التقويم بين الفهم والتطبيق لدى أساتذة الجغرافيا في كلية الآداب والعلوم الانسانيّة في الجامعة اللبنانيّة

0

التقويم بين الفهم والتطبيق لدى

أساتذة الجغرافيا في كلية الآداب والعلوم الانسانيّة في الجامعة اللبنانيّة

 

د. فراس العسّ ([1])                          د. يوسف الكيال([2])

ملخص: يتناول  هذا البحث موضوع التقويم التّربويّ في التعليم الجامعيّ، أهميته، وكيفية تطبيقه في أقسام الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة، وذلك بالاعتماد على استبيان شمل 45 أستاذًا يعلّمون مواد الجغرافيا من أصل 62 أستاذًا في فروع كلية الآداب في الجامعة اللبنانيّة كافة، أيّ ما يعادل 73% من مجموع الأساتذة، وتشير النتائج الى أن نسبة الأساتذة الذين خضعوا للإعداد التّربويّ 16% فقط أيّ 7 أساتذة من أصل 45 أستاذًا مستطلعًا وأغلبهم من أساتذة  التّعليم الابتدائي والثانوي ، وقد تبين أن 57% من الأساتذة الذين خضعوا للإعداد في كلية التربيّة أو غيرها لم يتلقوا دورات إعداد في التقويم التّربويّ تحديدًا، أيّ أنّ ثلاثة أساتذة فقط من أصل 45 أستاذًا هم من تلقوا إعدادًا في التّقويم التّربويّ، وتعدُّ الامتحانات النّهائيّة التي تجري في نهاية كل فصل وذلك على دورتين هي المعيار الأساسيّ للتقويم، وبالتالي هي لا تساعد في تطوير العمليّة التّعليميّة التعلمية وتحسينها بالشكل الأمثل.

الكلمات المفتاحية: التعليم، التقويم، القياس، الاهداف التّعليميّة، المحك، الكفايات، المعارف.

Abstract: This research deals with the subject of educational evaluation in university education, its importance, and how to apply it in the geography departments of the Lebanese University, based on a questionnaire that included 45 professors who teach geography subjects out of 62 professors in all branches of the Faculty of Arts at the Lebanese University, equivalent to 73% Of the total teachers, the results indicate that the percentage of teachers who underwent educational preparation is only 16%, means that 7 professors out of 45 surveyed professors, and most of them are primary and secondary professors. The educational evaluation in particular, that is, only three professors out of 45 professors have received preparation in the educational evaluation, and the final examinations that take place at the end of each semester in two sessions are considered the main criterion for evaluation and thus they do not help in developing and improving the educational learning process in the best way.

Key words: teaching, assessment, measurement, educational objectives, criterion, Competency, Knowledge.

مقدمة

يشهد العالم اليوم تغيرات وتحولات متسارعة في شتى المجالات، وتتسابق الدّول جميعها على الأخذ بكل ما هو جديد وحديث، وكل ما من شأنه تحسين طرق العيش وتسهيلها، وتغيير الأنماط التقليدية. وتؤدي النظم التّعليميّة دورًا بارزًا في هذه التطورات بوصفها أداة لبناء البشر، وإعدادهم للتوافق مع معطيات المستقبل، وتعدُّ التربية الأداة التي تبني الإنسان القادر على التعامل مع معطيات القرن الواحد والعشرين وخصوصياته، مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات البحث عبر الانترنت، يصبح التعلم تعاونيًا بشكل متزايد فتتوزع المعرفة بشكل متزايد عبر العديد من أعضاء مجتمع التعلم. ومع ذلك، فإن ممارسات التقويم التقليديّة تركز إلى حد كبير على الفرد،  ولا تفسر بناء المعرفة والتعلم في السّياق. بينما ينظر الباحثون في مجال التقويم في التّحولات الثقافيّة التي تنشأ من ظهور ثقافة تشاركية أكثر، سوف يحتاجون إلى إيجاد طرق جديدة لتطبيق التقويمات على المتعلمين، ونتيجة لذلك احتلت مسألة التطوير التّربويّ، والإصلاح التعليميّ المرتبة الأولى في فكر التّربويّين والباحثين، ولقد أنصب اهتمام هؤلاء على التطوير، والإصلاح للواقع التعليميّ في جوانبه كافة، وخاصة على دور الأستاذ الذي يعدُّ الركيزة الأساسيّة في العمليّة التّربويّة والتي تقوم على أربع أركان أساسيّة: الأهداف – المناهج – طرق التدريس –  التقويم. وسأتناول في هذا البحث موضوع التقويم التّربويّ وماهيته ، وكيفية تطبيقه من قبل أساتذة قسم الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة. إذ يعدُّ التقويم مكونًا رئيسًا لكل أنظمة التّعليم، ويؤدي دورًا حاسمًا خلال مسيرة الطالب التّعليميّة. فمن خلال قياس ما اكتسبه الطالب من قيم، ومهارات وأهداف يساعد التقويم الطالب على التعلم، والمعلم على تحسين وتطوير العمليّة التّعليميّة، والمدير على اتخاذ قرار حول كيفيّة الأستفادة من المعطيات، وواضعي المناهج والبرامج حول مدى فعاليّة البرامج التّعليميّة(Black, 2003) .

يستعمل مصطلح evaluation في اللغة الأجنبية وقد ساد جدل بين اللغويين حول أي من الكلمتين أصح للتعبير عن هذا المصطلح التقييم أو التقويم؟ وفي اللغة العربية لا يوجد جذر ل “قَيَّمَ” بل يوجد جذر ل “قَوَّمَ” والذي يأتي بمعانٍ مختلفة منها: –  قوَّمَ المعوجّ: عدَّله وأزال عِوَجه – قوَّمَ السِّلعة: سعَّرها وَثَمَّنَها فالتقويم في اللغة يعني لحتساب القيمة وقياسها واتخاذ القرار بإصلاح الإعوجاج.

في التعليم evaluation هو مصطلح مركب يتضمن: – قياس السلوك المتعَلَّم، عبر تحويله الى وحدات قياسيّة هي العلامات- تحليل تلك القياسات وفهمها- اتخاذ أحكام وقرارات نتيجة القياسات التي أجريت. إذًا؛ التقويم التّربويّ هو العمليّة التي يجري بوساطتها إصدار حكم معين على مدى وصول العملية التّربويّة الى أهدافها، ومدى تحقيقها لأغراضها، والكشف عن نواحي النقص فيها أثناء سيرها، واقتراح الوسائل المناسبة لتلافي هذا النقص. فالتقويم هو عملية مستمرة تشخيصيّة وقائيّة علاجيّة شاملة لجميع نواحي النّمو، تهدف للكشف عن مواطن الضعف والقوة في العمليّة التّربويّة بقصد الإصلاح والتطوير وتحقيق الأهداف. (أبو زينة، 1998).

