لِمَ نكتبُ أوراقنا الثّقافيّة؟ أ.د. دلال عبّاس

0

لِمَ نكتبُ أوراقنا الثّقافيّة؟

لأوراقنا الثّقافيّة هذه التي استوَتْ مجلّة، دورٌ يُراد لها أن تؤدّيه، هو دور المثاقفة، والتّبادل المعرفيّ بين الباحثين شيوخًا وشبّانًا، يفلّون التّراث، ويدرسون الحديث والمعاصر بعيونٍ رائيةٍ مستبصرة، لم يَعْتوِرْها مرضُ التحجّر ولا لوثةُ المعاصَرَة المنبتّة الصّلة بالماضي الممتدّ أزمنة متعاقبة متلاحقة، وما تمخّض عنها وفيها من أفكارٍ نيّرة كانت، ولا تزال عصيّةً على التّدجين.

“الأوراق” (مجازًا) مُهِمَّة أكانت أوراقَ برديٍّ أم سَعَف نخيل أم كتابة حجريّة في أطلال مدينة بائدة، لولاها لما انكشفت لنا أخبار الماضين، ولما عَرَفنا تلك الحضارات الّتي انبثقت آونةَ عُلّمَ آدمُ (الإنسان العاقل) الأسماءَ كلّها وتعقّل.

أوراقنا الثّقافيّة تدرس أوراقًا عمرها سنوات معدودة، وأوراقًا عمرها قرون، تستمدّ منها دروسًا وعِبرًا وأفكارًا ورؤى، تجاوزت مكانَ ولادتها وسبقت زمانها، فكانت معاصِرة قبل أن يَئِن الأوان على الرّغم من صُفرة لونها.

أوراقنا تبحث في العلومِ الإنسانيّة، والعلومُ الإنسانيّةُ آحادٌ موحَّدة وموحِّدة، واحدٌ مصدرُها.

أوراقنا هذه تدرس تاريخنا وتواريخ الآخرين، وما جرى بيننا وبينهم من نزاعٍ وجدالٍ وحوار، وتبحث في كيفيّة الخوض في عباب هذا التّاريخ لتنقيته من شوائبه، وفي الوسائل والأدوات، والمناهج التي يجب اجتراحها.

تقلّب أوراقنا الثّقافية أوراقَ اللّغة العربيّة لترى ما يميّزها من غيرها من اللّغات، وما الطّرق والأساليب الّتي يمكن انتهاجها لتطوير تعليمها، ولتخليصها من الشّوائب، ومن اليباس، ولماذا لم تتشظَّ  كاللاتينيّة، ولم تتحوّل لهجاتها العديدة إلى لغاتٍ مستقلّة؟

كيف أثّرت اللّغة العربيّة في غيرها من اللّغات، وتأثّرت بها لحظة خروجها من الحجاز إلى أنحاء العالم؛ ولماذا يعرف المُحدثون من الباحثين “دي سوسير” أكثر من معرفتهم بـ”ابن جنّيّ” وغيره من علماء العربيّة المبدعين؟

تبحث أوراقنا الثّقافيّة في أوراق الأدب العربيّ لتدرس مدى تأثيره في غيره من الآداب، وتأثّره بها، منذ بَدء عمليّة التّرجمة في العصر العبّاسيّ، وإلى يومنا الحاضر…

وهذا الأدب العربيّ الّذي كان في البداية شعرًا وقليلًا من النّثر الشّبيه بالشّعر، أو الّذي لم يصلنا منه سوى ما يسهُل حفظه، ما الّذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم، وما علاقة ماضيه بحاضره؟

وما هي الرّؤى الإنسانيّة الّتي تؤلّف بينه وبين الآداب الأجنبيّة من دون أن يكون هنالك صلةٌ قريبة، أو بعيدةٌ بين أدبائنا، وأدبائهم؟

آلاف الأسئلة تحتاج إلى إجاباتٍ وتنتظرُ أبحاثًا جديدةً، تُحدِّق في الأوراق كلّها، المدوّنة بالعربيّة، وبغيرها من اللّغات الحيّة، بعيون رائية وعقول مبصرة.

أ.د. دلال عبّاس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.