieu and Physical Culture, London: Routledge, p 3-10, link: https://www.researchgate.net/publication/273945809_Pierre_Bourdieu_and_his_conceptual_tools
  • Turner, Bryan S. (2006). The Cambridge Dictionary of Sociology. New York: Cambridge University Press, P 162.

[1] – طالب دكتوراه في المعهد العالي للدكتوراه الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانية، قسم العلوم الاجتماعيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.