تعدّ الاختبارات وسيلة التقويم الأكثر شيوعًا في المدارس والجامعات، وتكاد تكون الوسيلة الوحيدة في كثير من الأحيان، ففي كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة تجري عملية التقويم من خلال إجراء امتحانات لدورتين (الأولى في نهايّة كل فصل والثانيّة في نهاية العام الجامعيّ) يحصل على أساسهما النجاح أو الرسوب في المقررات. ولتلافي استئثار الامتحان النهائيّ بمجمل النتيجة النهائية يوزع أحيانًا جزء من العلامة على الأبحاث والحضور. لكن هذه الطريقة في التقويم تتعرض للكثير من النقد، فهي أحيانًا لا تحقق الهدف المنشود، ولا تؤدي الى تطور ملموس في العمليّة التّعليميّة، وأحيانًا لا يكون التقييم موضوعيًّا ويخضع لمزاج وخبرة وطريقة واضعيها. يعدُّ التقويم المستمر اليوم هو الأكثر فعاليّة في تحقيق الأهداف، عبر استعمال العديد من الأساليب التقويميّة كمشاريع الأبحاث وكتابة تقارير يومية والعمل الفريقي… وهذا ما لا يمكن تطبيقه بشكل كامل في الكليات الجامعيّة التي لا تتطلب حضورًا دائمًا، كما يطبق في المدارس والثانويات.

يؤدي التقويم دورًا أساسيًا في العمليّة التّعليميّة، وله أهداف متعددة بحسب طريقة استعماله، وموقعه في هذه العمليّة، فإذا جاء في بداية العمليّة التّعليميّة سمي “تعرفيًّا” ومن أهدافه: التعرف على مكتسبات الطلاب السابقة، وإذا جاء خلال العمليّة التّعليميّة سمي “تكوينيًّا” ومن أهدافه: تعزيز التعليم والتأكد من أنّ الطلاب يحققون الأهداف المرجوة، وإذا جاء في نهاية العمليّة التّعليميّة سمي “تقريريًّا” أو نهائيًّا والغاية منه تحليل مدى اكتساب الطلاب للأهداف، واتخاذ قرارات وإجراءات وأحكام. بالإضافة الى ذلك هناك التقويم التّشخيصيّ الذي يجريه المعلم عند وقوع مشكلة تحصيليّة معينة فيسعى المعلم بوساطته الى معرفة أسباب المشكلة تمهيدًا لمعالجتها (الكثيري، 2006).

أولًا – الإطار النظري والمنهجيّ للبحث

يعدُّ هذا البحث جزءًا من الأبحاث القائمة على دراسة التقويم الجامعيّ، إذ يهتم بتحليل هذا التقويم ما بين الفهم والتطبيق لدى أساتذة الجغرافيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللبنانيّة، وبفروعها كافة.

  • الإطار النظريّ

قبل تحليل التقويم لا بد لنا من شرح مجموعة من المفاهيم والمصطلحات، على الشكل الآتي:

1-1 المفهوم القديم والمفهوم الجديد للتقويم

استند المفهوم القديم للتقويم الى الكثير من المسلمات الخاطئة نذكر منها ما يلي:

  • التقويم مرادف للامتحانات.
  • أفضل الامتحانات هي الامتحانات التّحريريّة المقاليّة.
  • التقويم عملية نهائيّة تأتي في نهاية الفصل الدراسيّ أو العام الدّراسيّ أو المرحلة التّعليميّة.

التقويم كمفهوم يعني التعديل وإزالة العوج، والامتحانات عمومًا لا تعدل ولا تزيل عوجًا، بل تصور واقعًا فقط، إذًا؛ فالامتحانات لا تضيف جديدًا لمستوى الطالب، وإنّما تقيس هذا المستوى فقط. وإن كان الهدف إضافة جديد بغية تحسين مستوى الطالب فلا بد من اللجوء لأسلوب آخر، هو التقويم بما يعني التقويم، وليس بالمفهوم الخاطئ المتوارث (عقل، 2002).

أمّا المفهوم الجديد للتقويم فيعدُّ العمليّة التي يحصل بوساطتها إصدار حكم معين على مدى وصول العمليّة التّربويّة إلى أهدافها، ومدى تحقيقها لأغراضها، والكشف عن نواحي النقص فيها أثناء سيرها، واقتراح الوسائل المناسبة لتلافي هذا النقص. فالتقويم عملية مستمرة تشخيصيّة، وقائيّة علاجيّة شاملة لجميع نواحي النّمو، تهدف للكشف عن مواطن الضعف والقوة في العملية التّربويّة بقصد الإصلاح والتطوير وتحقيق الأهداف.

  • 2 الفرق بين التقويم والقياس

يجب التمييز بين التقويم والقياس التّربويّ، ذلك لأنّ التقويم أكثر سعة وشمولًا من القياس، الذي هو أحد أدوات التقويم. يشمل التقويم التّربويّ الحياة الدّراسيّة كلها، بينما ينصب القياس على قياس التّحصيل الأكاديميّ للطلاب أيّ نتائج عمليات التعلم. والتقويم يتضمن إصدار حكم تقويميّ أو قيمي في ضوء معايير محددة. أمّا القياس له طابع كميّ رقميّ، معنى ذلك أنّ التقويم عملية يقصد بها تحديد التّقدم الذي أحرزه الطلاب نحو تحقيق الأهداف التّربويّة. لا يقتصر التقويم على التقدير الكميّ لإنجاز الطلاب وتحصيلهم، ولكن أيضًا يشمل درجة الاستيعاب، والفهم والإتقان والتمكن من فهم المهارات المتعلمة (رزوق، 2003).

1-3 مجالات التقويم التّربويّ

لا يقف التقويم التّربويّ عند حدود تقويم التحصيل الدّراسيّ، والسّلوك التعلميّ عند المتعلمين، بل يتعداه ليتناول عناصر العملية التّربويّة جميعها ومن أكثرها أهمّية:

  • الخطة التّربويّة السّنويّة للمؤسسة التّعليميّة.
  • المناهج التّعليميّة ومدى فعاليتها ومناسبتها لأهداف المؤسسة.
  • البرامج التّعليميّة ومدى دقتها وفعاليتها.
  • الكتب والمصادر التّعليميّة
  • الوسائل التّعليميّة وطرق استعمالها ومدى فائدتها.
  • الطرق التّعليميّة المعتمدة.
  • الأساتذة، إنتاجهم، كفاءتهم وحاجاتهم.
  • الموظفون الإداريون والنّظار.
  • المتعلمون ونتائجهم.
  • أساليب التقويم المعتمدة.
  • الأبنية المدرسيّة أو الجامعيّة

نظرًا للتقدم الهائل والمستمر في تكنولوجيا المعلومات، والاتصالات والتي أثرت تأثيرًا إيجابيًا متقدمًا في مجال القياس، والتقويم التّربويّ والنّفسيّ، ساهمت التكنولوجيا من خلال الأجهزة والأدوات والتقنيات الحديثة التي تفيد كثيرًا في عمليات التقويم، وتتيح صياغة مفردات الاختبار، وذلك باستخدام تقنيات الحاسوب الآلي والفيديو، وتحفز المتعلمين على التفاعل الإيجابيّ مع الخبرات في الموضوعات التي يدرسونها وتزويدهم بتغذية راجعة مستمرة. والتوجه التّربويّ العالميّ اليوم نحو ضرورة أن يتعلم المتعلم كيف يتعلم Learn How to Learn.

فأين أساتذة الجامعة اللبنانيّة بشكل عام من هذا التطور في ميدان التربية بشكل عام، وهل ترجم تطورًا في مفهوم التقويم عند أساتذة قسم الجغرافيا بشكل خاص  وفي ممارساتهم التقويميّة؟

1-4- مصطلحات ومفاهيم البحث

  • التربية: عملية هادفة ترمي الى إكساب سلوك، أو تصرف، أو إحداث تغيير في السلوك، أو التصرف في كل مجالات الحياة.
  • التعليم: عملية إكساب سلوك أو تصرف في المدرسة.
  • التقويم: عملية جمع معلومات دقيقة وشاملة عن الموضوع، المقوم وتحليل هذه المعلومات من أجل اتخاذ قرار أو حكم.
  • القياس: هو التعبير الكميّ عن قيمة الشيء المقاس بوحدات قياسيّة محددة عن طريق أداة قياس مناسبة.
  • القياس التحصيليّ: هو التعبير عن التحصيل بالعلامات عن طريق استخدام الاختبارات التحصيليّة.
  • التعلم: هو تغير داخلي مستمر في شخصية الإنسان نتيجة عمليتيّ التّربية والتعليم. عملية اكتساب، تطوير أو تغيير سلوك أو تصرف.
  • الأداء: سلوك خارجيّ يقوم به المتعلم نتيجة وضعيّة اختباريّة معينة، ويبين فيها درجة تعلمه.
  • العملية التعلمية – التّعليميّة: عملية منظمة وفق مناهج تسعى الى إكساب المتعلمين الأهداف المرجوة (أنماط سلوك وتصرف) وتشمل العناصر الآتية: المرامي، الوضعية التّعليميّة، التقويم.
  • المحك: هو عنصر معلومات جيد التحديد، يستند إليه في التقويم على وجود صفة، أو هدف، أو كفاية معينة في الموضوع المقوم. يتكون المحك من حزمة مترابطة من المبينات.
  • المعيار: مجموع المحكات المترابطة أو المتكاملة المستند عليها في الحكم على أمر معين.
  • شبكة التصحيح: هي شبكة تتضمن كل المحكات والمبينات الضرورية للحكم على أجوبة الطلاب.
  • ميزان التصحيح: توزيع كامل العلامة على محكات التصحيح.
  • الإطار المنهجيّ

تتألف المنهجيّة من مجموعة من الخطوات العلميّة والتي يعتمدها الباحث من أجل تحقيق أهداف بحثه، ومن أجل الوصول الى واقع الأمور المنوي دراستها.

2-1- أهمية البحث

نظرًا للآلية المعتمدة في اختيار أساتذة الجامعة اللبنانيّة، بشكل مباشر أحيانًا من دون الخضوع لأيّة دورات تدريبيّة قبل البدء بالتدريس أو أثناءه، فمن المهم والضروريّ تناول مفهوم التقويم وكيفية تطبيقه من قبل أساتذة الجغرافيا نظرًا لما للعمليّة التقويميّة من أهميّة على العمليّة (التعلمية – التّعليميّة) وبالتالي فإنّ هذا البحث يسهم في:

  • تبيان الخلفيّة التّربويّة عن التقويم وفهمه عند أساتذة الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة.
  • توضيح كيف تتم العمليّة التقويميّة من قبل أساتذة الجغرافيا.
  • تحديد ما إذا كان الأساتذة بحاجة الى دورات تدريبيّة في مجال التقويم.

2-2- الإشكاليّة

يعدّ التقييم التّربويّ جزءًا أساسيًّا من المنظومة التّعليميّة، لأنّ به يتحدد مدى تحقق أهداف العمليّة التّعليميّة ومن خلاله تحدد درجات الطلاب ومستوياتهم وقدراتهم الاستيعابيّة، واحتياجاتهم التّعليميّة، من جهة أخرى يسهم التّقويم في فحص فعاليّة المناهج الدّراسيّة المتاحة ومدى تأثيرها، وحتى القرارات المتعلقة وبتمويل الكليّة أو الجامعة في بعض الأحيان. إلى جانب ذلك، يمنح التقييم التّربويّ للأستاذ الجامعيّ، صورة واضحة عن فعاليّة الطريقة والأسلوب الذي يتبعه وكيفية تطويره بناءًا على معطيات دقيقة عن مقدار ما اكتسبه الطالب من أهداف وقيم ومفاهيم. إن الدراسات العالميّة في المجالات التّربويّة وخاصة موضوع التقويم التّربويّ الصادرة عن جامعات مهمّة في العالم بينت أنّ تطورًا كبيرًا حدث في ميدان التقويم، كمفهوم وأدوات قياس وأهداف، فما مدى انعكاس هذا التطور على الأداء التقويميّ لأساتذة الجغرافيا في كلية الآداب – الجامعة اللبنانيّة؟

2-3- الفرضيات

بناءًا على إشكاليّة البحث وتساؤلاته، لا بد أن نطرح فرضيات متعددة، كأجوبة أوليّة مؤقتة لهذه التساؤلات، والتي تكون على الشكل الآتي:

– يلجأ الأساتذة الى الطريقة التقليديّة في التقويم من خلال قياس التحصيل العلميّ، وتحويله الى درجات، من دون السّعي الى تحليل تلك الدرجات والاستفادة من ذلك في تحسين العمليّة التّعليميّة.

– لا يُعدُّ الأستاذ الجامعي مسبقًا لممارسة العمليّة التّعليميّة التعلميّة.

– إجراء امتحان هو الأسلوب الأكثر اتباعًا في العمليّة التقويميّة.

2-4- المنهج المعتمد 

اعتمدنا في بحثتا هذا على المنهج الوصفيّ التّحليليّ، هو طريقة لدراسة الظواهر أو المشكلات العلميّة من خلال القيام بالوصف بطريقة علميّة، ومن ثمَّ الوصول إلى تفسيرات منطقيّة لها دلائل وبراهين تمنح الباحث القدرة على وضع أطر محددة للمشكلة، ويستخدم ذلك في تحديد نتائج البحث، الأمر الذي يبين واقع التقويم التّربويّ المعتمد من قبل أساتذة الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة.

2-5- طرائق وأدوات البحث

قمنا باستبيان وزع على كل أساتذة الجغرافيا (الملاك، المتفرغين، المتعاقدين) في الجامعة اللبنانيّة، بفروعها كافة، بهدف جمع معلومات تتعلق ب:

  • فهم الأستاذ لعملية التقويم (الأساليب، الأداء والوظائف).
  • كيف ومتى يمارس الأستاذ عملية التقويم.
  • طريقة تصحيح الاختبارات ويحلل نتائجها والآلية التي يستخدمها في توظيف هذه النتائج.
  • استفادة الأستاذ من الاختبارات بأنواعها المختلفة.
  • إعداد الأساتذة والدّورات التّدريبيّة وموقع التقويم فيها.
  • الصعوبات التي يواجهها الأستاذ في إتمام عملية التقويم.

حاولنا من خلال هذا الاستبيان تقصيّ بعض المتغيرات مثل الإعداد التعليميّ، عدد سنوات، الخبرة، والاشتراك بدورات تدريبيّة.

2-6 الاستمارة

شارك في الاستبيان 45 أستاذًا يعلمون مواد الجغرافيا من أصل 62 أستاذًا في فروع كلية الآداب في الجامعة اللبنانيّة كافة أيّ ما يعادل 73% من مجموع الأساتذة. وقد طرح الاستبيان 14 سؤالًا منها ما هو متعلق بالخصائص الديموغرافيّة والاجتماعيّة، كالعمر، المستوى العلميّ (أعلى شهادة)، وعدد سنوات الخبرة، ونوعيّة العمل قبل التعليم الجامعيّ. ومنها ما هو متعلق بموضوع  التقويم التّربويّ فكانت الاسئلة على الشكل الآتي:

1- هل خضعت لكليّة التربيّة؟

في حال الإجابة بنعم هل تلقيت إعدادًا في التقويم التّربويّ؟

2- هل تلقيت تدريبًا أثناء ممارستك التعليم؟ في حال الإجابة بنعم

أ- هل تلقيت إعدادًا أو تدريبًا في التقويم التّربويّ؟

ب – هل تطبق ما تلقيته نظريًّا عن التقويم التّربويّ؟

3- هل قرأت بجهد خاص عن التقويم التّربويّ؟

4- هل ناقشت مع الزملاء أو مع رئيس القسم أساليب التقويم المعتمدة؟

5- هل ناقش المدير معك أو مع الزملاء أساليب التقويم المعتمدة؟

6- ما هي الغايات من إجراء التقويم التّربويّ؟

7- متى تقوم بالتقويم التّربويّ بشكل أساسيّ؟

8- ما هي الأساليب الأكثر استخدامًا التي تتبعها في التقويم؟

9- كيف تعرف المفاهيم والمصطلحات الآتية:- التقويم العام – التقويم الخاص – القياس – المحك – شبكة التصحيح – ميزان التّصحيح.

10- هل أنت راضٍ عن الطريقة التقويمية في قسم الجغرافيا؟

11- هل أنت راض عن طريقة التّرفيع؟

12- هل أنت راض عن مقدرتك في التقويم التّربويّ؟

13- ما هي الصعوبات التي تعترض التقويم التّربويّ في الجامعة (إدارية، تقنية، تنظيمية، غير ذلك…) أوضح؟

14- ما هي اقتراحاتك لتحسين عملية التقويم في الجامعة اللبنانيّة؟

ثانيًا- الإطار العمليّ

توصل هذا البحث الى مجموعة من المعطيات المتعلقة بالتقويم بين الفهم والتطبيق والتي يمكن شرحها على الشكل الآتي:

1- الخصائص الديموغرافية والاجتماعية للأساتذة

عالجت الخصائص الدّيموغرافية والاجتماعيّة للأساتذة، موضوع العمر، المستوى التعليميّ، والمهنة التي سبقت التّعليم الجامعيّ.

1-1 العمر

تبين أنّ الشريحة الأكبر من الأساتذة تتراوح أعمارهم ما بين 40-50 سنة وهي تشكل ما نسبته 37.8% من إجمالي العدد (رسم بياني رقم1)، وهذه الفئة لديها خبرة مقبولة في التعليم، وتأتي في المرتبة الثانية الفئة العمرية بين 30-40 سنة والتي تشكل ما نسبته 35.6%، وهذه الفئة خبرتها متواضعة، ولكن لديها همّة كبيرة وقدرة على الإبداع،  لاطلاعها على تقنيات جديدة يستفاد منها في التعليم، أمّا الأساتذة  الذين هم فوق الـ50 سنة فيشكلون نسبة 26.7% من الأساتذة، وهذه الفئة عادة ما يكون لديها خبرة كبيرة في التعليم مع تراجع في القدرة الإبداعيّة. من الملاحظ أنه لا يوجد أساتذة تقل أعمارهم عن 30 سنة، وهذا أمر طبيعيّ، لأنّ التحضير للحصول على شهادة الدكتوراه يحتاج الى وقت، هذا من جهة، ولأنّ الجامعة اللبنانيّة توقفت عن الاستعانة بأساتذة جدد من جهة ثانية. مع كل ما ورد أعلاه يجب عدم إغفال الاستثناءات التي يمكن أن تدحض تأثير العمر على العملية التّربويّة بشكل عام والتقويم بشكل خاص.

 

رسم بياني رقم 1 توزع الأساتذة المستطلعين بحسب العمر

1-2 العمل قبل التعليم الجامعيّ

أظهر الاستبيان أن 22% من الأساتذة لم يقوموا بأيّ عمل أبدًا قبل التعليم الجامعيّ، بل بدأوا بالتعليم بعد التخرج مباشرة، أو قبل أن يمارسوا أعمالًا أخرى، وقد تنوعت أعمال الأساتذة ووظائفهم قبل التعليم الجامعي، فتبين أنّ 25% منهم قد عملوا كأساتذة في مراحل تعليميّة مختلفة سواء أكان بالتعاقد أو بالملاك (تربية رياضية، أستاذ ثانوي، ابتدائي، مهني)، وأنّ 53% من الأساتذة لم يعملوا في مجال التعليم، بل تنوعت أعمالهم في قطاعات اقتصاديّة (مهندس زراعيّ، هندسة مساحة وكارتوغرافيا، محقق إحصائي، الجيش اللبنانيّ، إعلامي، استشاري، دليل سياحيّ، مصرفي، الزراعة…). وهذا يعني أن الفئة التي من الممكن أن تكون قد خضعت لدورات تدريبية عن طرائق التعليم،أ عن التقويم، أو أظهرت اهتمامًا بالتقويم بحكم عملها لا تتعدى 25%، وهي فئة الأساتذة.

1-3 المستوى التعليمي والخبرة

تبين أن جميع المستطلعين يحملون شهادة الدكتوراه (النظام الداخليّ للجامعة اللبنانيّة)، علمًا أنّ عدد من هؤلاء(8%) كان قد حصل على شهادة الدكتوراه أثناء قيامهم بالتعليم في الجامعة اللبنانيّة، أمّا عن عدد سنوات الخبرة فإن 16% من الأساتذة خبرتهم في التعليم الجامعيّ تقل عن الـ10 سنوات، ومعظمهم من الأساتذة المتعاقدين وهذا دليل على الخبرة المتواضعة، إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّهم يمتلكون مهارات مختلفة في الميدان التّربويّ، كما أنّهم على اطلاع على التقنيات الحديثة في عملية التّعليم، من جهة أخرى فإنّ 64% من الأساتذة تتراوح خبرتهم بين 11 و20 سنة وهذا يشير الى عدد جيد من سنوات الخبرة، اكتسبوها من خلال ممارسة المهنة، أمّا الأساتذة الذين تفوق خبرتهم ال 21 سنة فهم يشكلون ما نسبته 20% فقط من الأساتذة المستطلعين (رسم بياني رقم 2).

 

رسم بياني رقم 2–توزع الأساتذة بحسب سنوات الخبرة.

2- التقويم ما بين الفهم والتطبيق

2-1 كيفيّة فهم التقويم التّربويّ لدى الأساتذة

يطرح هذا البحث سؤالًا أساسيًّا هو: كيف يفهم الأساتذة في قسم الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة، بفروعها المختلفة، التقويم التّربويّ وكيف يمارسونه؟ والفرضية الأساسيّة هي أن هؤلاء الأستاذة  يعتمدون مفهومًا قديمًا للتقويم، يقوم على قياس التعلم وتحويله الى علامات، من دون السعي إلى تحليل تلك العلامات والاستفادة من ذلك في تحسين العمليّة التّعليميّة – التعلمية، ولتأكيد هذه الفرضية أو نفيها، لجأت الى تجزئة السؤال الأساسي الى عدة أسئلة فرعيّة. فكان السؤال الفرعيّ الأول: كم تبلغ نسبة الأساتذة الذين خضعوا لدورات تدريبية؟ (كلية التربية، دار المعلمين) والسؤال الثاني هل تضمنت الدورات التدريبيّة (في حال الخضوع لها) موضوع التقويم التّربويّ؟ وقد جاءت الإجابات على الشكل الآتي:

تبلغ نسبة الأساتذة الذين خضعوا للإعداد التّربويّ 16% فقط أيّ 7 اساتذة من أصل 45 استاذًا مستطلعًا وأغلبهم من أساتذة الابتدائي والثانويّ، الذين تابعوا دراستهم ونالوا شهادة الدكتوراه والتحقوا بالتعليم الجامعي (رسم بياني رقم 3).

 

 

رسم بياني رقم 3توزع الأساتذة بحسب خضعوهم للإعداد والدورات التدريبية.

2-2 الدورات التدريبية للأساتذة

تبين أنّ 57% من الأساتذة الذين خضعوا للإعداد في كلية التربية أو غيرها لم يتلقوا إعدادًا في التقويم التّربويّ تحديدًا، أيّ أنّ ثلاثة أساتذة فقط من أصل 45 أستاذًا هم من تلقوا إعدادًا في التقويم التّربويّ وهذا عدد قليل نسبيًّا!! (رسم بياني رقم 4)، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا عن كيفية اكتساب الأساتذة مهارات التقويم؟ وعلى الأرجح أن الأساتذة يلجأون للمجهود الشخصي في ظل غياب دورات الإعداد والتدريب للعملية التّعليميّة عامة، والتقويم خاصة، من قبل الجامعة اللبنانيّة.

 

رسم بياني رقم 4 يمثل نسبة الأساتذة الذين تلقوا إعداداً في التقويم التّربويّ

لا يخضع الأستاذ الجامعيّ للإعداد المسبق قبل مباشرته التعليم، بل يخضع فقط لما يسمى باللجنة العلميّة وهي لجنة تطلع على سيرته الذاتيّة، وتحدد له مقابلة، يُقبل أو يرفض على أساسها، وقد تبين من خلال الاستبيان أن 54% من الأساتذة تلقوا إعدادًا خلال ممارستهم التعليم الجامعيّ، وعلى الأرجح أن هذا الإعداد لم تقرره الجامعة اللبنانيّة، بل جاء بجهود شخصية أو عبر مؤسسات تعليمية خاصة.( رسم بياني رقم5).

 

 

رسم بياني رقم 5 يمثل نسبة الأساتذة الذين تلقوا إعدادً خلال ممارستهم التعليم.

2-3 تطبيق التقويم التّربويّ

تبين أن 79% من الأساتذة يطبقون ما تعلموه عن التقويم التّربويّ، و 21 %  منهم لا يطبقونه، وهذا ما يطرح إشكاليّة عن كيفيّة تحديد مستوى الطلاب عند بداية الفصل ونهايته، وبداية كل حصة ونهايتها، وعن كيفية التأكد من وصول الأاهداف التّعليميّة في نهاية كل محاضرة، وعن طريقة الشّرح المتبعة عند بعض الأساتذة، وكيفية تطوير المهارات وتحسينها على المستوى الشّخصي وعلى مستوى العمليّة التّعليميّة التعلمية ككل. لذلك كان السؤال الآتيّ عن المجهود الشخصي: هل قرأت بجهد خاص عن التقويم التّربويّ؟ وقد تبين أن 73% من الأساتذة قد بذلوا جهدًا شخصيًّا لفهم التقويم التّربويّ، إنّ هذا السؤال يستطلع رأيّ الأساتذة ومدى استعدادهم للاهتمام الشّخصيّ بموضوع التقويم، من دون أن يكون للنظام التّربويّ أيّ تدخل في هذا المجال، وهنا يبرز اهتمام الأساتذة بتطوير مهاراتهم وقدراتهم لتحسين العمليّة التّعليميّة – التعلميّة وخاصة موضوع التقويم، وتعبّر هذه النسبة المرتفعة إلى وجود الدّافع والحافز للتقدم والتطور عند الأساتذة عمومًا( رسم بياني رقم6).

 

 

رسم بياني رقم 6 يظهر الأساتذة الذين بذلوا جهدا شخصياً لتحديد ماهية التقويم.

2-4 العلاقة بين الأستاذ ورئيس القسم

انطلاقًا من السؤال حول أساتذة الجغرافيا التشاور في ما بينهم وخاصة أساتذة المادة التّعليميّة الواحدة في موضوع التقويم؟ هل يتناولون موضوع التقويم مع رئيس القسم؟ أم إنهم لا يتناولون هذا الموضوع خلال اجتماعاتهم؟

أظهرت نتائج الاستبيان أن 71.1% من الأساتذة ناقشوا موضوع التقويم في ما بينهم أو مع رئيس القسم، وهذه النسبة المرتفعة تبرز أهميّة التنسيق بين الأساتذة، فمن المهم جدًا استفادة الأساتذة من خبرات بعضهم، والتشاور ضروري لوضع معايير موحدة في عملية التقويم، وهذا ما يساعد في معالجة مواطن الضعف في العملية التعلمية التّعليميّة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بينت نتائج الاستطلاع أنّ 44% من الأساتذة فقط ناقشوا الموضوع مع المدير، وهذا ما يظهر أنّ دور المدير لا يزال محصورًا أكثر في الأعمال الإدارية وبالتالي لا يولي اهتمامًا مباشرًا لعملية التقويم، الواقعة على عاتق رئيس القسم.

رسم بياني رقم 7 يمثل نسبة الأساتذة الذين ناقشوا مع الزملاء أو مع رئيس القسم اساليب التقويم المعتمدة

ولمعرفة رأيّ الأساتذة عن الغاية الأبرز للتقويم كان لا بد من السؤال الآتي: ما هي غايات وأهداف التقويم التّربويّ برأيك؟ وقد تبين أنّ 54% من أساتذة الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة يجدون أن تحسين العمليّة التّعليميّة – التعلميّة هي الغاية الأساسية للتقويم، في حين 32% منهم يعدّون أنّ الهدف الأساسي هو قياس مدى تحقق الأهداف، في حين أنّ 10% يعدُّون التشخيص وتحديد المستوى الأكاديميّ للمتعلم هو الغاية الأساسيّة، فقط 4% يعدُّون أنّ هدف التقويم الأساسي هو التّرفيع (رسم بياني رقم8).

رسم بياني رقم 8 الغاية الأبرز للتقويم التّربويّ برأي الأساتذة.

2-5 توقيت التقويم

لتحديد التوقيت أو المرحلة التي يعدُّها الأستاذ أساسيّة للقيام بعملية التقويم التّربويّ، كان السؤال الآتي: متى تقوم بالتقويم بشكل أساسي؟ تبين من خلال الإجابات أن 37% يعدُّون أنّ القيام بعملية التقويم هو أساسيّ في نهاية العمليّة التعلميّة، أيّ أنّ قياس ما اكتسبه الطالب خلال التعليم هو الغاية الأبرز والأكثر أهمّية، بينما عدَّ 30% فقط من الأساتذة أنّ التقويم المستمر ضروريّ في كل مراحل العمليّة التّعليميّة (قبل وأثناء وبعد)، وهي نسبة قليلة نسبيًّا إذ إنّ أفضل أنظمة التعليم اليوم تؤكد على أهميّة التقويم المستمر، وهنا تدخل ظروف التّسجيل، والحضور والدّوام، وأنظمة الكليّة والتي قد لا تسمح بالتقويم المستمر لكل الطلاب والمنتسبين، ومن الجدير ذكره أنّه وخلال السنتين الأخيرتين اعتمد التعليم من بعد في الجامعة اللبنانيّة بسبب جائحة كورونا الأمر الذي تطلب جهودًا كبيرة من الجامعة على كل المستويات لإعداد الطلاب والأساتذة من أجل إنجاح عملية التعليم من بعد، وبالتأكيد تأثرت عملية التقويم، فالطالب بعيد من عين الأستاذ، والتواصل ضعيف، بين الأستاذ وتلامذته مقارنة بالتعليم الحضوري، ومن جهة أخرى لم يعتد الأساتذة التقويم من بعد، لأنّ ذلك يتطلب تغييرًا وتعديلًا في نمط الأسئلة وطريقة طرح الامتحانات وتوقيتها والتأكد من مصداقيتها ومنع الطالب من الغش..

لقد عدَّ 21% من الأساتذة أنّ التقويم التّربويّ أساسيّ خلال عملية شرح الدرس، أيّ التأكد من تحقق الأهداف خلال العمليّة التّعليميّة فكلما تحقق هدف ينتقل الأستاذ الى الهدف الذي يليه،  وقد تبين من خلال الاستبيان أن  8% من الأساتذة يعدُّون التقويم ضروريًّا عند وقوع مشكلة تحصيليّة، أيّ عندما يجد الأستاذ أنّ الأهداف لا تصل الى المتعلمين لسبب ما، فالتقويم هنا ضروري لمعرفة مكامن الخلل في التحصيل، فقط 4% من الأساتذة عدُّوا أنّ التّقويم ضروري قبل الشّروع في شرح الدّرس، وذلك لتقييم مستوى الطلاب في صف، أو مجموعة معينة وبناء عليه يبدأ الأستاذ في شرح الدرس( رسم بياني رقم 9).

 

رسم بياني رقم 9  فترات التقويم عند الأساتذة.

  • 6أهداف التقويم

تتعدد أهداف التقويم من قياس مدى تحقق الأهداف، وتشخيص مستويات المتعلمين الى تحسين العملية التعلمية، وصولًا الى الترفيع و تعديل المناهج وغيرها… والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الأسلوب الذي تستخدمه بشكل أساسي في عملية التقويم؟ والإجابات كانت عديدة و متنوعة، وقد اعتمد أكثر من ثلث الأساتذة  34% أسلوب الأبحاث لتقويم الطلاب، ولكن هذا الاسلوب رغم ايجابياته الكبيرة كتفعيل روح البحث العلمي عند الطالب وتحميله مسؤوليّة التنقيب والتفتيش والاستقصاء عن المعلومة الصحيحة، وتعلمه العديد من التقنيات وأساليب العمل الحديثة.. إلا أنّ هذا الأسلوب يبقى عرضة لانتقادات كبيرة وكثيرة منها إنّ طلاب الإجازة وخاصة السنة الأولى والثانية لم يتعلموا منهجيّة البحث بشكل جيد بعد، ومنها أيضًا أنّ الطالب ممكن أن يغش مستفيدًا من الأبحاث التى أنجزها الطلاب القدامى.

الأسلوب الثانيّ للتقويم كان التسميع الشفهي بما نسبته 20% وهذا الأسلوب يوفر الوقت إذ  يُمَكِن الأستاذ من طرح أسئلة على عدد كبير من الطلاب خلال وقت قصير، وقد تبين أنّ 18%  من الأساتذة يعتمدون الامتحان النهائي في التقويم ، في حين أن 13% يلجأوون للتسميع الخطي بعد عدة محاضرات من خلال توزيع أسئلة قصيرة يُجابُ عليها خلال مدة قصيرة، أمّا إعطاء واجبات منزليّة بهدف إجبار المتعلم على مراجعة ما تعلمه وتطبيقه في المنزل، وقياس ذلك، فهو أسلوب يعتمده فقط 8% من الأساتذة، هذه الطريقة التي تتطبق بشكل أشمل في المراحل الابتدائية والثانوية، أمّا في المراحل الجامعية فلا تُعتمد كثيرًا على أساس أنّ الطالب لديه النضج الكافي للتعلم، ولتحمل مسؤولية اكتساب المعرفة. أمّا أسلوب التمارين يعتمده 5% من الأساتذة، وهو أحد الأساليب التطبيقيّة التي تستخدم في التعليم النشط، ويتطلب مهارات عالية من المتعلم،  يستطيع الأستاذ من خلاله تحديد مستوى الطالب وفاعليّة العملية التعلميّة، أما أسلوب المسابقة بعد كل محاضرة فيعتمده 2% من الأساتذة فقط، وهذا الأسلوب يحتاج لوقت طويل، ولجهد كبير سواءلإعداد الامتحانات أو التصحيح وغيره ، لذلك فإعتماده قليل من قبل الأساتذة.

 

رسم بياني رقم 10 يمثل أسلوب التقويم الاكثر استخداما عند الأساتذة

أخيرًا، طرح الاستبيان سؤالًا لتحديد مدى معرفة الأساتذة واستيعابهم لمفهوم التقويم التّربويّ: كيف تعرف المفاهيم والمصطلحات الآتية: – التقويم العام – التقويم الخاص – القياس – المحك – شبكة التصحيح- ميزان التصحيح. معظم الأساتذة لم يكونوا على دراية تامة بهذه المفاهيم والبعض استطاع شرح عدد من المصطلحات، وهذا يعني أنّ مفهوم التقويم ومنهجيّة تطبيقه وتحديد نتائجه لا تزال ملتبسة في أذهان الأساتذة وهذا أمر طبيعي في ظل الوضع الحاليّ.

من ناحية ثانية جاء في الاستبيان عدة أسئلة لتحديد الموقف الشّخصيّ من العملية التقويمية وطريقة الترفيع، وتطبيق عملية التقويم فكان السؤال الآتي: هل أنت راضٍ عن العملية التقويميّة في قسم الجغرافيا؟

وقد دلت الإجابات على الرضا الكبير عن العملية التقويميّة في قسم الجغرافيا ف 40% كانوا راضين بشكل متوسط و 30% راضون بشكل جيد، و12.5 % راضون بشكل ممتاز، فقط ما نسبتهم 10% من الأساتذة لم يكن راضياً بتاتاً عن العملية التقويمية و7.5 عدُّوا انه لا بأس بهذه العملية.

 

رسم بياني رقم 11 يظهر مدى رضا الأساتذة عن العملية التقويمية

تعدُّ عملية التّرفيع أحد نتائج التقويم المهمّة الذي يكون في مرحلة الإجازة (في أغلب الأحيان) عبر الامتحانات النهائية، وذلك على دورتين، أمّا في مرحلة الماستر فإنّ التقويم يشمل الحضور والإامتحان الجزئي والاأبحاث، لذلك فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أنت راضٍ عن عملية الترفيع؟

 

رسم بياني رقم 12 يظهر مدى رضا الأساتذة عن العملية الترفيع

بينت إجابات الأساتذة أنّ أكثر من ثلث الأساتذة  المستطلعين (حوالي 35%)  راضون بشكل متوسط عن عملية الترفيع التي تحصل في قسم الجغرافيا، ومثلهم راضون بشكل جيد و10% راضون بشكل ممتاز ، في حين أنّ 15% عدُّوا أنّه لابأس بعملية الترفيع و5% أظهروا عدم رضى عن عملية الترفيع. في نهاية الاستبيان كان لا بد من معرفة مدى رضا الاستاذ عن نفسه وعن اداءه فكان السؤال الآتي:هل انت راضٍ عن مقدرتك في تطبيق التقويم التّربويّ؟

جاءت الاجابات مستغربة نوعا ما! نظرا لعدد الأساتذة القليل الذي تلقى تدريبًا أو إعدادًا في التقويم التّربويّ فكان الرضى ممتازًا عند 30% من الأساتذة و جيدًا عند 46% و7% راضون بشكل متوسط 5% أجابوا بلا بأس ، فقط 12 %  كانوا غير راضين عن أنفسهم!!

رسم بياني رقم 13 يظهر مدى رضى الأساتذة عن مقدرته في تطبيق التقويم التّربويّ

لتحديد رأيّ الأساتذة بالعوائق والصعوبات التي تكتنف العمليّة التّعليميّة – التعلمية كان السؤال الآتي: ما هي الصعوبات التي تعترض العملية التقويمية في الجامعة (إدارية – تقنية إدارية – غير ذلك) أوضح؟

55% من الأساتذة عدُّوا أنّ هنالك صعوبات تقنية وتنظيميّة/ 20% عدُّوا أنّه لا يوجد صعوبات/ 10% صعوبات إدارية  تتعلق بالتسجيل و حضور الطلاب في الكلية/ 13% صعوبات بسبب الوضع العام في البلاد/ 2% أجابوا بلا أعرف.

ولتبيان توصيات الأساتذة ومقترحاتهم: كان السؤال الآتي: ما هي اقتراحاتك لتحسين عملية التقويم في الجامعة اللبنانيّة؟

وكانت الإجابات الآتية:

  • المكننة والتسهيل الإداري.
  • إعادة هيكليّة وتجديد في المنهاج واعتماد أسلوب الفهم والتحليل لا الحفظ إضافة الى المشاريع المنفذة من قبل الطلاب.
  • اتباع نظام التقييم المستمر إضافةً الى التقييم النهائي.
  • عقد اجتماعات تنسيقيّة دورية بين أساتذة القسم، لتبادل المهارات وابتكار الأساليب والأفكار التي تفيد العمليّة التّربويّة، مع رفع تقرير عن أداء التلاميذ لكل مادة من الفصل من الناحية النظريّة والتطبيقيّة.
  • إجراء تدريب للأساتذة عن التقويم التّربويّ، وكذلك استخدام تكنولوجيا المعلومات من قبل جميع الأساتذة بالاضافة لزيادة موازنة الجامعة ليتسنى لها توفير الأدوات الأساسيّة اللازمة للعمليّة التّعليميّة (تجهيز المختبرات (…
  • تأمين تقنيات حديثة وفتح مجالات الزيارات الميدانية حول لتعزيز معلومات الأبحاث.

الخلاصة

يقتصر التقويم في قسم الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة، خصوصًا في سنوات الإجازة، على الامتحانات النهائيّة أو الاختبارات والحكم عليه بالنجاح أو الرسوب وفي أغلب الأحوال يضع الأستاذ جزءاً من العلامة على الحضور أو على الأبحاث، ولكن بالمحصلة تستأثر الامتحانات النهائية بالجزء الأكبر من العلامة وهذا النظام هو نتاج عملية متتابعة تبدأ أولاً بالأهداف التّعليميّة، ومن ثَمَّ بتطبيق وتنفيذ العمليّة التّعليميّة، وأخيرًا الحكم على العمليّة التّعليميّة بالنجاح أو الفشل، وبناء عليه يترفع الناجحين، أمّا الراسبون فقد يعيدون العام الدراسي نفسه مرة أخرى أو يتوقفون عن الدراسة، لذا فنظام التقويم الحاليّ لا يرقى إلى درجة التقويم، بل التقييم ونظم الامتحانات الحاليّة أصبحت آلية وقديمة، حيث إنها تقيس قدرات الطالب في لحظة معينة، أو تقيس قدرة واحدة من قدراته، أو جانب واحد من جوانب التعلم المعرفي وتتجاهل أنواع وجوانب وقدرات أخرى لدى المتعلم، والامتحانات الحاليّة (التقييم) هي امتحانات تجري على دورتين، نحكم بها على الطالب، وهي لا تسعى إلى تنمية أو علاج أو تعزيز المتعلم، ولا الى تحسين أسلوب الأستاذ، ولا الى تطوير العملية التعلميّة بشكل عام.

ومن خلال استبيان أساتذة الجامعة شمل 70% من أساتذة الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة تبين أنّهم:

  • جميعًا من حملة الدكتوراه.
  • إنّ 78% من الأساتذة عملوا قبل البَدء بالتعليم الجامعي وأنّ 53% منهم لم يعملوا في مجال التعليم.
  • تبلغ نسبة من الأساتذة الذين تقل خبرتهم في التعليم الجامعي عن 10 سنوات 16%، 64% من الأساتذة خبرتهم تتراوح بين 11 و20 سنة، أمّا الأساتذة الذين تفوق خبرتهم الـ21 سنة فهم يشكلون ما نسبته 20%.
  • تبلغ نسبة الأساتذة الذين خضعوا للإعداد التّربويّ 16% فقط أي 7 أساتذة من أصل 45 أستاذًا مستطلعًا، وأغلبهم من أساتذة الابتدائي والثانوي. 57% منهم لم يتلقوا إعدادًا في التقويم التّربويّ تحديدًا.
  • إن ما نسبته 54% من الأساتذة فقط تلقوا إعدادًا خلال ممارستهم التعليم الجامعي، 79% من الأساتذة يطبقون ما تعلموه عن التقويم التّربويّ.
  • تبلغ نسبة الأساتذة الذين ناقشوا موضوع التقويم في ما بينهم أو مع رئيس القسم 71%.
  • تبين أنّ 54% من أساتذة الجغرافيا في الجامعة اللبنانيّة يجدون أن هدف التقويم الأساسي هو تحسين العمليّة التّعليميّة.
  • إنّ 37% من الأساتذة يعدُّون أن القيام بعملية التقويم هو أساسيّ في نهاية العملية التعلميّة، أيّ أنّ قياس ما اكتسبه الطالب خلال التعليم هو الغاية الأبرز والأكثر أهمّية، بينما عدَّ 30% فقط من الأساتذة أنّ التقويم المستمر ضروري في كل مراحل العمليّة التّعليميّة  (قبل وأثناء وبعد).

التوصيات: تقع مسؤولية تطوير التعليم  في الجامعة اللبنانيّة وصولًا الى كليات نوعية، على عاتق جميع العاملين في الجامعة ، بالاعتماد على العديد من المخرجات، والتي أساسها الارتباط الواضح بين رسالة الجامعة ورؤيتها، وذلك من خلال النظام ومدخلاته وبالمخرجات التي يمكن قياسها. إنّ إمكانية قياس المخرجات وتقويمها باستخدام المناهج والأساليب العلميّة الدقيقة يساعد على تبيان وتحديد وفهم المشكلات وتشخيصها، ووضع الحلول المناسبة واتخاذ القرارات الصائبة، ويعمل على تطوير مدخلات وعمليات النّظام بشكل مستمر لتتلاءم مع رسالة المؤسسة المرتبطة بتحقيق التوقعات المرجوة من قِبل أفراد المجتمع والعاملين في المؤسسة، وتسعى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العالمية اليوم الى التميز الأكاديميّ في المخرج التعليمي والى الكليات النوعية وفي ما يلي بعض المقترحات:

  • إخضاع عضو هيئة التدريس للإعداد التّربويّ أسوة بالتعليم الثانوي والابتدائي.
  • تنويع أساليب التقويم في التعليم الجامعي.
  • زيادة الكفاءة الدّاخلية لنظام التعليم.
  • تغطية الدورات التدريبية في مجال التقويم لجميع أعضاء هيئة التدريس.
  • تقويم البرامج الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي، أيّ أن تنطلق من أسس عامة تشمل على مكونات البرنامج (الأهداف، المحتوى، التدريس، أساليب التقويم)، وتتضمن أيضًا عناصر مدخلات البرنامج ومخرجاته.

المراجع

– عقل، أنور(2002). تطوير أداء تقويم الطالب. دار النهضة العربية، بيروت.

– أبو زينة، فريد كامل (1998). أساسيات القياس والتقويم في التربية. مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

– الكثيري الفاضل بن حميدة (2006). المنهج التّربويّ ونظام التقييم. دار الهادي، بيروت، لبنان.

– لخضر زروق (2003). تقنيات الفعل التّربويّ ومقاربة الكفاءات. دار هومه، الجزائر.

– Black, Paul; Harrison, Christine; Lee, Clara; Marshall, Bethan and William, Dylan (2003). Assessment for Learning- putting it into practice. Maidenhead, U.K.: Open University Press.

[1] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة قسم الجغرافيا.

[2] – أستاذ دكتور في الجامعة اللبنانيّة كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة قسم الجغرافيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.